الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْقَوْمُ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ عَامَّتُهُمْ، وَأُصِيبَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ بِجِرَاحَاتٍ كَثِيرَةٍ فَتَحَامَلَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ سنة ثمان.
فصل: قال الواقدي في الحجة مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ- يَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ- رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهَا قَدِمَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ مِنْ عِنْدِ الْمُقَوْقِسِ وَمَعَهُ مَارِيَةُ وَسِيرِينُ وَقَدْ أَسْلَمَتَا فِي الطَّرِيقِ، وَغُلَامٌ خَصِيٌّ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ:
وَفِيهَا اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْبَرَهُ دَرَجَتَيْنِ وَمَقْعَدَهُ، قَالَ وَالثَّبَتُ عِنْدَنَا أَنَّهُ عُمِلَ فِي سنة ثمان.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ
سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَصْلٌ فِي إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَخَالِدِ بن الوليد، وعثمان بن طلحة بن أبى طلحة رضى الله عنهم
وكان قدومهم في أَوَائِلَ سَنَةِ ثَمَانٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي قَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ [1] وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا بَعْدَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جعفر عن أبيه قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: كُنْتُ لِلْإِسْلَامِ مُجَانِبًا مُعَانِدًا، حَضَرْتُ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ أُحُدًا فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ الْخَنْدَقَ فَنَجَوْتُ، قَالَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي كَمْ أُوضِعُ وَاللَّهِ ليظهرن محمدا على قريش فلحقت بمالي بالرهط وَأَقْلَلْتُ مِنَ النَّاسِ- أَيْ مِنْ لِقَائِهِمْ- فَلَمَّا حَضَرَ الْحُدَيْبِيَةُ وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصُّلْحِ، وَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ، جَعَلْتُ أَقُولُ يَدْخُلُ مُحَمَّدٌ قَابِلًا مَكَّةَ بِأَصْحَابِهِ مَا مَكَّةُ بِمَنْزِلٍ وَلَا الطَّائِفُ، وَلَا شيء خير من الخروج، وأنا بعد نائى عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَرَى لَوْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا لَمْ أُسْلِمْ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَجَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قَوْمِي وَكَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي وَيَسْمَعُونَ مِنِّي وَيُقَدِّمُونَنِي فِيمَا نَابَهُمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ كَيْفَ أَنَا فِيكُمْ؟ قالوا ذو رأينا ومدرهنا في يمن نفسه وبركة أمر، قالت قُلْتُ تَعْلَمُونَ أَنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ أَمْرًا يَعْلُو الْأُمُورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا قَالُوا وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ نَلْحَقُ بِالنَّجَاشِيِّ فَنَكُونُ مَعَهُ، فَإِنْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ كُنَّا عند النجاشي
[1] واسمه سلام بن أبى الحقيق أبو رافع الأعور قتله خمسة من أصحاب رسول الله بخيبر.
نكون تَحْتَ يَدِ النَّجَاشِيِّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ تَظْهَرْ قُرَيْشٌ فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، قَالُوا هَذَا الرَّأْيُ. قَالَ قُلْتُ فَاجْمَعُوا مَا نَهْدِيهِ لَهُ- وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ- فحملنا أَدَمًا كَثِيرًا ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النجاشي، فو الله إِنَّا لِعِنْدَهُ إِذْ جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ بَعَثَهُ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ يُزَوِّجُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، [1] فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ وَلَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذلك سرت قريش وكنت قد أجزأت عنها حتى قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَجَدْتُ لَهُ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَقَالَ مَرْحَبًا بِصَدِيقِي أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال قلت نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَهْدَيْتُ لَكَ أَدَمًا كَثِيرًا ثُمَّ قَدَّمْتُهُ فَأَعْجَبَهُ وَفَرَّقَ مِنْهُ شَيْئًا بَيْنَ بَطَارِقَتِهِ وَأَمَرَ بِسَائِرِهِ فَأُدْخِلَ فِي مَوْضِعٍ وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ وَيُحْتَفَظَ بِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ طِيبَ نَفْسِهِ قُلْتُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ وَهُوَ رَسُولُ عَدُوٍّ لَنَا قَدْ وَتَرَنَا وَقَتَلَ أَشْرَافَنَا وَخِيَارَنَا فَأَعْطِنِيهِ فَأَقْتُلَهُ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفِي ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ كَسَرَهُ، فَابْتَدَرَ مَنْخَرَايَ فَجَعَلْتُ أَتَلَقَّى الدَّمَ بِثِيَابِي فَأَصَابَنِي مِنَ الذُّلِّ مَا لَوِ انْشَقَّتْ بِيَ الْأَرْضُ دَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ، ثُمَّ قُلْتُ أَيُّهَا الْمَلِكُ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ مَا قُلْتُ مَا سَأَلَتُكَ، قَالَ فَاسْتَحْيَا وَقَالَ: يَا عَمْرُو تَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ مَنْ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَالَّذِي كَانَ يَأْتِي عِيسَى لِتَقْتُلَهُ؟ قَالَ عَمْرُو فَغَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي عَمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي عَرَفَ هذا الحق والعرب وَالْعَجَمُ وَتُخَالِفُ أَنْتَ ثُمَّ قُلْتُ أَتَشْهَدُ أَيُّهَا الْمَلِكُ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ أَشْهَدُ بِهِ عِنْدَ الله يا عمرو فأطعنى واتبعه فو الله إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، قُلْتُ أَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ نَعَمْ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَعَا بِطَسْتٍ فَغَسَلَ عَنِّي الدَّمَ وَكَسَانِي ثِيَابًا- وَكَانَتْ ثِيَابِي قَدِ امْتَلَأَتْ بِالدَّمِ فَأَلْقَيْتُهَا- ثُمَّ خَرَجْتُ عَلَى أَصْحَابِي فَلَمَّا رَأَوْا كِسْوَةَ النَّجَاشِيِّ سُرُّوا بِذَلِكَ وَقَالُوا هَلْ أَدْرَكْتَ مِنْ صَاحِبِكَ مَا أَرَدْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ كَرِهْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَقُلْتُ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا الرَّأْيُ مَا رأيت. قال ففارقتهم وكأنى أعمد الى حاجة فَعَمَدْتُ إِلَى مَوْضِعِ السُّفُنِ فَأَجِدُ سَفِينَةً قَدْ شُحِنَتْ تُدْفَعُ، قَالَ فَرَكِبْتُ مَعَهُمْ وَدَفَعُوهَا حَتَّى انتهوا الى الشعبة وَخَرَجْتُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَعِي نَفَقَةٌ، فَابْتَعْتُ بَعِيرًا وَخَرَجْتُ أُرِيدَ الْمَدِينَةَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، ثُمَّ مَضَيْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالْهَدَةِ فَإِذَا رَجُلَانِ قَدْ سَبَقَانِي بِغَيْرِ كَثِيرٍ يُرِيدَانِ مَنْزِلًا وَأَحَدُهُمَا دَاخِلٌ فِي الْخَيْمَةِ وَالْآخَرُ يُمْسِكُ الرَّاحِلَتَيْنِ، قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ قُلْتُ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ مُحَمَّدًا، دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ بِهِ طعم، والله لو أقمت
[1] هكذا في الأصل، وفي ابن هشام كان قد جاء في شأن جعفر وأصحابه، وفي السهيليّ أنه جاء بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيه دعوته الى الإسلام.