الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل العلم قبل الدعوة]
فصل
العلم قبل الدعوة فإذا عرف الداعية إلى الله تعالى ما يدعو إليه؛ فالواجب عليه قبل أن يباشر الدعوة إلى الله، ويخوض غمارها، ويدخل ساحتها: أن يتسلح بالعلم الشرعي، وهو ما أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الكتاب، والحكمة، ومعرفة ما أراد الله من ذلك وفهمه على نحو ما فهمه الصحابة والتابعون وأتباعهم من أئمة الهدى والدين في الأمة، حتى يحقق شرط البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن نجاح الدعوة إلى الله تعالى مرهون بهذا العلم الموروث عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي نقله إلينا أصحابه رضي الله عنهم أجمعين - نقلًا صحيحًا، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وكانوا أدرى الناس بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومراده، وكانوا معه في ظعنه وإقامته، وفي سلمه وحربه، وفي أيام فرحه وترحه، بل لم يفارقوه لا في خلوة ولا جلوة، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم على علم، وميزهم من بين عباده بما جبلهم عليه من الأمانة والصدق والفهم، وقد رضي عنهم وأرضاهم، وجعل قلوبهم بيضاء نقية أطهر قلوب العباد بعد قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا على الهدي المستقيم.
الوحي هو مصدر العلم: والمتأمل في نصوص الوحيين يجد أن الله تعالى قد جمع لنبيه صلى الله عليه وسلم أفضل علوم الأنبياء والمرسلين قبله وأصحها وأكملها، وزاده عليها مما
فيه هداية الخلق وصلاحهم ونفعهم في الدنيا والآخرة، وأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بمهمة التبليغ أتم قيام، وأداها أكمل أداء، فبين للأمة ما أنزل إليه من ربه: بقوله وفعله وتقريره بيانا شافيا لا مزيد عليه، فما من خير يعلمه لهم إلا دلهم عليه، وأرشدهم إليه، وما من شر يعلمه إلا حذرهم منه ونهاهم عنه، تحقيقا لقول الله تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128](1) .
وقول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44](2) .
ولما تلا الحسن البصري رحمه الله قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33](3) قال: " هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله "(4) .
مدى حاجة العباد إلى الرسل: وضرورة العباد إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه فوق كل حاجة، فإنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث، والصحيح من السقيم، من: الاعتقادات، والأقوال، والأفعال، والأحوال على التفصيل إلا من جهته صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل إلى الفوز بالسعادة في المعاش والمعاد إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم.
(1) التوبة: 128.
(2)
النحل: 44.
(3)
فصلت: 33.
(4)
انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4 / 102) .
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2](1) .
وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54](3) .
فأي حاجة فرضت، وأي ضرورة عرضت؛ فحاجة العباد، وضرورتهم إلى معرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهُدى ودين الحق فوقها بكثير، لأن الأنبياء هم المُبلّغون عن الله تعالى، وهذه المعرفة الضرورية لا تتحقق إلا بالعلم الصحيح، ولا يمكن للناس أن يعرفوا هذه الأمور إلا بالتعليم والدعوة، وهذه هي مهمة الدعاة إلى الله تعالى الذين ورثوا هذا العلم.
فعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (4) .
(1) الجمعة: 2.
(2)
الأعراف: 157.
(3)
النور: 54.
(4)
صحيح أخرجه: أحمد (36 / 46) ، وأبو داود (4 / 57، 4 / 414) ، وابن ماجه (1 / 81) .
انظر للفائدة والاستزادة: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (1 / 147) .