الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْعَرَبِيَّةِ
إن نشر الطبعة الأولى لهذا الكتاب، باللغة العربية، قد أظهر الاهتمام المتزايد الذي تحظى به في البلاد العربية والإسلامية بوجه عام المشكلات التي تمت إلى علم الاجتماع.
فالجيل الحاضر، يبدي أكثر فأكثر، رغبته في تفهم الوقائع الاجتماعية وآليتها.
لذلك فقد كان طبيعيا أن يبدي بعض قراء الطبعة الأولى رأيهم في الكيفية التي عالجت فيها بعض الوقائع.
ولقد لمست من خلال مناقشاتي مع هؤلاء القراء أن بعض التفسيرات التي قدمتها لهم عن تلك الوقائع لم تعطهم كل ما كنت أتمناه من التوضيح؟
وإن من هذه النقط التي تبين لي اكتنافها بشيء من الإبهام رغم ما أردت لها من الوضوح تلك التي تتصل بدور الفكرة الدينية كعامل اجتماعي يؤثر في توجيه التاريخ.
ولعلي لم أكن فيما عرضت لهذه النقطة في الطبعة السابقة قد أوفيتها حقها من التفصيل، وذلك لاقتناعي بالتفسير المختصر للدور الذي تقوم به الفكرة الدينية في التاريخ، ولما اعتمدت عليه من آراء لكسر لنج H.Kesserling في الموضوع، أعني تلك الآراء التي استخلصها من دور الفكرة المسيحية (1) في تركيب الحضارة الغربية.
وهكذا اتفقت آراء القراء على غموض هذه النقطة بالذات واقترحوا أن
(1) تناولت هذه الآراء في فصل "الدورة الخالدة"
بعقد فصل كامل في هذا الكتاب لتوضيح دور الفكرة الدينية في التاريخ. وحيث لا يسعني هنا إلا أن أؤيد هذه الملاحظات اعترافا مني بجدارتها.
فقد وددت أن أستغل فرصة الطبعة الثانية للكتاب لأضيف إليه فصلا يعالج بالخصوص أثر الفكرة الدينية في الدورة الحضارية معتمدا هذه المرة على الاعتبارات النفسية الاجتماعية بالإضافة إلى الاعتبارات التاريخية التي اقتنعنا بها في الطبعة السابقة.
ونحن حينما نتناول الأشياء على هذه الصورة، إنما نعطي للقارىء فرصة يلمس فيها بنفسه التأثير المباشر للفكرة الدينية في الوقائع النفسية الاجتماعية التي تكون ظاهرة التاريخ، فعندما نقول في فصل "من التكديس إلى البناء" إن الفكرة الدينية تتدخل كـ" مركب"( Cataliseur) ، في تركيب عناصر التاريخ فنحن في هذا نقرر حقيقة يؤيدها تاريخ الحضارات غير أن هذا التأييد سوف يأتي على صورة "شهادة" عن هذه الظاهرة وليس في صورة "تفسير" مقبول لها.
ومن هنا كان للقارىء بعض الحق في أن لا يقتنع بهذه " الشهادة" أي أن لا يقتنع بما يقول المؤرخ وحده دونما مزيد من التفاصيل عن الفكرة الدينية في عملها المباشر في صياغة النفوس التي تحرك التاريخ بما يختلج فيها.
من أجل ذلك فقد شعرت أن القارىء ينتظر في هذا الموضوع أكثر من شهادة التاريخ: إنه ينتظر وصفا تحليليا يجد فيه المعلومات التي تقدمها الدراسات الموضوعية لهذه الظاهرة. أعني الدراسة التي تتناول الأشياء في كنهها لا في مظهرها.
ولقد حاولت تلبية هذه الرغبة المحقة فخصصت في هذه الطبعة فصل " أثر الفكرة الدينية في مركب الحضارة". سالكا هذه المرة مسلك التحليل النفساني الذي يبين بوضوح أكبر جانب من " الظاهرة" في هذا المركب، إذ يكشف لنا عن التأثير المباشر للفكرة الدينية في خصائص الفرد النفسية.
وأنا في هذا لا أدعي أن هذه الطريقة تعطي للقارىء " معرفة رياضية" في
الموضوع، لأن هذا الموضوع لا مجال فيه للرياضيات حيث يتصل بعالم النفوس، وهو عالم يقصر العقل التجريدي عن أن يكشف سره تماما. غير أنه يمكننا القول بأن هذه الطريقة التي اتبعناها تعطي على الأقل للقارىء فرصة يتتبع فيها كيف تحدث عملية التركيب بتأثير الفكرة الدينية، وذلك بنظرة مباشرة تختلف عن نظرة التاريخ غير المباشرة.
ومما تنبغي الإشارة إليه هنا أن الفصل الذي تحدثنا فيه عن هذا الموضوع قد كتبناه في الحالة التي يكون فيها عالم الاجتماع الذي يحاول توضيح دور الفكرة الدينية في تكوين وتطوير الواقع الاجتماعي. مع العلم أن هذا الدور ليس هو كل شيء بالنسبة للفكرة الدينية. ذلك أننا قبل أن نشرع في البحث عن صلاتها بعالم الشهادة، قد تقبلنا أولا صلتها بعالم الغيب، وبعبارة أدق فإن الفكرة الدينية لا تقوم بدورها الاجتماعي إلا بقدر ما تكون متمسكة بقيمتها الغيبية في نظرنا، أي بقدر ما تكون معبرة عن نظرتنا إلى ما بعد الأشياء الأرضية. غير أن هذه النظرة ليست موضوع هذا البحث. فنحن قد خصصنا لها دراسة أخرى (1) ولذلك فإن بحثنا هنا سوف يقتصر على الجانب الاجتماعي.
ومن ناحية أخرى فإن القارىء سوف يجد في هذه الطبعة فصلا عقدناه لتوضيح العلاقة بين المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال. وذلك لإظهار أثره الكبير كعامل يحدد اتجاه الحضارة ورسالتها في التاريخ. وأظن أن هذا الفصل هو أول بحث تناول العلاقة بين المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال باعتبارها مقياسا من أهم مقاييس علم الاجتماع.
وبهذا فإننا نكون قد حققنا على قدر ما نستطيع إرادة القارىء في هذه الطبعة. ونحن نأمل أن نكون، فيما أضفناه من جديد، قد أشبعنا رغبات القراء التي تعتبر أحسن مسوغ لجهود المؤلف.
المعادي 30/ 10/ 1960
م. ب. ن.
(1) راجع كتاب الظاهرة القرآنية.