الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفُنُونُ الْجَمِيلَةِ
تبرز أهمية الفن الجميل في أحد موقفين: فهو إما داع إلى الفضيلة، وإما داع إلى الرذيلة، فإذا ما حددت الأخلاق مُثُله، وغذى الجمال وحيه، فينبغي عليه أن يحدد هو وسائله وصوره الفنية للتأثير في الأنفس.
ويبرز خطر الفن عندما يشرع في تقرير هذه الوسائل التي تجعله مربياً أو مفسداً، وذلك حسبما يختار من الصور والالحان- فالرقصة مثلاً إما أن تكون قصيدة شعرية، أو حركة جنسية، وهي على كل حال طريقة الطير في التقرب من أنثاه، وهي أيضا للرجل في شأنه مع المرأة.
غير أن الرقصة تطورت عند الانسان، فأصبح فيها شيء من الشعر عند اليونان، وشيء من التصوف في طقوس بعض الأديان، وفي كل هذه التطورات نجد الأخلاق قد حددت أهدافها ومراميها، وبقيت الوسيلة التي تعطي الرقصة صورتها الفنية، فالتقرب من المرأة قد يكون بغزل شريف، وقد يكون بغير ذلك، والهدف واحد، ومن المؤسف أن الرقصة عندنا قد أصبحت صورة جنسية فقط، بينما هي قد اتخذت لها عند اليونان صورة شعرية، وأصبحت في بلادنا أيضا مشوهة للذوق، لأنها اتخذت وسيلتها إلى النفوس الغريزة الجنسية فقط.
فإذا ما فهمنا الفن على هذه الصورة، فإننا نستطيع أن نوسع نطاقه حتى يشمل طريقة المشي في الشوارع، وكيفية شرب الماء، وكيفية التثاؤب في المجتمعات العامة، غير أن المجال لا يتسع لكي تضم هذه السطور القليلة كل هذا.
كذلك، فإننا نكتفي من الفن بمعناه الشائع، أي بما هو معتبر من مظاهر. المادية المنتشرة في البلاد الإسلامية اليوم، كالموسيقى، والغناء، والسينما، وغير ذلك.
وأحب أن أخص بالحديث الموسيقى والسينما، وهما اللذان يعتبران وسيلتين مؤثرتين من وسائل التهذيب الشعبي، مؤثرتان لأنهما موحيتان!! ..
إن أغلبية البلاد العربية تابعة لمصر في هاتين الناحيتين، فالسؤال إذن هو: ما قيمة الموسيقى والسينما في مصر؟ ..
لقد سمعنا ولا شك نحيب لأنوف، والشهيق الذي يتكرر ألف مرة، والذي يسمى بالموسيقى المصرية!!.
فهل هذا من الموسيقى؟ .. هذه ((الأشياء)) التي تتجاهل، بل تجهل المكان، والزمان، والفصول؟ ..
إنها لا تذكرنا بشيء في الواقع، بالحفيف الخفيف للربيع في الغابات! بتساقط أوراق الخريف الحزين!! .. بالبهجة الحارة في الصيف! بهياج العاصفة في البحر!. بدمدمة الرعد!. بالجحيم!. وبالنعيم!
…
أين العالم الذي تحدثنا عنه الموسيقى المصرية، التي تجهل حتى الخطوة العسكرية للجنود؟ .. إنه ليس في السماء .. وليس في الأرض بل لا يوجد في أي مكان!
إن الموسيقى المصرية ليست فنا متصلا بقيم أو بأشياء، بل هي فن يتصل بالعدم، إلا في بعض الأحوال الاستثنائية، في الظروف الأخيرة (1).
فأية قيمة تربوية يمكن أن نعترف لها بها في هذا العالم! عالمنا المكون من الزمان والمكان، ومن النوائب أيضا؟ ..
(1) يرى المؤلف أن الموسيقى الشرقية بعامة والمصرية بخاصة قد تحسنت كثيراً في هذه الأيام وهي في طريقها الذي يرجو أن يطرد نحو التغدم.
وهذا الفيلم المصري
…
ماذا أفادنا؟ وماذا اقترح علينا؟
أنا لا أريد أن أعتقد بأن الشعب المصري قد تجرد من حاسة التفرقة بين الجد والهزل، فكيف تنشأ فيه هذه المهازل! أو هذه الأفلام؟ ..
وأيا ما كان الأمر فإن البلاد العربية والإسلامية يجب أن تتحرر من هذا الغل الخلقي التهذيبي- وهو أخطر الأغلال- لكي تنقذ ذوقها الفني.
إننا نرى أن للفن الجميل دخلا حتى في الصور التي تختار لأطفالنا الصغار في كتبهم المدرسية، فلقد شاهدت صورة في كتاب مدرسي للأطفال يدرَّس في مصر (قبل الثورة) ويظهر فيه طفل ترافقه أخته، وهما ذاهبان إلى المدرسة ووراءهما خادم يحمل لهما حقيبتهما: فهذه صورة تبعث في نفس الطفل روح الاتكال واحتقار العمل والعاملين، وهي تصور ما يناسب حاجة (الباشوات) الذين كان بيدهم من قبل- ناصية الأمر لا سواد الشعب.
ولا شك في أن مثل هذه الصورة وسائل قتالة في وطن يحتاج إلى التهذيب، لا في سلالة الباشوات، ولكن في أبناء الشعب.
وقبل أن نفرغ من هذا الفصل نلفت النظر لمظهر آخر من مظاهر الحياة الفنية عندنا وذلك أننا لا نجمع في خدمتنا للفن بين الجهد والعبقرية، كان الكسل من ميزات الفن الجميل عندنا. وربما نعجب إذا سمعنا أن المقدرة والنبوغ في الفن هما نتيجة الكد الطويل، والجهد المستمر، والعمل الثابت، والاجتهاد في البحث، والانتقاد بقصد التحسين.
وليس من شك في أن المواهب الفطرية شرط واجب، إلا أنها ليست الشرط الوحيد، لأن المواهب وحدها وإن كانت تنير اسم الفنان إِلا أنها- من غير كد وجهد- تحرقه، وسرعان ما يصبح في ظلمات النسيان. وهكذا كان شأن بعض فنانينا، فإنهم أضاءوا لحظة، ثم أنطفأوا إلى الأبد، مع أنهم كانوا على جانب من المواهب، لو أنهم استخدموها في سبيل الفن، لكانوا بين الخالدين.
وهذه الإشارة إلى وجوب التوفيق بين المواهب والمجهودات الشخصية في ميدان الفن الجميل، نراها تنطبق أيضا في الرياضة، حيث نرى كثيرا من الرياضيين عندنا يطلبون الكسب العاجل، ولا يركنون إلى الجهد الطويل، فتذهب مواهبهم الغالية هباء منثورا.
وعلى كل فإنه يلزمنا أن نقرن بين الموهبة والقدرة لنحصل على شيء يكون جديرا باسم الفن.
إن الفن الذي ليس إلا رياء كاذباً، وتصنعاً مخلاً لبعض الفنانين الذين يهملون مظهرهم مبالغة في البساطة ليظهروا أصالتهم الفنية، هو من نفس المشرب الممثل في بعض شبابنا الرياضيين، حين يبالغون في تعقيد مظهرهم، بتقليد أبطال السينما في إِطالة الشعر، واستخدام العطور، والمساحيق أحيانا، بينما الرياضة تعني البساطة.
إِن هذا ليس من روح الفنون، بل هو من باب الجنون، وواجبنا أن نضرب على أيدي أولئك المتبطلين، فلا نسمح لهم بأن يشوهوا ذوقنا الفني باسم الفن، والفن منهم براء.