المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌دَوْرُ الْأَبْطَالِ إن عهود الملاحم كالأوديسة والألياذة ليست هي العهود التي - شروط النهضة

[مالك بن نبي]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْفِرَنْسِيَّةِ

- ‌مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْعَرَبِيَّةِ

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُالْحَاضِرُ وَالتَّارِيخُ

- ‌أُنْشُوْدَةٌ رَمَزَيَّةٌ

- ‌دَوْرُ الْأَبْطَالِ

- ‌دَوْرُ السِّيَاسَةِ وَالْفِكْرَةِ

- ‌الْبَابُ الثَّانِيَالْمُسْتَقْبَلُ

- ‌أُنْشُوْدَةٌ رَمَزَيَّةٌ

- ‌مِنَ التَّكْدِيسِ إِلَى الْبِنَاءِ

- ‌الدَّوْرَةُ الخَالِدَةُ

- ‌الْعُدَّةُ الدَّائِمَةُ

- ‌أَثَرُ الْفِكْرَةِ الدِّينِيَّةِ فِي تَكْوِينِ الْحَضَارَةِ

- ‌الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الْإِنْسَانُ

- ‌فِكْرَةُ التَّوْجِيهِ

- ‌تَوْجِيهُ الثَّقَافَةِ

- ‌التوجيه الأخلاقي

- ‌التَّوْجِيهُ الْجَمَالِيُّ

- ‌الْمَنْطِقُ الْعَمَلِيُّ*

- ‌الصِّنَاعَةُ

- ‌الْمَبْدَأُ الْأَخْلَاقِيُّ وَالذَّوْقُ الْجَمَالِيُّ فِي بِنَاءِ الْحَضَارَةِ

- ‌تَوْجِيهُ الْعَمَلِ

- ‌تَوْجِيهُ رَأْسِ الْمَالِ

- ‌مشكلة المرأة

- ‌مُشْكِلَةُ الزَّيِّ

- ‌الْفُنُونُ الْجَمِيلَةِ

- ‌الْعُنْصُرُ الثَّانِيَ: التُّرَابُ

- ‌الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْوَقْتُ

- ‌الْإِسْتِعْمَارُ وَالشُّعُوبُ الْمُسْتَعْمَرَةِ

- ‌الْمُعَامِلُ الإِسْتِعْمَارِيْ

- ‌مُعَامِلُ الْقَابِلِيَّةِ لِلِاسْتِعْمَارِ

- ‌مُشْكِلَةُ الْتَّكَيُّفِ

الفصل: ‌ ‌دَوْرُ الْأَبْطَالِ إن عهود الملاحم كالأوديسة والألياذة ليست هي العهود التي

‌دَوْرُ الْأَبْطَالِ

إن عهود الملاحم كالأوديسة والألياذة ليست هي العهود التي توجه فيها الشعوب طاقتها الاجتماعية نحو أهدافها الواقعية، سواء أكانت هذه الأهداف بعيدة أم قريبة.

بل هي تصرف في مثل هذه العهود طاقتها تسلية واشباعا لخيالاتها. وما جهود الأبطال الذين يقومون بأدوارهم في تلكم الملاحم إلا جهود من أجل الطموح واكتساب المجد أو إرضاء العقيدة، فهم لا يقاتلون مدركين أن نصرهم قريب، وأن طريقهم إلى تخليص مجتمعهم محدد واضح. فمجدهم هذا أقرب إلى الأسطورة منه إلى التاريخ.

ولو أننا سألنا أحدهم عن بواعث كفاحه، فإنه لا يستطيع أن يجد بكل وضوح المبررات التي تتصل عادة بالأعمال التاريخية، فهو يعلم أن مجهوداته كلها تذهب هباء، غير أن دوافعه الدينية وشرفه الإنساني قد حتما عليه مثل هذا السير.

ولقد كان دور الشعوب الإسلامية أمام الزحف الاستعماري خلال القرن الماضي وحتى الربع الأول من هذا القرن دورا بطوليا فقط. ومن طبيعة هذا الدور أنه لا يلتفت إلى حل المشاكل التي مهدت للاستعمار وتغلغله داخل البلاد.

إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها

وما الحضارات المعاصرة، والحضارات أو تهدمها

وما الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي، والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ

ص: 19

فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض إلى آخر وريث له فيها، ويا لها سلسلة من النور! .. تتمثل فيها جهود الأجيال المتعاقبة في خطواتها، المتصلة في سبيل الرقي والتقدم.

هكذا تلعب الشعوب دورها، وكل واحد منها يُبعث ليكوّن حلقته في سلسلة الحضارات، حينما تدق ساعة البعث معلنة قيام حضارة جديدة، ومؤذنة بزوال أخرى.

وما أجلّ هذه الساعة!. حينما تؤذن بفجر جديد من المدنية، وما أهولها من ساعة حينما تعلن غروب أخرى!. وهكذا كان شأن الجزائر عام 1830، فقد مضى على أفول شمسها زمن بعيد، وقضت في ليلها وقتا ليس بالقصير، ومن عادة التاريخ ألا يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإِنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا، وتزعجها حينا آخر؛ تطربها إذ ترى في منامها أبطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة في سلطة جبار عنيد.

فعندما برق في أفقنا فرس الأمير (عبد القادر) في وثبته الرائعة كان الليل قد انتصف منذ وقت طويل ثم اختفى سريعا شبح البطل الأسطوري كأنه حلم طواه النوم.

ثم توالت أشباح أخرى في موجة من الأحلام. تستمد مغزاها الأليم من تقاليد شعب بطل، أحب دائما الفرس والبارود، وكان تتابعها على الأخص في البوادي، حيث الخيل المسومة، والمجال الفسيح متوفران لدى القبائل.

فالرابطة القبلية قد ظلت وحدها الرابطة الوثيقة التي توحد بعض الرجال فيما يشبه وحدة رسالة، غير أن هذه الرابطة لم تكن بكافية لتأهيل شعب ليؤدي رسالة تاريخية، وإن كانت أهلته للقيام برواية حماسية رائعة، ولكن التاريخ يقرر أن الشعب الذي لم يقم برسالته، أي بدوره في تلك السلسلة، ما عليه إلا أن يخضع ويذل.

ص: 20

ولم يكن هناك في الحقيقة من يسجل هذه الحقبة من كفاح الشعوب ضد الاستعمار سوى هؤلاء المجاهدين من رجال القبائل، ولقد كان الأمير (عبد الكريم الخطابي) آخر من ارتشف من كأس البطولة الموروثة عن أجدادنا الأول، ولم يبق بعده باق ممن يهبون للنضال ضد المستعمر، من أجل البطولة المجردة، في سبيل الخلود، على سنة الذين عقدوا ألويتهم للكفاح، فقد كانت القبائل العربية البربرية تقاتل معه لا من أجل البقاء، ولكن في سبيل الخلود، ولقد كتب لها الخلود بما أوتيت من روح رفعتها فوق الهاوية، حيث هوى الآخرون، من الشعوب التي غمرتها موجة الاستعمار. فليسأل السائل عن مصير القبائل الأمريكية قبل كريستوف كولومب، أين هي؟ لقد أصبحت أحاديث وتمزقت كل ممزق، ودفنها التاريخ في طياته، حيث استقرت في ضميره نسيا منسيا، ونحن نرى في زوالها وانحلالها خير شاهد على أن الإسلام بما انطوى عليه من قوة روحية، كان للذين يتمسكون به درعا من أن تحطمهم الأيام، أو يذوبوا في بوتقة المستعمِر، يتقمصون شخصيته.

ولكن شمس المثالية ما تزال تواصل سيرها، وسرعان ما انبلج الفجر في الأفق الذي يدعو فيه المؤذن إلى الفلاح، كل صباح، ففي هدأة الليل، وفي سبات الأمة الإسلامية العميق، انبعث من بلاد الأفغان صوت ينادي بفجر جديد، صوت ينادي: حيَّ على الفلاح! فكان رجعه في كل مكان، إنه صوت (جمال الدين الأفغاني) موقظ هذه الأمة إلى نهضة جديدة، ويوم جديد.

***

ص: 21