المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من التكديس إلى البناء - شروط النهضة

[مالك بن نبي]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْفِرَنْسِيَّةِ

- ‌مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْعَرَبِيَّةِ

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُالْحَاضِرُ وَالتَّارِيخُ

- ‌أُنْشُوْدَةٌ رَمَزَيَّةٌ

- ‌دَوْرُ الْأَبْطَالِ

- ‌دَوْرُ السِّيَاسَةِ وَالْفِكْرَةِ

- ‌الْبَابُ الثَّانِيَالْمُسْتَقْبَلُ

- ‌أُنْشُوْدَةٌ رَمَزَيَّةٌ

- ‌مِنَ التَّكْدِيسِ إِلَى الْبِنَاءِ

- ‌الدَّوْرَةُ الخَالِدَةُ

- ‌الْعُدَّةُ الدَّائِمَةُ

- ‌أَثَرُ الْفِكْرَةِ الدِّينِيَّةِ فِي تَكْوِينِ الْحَضَارَةِ

- ‌الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الْإِنْسَانُ

- ‌فِكْرَةُ التَّوْجِيهِ

- ‌تَوْجِيهُ الثَّقَافَةِ

- ‌التوجيه الأخلاقي

- ‌التَّوْجِيهُ الْجَمَالِيُّ

- ‌الْمَنْطِقُ الْعَمَلِيُّ*

- ‌الصِّنَاعَةُ

- ‌الْمَبْدَأُ الْأَخْلَاقِيُّ وَالذَّوْقُ الْجَمَالِيُّ فِي بِنَاءِ الْحَضَارَةِ

- ‌تَوْجِيهُ الْعَمَلِ

- ‌تَوْجِيهُ رَأْسِ الْمَالِ

- ‌مشكلة المرأة

- ‌مُشْكِلَةُ الزَّيِّ

- ‌الْفُنُونُ الْجَمِيلَةِ

- ‌الْعُنْصُرُ الثَّانِيَ: التُّرَابُ

- ‌الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْوَقْتُ

- ‌الْإِسْتِعْمَارُ وَالشُّعُوبُ الْمُسْتَعْمَرَةِ

- ‌الْمُعَامِلُ الإِسْتِعْمَارِيْ

- ‌مُعَامِلُ الْقَابِلِيَّةِ لِلِاسْتِعْمَارِ

- ‌مُشْكِلَةُ الْتَّكَيُّفِ

الفصل: ‌من التكديس إلى البناء

‌مِنَ التَّكْدِيسِ إِلَى الْبِنَاءِ

لقد ظل العالم الإسلامي خارج التاريخ دهرا طويلا كأن لم يكن له هدف، استسلم المريض للمرض، وفقد شعوره بالألم حتى كأنه يؤلف جزءا من كيانه. وقبيل ميلاد هذا القرن سمع من يذكّره بمرضه، ومن يحدثه عن العناية الإلهية التي استقرت على وسادته، فلم يلبث أن خرج من سباته العميق ولديه الشعور بالألم. وبهذه الصحوة الخافتة تبدأ بالنسبة للعالم الإسلامي حقبة تاريخية جديدة يطلق عليها: النهضة. ولكن ما مدلول هذه الصحوة؟ إن من الواجب أن نضع نصب أعيننا "المرض" بالمصطلح الطبي لكي تكون لدينا عنه فكرة سليمة: فإن الحديث عن المرض أو الشعور به لا يعني بداهة "الدواء".

ونقطة الانطلاق هي ان الخمسين عاما الماضية تفسر لنا الحالة الراهنة التي يوجد فيها العالم الإسلامي اليوم، والتي يمكن أن تفسر بطريقتين متعارضتين: فهي من ناحية: النتيجة الموفقة للجهود المبذولة طوال نصف قرن من الزمان من أجل النهضة.

وهي من ناحية أخرى: النتيجة الخائبة لتطور استمر خلال هذه الحقبة، دون أن تشترك الآراء في تحديد أهدافه أو اتجاهاته.

ومن الممكن أن نفحص الآن سجلات هذه الحقبة، ففيها كثير من الوثائق والدراسات، ومقالات الصحف، والمؤتمرات التي تتصل بموضوغ النهضة.

هذه الدراسات تعالج الاستعمار والجهل هنا، والفقر والبؤس هناك، وانعدام التنظيم، واختلال الاقتصاد أو السياسة في مناسبة أخرى ولكن ليس فيها تحليل منهجي للمرض، أعني دراسة مرضية للمجتمع الإسلامي، بحيث لا تدع مجالاً للظن حول المرض الذي يتألم منه منذ قرون.

ص: 40

ففي الوثائق نجد أن كل مصلح قد وصف الوضع الراهن تبعا لرأيه أو مزاجه أو مهنته. فرأي رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني: أن المشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بينما قد رأى رجل دينٍ كالشيخ محمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ .. الخ

على حين أن كل هذا التشخيص لا يتنناول في الحقيقة المرض، بل يتحدث عن أعراضه.

وقد نتج عن هذا أنهم منذ خمسين عاما لا يعالجون المرض، وإنما يعالجون الأعراض، وقد كانت النتيجة قريبة من تلك التي يحصل عليها طبيب يواجه حالة مريض بالسل الجرثومي، فلا يهتم بمكافحة الجراثيم، وانما يهتم بهيجان الحمى عند المريض. والمريض نفسه يريد منذ خمسين عاما أن يبرأ من آلام كثيرة: من الاستعمار، من الأمية، من الكساح العقلي، من

وهو لا يعرف حقيقة مرضه، ولم يحاول أن يعرفه، بل كل ما في الأمر أنه شعر بألم، فاشتد في الجري نحو الصيدلي، أي صيدلي يأخذ من آلاف الزجاجات، ليواجه آلاف الآلام.

وليس هناك في الواقع سوى طريقتين لوضع نهاية لهذه الحالة المرضية فإما القضاء على المرض، وإما إعدام المريض.

ولنا أن نتساءل حينئذ إذا ما كان المريض الذي دخل الصيدلية دون أن يدرك مرضه على وجه التحديد، سيذهب بمحض الصدفة لكي يقضي على المرض، أو يقضي على نفسه؟

هذا شأن العالم الإسلامي: إنه دخل إلى صيدلية الحضارة الغربية طالبا الشفاء، ولكن من أي مرض؟ وبأي دواء؟ وبدهي أننا لا نعرف شيئا عن مدة علاج كهذا، ولكن الحالة التي تطّرد هكذا تحت أنظارنا منذ نصف قرن، لها دلالة اجتماعية يجب أن تكون موضع تأمل وتحليل. وفي الوقت الذي نقوم فيه بهذا التحليل يمكننا أن نفهم المعنى الواقعي لتلك الحقبة التاريخية التي نحياها، ويمكننا أيضا أن نفهم التعديل الذي ينبغي أن يضاف إليها.

ص: 41

فيجوز لنا أن نطلق على هذه الحقبة أنها (بادرة حضارة)، أو بلغة علم الإلاهيات (مرحلة إرهاص) وجه فيها العالم الاسلامي جهوده الاجتماعية هادفا إلى تحصيل حضارة.

فقد قرر على هذا ضمنا ان اتجاهه هذا يمثل بالتحديد علاج مرضه، ونحن لا يسعنا إلا أن نوافقه على هذا دون أن نفعل سوى تقرير الواقع (1)، بيد أننا نريد هكذا أيضا أن نحدد المرض ضمنا، ثم ندع للصدفة المجال اللازم لها في حالة ما إذا المريض الذي لجأ إلى الصيدلية، لكي يبرأ- كما قلنا- من مرض لا يعرف عنه شيئا محددا، سيبرأ مصادفة بدواء يتعاطاه من القنائن.

فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا (حبة) ضد الجهل، ويأخذ هناك (قرصا) ضد الاستعمار، وفي مكان قصي يتناول (عقارا) كي يشفى من الفقر، فهو يبني هنا مدرسة، ويطالب هنالك باستقلاله، وينشيء في بقعة قاصية مصنعا. ولكنا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء، أي أننا لن نجد حضارة. ومع ذلد فهناك جهود محمودة يمكن أن نلاحظ من خلالها السلبية النسبية لجهود العالم الإسلامي، حين نقارنها بجهود اليابان مثلاً، منذ خمسين عاما، أو جهود الصين منذ عشر سنوات، فهناك شيء من الغرابة في الحالة التي نفحصها مما يدفعنا إِلى تفهم كيفية سيرها (وآليتها) ومن أجل هذا يجب أن نعرف المقياس العام لعملية الحضارة، ليلقي لنا ضوءا كاشفا على (السلبية النسبية) وانعدام الفاعلية في جهود المجتمع الإسلامي. إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن:" الحضارة هي التي تلد منتجاتها " وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة، حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها.

يضاف إلى هذا أن القاعدة في علم الاجتماع ليست كنظيرتها في علم الرياضة، حدا صارما بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، ولكنها مجرد توجيه

(1) يمكن معرفة نظرية المؤلف مفصلة عن المرضوع في كتابه "الأفريقية الآسيوية" الجزء الأول- الفصل الثالث حيث أن مشكلة الإنسان هي مشكلة الحضارة فقط.

ص: 42

عام يمكن به تجنب الأغلاط الفاحشة، إذ لا يمكن أن يوجد حد دقيق بين حضارة تتكون، وبين حضارة تكونت فعلاً. ونحن في القرن العشرين نعيش في عالم يبدو فيه امتداد الحضارة الغربية قانونا تاريخيا لعصرنا. ففي الحجرة التي كتب فيها الآن كل شيء غربي. فيما عدا (القلة) التي أراها أمامي. فمن العبث إذن أن نضع ستارا حديديا بين الحضارة التي يريد تحقيقها العالم الاسلامي، والحضارة الحديثة.

ولكن هذا يجسم المشكلة بأكملها، فليس من الواجب لكي ننشىء حضارة أن نشتري كل منتجات الأخرى. فإن هذا يعكس القضية التي سبق أن قررناها، وهو يقود في النهاية إلى عملية محالة كما وكيفا:

فمن ناحية الكيف: تنتج الاحالة من أن أي حضارة لا يمكن أن تبيع جملة واحدة لأشياء التي تنتجها، ومشتملات هذه الاشياء. أي أنها لا يمكن أن تبيعنا روحها وأفكارها وثرواتها الذاتية، وأذواقها، هذا الحشد من الأفكار والمعاني التي لا تلمسها الأنامل. والتي توجد في الكتب أو في المؤسسات، ولكن بدونها تصبح كل الأشياء التي تبيعنا إياها فارغة، دون روح، وبغير هدف.

وهي بوجه خاص تمنحنا ذلك العديد الهائل من العلائق التي لا توصف، والتي تبعثها أي حضارة داخل أشيائها وأفكارها من جانب، وبين هاتين المجموعتين والإنسان من جانب آخر.

وفي استخدامنا للمصطلحات البيولوجية نجد أن الحضارة مجموعة من العلائق بين المجال الحيوي (البيولوجي) حيث ينشأ ويتقوى هيكلها، وبين المجال الفكري حيث تولد وتنمو روحها؛ فعندما نشتري منتجاتها فإنها تمنحنا هيكلها وجسدها لا روحها.

ومن ناحية الكم: لن تكون الإحالة أقل، فليس من الممكن أن نتخيل العديد الهائل من الأشياء التي نشتريها، ولا أن نجد رأس المال الذي ندفعه فيها.

ولئن سلمنا بإمكان هذا فإنه سيؤدي قطعا إلى الاحالة المزدوجة، فينتهي بنا الأمر

ص: 43

إلى ما أسميه (الحضارة الشيئية) إلى جانب أنه يؤدي إلى "تكديس" هذه الأشياء الحضارية. ومن البين أن العالم الإسلامي يعمل منذ نصف قرن على جمع أكوام من منتجات الحضارة، أكثر من أن يهدف إلى بناء حضارة، وقد تنتهي هذه العملية ضمنا إلى أن نحصل على نتيجة ما، بمقتضى ما يسمى بقانون الأعداد الكبيرة، أعني قانون الصدقة، فكوم ضخم من المنتجات المتزايدة دائما، يمكن أن يحقق على طول الزمن، وبدون قصد (حالة حضارة)، ولكنا نرى فرقا شاسعا بين هذه الحالة الحضارية، وبين تجربة مخططة كتلك التي ارتسمتها روسيا منذ أربعين عاما، والصين منذ عشر سنوات، هذه التجربة تبرهن على أن الواقع الاجتماعي خاضع لنهج فني معين، تطبق عليه فيه قوانين (الكيمياء الحيوية) و (الديناميكية الخاصة) سواء في تكونه أم في تطوره.

ومن المعلوم أن عملية التحلل الطبيعي (للأورانيوم) لا تدخل في نطاق القياس الزمني للانسان، اذ ان كمية معينة من هذه المادة، ولتكن جراما، يتحلل نصفها طبيعيا خلال أربعة مليارات وأربعمائة مليونا من السنين. ولكن العمل الكيميائي قد توصل إلى أن تتم العملية الفنية للتحلل في بضع ثوان.

وبالمثل نجد أن عوامل التعجيل بالحركة الطبيعية بدأت تلعب دورها الكامل في دراسات الاجتماع، كما هو مشاهد في التجربة الخالدة لليابان، فمن عام 1868 إلى 1905 انتقلت من مرحلة العصور الوسطى. أو ما سبق أن أطلقت عليه (بادرة الحضارة) إلى الحضارة الحديثة. فالعالم الاسلامي يريد أن يجتاز نفس المرحلة بمعنى أنه يريد انجاز مهمة (تركيب) الحضارة في زمن معين، ولذا يجب عليه أن يقتبس من الكيمياوي طريقته، فهو يحلل أولا المنتجات التي يريد أن يجري عليها بعد ذلك عملية التركيب. فإذا سلكنا هنا هذا المسلك قررنا أن كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية:

ناتج حضاري = انسان + تراب (1) + وقت.

(1) تجنبنا قصدا ان نستخدم في هذه المعادلة مصطلح (مادة) وفضلنا عليه مصطلع (تراب)

=

ص: 44

ففي المصباح مثلاً يوجد الإنسان خلف العملية العلمية والصناعية، التي يعتبر المصباح ثمرتها، والتراب في عناصره من موصل وعازل، وهو يتدخل بعنصره الأول في نشأة الإنسان العضوية، والوقت (مناط) يبرز في جميع العمليات البيولوجية والتكنولوجية، وهو ينتج المصباح بمساعدة العنصرين الأولين: الإنسان والتراب.

فالصيغة صادقة بالنسبة لأي ناتج حضاري، وإذا ما درسنا هذه المنتجات حسب طريقة الجمع المستخدمة في الحساب، فسننتهي حتما إلى ثلاثة أعمدة ذات علاقة وظيفية:

حضارة = إنسان + تراب + وقت.

وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إِلى أن مشكلة الحضارة تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشاكلة الإنسان، مشكلة التراب، مشكلة الوقت. فلكي نقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات، وإنما بأن نحل هذه المشكلات الثلاثة من أساسها. ومع ذلك فإن هذه الصيغة تثير عند التطبيق اعتراضا هاما هو: إذا كانت الحضارة في مجموعها ناتجا للإنسان والتراب والوقت، فلم لا يوجد هذا الناتج تلقائيا حيثما توفرت- هذه العناصر الثلاثة؟

وإنه لعجب يزيله اقتباسنا للتحليل الكيماوي:

فالماء في الحقيقة نتاج للأدروجين والأكسجين، وبرغم هذا فهما لا يكونانه تلقائيا، فقد قالوا إن تركيب الماء يخضع لقانون معين يقتضي تدخل (مركب) ما، بدونه لا تتم عملية تكون الماء. وبالمثل لنا الحق في أن نقول: إن هناك ما يطلق

=

والغرض من هذا الاختيار هو تحاشي اللبس في كلمة (مادة): حيث أنها تعني في باب الأخلاق مفهوما مقابلا لكلمة (روح). وتعني في باب العلوم مفهوما ضد مفهوم كلمة "طاقة". وفي الفلسفة نجدما تعطي فكرة هي نقيض ما يطلق عليه اسم، المثالية،.

وعلى العكس من ذلك، لم يتطور مفهوم لفظ "تراب" الا قليلا، واحتفظ من حيث معنى المفردة ببساطة جعلته صالحا لأن يدل بصورة اكثر تحديدا على هذا الموضوع الاجتماعي. على أن هذا المطلح قد ضم هنا بهذه البساطة مظهرا قانونيا يخص تشريع الارض في اي بلد، ومظهرا فنيا يخص طرق استعماله. وهذان المظهران يمثلان مشكلة التراب.

ص: 45

عليه (مركِّب الحضارة) أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، فكما يدل عليه التحليل التاريخي الآتي مفصلا، نجد أن هذا (المركِّب) موجود فعلا، هو الفكرة الدينية التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ، فإذا اتضح صدق هذه الاعتبارات عن التفاعل الكيميائي الحيوي وعن ديناميكية الواقع الاجتماعي كان لنا أن نخطط بطريقة ما، مجال تطوره كاطراد مادي نعرف قانونه. وفي الوقت تفسه يسمح لنا ذلك بالقضاء على بعض الأخطاء التي يشعها ما يطلق عليه (أدب الكفاح) في العالم الاسلامي، حيث يزكي ضمنا الاتجاه نحو التكديس.

من هذا الأدب الذي يبدي أحيانا الايمان المضطرم، والأصالة الصادقة، يتحول (التكديس) من نطاق الأحداث البسيطة الناتجة عن الصدفة، إلى نطاق الفكرة الموجهة، لقد هضمناه جملة، وتمثلناه في سلوكنا. ولنقرأ مثلا العبارة التالية (1):((لقد سار العالم العربي في طريق هذه الحضارة، التي يسميها الناس "الحضارة الغربية" وما هي إلا حضارة إنسانية استمدت أسسها من حضارات انسانية عديدة، ومنها الحضارة العربية الإسلامية، وساهم ويساهم في إغنائها شرقيون وغربيون، ملاحدة ومؤمنون، ولا رجوع للعالم العربي عن هذا الطريق ولانكسة)).

لا شك اننا نتذوق الجمال الأدبي، والتوقيع الموسيقي في هذه العبارة، ولكن أخشى ما نخشاه أنها تترجم عن تفاؤلية صالحة لأن تقلل في أذهاننا من خطورة المشكلة.

أخشى ما نخشاه أن تنسينا أن كل ما ساهمنا ونساهم به في الإطار الغربي الذي نعيش فيه اليوم هو (القلة)، والقلة فقط.

وأخشى ما نخشاه أخيرا من تفاؤلية كهذ تدعيمها وتكثيرها للاتجاهات المؤسفة نحو "التكديس" في العالم الاسلامي.

(1) من كتاب: "هذا العالم العربي"[ص:314] تأليف الاستاذين نبيه فارس وتوفيق حسين.

ص: 46