المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌العنصر الثالث: الوقت - شروط النهضة

[مالك بن نبي]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْفِرَنْسِيَّةِ

- ‌مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْعَرَبِيَّةِ

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُالْحَاضِرُ وَالتَّارِيخُ

- ‌أُنْشُوْدَةٌ رَمَزَيَّةٌ

- ‌دَوْرُ الْأَبْطَالِ

- ‌دَوْرُ السِّيَاسَةِ وَالْفِكْرَةِ

- ‌الْبَابُ الثَّانِيَالْمُسْتَقْبَلُ

- ‌أُنْشُوْدَةٌ رَمَزَيَّةٌ

- ‌مِنَ التَّكْدِيسِ إِلَى الْبِنَاءِ

- ‌الدَّوْرَةُ الخَالِدَةُ

- ‌الْعُدَّةُ الدَّائِمَةُ

- ‌أَثَرُ الْفِكْرَةِ الدِّينِيَّةِ فِي تَكْوِينِ الْحَضَارَةِ

- ‌الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الْإِنْسَانُ

- ‌فِكْرَةُ التَّوْجِيهِ

- ‌تَوْجِيهُ الثَّقَافَةِ

- ‌التوجيه الأخلاقي

- ‌التَّوْجِيهُ الْجَمَالِيُّ

- ‌الْمَنْطِقُ الْعَمَلِيُّ*

- ‌الصِّنَاعَةُ

- ‌الْمَبْدَأُ الْأَخْلَاقِيُّ وَالذَّوْقُ الْجَمَالِيُّ فِي بِنَاءِ الْحَضَارَةِ

- ‌تَوْجِيهُ الْعَمَلِ

- ‌تَوْجِيهُ رَأْسِ الْمَالِ

- ‌مشكلة المرأة

- ‌مُشْكِلَةُ الزَّيِّ

- ‌الْفُنُونُ الْجَمِيلَةِ

- ‌الْعُنْصُرُ الثَّانِيَ: التُّرَابُ

- ‌الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْوَقْتُ

- ‌الْإِسْتِعْمَارُ وَالشُّعُوبُ الْمُسْتَعْمَرَةِ

- ‌الْمُعَامِلُ الإِسْتِعْمَارِيْ

- ‌مُعَامِلُ الْقَابِلِيَّةِ لِلِاسْتِعْمَارِ

- ‌مُشْكِلَةُ الْتَّكَيُّفِ

الفصل: ‌العنصر الثالث: الوقت

‌الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْوَقْتُ

ص: 137

"ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد: وعلى عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة

"

((حديث شريف))

الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل!

فهو يمر خلال المدن، يغذي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يذلل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباء، وهو يتدفق على السواء في أرض كل شعب، ومجال كل فرد، بفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجال ما يصير ((ثروة))، وفي مجال آخر يتحول عدماً. فهو يمرق خلال الحياة، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحها له ما أنجز فيه من أعمال.

ولكنه نهر صامت، حتى إننا ننساه أحيانا، وتنسى الحضارات، في ساعات الغفلة أو نشوة الحظ قيمته التي لا تعوض.

ومع ذلك ففي ساعات الخطر في التاريخ، تمتزج قيمة الزمن بغريزة المحافظة على البقاء، إذا استيقظت، ففي هذه الساعات التي تحدث فيها انتفاضات الشعوب، لا يقوم الوقت بالمال، كما ينتفي عنه معنى العدم؛ إنه يصبح جوهر الحياة الذي لا يُقدَّر.

وحينما لا يكون الوقت من أجل الإثراء أو تحصيل النعم الفانية أعني حينما يكون لازما للمحافظة على البقاء، أو لتحقيق الخلود، والانتصار على الأخطار، يسمع الناس فجأة صوت الساعات الهاربة، ويدركون قيمتها التي لا تعوض، ففي هذه الساعات، لا تهم الناس الثروة، أو السعادة، أو الألم، وإنما الساعات

ص: 139

نفسها، فيتحدثون حينئذ عن ((ساعات العمل))؛ أعني العملة الوحيدة المطلقة التي لا تبطل، ولا تُسترد إذا ضاعت: إن العملة الذهبية يمكن أن تضيع، وأن يجدها المرء بعد ضياعها، ولكن لا تستطيع أي قوة في العالم أن تحطم دقيقة، ولا أن تستعيدها إذا مضت.

وحظ الشعب العربي والإسلامي من الساعات كحظ أي شعب متحضر، ولكن

عندما يدق الناقوس مناديا الرجال، والنساء، والأطفال إلى مجالات العمل، في البلاد المتحضرة

أين يذهب الشعب الإسلامي؟! تلكم هي المسألة المؤلمة

فنحن في العالم الإسلامي نعرف شيئاً يسمى "الوقت"!. ولكنه الوقت الذي ينتهي إلى عدم، لأننا لا ندرك معناه، ولا تجزئته الفنية. لأننا لا ندرك قيمة أجزائه من ساعة ودقيقة، وثانية، ولسنا نعرف إلى الآن فكرة "الزمن" الذي يتصل اتصالاً وثيقا بالتاريخ، مع أن فلكيا عربيا مسلما هو ((أبو الحسن المراكشي)) يعتبر أول من أدرك هذه الفكرة الوثيقة الصلة بنهضة العلم المادي في عصرنا.

وبتحديد فكرة الزمن، يتحدد معنى التأثير والإنتاج، وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا.

هذا المعنى الذي لم نكسبه بعد، هو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط، في تكوين المعاني والأشياء.

فالحياة والتاريخ الخاضعان للتوقيت كان وما يزال يفوتنا قطارهما، فنحن في حاجة ملحة إلى توقيت دقيق، وخطوات واسعة لكي نعوض تأخرنا.

وإنما يكون ذلك بتحديد المنطقة التي ترويها ساعات معينة من الساعات الأربع والعشرين التي تمر على أرضنا يومياً.

إن وقتنا الزاحف صوب التاريخ. لا يجب أن يضيع هباء، كما يهرب الماء من ساقية خربة. ولا شك أن التربية هي الوسيلة الضرورية التي تعلم الشعب العربي الاسلامي تماما قيمة هذا الأمر، ولكن بأية وسيلة تربوية؟ ....

ص: 140

إن من الصعب أن يسمع شعب ثرثار الصوت الصامت لخطى الوقت الهارب!! ..

ومع ذلك فكل علم له مرحلته التجريبية التي تتصف بالاحتمال والمحاولة، وهما يسبقان ضرورة الفكرة الواضحة التي يستخلصها العقل في المرحلة التالية. فينبغي أن نحدد التجربة المطابقة لمقتضى الحال لكي نعلم " المسلم " علم الزمن، فنعلم الطفل والمرأة والرجل تخصيص نصف ساعة يوميا لأداء واجب معين، فإذا خصص كل فرد هذا الجزء من يومه في تنفيذ مهمة منتظمة وفعالة فسوف يكون لديه في نهاية العام حصيلة هائلة من ساعات العمل لمصلحة الحياة الإسلامية في جميع أشكالها العقلية والخلقية والفنية والاقتصادية والمنزلية.

وسيثبت هذا (النصف ساعة) عمليا فكرة الزمن في العقل الإسلامي، أي في أسلوب الحياة في المجتمع، وفي سلوك أفراده، فإذا استغل الوقت هكذا فلم يضع سدى ولم يمر كسولاً في حقلنا، فسترتفع كمية حصادنا العقلي واليدوي والروحي، وهذه هي الحضارة.

ولا بد لنا في خاتمة هذا الفصل أن نورد تجربة قريبة منا، وواقعة تحت أنظارنا، وهي أيضا في متناول المقاييس العملية، هذه التجربة هي ما حدث في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي خلفت وراءها ألمانيا عام 1945 قاعا صفصفا، حطمت فيها كل جهاز للانتاج، ولم تبق لها من شيء تقيم على أساسه بناء نهضتها، وفوق ذلك فقد تركتها لتصرف شئونها تحت احتلال أربع دول، فلما بدأ النشاط يسري في نفس الشعب الألماني في مستهل سنة 1948، كان ساعتئذ في نقطة الصفر من حيث المقومات الاقتصادية الموجودة لديه.

واليوم، وبعد عشر سنوات تقريبا نرى معرض ألمانيا يفتح أبوابه بالقاهرة في شهر مارس 1957 فتذهلنا المعجزة، إذ ينبعث شعب من الموت والدمار، وينشىء الصناعات الضخمة، التي شهدناها.

ص: 141

ولو أننا حللنا تلك المعجزة لوجدنا فيها عوامل شتى لا سبيل إلى إنكارها، من بينها الإقتصاد في الجهاز الإداري، وفي التكاليف الإدارية، فقد أصبح كثير من أعمال الحكومة يقوم به أفراد الشعب كواجب عليهم، ولكن العامل المهم من هذه العوامل جميعها هو: الزمن.

فقد فرضت الحكومة عام 1948 على الشعب الألماني كله، نساء وأطفالاً ورجالاً، التطوع يوميا ساعتين، يؤديها كل فرد زيادة على عمله اليومي وبالمجان، من أجل الصالح العام فقط.

ولقد سمي هذا التجنيد العام Roboter Arbeit وهو العمل للمصلحة العامة. فهذه المعجزة الاجتماعية التي أتت بها ألمانيا، قد كان للزمن في إخراجها حظ موفور، ويمكننا أن ندرك قيمة الوقت مباشرة في عودة الحياة الاجتماعية والاقتصادية لشعب لم يبق لديه من الوسائل إثر الحرب الثانية إلا العناصر الثلاثة: الإنسان، والتراب، والزمن.

وهنالك، حيث تهدد الصحراء وجودنا، وحيث لا نملك في أيدينا سوى هذه العناصر الثلاثة، سيرى العالم ازدهار حياتنا من جديد، هنالك حيث يخيم الجهل والفقر سيشهد الناس سيطرة الصناعة والفن، والعلم والرفاهية.

ص: 142