الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَوْجِيهُ رَأْسِ الْمَالِ
لم يكن رأس المال في حد ذاته هو المشكلة التي تعرض لها كارل ماركس في آرائه عام 1848، وإنما كان تعرضه لنتائجه الاجتماعية كرأسمالية.
وتفصيل ذلك أن الثورة الصناعية كانت في أيامه قد جاءت نتائجها الأولى في أوربا الغربية، وكان تركيز رؤوس الأموال، وظهور طبقة (البروليتاريا) العاملة كبر ما يميز ذلك العصر، وبالأخص في المناطق التي ظهر فيها التصنيع مبكراً كمقاطعة (الريناني) في ألمانيا، ومنطقة (بلاد الجال) ببريطانيا.
وعلى هذا فإن ظروف ذلك العصر لم تكن لتدعو كارل ماركس الى تحديد رأس المال من حيث هو آلة اجتماعية، وإنما من حيث هو آلة سياسية، بين يدي طبقة معينة هي "البرجوازية"، لاضطهاد طبقة أخرى هي " البروليتاريا".
فهو قد نظر إلى رأس المال من هذه الزاوية، لأن أوضاع المجتمع وظروفه قد حتّما عليه النظر.
يقابل هذه الحال الآن (في سنة 1948) حال البلاد الإسلامية. فإنها لا تواجه مشكلة الرأسمالية لأن رأس المال نفسه لم يتكون بعد في غالب تلك البلاد: وإذن فالمشكلات التي كانت تعانيها أوربا في ذلك التاريخ لا تهم العالم الاسلامي اليوم، أو تمسه في شيء، فقد انتفت من بلادنا المشكلات التي خلفها رأس المال في أوربا.
وعليه فإن القضية في البلاد الإسلامية ذات طابع يختلف تمام الاختلاف عن
صورتها في أوربا، ومن هنا كان حتما علينا دراسة هذه المشكلات دراسة خاصة، وبالتالي تحديد رأس المال ذاته من زاوية أخرى باعتباره آلة اجتماعية تنهض بالتقدم المادي، لا آلة سياسية في يد فئة رأسمالية، كما عالجها ماركس ومدرسته، وذلك حتى يرتفع من الأذهان الغموض الذي يحيط ببعض المفاهيم الاقتصادية بسبب فهم مخطىء لمفهوم " رأس المال " ناشىء عن عدم فهمنا للمعنى الديناميكي لهذا المصطلح العلمي.
وينبغي لنا أن نفم قبل كل شيء أن كلمة " رأسمال " ليست من مصطلحاتنا، ولا هي من الشيء الذي تعودناه، فنحن دائما نخلط بين شيئين متمايزين تمام التمايز: الثروة، ورأس المال.
ولتحديد كلا الاصطلاحين بالمعنى الاجتماعي، نلاحظ أن الثروة يمكن فهمها من وجهتين في بلادنا:
1 -
بالنسبة للمركز الاجتماعي لصاحبها. فهو فلاح، أو صاحب ماشية، أو صاحب ضيعة.
2 -
بالنسبة لاستعمال صاحبها لها. وهو يستعملها في إطاره الذي تقتضيه حرفته المحلية، وفي كلتا الحالتين تظهر الثروة معرفة لنا بطابع مكاسب الشخص غير المتحركة، غير الداخلة في الدورة الاقتصادية، فهي شيء محلي مستقر في حقل صاحبه، أو داره، أو حول خيمته، وليس لها من عمل مستقل، كقوة مالية تدخل في بناء الصناعات وتمويلها، أو في تجارة التصدير والاستيراد، أو غير ذلك من الميادين الاقتصادية، كما هو الشأن في رأس المال.
فالثروة تلقب بلقب صاحبها، أما رأس المال فإنه ينفصل اسما عن صاحبه، ويصبح قوة مالية مجردة، وهذا شيء معروف عند الاقتصاديين.
هذه القيود التي تقعد بالثروة عن أن ترقى إلى مستوى رأس المال، تجعل منها شيئاً بدائياً بسيطاً، من الناحيتين الاقتصادية والأدبية، شيئاً يستخدمه الفرد
في ميدانه الخاص، مثل عقاره، أو قطيعه، أو ورشته، فهي لا تسعى لغايتها كقوة مالية مستقلة بل لسد حاجات صاحبها المحدودة فحسب.
وبعد هذا التوضيح لمعنى الثروة فإنه يسهل علينا تحديد معنى (رأس المال)، فهو في جوهره:" المال المتحرك " الذي يتسع مجاله الاجتماعي بمقتضى حركته ونموه في محيط أكبر من محيط الفرد، وأقصى من المقدار الذي تحدده حاجاته الخاصة.
وهو في العادة مجرد، لا ينسب إلى صاحبه فلا يقال " رأسمال فلان " وإنما فقط " رأسمال ".
ولقد سجل التاريخ أن بدء تكوين رأس المال قد ظهر مع ظهور الصناعات الميكانيكية، أي الصناعات التي من طبيعتها أن تجعل للمال دورا كبيرا يناسب مقتضياتها.
فالبلاد النائية التي تستورد منها المواد الأولية، ثم المصانع التي تحول فيها تلك المواد إلى سلع ومنتجات، ثم الأسواق التي تصرف فيها تلك السلع، كل ذلك قد جعل للمال دورا متسعا، يخرج عن نطاق استعمال الفرد الخاص ومحيطه، إلى محيط يتنقل فيه من بلد إلى بلد، مقيما لشبكة العلاقات الاقتصادية بين البلدان، ويصبح بذلك قوة ممولة، يطلق عليها " رأس المال ".
ولا شك أن المال الذي تصبح هذه حاله، من التنقل بين البلاد، يخلق حركة ونشاطا، ويوظف الأيدي والعقول، أينما حل وحيثما ارتحل.
وجدير بالذكر أن رأس المال كان من نتائجه في أوربا، خلق ظاهرتين اجتماعيتين:-
1 -
طبقة العمال كنتيجة للثورة الصناعية.
2 -
الاستعمار كنتيجة للحاجة إلى التصدير والاستيراد.
وهكذا قضى التوسع الاقتصادي بأن لا يصبح المال في قبضة صاحبه فقط،
وأن يتعدى حدود ميدانه الخاص، إلى ميدان أوسع انتشارا، وأعم فائدة، وأن يخلق في تطوره هذا مفهوما اجتماعيا سمي بالرأسمالية.
غير أن هذه الظاهرة- التي نقلت الثروة من حالتها البسيطة، إلى حالة واسعة منتشرة سميت " بالرأسمال "- لم تحدد " رأس المال " من حيث الكم، بل من حيث الكيف أو الحالة، فالدرهم الذي يتحرك، وينتقل، ويدخل، ويخرج عبر الحدود، يسمى " رأسمال "، والمليار من الدراهم المستقر الساكن هو ثروة ذات محيط ضيق.
أما " تركز " رؤوس الأموال فهو صفة طارئة على " رأس المال "، وليس من جوهره، وهو صفة لا تتناقض مع الصفة الأولى لرأس المال- وإنما تكملها من حيث الكم.
وعليه، فإن توجيه رأس المال وهو لا يزال في طور التكوين في بلادنا - لا يتصل أولا بالكم، بل بالكيف، فإن همنا الأول أن تصبح كل قطعة مالية متحركة متنقلة تخلق معها العمل والنشاط، أما الكم فإن ذلك الدور الثاني، دور التوسع والشمول.
وتاريخ العرب نفسه يحمل نموذجا بسيطا لما قدمنا. إذ كانت مكة قبل الاسلام تسير أموالها حسبما يقتضيه الأسلوب الرأسمالي، ومن المعروف أن قريشا لم تكن تملك من أموال الانتاج الشيء الضخم كالعقارات والمصانع، غير أن قوافلها كانت تجوب الصحراء حاملة بضائع الشرق الأدنى، في رحلة الشتاء والصيف، وكانت قريش كلها تسهم في تزويد هذه الرحلة.
والحالة اليوم في البلاد الإسلامية الفقيرة تشبه إلى حد بعيد حالة الجزيرة الفقيرة. (التي كانت تسكنها قريش)، حيث لم يبق لأغلب أهل البلاد الإسلامية عقار ولا قطيع ولا مصنع: في الشمال الافريقي، وفي جزيرة العرب، والمحميات، وفي إيران، والأفغان، وباكستان، وتركيا، وأندونيسيا.
فالقضية ليست- كما بينا- في تكديس الثروة، ولكن في تحريك المال
وتنشيطه، بتوجيه أموال الأمة البسيطة، وذلك بتحويل معناها الاجتماعي من أموال كاسدة إلى رأس مال متحرك، ينشط الفكر والعمل والحياة في البلاد. وزيادة على هذا يمكن أن نستفيد من تجربة أوربا، تجربتها التي مرت بها، والتي خرجت منها إلى توجيه رؤوس الأموال، وتخطيط اقتصادها، وذلك حتى لا نقع فيما وقعت فيه أوربا- حين تحركت فيها الآلة- من مشكلات حرية الانتاج والتجارة، تلك الحرية التي جاءت بالاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن اضطهاد طبقة للاخرى.
لنتخذ من الآن الحيطة حتى تكون أموالنا مطبوعة بطابع الديمقراطية لا بطابع الاقطاعية.
فالقضية إنما هي قضية منهاج يحدد لنا تخطيطا مناسبا نبني عليه حياتنا الاقتصادية، ولا يكون فيه مكان لتركيز رؤوس الأموال في أيدي فئة قليلة، تستغل السواد الأكبر من الشعب، بل يجب أن يتوفر فيه إسهام الشعب، مهما كان فقيرا، وبذلك يتم التعادل بين طبقات المجتمع، وتنسجم مصلحة الجماعة مع مصلحة الفرد.
ولنا أن نرحب ببعض الجهود التي بذلها في البلاد الإسلامية بعض رجال اقتصادها، في العهد القريب، ونحن نرى في تلك الجهود- وإن لم تحقق غاية ما نتمناه- تشجيعا على الاستمرار في تدعيم هذا الاتجاه الاقتصادي، ودليلا على أن تكوين رأس المال ممكن، حتى في وطن فقير، إذا ما اتحدت فيه الجهود وتوجهت نحو الصالح العام.
ولا يفوتنا أن ننبه بإلحاح إلى أننا بحاجة إلى تكوين مجلس لتوجيه ((الثروة)) وتوظيفها، لتتحول إلى " رأسمال " بالمعى الآنف الذكر، ولتخطيط أهدافه الاقتصادية.
وبهذا التوجيه الذي يسير متضافرا مع توجيه الثقافة وتوجيه العمل، يكون الفرد قد استكمل الشروط اللازمة لتشييد حضارة تطابق إطاره الخاص.