الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي قوله تعالى: ((والذين اتبعوهم)) إشارة إلى استمرارية هذا الوجود، وعموميته، وعدم انقطاعه، وأن ثمة رجالًا مستمرون على هذا السبيل، وأن قِوَامَ هذا الاستمرار هو الاتباع ((اتَّبَعُوهُمْ)).
فإذا فُقِدَ حَمَلَة المنهج، أو انعدم شرط الاتباع، فَقَدَتِ الجماعة هذه الصفة؛ وبالتالي فليست هي الطائفة المنصورة.
من السنة:
ويؤيد هذا ويوضحه قوله صلى الله عليه وسلم:
((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) (1).
ففي قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال)) دلالة واضحة، وَبَيِّنَةٌ ناصعة، على صفة ((الاستمرارية)) للطائفة المنصورة.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((طائفة)) دليل على وجود الجماعة التي تَنْصُرُ قَتُنْصَرُ، وهي بمنزلة السند في الحديث، وهم كالسلسلة، تأخذ كلُّ حلقة بعنق أختها، بلا انقطاع زمني، ولا انفصال بشري.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((ظاهرين على الحق)) دليل على وجود المنهاج، والقيام بأمره، قولًا وعملًا، حركةً ورسمًا.
قال شيخ الإسلام: ((لَكِنَّ أهلَ السنة يَبْقَوْنَ، ويبقى ذِكْرُهُمْ، وأهل البدعة يموتون، ويموت ذكرهم)) (2).
(1) أخرجه البخاري رقم (7311، 7459،
…
)، ومسلم (3/ 1523)، وغيرهما.
(2)
الفتاوى (28/ 38).
وإذن؛ فالطائفة المنصورة الناجية هي منهج، ومقومات، وجماعة، ورجالات، تقوم على هذا المنهج، وتستمسك بتلك المقومات، وهي ظاهرة على هذا، عقيدةً ومسلكًا، شريعةً، وخلقًا، وجهادًا بالقول، واللسان، والعمل، والسِّنَانِ، فتارة هذا، وتارة ذاك، حسب الظروف، والأحوال، ومقتضى الشريعة الْغَرَّاءِ.
وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ..
تارة يجاهدون بالقرآن: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52].
وتارة بالدعوة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
وتارة بالسِّنَانِ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193].
وبناء على هذه الصفة -صفة الاستمرارية- فإن أَيَّ جماعة نشأت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنهج، أو تحزب، أو سياسة، أو تَفَرُّقٍ، أو خرجت عن الجماعة الأم بعقيدة، أو فكر، أو بابتداع، أو منهج، فهي جماعة مقطوعة السند، غير ناجية المآل؛ إذ لم يتحقق فيها شروط صحة السند، وهي:((نقل العدل الضابط، عن العدل الضابط، إلى منتهاه، من غير شذوذ، ولا علة)).
فلا بُدَّ من أن يكون في أول السند الصحابةُ -رضوان الله عليهم- ثم في الطبقة الثانية التابعون من بعدهم، وهكذا إلى يومنا هذا .. جِيلٌ عَنْ جِيلٍ.
وفي حال إنشاء جماعة جديدة، بفكر جديد، أو منهاج جديد، أو رسم جديد، فالسند -والحال هذه- مرسل، منقطع، والطائفة هذه فاقدة لصفة الاستمرارية التي هي الفارق الأكبر، والميزة العظمى، فهي-إذن- ليست منصورة، ولا ناجية.
وانقطاع السند يؤدي إلى انحراف في المتن والمنهج، وهو ما يسميه
الْمُحَدِّثُونَ: الشذوذَ والنكارةَ.
وهكذا كان شأن الطوائف التي خرجت عن الجماعة الأم، من خوارجَ، ومعتزلة، وغيرهم .. إنما ضَلُّوا لشذوذهم عن الصحابة، ولنكارة ما أحدثوه من فكر، وطرق.
وَكُلَّمَا طال الزمن زاد الانحراف، وازداد الضلال، كَضِلْعَيِ الزاوية تمامًا، كُلَّمَا امتدا [ابْتَعَدَ أَحَدُهُمَا عن الآخر]، كما سبق بيانه.
وكذلك كل طائفة انقرضت وانتهت، أو انقطع نَسْلُهَا، وبارت رجالها، فهي مُعَلَّقَةُ السند، وَمِنْ ثَمَّ فهي جماعة مبتورةُ الأثر، غير ناجية المآل، ولو أعاد سيرتها رجال بعد ذلك؛ لأنها فَقَدَتْ حلقاتٍ في سندها، وبذلك فَقَدَتْ صفة الاستمرارية التي هي شرطٌ في الجماعة الناجية.
والحقيقة: أن هذه الصفة -صفة الاستمرارية- من أبرز صفات الطائفة المنصورة تمييزًا لها عن الطوائف الهالكة، أو الطوائف النابتة.
إذ بسهولة ولأول وَهْلَةٍ يدرك المرء العاقل بهذه الصفةِ الطائفةَ الناجيةَ من غيرها، فهو يدرك أن الطائفة التي تُقِرُّ أنها تأسست منذ كذا وكذا، وأن مؤسسها فلان، هي طائفة حَكَمَتْ على نفسها، وشهدت بلسان مقالها وفعالها، أنها لا تتصف بصفة الاستمرارية التي هي من أهم صفات الطائفة المنصورة ومميزاتها على الطوائف الضالة، ذلك بأن الطائفة الناجية لا مؤسس لها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلا تأسيس للطائفة المنصورة مُحْدَثٌ بعد التأسيس الأول، ولا فِكْرَ لها جديد، ولا عقيدة مبتدعة، ولا منهج لها مخترع.
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
((اتبعوا ولا تبتدعوا فَقَدْ كُفِيتُمْ، عليكم بالأمر العتيق)) (1)، أي: الأول الأصيل.
فاللهم هداك.
(1) من قول ابن مسعود رضي الله عنه -