الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَوْلُهُ: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهَا، أُعِيدَتِ الْجُمْلَةُ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ الْحَالِ. وَقَدْ يَقَعُ التَّكْرِيرُ مَعَ الْعَطْفِ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْقُيُودِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْمُغَايَرَةُ مُصَحِّحَةً الْعَطْفَ، كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدَّاءٍ الْفَقْعَسِيِّ:
فَهَلَّا أَعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفَاقَدُوا
…
إِذَا الْخَصْمُ أَبْزَى مَائِلُ الرَّأْسِ أَنْكَبُ
وَهَلَّا أَعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفَاقَدُوا
…
وَفِي الأَرْض مبثوث شُجَاعٌ وَعَقْرَبُ
فَالْخُرُورُ الْمَحْكِيُّ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ الْخُرُورُ الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا خَرُّوا خُرُورًا وَاحِدًا سَاجِدِينَ بَاكِينَ، فَذُكِرَ مَرَّتَيْنِ اهْتِمَامًا بِمَا صَحِبَهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْخُشُوعِ.
وَذَكَرَ يَبْكُونَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ.
وَالْبُكَاءُ بُكَاءُ فَرَحٍ وَبَهْجَةٍ. وَالْبُكَاءُ: يَحْصُلُ مِنِ انفعال باطني ناشىء عَنْ حُزْنٍ أَوْ عَنْ خَوْفٍ أَوْ عَنْ شَوْقٍ.
وَيَزِيدُهُمُ الْقُرْآنُ خُشُوعًا عَلَى خُشُوعِهِمُ الَّذِي كَانَ لَهُمْ مِنْ سَمَاعِ كِتَابِهِمْ.
وَمِنَ السُّنَّةِ سُجُودُ الْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ لَهُ بِقَصْدِ هَذِهِ الْآيَةِ اقْتِدَاءً بِأُولَئِكَ السَّاجِدِينَ بِحَيْثُ لَا يَذْكُرُ الْمُسْلِمُ سُجُودَ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ إِلَّا وَهُوَ يرى نَفسه أَجْدَرَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ.
[110]
[سُورَة الْإِسْرَاء (17) : آيَة 110]
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (110)
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى لَا شَكَّ أَنَّ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ سَبَبًا خَاصًّا إِذْ لَا مُوجِبَ لِذِكْرِ هَذَا التَّخْيِيرِ بَيْنَ دُعَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِاسْمِهِ الْعَلَمِ وَبَيْنَ دُعَائِهِ بِصفة الرحمان خَاصَّةً دُونَ
ذِكْرِ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ مِثْلِ: الرَّحِيمِ أَوِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصِّفَاتِ الْحُسْنَى.
ثُمَّ لَا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ طَلَبِ الْمُنَاسَبَةِ لِوُقُوعِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ السُّورَةِ.
فَأَمَّا سَبَبُ نُزُولِهَا
فَرَوَى الطَّبَرِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم سَاجِدًا يَدْعُو يَا رحمان يَا رَحِيمُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَدْعُو وَاحِدًا وَهُوَ يَدْعُو مَثْنَى مَثْنَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. وَعَلَيْهِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الدُّعَاءِ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ وَبَين صفة الرحمان اكْتِفَاءً، أَيْ أَوِ الرَّحِيمِ.
وَفِي «الْكَشَّافِ» : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ أَبُو جهل النبيء صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: يَا الله يَا رحمان.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّهُ يَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ إِلَهَيْنِ وَهُوَ يَدْعُو إِلَهًا آخَرَ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ
. وَهَذَا أَنْسَبُ بِالْآيَةِ لِاقْتِصَارِهَا عَلَى اسْمِ الله وَصفَة الرحمان.
وَأَمَّا مَوْقِعُهَا هُنَا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ نُزُولِهَا حَدَثَ حِينَ نُزُولِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَالْكَلَامُ رَدٌّ وَتَعْلِيمٌ بِأَنَّ تَعَدُّدَ الْأَسْمَاءِ لَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْمُسَمَّى، وَشَتَّانَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ آلِهَةً مُخْتَلِفَةَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمَّيَاتِ، وَالتَّوْحِيدُ وَالْإِشْرَاكُ يَتَعَلَّقَانِ بِالذَّوَاتِ لَا بِالْأَسْمَاءِ.
وَ (أَيٌّ) اسْمُ اسْتِفْهَامٍ فِي الْأَصْلِ، فَإِذَا اقْتَرَنَتْ بِهَا (مَا) الزَّائِدَةُ أَفَادَتِ الشَّرْطَ كَمَا تُفِيدُهُ كَيْفَ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهَا (مَا) الزَّائِدَةُ. وَلِذَلِكَ جُزِمَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا وَهُوَ تَدْعُوا شَرْطًا، وَجِيءَ لَهَا بِجَوَابٍ مُقْتَرِنٍ بِالْفَاءِ، وَهُوَ فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى عِلَّةُ الْجَوَابِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَيَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى تَدْعُونَ فَلَا حَرَجَ فِي دُعَائِهِ بِعِدَّةِ أَسْمَاءٍ إِذْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَإِذِ الْمُسَمَّى وَاحِدٌ.
وَمَعْنَى ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ادْعُوا هَذَا الِاسْمَ أَوْ هَذَا الِاسْمَ، أَيِ اذْكُرُوا فِي دُعَائِكُمْ هَذَا أَوْ هَذَا، فَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ. وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ قَدْ وَقَعَ تَجَوُّزٌ فِي فِعْلِ ادْعُوا مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى اذْكُرُوا أَوْ سَمُّوا فِي دُعَائِكُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى سَمُّوا، وَهُوَ حِينَئِذٍ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ.
وَالتَّقْدِيرُ: سَمُّوا رَبَّكُمُ اللَّهَ أَو سموهُ الرحمان، وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفِعْلَيْنِ وَأُبْقِيَ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ.
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا لَا شَكَّ أَنَّ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ اتِّصَالًا بِجُمْلَةِ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي وَجْهِ اتِّصَالِ قَوْلِهِ: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ بِالْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ جهر النبيء صلى الله عليه وسلم فِي دُعَائِهِ باسم الرحمان.
وَالصَّلَاةُ: تَحْتَمِلُ الدُّعَاءَ، وَتَحْتَمِلُ الْعِبَادَة الْمَعْرُوفَة قَود فَسَّرَهَا السَّلَفُ هُنَا بِالْمَعْنَيَيْنِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ فَسَّرَ الصَّلَاةَ بِالْعِبَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَإِنَّمَا أَرَادَ قِرَاءَتَهَا خَاصَّةً لِأَنَّهَا الَّتِي تُوصَفُ بِالْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ.
وَعَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ فَقَدْ جهر النبيء صلى الله عليه وسلم بِذكر الرحمان، فَقَالَ فَرِيقٌ مِنَ الْمُشْركين:
مَا الرحمان؟ وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إِلَهَيْنِ، وَقَامَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسُبُّ الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، أَو يسب الرحمان ظَنًّا
أَنَّهُ رَبٌّ آخَرُ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرُ آلِهَتِهِمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ لَا يَجْهَرَ
بِدُعَائِهِ أَوْ لَا يَجْهَرَ بِقِرَاءَةِ صَلَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ.
وَلَعَلَّ سُفَهَاءَ الْمُشْرِكِينَ تَوَهَّمُوا مِنْ صدع النبيء صلى الله عليه وسلم بِالْقِرَاءَةِ أَوْ بِالدُّعَاءِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ التَّحَكُّكَ بِهِمْ وَالتَّطَاوُلَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مُجَرَّدًا عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ فَاغْتَاظُوا وَسَبُّوا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ لَا يَجْهَرَ بِصَلَاتِهِ هَذَا الْجَهْرَ تَجَنُّبًا لِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُثِيرَ حَفَائِظَهُمْ وَيَزِيدَ تَصَلُّبَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ فِي حِينِ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَلْيِينُ قُلُوبِهِمْ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ النَّهْيُ عَنْ شِدَّةِ الْجَهْرِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُخافِتْ بِها فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الِاحْتِرَاسُ لِكَيْلَا يَجْعَلَ دُعَاءَهُ سِرًّا أَوْ صَلَاتَهُ كُلَّهَا سِرًّا فَلَا يَبْلُغُ أَسْمَاعَ الْمُتَهَيِّئِينَ لِلِاهْتِدَاءِ بِهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْجَهْرِ تَجَنُّبُ جَهْرٍ يَتَوَهَّمُ مِنْهُ الْكُفَّارُ تَحَكُّكًا أَوْ تَطَاوُلًا كَمَا قُلْنَا.
وَالْجَهْرُ: قُوَّةُ صَوْتِ النَّاطِقِ بِالْكَلَامِ.
وَالْمُخَافَتَةُ مُفَاعَلَةٌ: مِنْ خَفَتَ بِكَلَامِهِ، إِذَا أَسَرَّ بِهِ. وَصِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى الشِّدَّةِ، أَيْ لَا تُسِرَّهَا.
وَقَوْلُهُ: ذلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَذْكُورِ، أَيِ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ الْمَعْلُومَيْنِ مِنْ فِعْلَيْ تَجْهَرْ- وتُخافِتْ أَيِ اطْلُبْ سَبِيلًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْ إِسْمَاعِ النَّاسِ الْقُرْآنَ وَيَنْتَفِي تَوَهُّمُ قَصْدِ التطاول عَلَيْهِم.