الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
(12)
(ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد) منكم أو من
غيركم، الخطاب هنا للرجال والمراد بالولد ولد الصلب أو ولد الولد؛ ذكراً كان أو أنثى لما قدّمنا من الإجماع (فإن كان لهن ولد فلكم الرّبع مما تركن) وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف ومع وجوده وإن سفل الربع (من بعد وصيّة يوصين بها أو دين) الكلام فيه كما تقدم أي حالة كونهن غير مضارّات في الوصية، وألحق بالولد في ذلك ولد الإبن بالإجماع وهذا ميراث الأزواج من الزوجات.
وقال تعالى في ميراث الزوجات من الأزواج (ولهن) أي الزوجات تعددن أوْلاً (الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد) منهن أو من غيرهن (فإن كان لكم ولد فلهنّ الثمن مما تركتم) هذا النصيب مع الولد والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات ويشترك فيه الأكثر عن الواحدة، لا خلاف في ذلك.
يعني أن الواحدة من النساء لها الربع أو الثمن، وكذلك لو كن أربع زوجات فإنهن يشتركن مع الربع أو الثمن، واسم الولد يطلق على الذكر والأنثى ولا فرق بين الولد وولد الابن، وولد البنت في ذلك، وسواء كان الولد للرجل من الزوجة أو من غيرها (من بعد وصية توصون بها أو دين) أي من بعد أحد هذين منفرداً أو مضموماً إلى الآخر حال كونكم غير مضارّين في الوصية، والكلام في الوصية والدين كما تقدم.
(وإن كان رجل) ميت (يورث) على البناء للمفعول من ورث لا من أورث (كلالة) مصدر من تكلله النسب أي أحاط به وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد، هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتيبي وأبو عبيد وابن الأنباري، وقد قيل إنها إجماع، وقال ابن كثير: وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم، وقد حكى الإجماع غير واحد وورد فيه حديث مرفوع انتهى. (1)
وقال في الجمل هذا أحسن ما قيل في تفسير الكلالة، ويدل على صحته أن اشتقاق الكلالة من كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة بينهما فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه.
وروى أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة قال: الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة، قال أبو عمرو بن عبد البر ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، وما يروى عن أبي بكر وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة فقد رجعا عنه.
(1) ابن كثير 1/ 460.
وقال زيد الكلالة: الحي والميت جميعاً وإنما سموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم بخلاف الابن والأب فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلّله النسب.
وقيل إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء، قال ابن الأعرابي: إن الكلالة بنو العم الأباعد.
وبالجملة من قرأ يورث كلالة بكسر الراء مشددة وهو بعض الكوفيين أو مخففة وهو الحسن وأيوب جعل الكلالة القرابة. ومن قرأ يورث بفتح الراء وهم الجمهور احتمل أن يكون الكلالة الميت واحتمل أن تكون القرابة.
وقد روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس والشعبي أن الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة.
قال الطبري: الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده لصحة خبر جابر قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة أفأوصي بمالي كلّه قال لا. انتهى.
وروى عن عطاء أنه قال الكلالة المال، وقال ابن الأعرابي وهذا قول ضعيف لا وجه له.
وقال صاحب الكشاف إن الكلالة تطلق على ثلاثة: على من لا يخلف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس بولد ولا والمد من المخلّفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد انتهى.
وفي السمين: هذه الآية مما ينبغي أن يطول فيها القول لإشكالها واضطراب أقوال الناس فيها ثم قال بعد ذكر الاختلاف فيها فقد تخلص مما
تقدم أنها إما لميت الموروث أو الورثة أو المال الموروث أو الإرث أو القرابة، ثم تكلم في اشتقاقها وإعرابها والذي ذكرناه هو أحسن ما قيل فيها.
(أو امرأة) معطوف على رجل مقيد بما قيد به أي كانت المرأة الموروثة خالية من الوالد والولد (وله أخ أو أخت) قرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود (من أم) والقراءة الشاذة كخبر الآحاد لأنها ليست من قبل الرأي، وأطلق الشافعي الاحتجاج بها فيما حكاه البويطي عنه في باب الرضاع وباب تحريم الجمع وعليه جمهور أصحابه لأنها منقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيّتها انتفاء خصوص خبريّتها، قاله الكرخي.
قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الإخوة ههنا هم الإخوة لأم، قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الأخوة المذكورين في قوله تعالى (وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) هم الإخوة لأبوين أو لأب.
وأفرد الضمير في قوله (وله أخ أو أخت) لأن المراد كل واحد منهما كما جرت بذلك عادة العرب إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفرداً كما في قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة) وقوله (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) وقد يذكرونه مثنى كما في قوله (إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما) وقد قدمنا في هذا كلاماً أطول من المذكور هنا.
(فلكلّ واحد منهما السدس) مما ترك المورث (فإن كانوا أكثر من ذلك) الأخ المفرد والأخت المنفردة بواحد وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعداً ذكرين أو انثيين أو ذكراً وأنثى، وقد استدل بذلك على أن الذكر كالأنثى من الأخوة لأم لأن الله شرك بينهم في الثلث ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى كما ذكره في البنين والإخوة لأبوين أو لأب، قال القرطبي: وهذا أجمل.
ودلت الآية على أن الاخوة لأم إذا استكملت بهم المسئلة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب، ذلك في المسئلة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجاً وأماً وأخوين لأم وإخوة لأبوين، فإن للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين لأم الثلث ولا شيء للأخوة لأبوين.
ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم وهو كون الميت كلالة ويؤيد هذا حديث ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأول رجل ذكر وهو في الصحيحين وغيرهما، وقد قرر الشوكاني دلالة الآية والحديث على ذلك في الرسالة التي سماها المباحث الدرية في المسائل الحمارية، وفي هذه المسئلة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم معروف.
(فهم شركاء في الثلث) يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم لإدلائهم بمحض الأنوثة (من بعد وصيّة يوصى بها أو دين) الكلام فيه كما تقدم، وظاهر الآية يدل على جواز الوصية بكل المال وببعضه، ولكن ورد في السنة ما يدل على تقييد هذا المطلق وتخصيصه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص قال " الثلث والثلث كثير " أخرجه البخاري ومسلم (1)، ففي هذا دليل على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث وأن النقصان عن الثلث جائز.
(غير مضارّ) أي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الإضرار كان يقر بشيء ليس عليه أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة أو يوصي لوارث مطلقاً أو لغيره بزيادة على الثلث ولم يجزه الورثة، وهذا القيد راجع إلى الوصية والدين المذكورين فهو قيد لهما فما صدر من الإقرارات بالديون أو الوصايا المنهي عنها أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا دونه.
(1) مسلم 1629 - البخاري 1318.
قال القرطبي: وأجمع على أن الوصية للوارث لا تجوز انتهى.
قال أبو السعود في تفسيره وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم.
أخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه واللفظ له والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة ثم يقول أبو هريرة اقرؤا إن شئتم (تلك حدود الله إلى قوله عذاب مهين) وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه مقال معروف (1).
وأخرج ابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة ".
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يعوده في مرضه فقال: إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفاتصدق بالثلثين، قال لا قال فالشطر، قال لا، قال فالثلث، قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. (2)
(1) صحيح الجامع الصغير 1619. وفي رواية " إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " وقرأ أبو هريرة ها هنا: " (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار
…
حتى بلغ الفوز العظيم).
(2)
مسلم 1629 - البخاري 1318.
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم، يعني الوصية.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الثلث كثير، وقال عمر بن الخطاب الثلث وسط لا بخس ولا شطط.
وعن علي قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث ومن أوصى بالثلث لم يترك.
(وصية من الله) نصب على المصدر المؤكد أي يوصيكم بذلك وصية كائنة من الله، قال ابن عطية: ويصح أن يعمل فيها مضار، والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزاً فيكون وصية على هذا مفعولاً به لأن اسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال أو لكونه منفياً معنى.
وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة في الفرائض، وإن كل وصية من عباده يخالفها فهي مسبوقة بوصية الله وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه (والله عليم حليم) قال الخطابي: الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل (1).
(1) جاء في كتاب الكبائر للامام الذهبي/234.
قال ابن عباس: يريد ما أحل الله من الميراث (ومن يطع الله ورسوله) في شأن المواريث (يدخل جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله) قال مجاهد فيما فرض الله من المواريث.
وقال عكرمة عن ابن عباس من لم يرض يقسم الله ويتعد ما قال الله (يدخله ناراً).
وقال الكلبي يعني يكفر بقسمة الله المواريث ويتعدى حدوده استحلالاً (يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين).
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من فر بميراث وارث قطع الله ميراثه من الجنة ".
وقال عليه الصلاة والسلام: " أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " صححه الترمذي.
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)
والإشارة بقوله
(تلك حدود الله) إلى الأحكام المتقدمة من مال اليتامى والوصايا والأنكحة والمواريث، وسماها حدوداً لكونها لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها.
(ومن يطع الله ورسوله) في قسمة المواريث وغيرها من الأحكام الشرعية كما يفيده عموم اللفظ (يدخله) بالياء والنون (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) الذي لا فوز وراءه وهكذا قوله
(ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله) بالوجهين (ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) أي وله بعد إدخاله النار عذاب ذو إهانة لا يعرف كنهه.
روعي في الضمائر في الآيتين وفي خالداً لفظ (من) وفي خالدين معناها، قال الضحاك: والمعصية هنا الشرك.
وقال ابن عباس في معنى الآية: ومن لم يرض بقسمة الله ويتعد ما حده، وقال الكلبي: يكفر بقسمة المواريث فإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب قبل موته وإذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلداً في النار، فلا دليل في الآية للمعتزلة على أن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار.
وقد ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم
والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا الفرائض وعلموها الناس وإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها (1).
وأخرجا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وصلى الله عليه وسلم - تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وأنه ينسى وهو أول ما ينزع من أمتي، وأخرجه ابن ماجه والدارقطني ولفظهما هو أول علم ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي (2).
قد روي عن عمرو ابن مسعود وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين ومن بعدهم.
وهذا العلم من أعظم العلوم قدراً وأشرفها ذخراً وأفضلها ذكراً، وهو ركن من أركان الشريعة، وفرع من فروعها في الحقيقة، اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في فروعها وأصولها، ويكفي في فضلها أن الله تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة في محل قدسه، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها كما ذكرنا.
وقد ذكر بعض المفسرين أحكام الفرائض وأسباب الإرث في هذا المقام من تفسيره وإنما محلها كتب الفروع، وذكروا من تخاريج هذا العلم ما لم يكن له مستند إلا محض الرأي. وليس مجرد الرأي مستحقاً للتدوين. فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر، ويكفيك منها ما ثبت في الكتاب والسنة وما عرض لك وما لم يكن فيهما فاجتهد فيه برأيك عملاً بحديث معاذ المشهور (3).
(1) المستدرك كتاب الفرائض 4/ 333.
(2)
المستدرك كتاب الفراثض 4/ 332 - الدارقطني كتاب الفرائض 4/ 67.
(3)
المسند 5/ 230.
⦗ص: 51⦘
حدثنا عبد الله: حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي عون عن الحرث بن عمر وبن أخي المغيرة بن شعبة عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن فقال كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال اجتهد رأي لا آلو قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والسهام المحدودة في كتاب الله العزيز ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس كما تقدم تفسيره آنفاً، والذي وردت به السنة المطهرة أنه يجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة والأخوات مع البنات عصبة، ولبنت الابن مع البنت السدس تكملة للثلثين، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم، وهو للجد مع من لا يسقطه ولا ميراث للاخوة والأخوات مطلقاً مع الابن أو ابن الابن أو الأب، وفي ميراثهم مع الجد خلاف، ويرثون مع البنات إلا الإخوة للام ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين.
وأولو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال، فإن تزاحمت الفرائض فالعول، ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس، ولا يرث المولود إلا إذا استهل، وميراث العتيق لمعتقه ويسقط بالعصبات وله الباقي بعد ذوي السهام، ويحرم بيع الولاء. وهبته، ولا توارث بين أهل ملَّتين ولا يرث القاتل من المقتول.
هذا جميع ما ثبت بالسنة المطهرة فاشدد عليه يديك.
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)
(واللاتي يأتين الفاحشة) لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن وميراثهن مع الرجال، ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف.
واللاتي جمع التي بحسب المعنى دون اللفظ وفيه لغات ويقال في جمع الجمع اللواتي واللوائي واللوات واللواء، والفاحشة الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعافية والعاقبة، والمراد بها هنا الزنا خاصة، وإتيانها فعلها ومباشرتها.
(من نسائكم) هن المسلمات (فاستشهدوا عليهن أربعة) خطاب للأزواج أو للحكام، قال عمر بن الخطاب إنما جعل الله الشهود أربعة ستراً يستركم به دون فواحشكم (منكم) المراد به الرجال المسلمون.
(فإن شهدوا) عليهن بها (فأمسكوهنّ) احبسوهن (في البيوت) وامنعوهن من مخالطة الناس، لأن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز إلى الرجال، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا، عن ابن عباس قال: كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيت فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت حتى نزلت الآية في سورة النور (الزانية والزاني فاجلدوا) فجعل الله لهن سبيلاً فمن عمل شيئاً جلد وأرسل، وقد روي عنه من وجوه (1).
(1) أخرجه ابن جرير 8/ 84 وأبو داود 4/ 202؛ وقد كان الرجم من الأمم التي سبقتنا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبس المذكور وكذلك الأذى باقيان مع الجلد لأنه لا تعارض بينهما بل الجمع ممكن، قال الخطابي: ليست منسوخة لأن قوله (فامسكوهن) يدل على أن إمساكهن في البيوت ممتدّ إلى غاية هي قوله (حتى) أي إلى أن (يتوفاهن الموت) أي ملائكة الموت عند انقضاء آجالهن (أو يجعل الله لهن سبيلاً) وذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (1) رواه مسلم من حديث عبادة، صار هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا نسخاً له.
(1) مسلم 1690. ورواه أحمد 5/ 318 والشافعي في الرسالة 129/ 247 ومسلم 3/ 1316 وأبو داود 4/ 202 باختلاف في الروايات.
(واللّذان يأتيانها منكم) أي الفاحشة وهي الزنا واللواط، وهذان قولان للمفسرين وسيرجح الثاني بأمور، واللذان تثنية الذي، وكان القياس أن يقال اللذيان، قال سيبويه: حذفت الياء ليفرق بين الأسماء الممكنة وبين الأسماء المبهمة.
والمراد (باللذان) هنا الزاني والزانية تغليباً، وقيل الآية الأولى في النساء خاصة محصنات وغير محصنات، والثانية في الرجال خاصة وجاء بلفظ التثنية لبيان صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن، فعقوبة النساء وعقوبة الرجال الأذى، واختار هذا النحاس ورواه عن ابن عباس ورواه القرطبي عن مجاهد وغيره واستحسنه.
وقال السدي وقتادة وغيرهما: الآية الأولى في النساء المحصنات ويدخل معهن الرجال المحصنون، والآية الثانية في الرجل والمرأة البكرين، ورجحه الطبري وضعفه النحاس، وقال تغليب المؤنث على المذكر بعيد.
وقال ابن عطيه: إن معنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يضيق عنه وقيل كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصّت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعاً في الإيذاء، قال قتادة كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً.
(فآذوهما) واختلف المفسرون في تفسير الأذى فقيل التوبيخ والتعيير وقيل السب والجفاء من دون تعيير وتقريع، وقيل النيل باللسان والضرب بالنعال وقد ذهب قوم إلى أن الاذى منسوخ بالحد كالحبس إن أريد به الزنا وكذا إن أريد اللواط عند الشافعي، لكن المفعول به لا يرجم عنده وإن كان محصناً بل يجلد ويغرب، وأما الفاعل فيرجم إن كان محصناً، وارادة اللواط أظهر بدليل تثنية الضمير، وقيل ليس بمنسوخ كما تقدم في الحبس، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين كمجاهد وقتادة والحسن وسعيد بن جبير والسدي.
(فإن تابا) من الفاحشة (وأصلحا) العمل فيما بعد (فأعرضوا عنهما) أي اتركوهما وكفوا عنهما الأذى (إن الله كان تواباً رحيماً) وهذا كان قبل نزول الحدود في ابتداء الإسلام على ما تقدم من الخلاف، فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب وثبت الرجم على الثيب المحصن بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجم ماعزاً وكان قد أحصن.