المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا - فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ٣

[صديق حسن خان]

الفصل: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‌

(26)

(قال فإنها) أي الأرض المقدسة (محرمة عليهم) أي على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين (أربعين سنة) ظرف للتحريم أي أنه محرم عليهم دخولها هذه المدة لا زيادة عليها فلا يخالف هذا التحريم، ما تقدم من قوله (التي كتب الله لكم) فإنها مكتوبه لمن بقي منهم بعد هذه المدة، وقيل إنه لم يدخلها أحد ممن قال إنا لن ندخلها فيكون توقيت التحريم بهذه المدة باعتبار ذراريهم.

وقيل إن أربعين سنة ظرف لقوله (يتيهون في الأرض) أي يتيهون هذا المقدار فيكون التحريم مطلقاً والمؤقت هو التيه، وهو في اللغة الحيرة يقال منه تاه يتيه تيهاً أو توها إذا تحيّر فالمعنى يتحيرون في الأرض، قيل إن هذه الأرض التي تاهوا فيها كانت صغيرة نحو ستة فراسخ كانوا يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وكانوا سيارة مستمرين على ذلك لا قرار لهم.

وقيل ستة فراسخ في اثني عشر فرسخاً، وقيل تسع فراسخ في ثلاثين فرسخاً، وكان القوم ستمائة ألف مقاتل.

واختلف أهل العلم هل كان معهم موسى وهرون أم لا؟ فقيل لم يكونا معهم، لأن التيه عقوبة، وقيل كانا معهم لكن سهل الله عليهما ذلك كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم.

وقد قيل كيف تقع هذه الجماعة من العقلاء في مثل هذه الأرض اليسيرة في هذه المدة الطويلة؟ قال أبو علي يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا إلى المكان الذي ابتدأوا منه، وقد يكون بغير ذلك من الأسباب

ص: 393

المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارقة للعادة (فلا تأس على القوم الفاسقين) أي لا تحزن عليهم لأنهم أهل مخالفة وخروج عن الطاعة.

قال الزجاج: ويجوز أن يكون خطاباً لحمد صلى الله عليه وسلم أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل.

وأخرج ابن جرير وابن حاتم عن ابن عباس قال: تاهوا أربعين سنة فهلك موسى وهرون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها وهو الذي قيل له اليوم يوم جمعة فهمّوا بافتتاحها، فدنت الشمس للغروب فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا فنادى الشمس أني مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط فقربوه إلى النار فلم تأت فقال فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلاً فبايعهم فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: الغلول عندك، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها.

وعنه قال خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن، وكان عمر موسى مائة سنة وعشرين سنة ومات بعد هارون بسنة عليهما الصلاة والسلام.

وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعاً قصة ردّ الشمس لنبيٍ من الأنبياء ولم يسم يوشع، واختلف الناس في حبس الشمس فقيل ردت إلى ورائها، وقيل وقفت ولم ترد، وقيل بطء حركتها، ومات يوشع ودفن في جبل أفرأيتم وله مائة سنة وست وعشرون سنة، وقيل الذي فتح أريحاء هو موسى وكان يوشع على مقدمته، وهذا أصح واختاره الطبري والقرطبي.

ص: 394

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)

ص: 395

(واتل عليهم نبأ ابني آدم) وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل، وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين هل هما لصلبه أم لا؟ فذهب الجمهور إلى الأول، وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني، وقالا:" إنهما كانا من بني إسرائيل، فضرب بهما المثل في إبانة حسد اليهود، وكانت بينهما خصومة فتقرّبا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل ".

قال ابن عطية: " هذا وهم، كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب "،، قال الجمهور من الصحابة فمن بعدهم اسمهما قابيل وهابيل.

(بالحق) أي تلاوة متلبسة بالحق، واختاره الزمخشري أو نبأ متلبساً بالحق، (إذ قربا قرباناً) القربان اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل من صدقة أو ذبيحة أو نسك أو غير ذلك مما يتقرب به، قاله الزمخشري، وقيل مصدر أطلق على الشيء المتقرب به، قاله أبو علي الفارسي وكان قربان قابيل حزمة من سنبل لأنه كان صاحب زرع، واختارها من أردأ زرعه حتى إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها، وكان قربان هابيل كبشاً لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه.

(فتقبل) القربان (من أحدهما) وهو هابيل فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح عليه السلام، وكذا قال جماعة من السلف،

ص: 395

وقيل نزلت نار من السماء فأكلت قربانه (ولم يتقبل من الآخر) أي قابيل فحسده وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم.

(قال لأقتلنك) قيل سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى إلا شيثاً عليه السلام فإنها ولدته منفرداً، وكان آدم عليه السلام يزوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من الآخر، ولا تحل له أخته التي ولدت معه، فولدت مع قابيل أخت جميلة وإسمها إقليما، ومع هابيل أخت ليست كذلك وإسمها ليوذا، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل أنا أحق بأختي فأمره آدم فلم يأتمر وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على القربان وأنه يتزوجها من تقبل قربانه، قاله ابن عباس، قال ابن كثير في تفسيره إسناده جيد، وكذا قال السيوطي في الدر المنثور.

(قال إنما يتقبل الله من المتقين) استئناف كالأول كأنه قيل فماذا قال الذي تقبل. قربانه فقال: قال الخ، وإنما للحصر أي إنما يتقبل القربان من المتقين لا من غيرهم، وكأنه يقول لأخيه إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك وأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال، وعن ابن عباس قال: كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قرباناً ثم ذكر ما قررناه.

ص: 396

(لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني) أي لئن قصدت قتلي واللام هي الموطِّئة للقسم (ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) هذا استسلام للقتل من هابيل كما ورد في الحديث " إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم " وتلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفاً، وأن لا يمنع ممن يريد قتله، وعن ابن جريج نحوه.

ص: 396

قال القرطبي: قال علماؤنا وذلك مما يجوز ورود التعبد به إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً، وفي وجوب ذلك عليه خلاف والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر، وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب التذكرة إهـ كلامه.

وحديث أبي ذر المشار إليه هو عند مسلم وأهل السنن إلا النسائي وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: " يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً كيف تصنع؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك قال: فإن لم أترك؟ قال: فأت من أنت منهم فكن فيهم، قال: فآخذ سلاحي؟ قال إذن تشاركهم فيما فيه ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك "(1)، وفي معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة، وقيل معناه ما كنت بمبتديك بالقتل (2).

(إني أخاف الله) في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك أن يعاقبني على ذلك (رب العالمين) قيل: كان المقتول أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرج عن قتل أخيه فاستسلم له خوفاً من الله، لأن الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت.

(1) أحمد بن حنبل 5/ 149.

(2)

جاء في " المسند " 5/ 226، والبخاري 6/ 262، 12/ 169، 13/ 256، ومسلم 1303، والترمذي 2/ 92، والنسائي 7/ 82، وابن ماجه 2/ 873 من حديث ابن مسعود مرفوعاً، ولفظه " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل " وقوله: " كفل منها " الكفل، بكسر أوله وسكون الفاء: النصيب، وأكثر ما يطلق على الأجر، والضعف على الإثم. ومنه قوله تعالى:(كفلين من رحمته)[الحديث: 28] ووقع على الإثم في قوله تعالى: (ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها)[النساء: 85].

ص: 397

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

ص: 398

(إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) وهذا تعليل ثان لامتناعه من المقاتلة بعد التعليل الأول، واختلف المفسرون في المعنى فقيل أراد هابيل أني أريد أن تبوء بالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك، وبإثمك الذي تحملته بسبب قتلي، وقيل المراد بإثمي الذي يختص بي بسبب سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي، وتبوء بإثمك في قتلي.

وهذا يوافق معناه معنى ما ثبت في صحيح مسلم في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " يؤتى يوم القيامة بالظالم والظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه "(1)، ومثله قوله تعالى:(وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) وقيل المعنى أني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) أي أن لا تميد بكم، وقوله:(يبين الله لكم أن تضلوا) أي أن لا تضلوا.

وقال أكثر العلماء: إن المعنى أني أريد أن تبوء بإثمي أي بإثم قتلك لي وإثمك الذي قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي، قال الثعلبي هذا قول عامة المفسرين. وقيل المعنى أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك فحذف المضاف،

(1) الباب العاشر من كتاب المظالم في صحيح البخاري- الباب الثاني من كتاب القيامة في صحيح الترمذي.

ص: 398

وقيل هو على وجه الإنكار كقوله تعالى: (وتلك نعمة) أي أو تلك نعمة، قاله القشيري ووجهه بأن إرادة القتل معصية.

وسئل أبو الحسن بن كيسان كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار فقال: وقعت الإرادة بعدما بسط يده إليه بالقتل، وهذا بعيد جداً وكذلك الذي قبله، وقال الزمخشري: ليس ذلك بحقيقة الإرادة لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطّن نفسه على الاستسلام للقتل طلباً للثواب فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً، وإن لم يكن مريداً حقيقة إهـ وأصل باء رجع إلى المباءة وهي المنزل (وباؤا بغضب من الله) أي رجعوا (1).

(فتكون من أصحاب النار) أي الملازمين لها (وذلك جزاء الظالمين) أي جهنم جزاء من قتل أخاه ظلماً.

(1) قال القرطبي 6/ 136: قال علماؤنا: وذلك مما يجوز التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً، وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب " التذكرة " قلت: حديث أبي ذر في " المسند " 5/ 149، وأبي داود 4/ 124، وابن ماجه 2/ 1308 وفيه " أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك.

قال: فإن لم أترك؟ قال: فات من أنت منهم، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: إذن تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك " وفي معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة، انظر " سنن أبي داود " كتاب الفتن.

ص: 399

(فطوّعت له نفسه) أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وزينت له وصورت له أن (قتل أخيه) طوع يده سهل عليه، يقال تطوع الشيء أي سهل وانقاد، وطوّعه فلان له أي سهله، قال الهروي، طوعت وطاوعت واحد، يقال طاع له كذا إذا أتاه طوعاً، وفي ذكر تطويع نفسه له بعدما تقدم من قول قابيل لأقتلنك، وقول هابيل لتقتلني، دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك المقاولة.

ص: 399

(فقتله) قال ابن جريج ومجاهد وغيرهما: روي أنه جهل كيف يقتل أخاه فجاءه ابليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية.

أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قالوا: فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفنه.

وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل "(1).

واختلف في موضع قتله فقال ابن عباس: على جبل نود، وقيل على عقب: حراء وقيل بالبصرة عند مسجدها الأعظم، وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة.

(فأصبح من الخاسرين) قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته، أما دنياه فأسخط والديه وبقي بلا أخ وأما آخرته فأسخط ربه وصار إلى النار.

(1) مسلم 1677 - البخاري 1575.

ص: 400

(فبعث الله غراباً يبحث في الأرض) أي يحفرها وينثر ترابها وينبش بمنقاره برجليه ويثيره على غراب ميت معه حتى واراه (ليريه) الله أو الغراب (كيف يواري سوأة أخيه) أي عورته وجيفته وما لا يجوز أن ينكشف من جسده، قيل: إنه لما قتل أخاه لم يدر كيف يواريه لكونه أول ميت مات من بني

ص: 400

آدم، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثى عليه.

فلما رآه قابيل (قال يا ويلتا) كلمة تحسر وتحزن وتلهف وجزع، والألف بدل من ياء المتكلم كأنه دعا ويلته أن تحضر في ذلك الوقت وتلزمه، وقال الكرخي: أي يا هلاكي تعال، والويلة الهلكة وتستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، وفيه اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، وأصل النداء أن يكون لمن يعقل وقد ينادى ما لا يعقل مجازاً.

(أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) الذي وارى الغراب الآخر، والكلام خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه لمواراة أخيه كما اهتدى الغراب إلى ذلك (فأواري سوأة أخي) يعني فأستر جيفته وعورته عن الأعين (فأصبح من النادمين) قيل لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده لا على قتله وقيل غير ذلك.

روي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض، فالسودان من ولده وكان آدم يومئذ بمكة فاشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه فقال آدم قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فوجد قابيل قد قتل هابيل، قال الزمخشري ويروى أنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا محول ملحون، وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر.

قال الرازي: ولقد صدق صاحب الكشاف فيما قال فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق إلا بالحمقاء من المتعلمين فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة.

ص: 401

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

ص: 402

(من أجل ذلك) القاتل وجريرته وبسبب معصيته، وقال الزجاج: أي من جنايته قال يقال أجل الرجل على أهله شراً يأجل أجلاً إذا جنى، مثل أخذ يأخذ أخذاً (كتبنا على بني إسرائيل) أي فرضنا وأوجبنا عليهم يعني أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكتب المذكورة على بني إسرائيل، وعلى هذا جمهور المفسرين، وخص بني إسرائيل بالذكر لأن السياق في تعداد جناياتهم، ولأنهم أوّل أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء وقتلهم للأنبياء.

وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل، وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل، قال بعضهم هو من تمام الكلام الذي قبله، والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك، يعني من أجل أنه قتل هابيل ولم يواره، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول.

فعلى هذا يزول الإشكال ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أنه ابتداء كلام متعلق بكتبنا فلا يوقف عليه، وفي السيد على الكشاف وخص بني إسرائيل مع أن الحكم عام لكثرة القتل فيهم حتى إنهم تجرَّؤوا على قتل الأنبياء إهـ وقيل غير ذلك.

(أنه من قتل نفساً) واحدة من هذه النفوس ظلماً (بغير نفس) توجب القصاص فيخرج عن هذا من قتل نفساً بنفس قصاصاً، وقد تقرر أن كل

ص: 402

حكم مشروط بتحقق أحد شيئين فنقيضه مشروط بانتفائهما معاً، وكل حكم مشروط بتحققهما معاً فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه.

(أو فساد في الأرض) فيستحق به القتل، وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو فقيل هو الشرك والكفر بعد الإيمان، وقيل قطع الطريق.

وظاهر النظم القرآني أنه ما يصدق عليه أنه فساد في الأرض، فالشرك فساد في الأرض وقطع الطريق فساد في الأرض، وسفك الدماء وهتك الحرم ونهب الأموال فساد في الأرض، والبغي على عباد الله بغير حق فساد في الأرض، وهدم البنيان وقطع الأشجار وتغوير الأنهار فساد في الأرض، فعرفت بهذا أنه يصدق على هذه الأنواع أنها فساد في الأرض، وهكذا الفساد الذي يأتي في قوله:(ويسعون في الأرض فساداً) يصدق على هذه الأنواع، وسيأتي تمام الكلام على معنى الفساد قريباً.

(فكأنما قتل الناس جميعاً) أي في الذنب قاله الحسن، واختلف المفسرون في تحقيق هذا التشبيه للقطع بأن عقاب من قتل الناس جميعاً أشد من عقاب من قتل واحداً منهم، فروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبياً أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعاً.

(ومن أحياها) بأن شدّ عضده ونصره (فكأنما أحيا الناس جميعاً) أي في الأجر قاله الحسن، وروي عن مجاهد أنه قال: أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً، فلو قتل الناس جميعاً لم يزد على هذا، قال ومن سلم من قتلها فلم يقتل أحداً فكأنما أحيا الناس جميعاً.

وقال ابن زيد المعنى: أن من قتل نفساً فيلزمه من القود والقصاص ما يلزمه من قتل الناس جميعاً ومن أحياها أي من عفا عمن وجب قتله فله من

ص: 403

الثواب مثل ثواب من أحيا الناس جميعاً، وحكي عن الحسن أنه العفو بعد القدرة يعني أحياناً، وروي عن مجاهد أن إحياءها إنجاؤها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة.

وقيل: المعنى أن من قتل نفساً فالمؤمنون كلهم خصماؤه لأنه قد وتر الجميع، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً أي وجب على الكل شكره، وقيل المعنى أن من استحل واحداً فقد استحل الجميع، لأنه أنكر الشرع، ومن تورع عن قتل مسلم فكأنما تورع عن قتل جميعهم فقد سلموا منه.

وعلى كل حال فالإحياء هنا عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة، فهو مجاز إذ المعنى الحقيقي مختص بالله عز وجل، والمراد بهذا التشبيه في جانب القتل ْتهويل أمر القتل وتعظيم أمره في النفوس حتى ينزجر عنه أهل الجرآة والجسارة، وفي جانب الإحياء الترغيب في العفو عن الجناة واستنقاذ المتورطين في الهلكات، ولذلك صدر النظم الكريم بضمير الشأن المنبي عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان.

سئل الحسن عن هذه الآية أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل، فقال: أي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا.

(ولقد جاءتهم) أي بني إسرائيل (رسلنا بالبينات) الدلالات الواضحات، جملة مستقلة مؤكدة باللام الموطئة للقسم متضمنة للإخبار بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد جاؤا العباد بما شرعه الله لهم من الأحكام التي من جملتها أمر القتل.

وثم في قوله: (ثم إن كثيراً منهم) للتراخي الرتبي والاستبعاد العقلي (بعد ذلك) أي ما ذكر مما كتبه الله على بني إسرائيل من تحريم القتل (في الأرض لمسرفون) في القتل لا ينتهون عنه، أو لمجاوزون الحق لا يبالون بعظمته.

ص: 404