المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مقدمة التحقيق: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى صحابته - فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

[حامد بن محسن]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌شرح البسملة:

- ‌كتاب التوحيد:

- ‌باب في أنواع الشرك

- ‌باب: فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

- ‌باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب

- ‌باب: الخوف من الشرك

- ‌باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌باب: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

- ‌باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه

- ‌باب: ما جاء في الرقي والتمائم

- ‌باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما

- ‌باب ما جاء جاء في الذبح لغير الله

- ‌باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله

- ‌باب: من الشرك النذر لغير الله

- ‌باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله

- ‌باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره

- ‌باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ

- ‌باب قول الله {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}

- ‌باب: الشفاعة

- ‌باب قول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [

- ‌باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

- ‌باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده

- ‌باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله

- ‌باب: ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك

- ‌باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان

- ‌باب: ما جاء في السحر

- ‌باب بيان شيء من أنواع السحر

- ‌باب: ما جاء في الكهان ونحوهم

- ‌باب: ما جاء في النشرة

- ‌باب: ما جاء في التطير

- ‌باب: ما جاء في التنجيم

- ‌باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء

- ‌باب قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً

- ‌باب: قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ

- ‌باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [

- ‌باب: قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ

- ‌باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله

- ‌باب: ما جاء في الرياء

- ‌باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا

- ‌باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله

- ‌باب قول الله تعالى {يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}

- ‌باب: من جحد شيئاً من الأسماء والصفات

- ‌باب: قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا

- ‌باب: قول الله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

- ‌باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله

- ‌باب قول ما شاء شئت

- ‌باب: من سب الدهر فقد آذى الله

- ‌باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه

- ‌باب: احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك

- ‌باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول

- ‌باب ما جاء قول الله تعالى {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ}

- ‌باب قول الله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [

- ‌باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى

- ‌باب: لا يقال: السلام على الله

- ‌باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت

- ‌باب: لا يقول: عبدي وأمتي

- ‌باب لا يرد من سأل بالله

- ‌باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

- ‌باب ما جاء في اللوء

- ‌باب: النهي عن سب الريح

- ‌اب: قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}

- ‌باب: ما جاء في منكري القدر

- ‌باب: ما جاء في المصورين

- ‌باب: ما جاء في كثرة الحلف

- ‌باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه

- ‌باب: ما جاء في الإقسام على الله

- ‌باب: لا يستشفع بالله على خلقه

- ‌باب: ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك

- ‌باب: ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}

الفصل: ‌ ‌مقدمة التحقيق: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى صحابته

‌مقدمة

التحقيق:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى صحابته ومن اهتدى بهداه أما بعد: فإن الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة 256 -رحمه الله تعالى- قد بادر في صحيحه:"الجامع الصحيح" إلى عقد كتاب فيه باسم: "كتاب التوحيد" أي توحيد العبادة، فجمع فيه أصول هذا الباب، وقفاه أئمة هذا الشأن، حتى إذا كان في القرن السابع الهجري، وفاتحة القرن الثامن قيض الله أبا العباس، تقي الدين، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية النميري المتوفى سنة 728 –رحمه الله تعالى- فبذل جهدا مباركا في هذا الباب، فقرر مسائل التوحيد، أتم التقرير، ونفض عنه غبار الوثنيين، والقبوريين، والمتصوفة، وأغاليط الجاهلين، وقفاه تلامذته من بعده، وفي مقدمتهم تلميذه صاحب التصانيف المفيدة أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 -رحمه الله تعالى- وكان على الجادة الإسلامية الصافية أئمة حفاظ منهم: ابن عبد الهادي، والذهبي، وابن كثير، وابن رجب، والمقريزي، وأفرد فيه كتاباً سماه:"تجريد التوحيد" وهكذا. حتى وصلت النوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي المتوفى سنة 1206 –رحم الله الجميع- فألف كتابه: "كتاب التوحيد" الذي عقده في (ستة وستين) باباً، بناه على آيات القرآن العظيم، وأحاديث النبي الكريم، وما عليه الصحابة والتابعون –رضي الله عنهم

ص: 5

أجمعين- ثم يختم كل باب بما فيه من المسائل أكثرها ثلاثون مسألة في الباب، وأقلها مسألتان في الباب، فتناوله العلماء في أكثر من عشرين مؤلفاً، شرحاً، وتحشية، وتوضيحاً، وجلها –ولله الحمد- مطبوعة، متداولة، وكان أولها شرح حفيده الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة 1233 باسم:"تيسير العزيز الحميد" لكن لم يكمله، وأشهرها على الإطلاق:"فتح المجيد" لحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة 1285، وكانت طبعته الأولى سنة 1311 لكنها ناقصة.

ومن بين هذه الشروح هذا الكتاب: "فتح الله الحميد المجيد شرح كتاب التوحيد" لمؤلفه الشيخ/ حامد بن محمد بن حسن بن محسن. المطبوع سنة 1317 في أمرتسار من عمل الهند، وهو أول شرح يطبع كاملا لكتاب التوحيد. والمؤلف –رحمه الله تعالى- لا نعرف عنه شيئاً أكثر مما ذكر، وبعد البحث علمت أنه من (الشارقة) في:(الإمارات العربية المتحدة) .

ولم أر له مؤلفا سوى هذا الكتاب، وكتاب آخر طبع في آخره باسم:"جلاء العينين في بيان الدينين" وهو نظم افتتحه بقوله:

حمدنا ونحن الحامدون لربنا

لنا ملجأ ذخر لنا ورجاء

وعدد أبيات هذه المنظومة، نحو (ألف) بيت.

وأما مؤلَّفه هذا: فكنت تحصلت على نسخته المذكورة عام 1385 هدية من المدرس بالمسجد الحرام الشيخ علي بن محمد بن

ص: 6

عبد العزيز الهندي الحائلي ثم المكي –أثابه الله-.

وكان في أوله نقص، فوجدت نسخة منه في:"المكتبة السعودية بالرياض" وما أن اتصلت بأمينها –أثابه الله- إلا وصدَّر لي نسخة منه وبعث بها إلي فكمل بها النقص في الأولى –والحمد لله-.

ولما قرأت هذا الشرح وجدته نفيساً، سهل العبارة1، دقيق المعاني، محرر المدارك، فأحببت أن أنشره ليعم نفعه، وينتشر الدعاء لمؤلفه، -رحمه الله تعالى-.

طريقة المؤلف في الشرح:

هي أنه –رحمه الله تعالى- يمزج المتن بالشرح، ويربط بينهما بما يوضح مقاصده، ويزيد في إفادة قارئه.

وقد شرح مقدمة الكتاب وجميع أبوابه سوى الباب السادس والعشرين وهو:

(باب ما جاء في النشرة) فقد ساقه دون تعليق عليه.

واقتصد في شرحه لكل باب على:

1-

إيضاح الترجمة.

2-

تفسير الآيات.

3-

شرح الأحاديث والآثار.

أما المسائل التي في آخر كل باب من المتن: (كتاب التوحيد) فلم يعلق عليها بشيء، بل لم يأت بها في سياقه.

ولهذا: رأيت أن أذكر كل باب من المتن قبل الشرح. وأن أجعل عناوين بداية شرح كل باب في أعلى يسار الصفحة عند بداية

1وفيه بعض ألفاظ وتراكيب قد يستنكرها العربي الفصيح.

ص: 7

كل باب، واقتصرت خدمة التحقيق بالمقابلة، والتصحيح وتخريج مختصر للأحاديث والآثار، وعزو النقول إلى مصادرها، ما أمكن ذلك.

ثم إتباعه بفهارس كاشفة، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

بكر بن عبد الله أبو زيد

30/10/1416 في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم

ص: 8

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الشرح:

الحمد لله الذي تفرد بالملك، والملكوت، والعظمة، والجبروت، بقهره وعزته، خلق السماوات والأرض وما بينهما، وجعل الظلمات والنور بعلمه وقدرته، ودَبَّرَ العالمين بالتدبير الكامل، التام، الحسن برحمته، وحكمته، وكرَّم ابن آدم بالصورة الحسنة، ورزقه من الطيبات على سائر بريته، وخص الجن والإنس من بين خلقه بآياته المبينة لأحكامه، ورسالته، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل معهم الكتب، وأعطاهم المعجزات الباهرات؛ لإتمام حجته، وبيان محجته، وأَمَرَهُم أن يبلغوا رسالته: أن لا يعبدوا إلا الله، ولا يشركوا في ربوبيته، وألوهيته، وخَصَّ من بين الرسل محمد بن عبد الله نبيَّا، ورسولاً لآخر الزمان، لتجديد طريقة إبراهيم وملته الحنيفية التي تُنَادي على رؤوس الملأ أن لا نشرك بالله في ربوبيته ووحدانيته، فأنذر صلى الله عليه وسلم بصوته الأعلى على الصفا من سمع النداء أن لا وَاقِيَ من عذاب الله ونقمته، وعَمَّ وخَصَّ صلى الله عليه وسلم وقال:"اشتروا أنفسكم عن الله لا أغني عنكم من الله شيئاً"1. في دنياه وآخرته، فأبى المشركون إلا التبرك باللات، والعُزَّى، ومناة، والصالحين في مدة دعوته، فأذن الله له بقتال من أبى عن التوحيد بماله، ونفسه، وحجته، بجهده، فحينئذ أذَلَّ الله المشركين فأذعنوا بوحدانية الله وألوهيته، وأكمل الله الدين على يده صلى الله عليه وسلم فليس لأَحَدٍ يَدَّعِي متابعته أن يحيد عن شريعته، فلما أراد الله أن يختاره صلى الله عليه وسلم قال مبلغاً وناصحاً ومبيناً لأمته: "خلفت فيكم الثقلين لن

1أخرجه البخاري (2753) و (4771) ، ومسلم (204) و (206) .

ص: 9

تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي" 1 الحديث. فيا متبعي محمد امتثلوا وصيَّته، وإنَّه لمَّا توفي صلى الله عليه وسلم ووقع بعض الخلل في ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من بعض المنافقين، واليهود، ليغيروا دينه ويخلوا بملته، منَّ الله على العباد بالراسخين في العلم، فاجتهدوا في جمع ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أقواله، وأفعاله، وفسروا القرآن بما سمعوا من التابعين مما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم كل على حِدَتِه، الأئمة المتقنون، والثقات الراسخون، مثل محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري، وأبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، وأبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، وأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وأبي داود سليمان بن الأشعت السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وأبي (محمد) عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني وغيرهم، ضبطوا الأحاديث، وَفَرَزُوْهَا، وبَيَّنُوا صَحِيْحَهَا مِنْ سَقِيْمَهَا وقَوِيّهَا مِنْ ضَعِيفِهَا وبوَّبوها، ونَوَّعُوهَا من جهة الأسانيد والرواة على ثمانية وثلاثين نوعا أعلاها الصحيح.

وقد اجتهد في جمعه وجدّ محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج، واتفق على صحة ما فيهما علماء الأمصار، وأهل الدراية بالرواية من الراسخين في العلم، وسائر الأنواع ذكرها الثقات الراسخون.

هذا وقد أمر الله تعالى عباده إذا تنازعوا في الأمر أن يرجعوا ويردوا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، وقال الله تعالى:

1 أخرجه أبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" عن أبي هريرة كما في "كنز العمال"(1/173) رقم 875.

ص: 10

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] . فبان من منطوق الآية فرضية الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وبان من مفهوم الآية عدم إيمان مَنْ لَمْ يَرِدِ الأمر عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإذا وُزِنَ الأمر المُنَازَعُ فيه بميزان الوحيين، فما وافقهما فهو القِسْطُ الذي أمر الله به، وهو الحق، وما خالفهما فهو الباطل، والضلال، قال تعالى:{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ} [يونس: 32] .

ولَمَّا غفل أكثر الناس عن كتابه، وسنة رسوله، وتدبر ما فيهما من الحِكَم والمعاني،، ولم يتبعوهما كما هما، بل ونَقَصُوا، وغَيَّروا، وبَدَّلُوا، وقَدَّمُوا، وأَخَّرُوا، ومضى على ذلك سنين عديدة، ومدة مديدة، واعتادوا عليه وأباً وجداًّ، فحينئذ صعب عليهم الالتفات إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لما ذُكِّروا بهما، وحُضُّوا على الرجوع إليهما عند التنازع لما رأوا من غربة ما في الكتاب والسنة لما بينهم؛ لمخالفتهم الكتاب والسنة في أكثر الأمور قصداً وفعلاً وقولاً، وذلك مصداق قول الرسول الصادق المصدوق "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون ما أفسد الناس" 1. وقال صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا اسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدي، علمائهم شر من تحت أديم السماء، منهم تخرج الفتنة وفيهم تعود". الحديث رواه علي بن أبي طالب رضي الله

1 أخرجه مسلم (145) إلى قوله: فطوبى للغرباء. رواه أحمد (4/73) بتمامه من حديث عبد الرحمن بن حسنة.

ص: 11

عنه1، كيف لا وقد آن في هذا الزمان {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} . [المائدة: 104] .فجعلوا حجة صحة ما هم عليه من مخالفة الكتاب والسنة فعل آبائهم ولو طلب منهم برهاناً أو حجة لم يأتوا بغير هذا، كما قال تعالى:{أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون} . [الزخرف: 22] . وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} . [الزخرف: 23] . يخبر تعالى رسوله ويسليه أن كل قوم قالوا لنبيهم هذا المقال، فلا تعجب من قومك في هذا ولكن العجب كل العجب من ناس يدعون الإيمان بالله والكتاب واليوم الآخر وهم كاذبون، قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} . [البقرة: 9] . وذلك لأنهم لو كانوا صادقين في الإيمان لقدموا أمر الله ورسوله على غيرهما، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . [الحجرات: 1] .

قال البيضاوي وغيره من المفسرون: المعنى: لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكما به، فإذا كان هذا أمر الله، فكيف يتصور ويسوغ التشريع بما لم يأذن به الله ورسوله؟ وقد قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ

1أخرجه الديلمي في " مسنده"(1/107) بإسناد ضعيف جداً. وانظر "السلسلة الضعيفة" للألباني (1936) .

ص: 12

مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} . [الشورى: 21] . كيف وقد قال الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} . [الأعراف: 3] . وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} . [آل عمران: 103] . فسر بالقرآن والإسلام، وقال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} . [الأنعام: 153] . عن عبد الله بن مسعود قال: "خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطَّا ثم قال: "هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاَّ عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 1. وعن ابن عباس: "من تعلم كتاب ثم تعلم ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه يوم القيامة سوء الحساب". وفي رواية قال: "من اقتدى بكتاب الله لا يضل في الدنيا ولا في الآخرة ثم تلا هذه الآية: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} . [طه: 123] . رواه رزين2.

وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: منهي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي"3. ومعلوم بالضرورة أن

1 أخرجه أحمد (1/435 و465) والدارمي (1/67) والحاكم (2/318) وصححه ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث جابر.

2 أخرجه الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عباس قوله وانظر "الدر المنثور"(4/556) .

3 روى من حديث أنس وأبي هريرة ومعاوية وعوف بن مالك وابن عمرو بمعناه، وبعضها يقوي بعضاً. فأخرجه عن أنس أحمد 3/145، وابن ماجه (3993) ، وأخرجه عن أبي هريرة أحمد (2/332) ،وأبو داود (4596) ، والترمذي =

ص: 13

الذي عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو الكتاب والسنة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تمسك بسنتي عند فساد أمتي، فله أجر مائة شهيد"1. فعلم من هذا أن أمته تفسد، فحينئذ لازم على المسلم أن يتبع الكتاب والسنة ويترك الأهواء والآراء كيف لا، وقد ورد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: "أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيَّا ما وسعه إلا اتباعي"2. فإذا كان موسى كليم الله ورسوله لو كان حيَّا ما وسعه إلا أن يتبع الرسول فيما يقول، فكيف بغيره يسوغ له أن يزيد أو ينقص عما أمر الله ورسوله، كيف وقد ورد أن أبا بكر الصديق وابن مسعود والمقدام وسلمان الفارسي وهم عشرة أنفار اجتمعوا في بيت عثمان بن مظغون وذلك وعظ وعظهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: تعالوا نتعاهد ونتحالف على أعمال زائدة لعل الله يرحمنا: نصوم دائماً ولا نفطر، ونصلي الليالي ولا نرقد، ونعتزل النساء ونتزهد في الدنيا، ونترك اللحم والدسم، ونلبس فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأتاهم وقال:"إني ما أمرت بذلك، إني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، وآكل اللحم والدسم ومن رغب عن سنتي فليس مني". فقالوا: كيف نفعل بحلفنا يا

= (2642) ، وصححه وأخرجه عن معاوية أحمد (2/102) ، وأبو داود (4597) وصححه الحاكم 1/128. وأما حديث عوف بن مالك فأخرجه ابن ماجه (3992) . وانظر مجمع الزوائد 7/510-514.

1 رواه ابن عدي في "الكامل"(2/90) وسنده ضعيف جداً، وانظر "السلسلة الضعيفة"(3269) .

2 أخرجه بهذا الفظ البيهقي في شعب الإيمان (1/479، 480) ، وأخرجه بنحوه أحمد في المسند 3/387، وانظر: الإرواء 1589.

ص: 14

رسول الله؟ فأنزل الله: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} . [المائدة: 89] .ذكره الكاشف1 في تفسير هذه الآية.

وعن أنس قال: "جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا بها تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداَ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكن أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" 2. متفق عليه. فإذا كان اجتهاد الصحابة في ما لم يأمر به الله ولا رسوله خطأ وليس من الرسول إذا فعلوا ذلك، فكيف بزوائد ونقائص ما يفعلونه في هذا الزمان ويجعلونه سنة مطرودة بل أشد من السنة، لأنهم لا يُخِلُّون بالسنة، كيف يسوغ ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض: "عليكم بسنتي وسنة الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وتمسكوا بها، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". فإنه صلى الله عليه وسلم قد عم ولم يخص بل قال:"كل بدعة ضلالة".

ومن أعجب العجاب من يترك شمس الضحى ويستنير بنور السهى، يترك قول الرسول المعصوم عن الخطأ والنسيان ويستدل بقول من يجوز عليه الزلة والهفوان، ولا يؤمن عليه من الذنوب والعصيان،

1 أي الزمخشري في: تفسيره الكشاف. ويظهر أن المؤلف –رحمه الله تعالى- تعوزه الكتب، فينقل من تفسير الزمخشري، والبيضاوي ما يعتقده حقَّا، دون ما وقعا فيه. والله المستعان.

2 رواه البخاري (5063) ومسلم (1401) .

ص: 15

يترك قول من فرض الله طاعته ويتعلق بقول من نهى الله تعالى أن يقبل قوله إلا بميزان الكتاب والسنة.

فلما تعلقوا بالآراء والأهواء وتركوا متابعة الشريعة كما هي وقعوا في الشرك والكفر والشقاق، قال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} . . [النور: 63] .

قال الإمام أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} . أتدري ما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في شيء من الزيغ فيهلك.

هذا ولم تزل الحال على ما وصفنا من الأمور العظام إلى أن أراد الله إزالة البدع والضلالات ونفي الشبهات والجهالات على يد من أقامه هذا المقام –نعني به خلف السلف الكرام المتبع لهدي سيد الأنام شيخ الإسلام1- وذلك تصديق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". رواه أبو داود والحاكم والبيهقي في "المعرفة" وإسناده صحيح. فخصه الله في هذا الزمان بهذا الفضل العظيم –متبعة الكتاب والسنة وإزالة كل ضلالة وبدعة، أحسن الله له بجزيل الثواب- فإنه قد دعا إلى الله ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، وكَبُرَ على المخالفين أمره فلم ينته عن ذلك حتى قيض الله له أنصاراً وأعوناً، وصنف رحمه الله التصانيف في بيان التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب لأجله، وبيان دين سيد المرسلين الذي بعث به صلى الله عليه وسلم، مستدلاً في ذلك بالآيات القرآنية والسنن النبوية،

1 يعني/ الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي، المتوفى سنة 1206 –رحمه الله تعالى-.

ص: 16

وما ذكر في تفسيرهما من أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأئمة الدين رحمهم الله تعالى.

هذا ولما منَّ الله علي بالهدى بعد الضلال، أردت أن أسلك مع السالكين في مسلك التوحيد، وأمشي مع السابقين في ميدان الإخلاص والتجريد، وأُحَدِثَّ بما أنعم الله علي من نور الهدى والإيمان بعد ليالي الشرك والكفران، وأبين ما وفقني له من معاني التوحيد وشُعب الشرك بما يمكنني من التبيان، ولو لم أكن من سُباق هذا الميدان، ولكن أرجو من الرحمن أن أمشي على أثر العارفين بحول الله الكريم المنان.

فاستخرت الله في شرح "كتاب التوحيد" الذي صنفه شيخ الإسلام قامع البدع المشيعة والأمور الشركية الشنيعة، محيي السنن المحمدية والأحكام الشرعية، معتصماً بالكتاب والسنة، تاركاً للأهواء والآراء والبدع المضلة المدلهمة، قاصداً به إظهار دين سيد المرسلين، وبيان ما أمر الله ورسوله بالحجج والبراهين ولو خالفه المبطلون، ممعناً قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} . [البقرة: 159] .

واستعنت الله على أن يوفقني لما يحب ويرضى من القول السديد والبصر الحديد، بما أمكنني من معاني التوحيد وفوائد الإخلاص والتجريد، رجاء لما عنده من جزيل الثواب، ووقاية من أليم العقاب وسوء الحساب، إنه الكريم الوهاب، وعنده حسن المآب، وأرجوه من فضله العميم، وإحسانه القديم، والرجاء عنده ما يخيب، وهو القريب المجيب، وأن ينفع بما أذكر من نظر إليه بعين التبصر، والله الموفق المعين، وعليه توكلي وبه أستعين.

ص: 17