المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب: فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب - فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

[حامد بن محسن]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌شرح البسملة:

- ‌كتاب التوحيد:

- ‌باب في أنواع الشرك

- ‌باب: فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

- ‌باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب

- ‌باب: الخوف من الشرك

- ‌باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌باب: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

- ‌باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه

- ‌باب: ما جاء في الرقي والتمائم

- ‌باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما

- ‌باب ما جاء جاء في الذبح لغير الله

- ‌باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله

- ‌باب: من الشرك النذر لغير الله

- ‌باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله

- ‌باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره

- ‌باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ

- ‌باب قول الله {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}

- ‌باب: الشفاعة

- ‌باب قول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [

- ‌باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

- ‌باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده

- ‌باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله

- ‌باب: ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك

- ‌باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان

- ‌باب: ما جاء في السحر

- ‌باب بيان شيء من أنواع السحر

- ‌باب: ما جاء في الكهان ونحوهم

- ‌باب: ما جاء في النشرة

- ‌باب: ما جاء في التطير

- ‌باب: ما جاء في التنجيم

- ‌باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء

- ‌باب قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً

- ‌باب: قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ

- ‌باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [

- ‌باب: قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ

- ‌باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله

- ‌باب: ما جاء في الرياء

- ‌باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا

- ‌باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله

- ‌باب قول الله تعالى {يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}

- ‌باب: من جحد شيئاً من الأسماء والصفات

- ‌باب: قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا

- ‌باب: قول الله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

- ‌باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله

- ‌باب قول ما شاء شئت

- ‌باب: من سب الدهر فقد آذى الله

- ‌باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه

- ‌باب: احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك

- ‌باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول

- ‌باب ما جاء قول الله تعالى {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ}

- ‌باب قول الله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [

- ‌باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى

- ‌باب: لا يقال: السلام على الله

- ‌باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت

- ‌باب: لا يقول: عبدي وأمتي

- ‌باب لا يرد من سأل بالله

- ‌باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

- ‌باب ما جاء في اللوء

- ‌باب: النهي عن سب الريح

- ‌اب: قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}

- ‌باب: ما جاء في منكري القدر

- ‌باب: ما جاء في المصورين

- ‌باب: ما جاء في كثرة الحلف

- ‌باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه

- ‌باب: ما جاء في الإقسام على الله

- ‌باب: لا يستشفع بالله على خلقه

- ‌باب: ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك

- ‌باب: ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}

الفصل: ‌باب: فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

متن الباب 1

‌باب: فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} . [الأنعام: 82] .

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". أخرجاه. ولهما في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله".

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال موسى: يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال يا موسى: قل لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قاليا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله". رواه ابن حبان، والحاكم وصححه.

وللترمذي وحسنه عن أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك

ص: 102

بقُرابها مغفرة".

فيه مسائل:

الأولى: سعة فضل الله.

الثاني: كثرة ثواب التوحيد عند الله.

الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.

الرابعة: تفسير الآية "82" التي في سورة الأنعام.

الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة.

السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: "لا إله إلا الله" وتبين لك خطأ المغرورين.

السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان.

الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله.

التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيراً ممن يقولها يخف ميزانه.

العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسموات.

الحادية عشرة: أن لهن عماراً.

الثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافاً للأشعرية.

الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان:"فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، ينبغي بذلك وجه الله" أنه ترك الشرك، ليس

ص: 103

قولها باللسان.

الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه.

الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.

السادسة عشرة: معرفة كونه روحاً منه.

السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.

الثامنة عشرة: معرفة قوله: "على ما كان من العمل".

التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.

العشرون: معرفة ذكر الوجه.

ص: 104

شرح الباب1

باب في بيان فضل التوحيد عند الله وما يكفر من الذنوب بالكتاب والسنة

أما الكتاب وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ} . أي صدقوا وأذعنوا بأنه الرب الملك المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وملكه وعبادته ولا في أسمائه وصفاته وأنه قيم السموات والأرضين ومن فيهن قائم بذاته فهو الغني عمن سواه وقيوم بالخلق والخلق فقراء إليه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} . [فاطر: 15] . وأيضاً وآمنوا بملائكته على ما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسيما جبريل فإنه أمين على الوحي وميكائيل موكل على الأقطار وعزرائيل1 فإنه موكل على قبض الأرواح وإسرافيل فإنه موكل على نفخ الصور وآمنوا بكتبه أنها مائة صحيفة وأربع كتب: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، وكلها كلام الله منزلة غير مخلوقة وآمنوا برسله وأنبيائه مجموعهم وأربع وعشرون ألفاً والرسل ثلاثة مائة وثلاثة عشرة رسولاً وأولوا العزم منهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وقد نظمت الجميع مجملاً:

الأنبياء كلهم عجم وأولهم

نوح وآخرهم من كان من مضر

جا عُرْبُهُم ستة نوح وصالحهم

هود ولوط وشعيب سيد البشر

أيضاً أولو عزمهم موسى وآدمهم

عيسى محمد إبراهيم فادكر

ما أنزل الله ممَّا سُمِّيَ الصحف

عدت لنا مائة بالنقل والخبر

وما أتى كتباً في العد أربعة

هذا التجاميل والنقصان واختبر

1 لو قال: وملك الموت، فإنه.. لكان أولى: لأن تسميته باسم: "عزرائيل" لم يثبت فيه شيء مرفوع. وانظر: حرف العين من كتاب: "معجم المناهي اللفظية".

ص: 105

وآمنُوا باليوم الآخر: أن الله يبعث الخلق كلهم؛ لفصل القضاء.

وآمنوا بالقضاء والقدر: "أن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: وماذا أكتب قال: اكتب مقادير كل شيء فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" 1 قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ِلكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} . [الحديد: 22، 23] . وهم مع ذلك لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي لم يشوبوه ولم يخلطوه بشرك بل أخلصوا لله تعالى أعمالهم وأقوالهم وإراداتهم ونياتهم ولم يقربوا حمى الشرك بل ابتعدوا منه أشد الابتعاد حذراً من وقعهم فيه أولئك لهم الأمن في الدارين:

أما في الدنيا فيدفع عنهم بأمره الكوني وأمره الشرعي السوء أما أمره الشرعي يأمرهم بتوحيده وطاعته لئلا لا يقعوا في غضبه وناره، وأما أمره الكوني إما عامًّا يعم الأسواء والشرور كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} . [الحج: 38] .

وإما خاصًّا بشيء كما يدفع عنهم الذل والخذلان ويؤيدهم بالعز والنصر كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} . [غافر: 51] . ويدفع عنهم الضلال قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} . [العنكبوت: 69] . ويدفع عنهم كيد العدو والكرب قال تعالى: {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} . [الأنبياء: 76] . ويدفع عنهم الضر والأذى قال تعالى:

1 رواه الإمام أحمد (5/317) ، والترمذي (3319) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً، وأخرجه الطبراني في "الأوائل"(1) من حديث ابن عباس.

ص: 106

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} . [الأنبياء: 83، 84] . ويدفع عنهم الهم والغم قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} . [الأنبياء: 87، 88] . ويدفع عنهم السوء والفحشاء قال تعالى: {ذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} . [يوسف: 24] . ويدفع عنهم عند الأجل الخوف والحزن ببشراء يرسل إليهم ملائكته يبشرونهم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} . [فصلت: 30] . ويدفع عنهم الضيق والكرب عند نزع الروح من الجسد كما في مسند الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمّا يُلْحَد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال:"استعيذوا بالله من عذاب القبر". مرتين أو ثلاثاً ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة أنزل الله ملائكته من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة المطمئنة إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج

ص: 107

كأطيب نفحة مسك وجدت في الأرض، فيصعدون فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا إلى السماء السابعة، فيقول الله –عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليِّين وأعيدوه في الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به، فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً من الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويُفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربّ أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي" 1.

ويدفع عنهم في الآخرة عسر الحساب، قال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} . [الانشقاق: 7-9] . ويدفع عنهم كرب الموقف ويدخلهم الجنة، قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ

1 رواه الإمام أحمد (4/287) من حديث البراء بن عازب، وقد أفاض القول فيه سنداً ومتناً ابن القيم -رحمه الله تعالى- في:"كتاب الروح".

ص: 108

أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} . [الزمر: 73] . فبين الله أن المؤمن آمنٌ من كل ضر وسوء ومكروه في الدنيا إلا إذا أراد الله استخباره بما هو خير له وصلاح، إما رفعاً لدرجته وكفارة لسيئاته أو أنه يؤول إلى حسن العاقبة استخبره بالبلايا والمحن، قال تعالى:{الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} . [العنكبوت: 1، 3] . وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} . [البقرة: 214] . وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله سبحانه إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فعليه السخط"1. رواه الترمذي.

وهذا في الحقيقة خيرة لهم ولكن الناس لا يعلمون، كما قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} . [البقرة: 216] . وأما غير المؤمن فبعكس ما هو للمؤمن، قال تعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} . [طه: 124-126] . فبين أنه في سوء حال الدنيا والآخرة، ولو زخرفت لهم الدنيا فهم في ضنكها وشقائها وعنائها.

قال ابن القيم رحمه الله: "اعلم أن يقال تعذيبهم بها هو الأمر

1 رواه الترمذي (2396) من حديث أنس وإسناده حسن، وقال الترمذي:"حسن غريب" وفي الباب عن محمود بن لبيد أخرجه الإمام أحمد (5/427 و429) بنحوه.

ص: 109

المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة، بالحرص على تحصيلها والتعب العظيم في جمعها، ومقاساة أنواع المشاق كما قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب، ومحبها لا ينفك من ثلاث: هَمٌّ لازم، وتَعَبٌ، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئاً إلا طمحت نفسه إلى ما هو فوقه كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لها ثالثاً"1. فطالبها لا تستريح نفسه من التعب كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها إلى كدور، وعيشها نكد كما قيل:

فما في الأرض أشقى من محب

وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكياً في كل حال

مخافة فرقة أو اشتياق

فيبكي إن نأى شوقاً إليه

ويبكي إن دنا حذر الفراق

فتسخن عينه عند التلاقي

وتسخن عينه عند الفراق

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره:"الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه"2.

الحاصل أن مؤثر الدنيا على الآخرة في شقاء وعناء لا يكاد يوصف في الدنيا وفي الآخرة في عذاب مقيم.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد دل العقل، والنقل، والفطر

1 رواه مسلم (1048) من حديث أنس.

2 رواه الترمذي (2322) من حديث أبي هريرة وفي سنده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، صدوق يخطىء، ورمي بالقدر، وتغير بأخره، كما في "التقريب" وقال الترمذي: حسن غريب.

ص: 110

السليمة، وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها، وأهلها، ونِحَلِها: أن التقرب إلى رب العباد، وطلب مرضاته، والبر، والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب لكل خير وأضدادها من أكبر الأسباب لكل شر، فما استجلبت نعم قط ولا استدفعت نقم بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه وقد رتب الله تعالى حصول الخيرات في الدنيا والآخرة على الطاعات ورتب حصول الشر والمكروهات في الدنيا والآخرة على المعاصي وفي بعض الآثار عن الله تبارك وتعالى:"وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحبه ثم ينتقل إلى ما أكره إلا انتقلت له ما يحب إلى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره ثم ينتقل عنه إلى ما أحب إلا انتقلت له ما يكره إلى ما يحب" فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه مأمن، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف وذلك قوله:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} . [الأنعام: 82] .

عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" أي شهد أنه أحد لا جزء له وواحد لا ثاني له ووتر لا شفع له ورب لا مضاد له، وملك لا مماثل له، وإله لا شريك له في العبادة، له الملك وله الحمد وله الخلق وله الأمر قيم السموات والأرضيين ومن فيهن وربُّ كل شيء ومليكه، وكل شيء غيره مخلوق له مقهور تحت تصرفه وقهره لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وقال آخر: وكل إله غيره فهو باطل وإن قال بعض الناس ذاك وسماه فحاشاه مما قال فيه مشبه وحاشاه من إفك المعطل حاشاه ومن

ص: 111

ولد ظن، ومن والدة، ومن ذكر يعزى إليه وانثاه فسبحانه في ذاته وصفاته ويكفيك في تنزيهه:{قل هو الله} يشهد يذلك كله لأنها من لوازم الألوهية فمن أخل بشيء من ذلك لا تنفعه الشهادة لأن الشهادة المعهودة اعتراف بالجنان وبالوحدانية المطلقة ونطق باللسان وعمل على وفقها بالأركان ويشهد:

أن محمداً عبده ورسوله ويلزم مع ذلك أن تطيعه فيما قال وفيما ينهى، قال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . [الحشر: 7] . فإن لم يطعه لم تنفعه الشهادة.

"وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق" أي ثبوتها وما ذكر الله ورسوله في وصفها.

ويشهد أن: "النار حق" بثبوتها وما ذكر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في وصفها أدخله الله من فضله وكرمه الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه"1. على ما كان من العمل بعد أداء الفرائض وذلك لأنه تاركها أو بعضها إما مستحل لتركها فكافر على الإطلاق وإما مستهين بها فكافر أيضاً، وإما متكاسل عنها فقد أوعده الله بالويل في فرض الصلاة قال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} . [الماعون: 4، 5] .

فسر بثلاثة تفاسير: فُسِّر بتضييع الأوقات وقد أمر الله بمحافظتها، قال تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} . [البقرة: 238] .

وفسر بتضييع الأركان لا يطمئن في أركانها ولا يأتي بها على

1 رواه البخاري (5673 و6463) . ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة.

ص: 112

المشروع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أسرق السرقة من يسرق من صلاته قالوا: كيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها"1.

وفسر بعدم حضور القلب، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . [المؤمنون: 1، 2] . أخرجاه أي البخاري ومسلم.

ثم استدل الشيخ رحمه الله بما يدل على أن المراد ليس من لا إله إلا الله، لقلقة اللسان، وقعقعة الحروف، بل إنها لا تنفع قائلها إلا إذا قالها وهو يبتغي بذلك وجه الله أي يقولها إيماناً واحتساباً وذا في كل عمل كما قال صلى الله عليه وسلم:"من صام رمضان إيماناً واحتساباً"2. بمعنى أن يفعله عبادة لا عادة أي الباعث له حب الله وخوفه ورجاؤه وإلا مجرد لفظها بلا معرفة معناها والعمل بمقتضاها لا تنفع فإن المنافقين قالوا وشهدوا أن محمداً رسول الله وكذبهم الله قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} . [المنافقون:1] . وقالت الأعراب: آمنا، قال الله تعالى:{قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} . [الحجرات: 14] . فبان أن القول باللسان من دون اعتراف بالجنان وعمل بالأركان لا ينفع، كما قيل:

ما احترق لسان أحد بقوله نار

ولا استغنى أحد بقوله ألف دينار

وكل قول له حقيقة فإن جئت بحقيقته فَصَدَقْتَ وصُدِّقت، وقبل منك وإلا فلا.

1 رواه ابن حبان (1888) ، والحاكم (1/229) والبيهقي (2/386) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بنحوه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وله شواهد من حديث أبي قتادة ومن حديث أبي سعيد الخدري ومن حديث عبد الله بن مغفل.

2 رواه البخاري (38) ، ومسلم (760) عن أبي هريرة.

ص: 113

ويزيدك وضحاً ما ذكر ما ذكر أن وفد الأزد وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: "من الوافد ومن القوم؟ قالوا: إنا مؤمنون ،قال صلى الله عليه وسلم: لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانكم"؟ قالوا: إنا مؤمنون بخمسة عشر خصلة، خمس أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا رسلك أن نفعلها وخمس كنا عليها في الجاهلية، قال صلى الله عليه وسلم: ما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟ قالوا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قال: وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تفعلوها؟ قالوا: أمرتنا رسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن نصلي ونزكي ونصوم ونحج، قال صلى الله عليه وسلم: وما الخمس التي كنتم عليها في الجاهلية؟ قالوا: الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء، والثبات عند اللقاء، وترك شماتة الأعداء، قال: حكماء فقهاء كادوا يكونون من فقههم أنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: أنا أزيدكم بخمس: لا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، وازهدوا فيما عنه راحلون، وارغبوا فيما عليه مقبلون، وتوبوا إلى الله الذي أنتم أليه ترجعون". فتأمل.

قال الشيخ رحمه الله: ولهما في حديث عتبان مرفوعاً "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"1.

قلت: وهذا صريح في أن المقصود من لا إله إلا الله ليس مجرد قولها؛ بل ينبغي أن يقصد بقولها وجه الله أي ينفي الآلهة من حيث الجملة ويثبت الألوهية للأحد الواحد الصمد القيوم المعبود الذي

1 رواه البخاري (425 و667 و686 و6423 و6938) ومسلم (33) ، ومن حديث عتبان بن مالك.

ص: 114

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . [الشورى: 11] . ويعمل بمقتضى ذلك فيحب ويبغض، ويوالي وبعادي عليه، كما قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . [الزخرف: 26-28] . قالوا: الكلمة هي لا إله إلا الله جعلها في عقبه، وقال تعالى:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} . [الممتحنة: 4] . فهذه الآية هي معنى لا إله إلا الله كالآية التي قبلها، والعمل بمقتضى ذلك أن تستقيم عليه إلى أن يأتيك اليقين أي الموت، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} . [فصلت: 30] .

هذه حقيقة لا إله إلا الله، وإن أردت أن تأتي بها على أكمل الوجوه ينبغي أن تلاحظ فيها عشرة أمور: منها وفيها وبها وعنها، والعشرة: لفظها، ومعناها، وحقها، وحقيقتها، وحكمها، ولازمها، وفائدتها، مقتضاها، ونواقضها، ومتمماتها1.

1- أما لفظها: ينبغي للذاكر أن لا يمد ألف " لا" جِدًّا، وأن يقطع الهمزة من إله إذ كثيراً ما يلحن فيردها "يا" كذلك يفصح الهمزة من "إلا" ونشدد اللام فكثيراً ما يرد الهمزة "ياء" أيضاً ويخفف لام "إلا" لكسر ما قبلها.

وأما كلمة الجلالة التي بعد "إلا" فلا يخلو ما يقف عليها الذاكر

1 بل هي أكثر من العشرة، زادها الشارح هي: إعرابها. ولعله لم يَعُدَّه لأنه داخل في: "لفظها" و"فضلها".

ص: 115

أو لا، فإن وقف فعليه السكون وإن وصلها فله فيه وجهان: الرفع وهو الأرجح، والنصب.

وأما أهل التجويد فاتفقوا على ترقيق ألف "الله" وألا يزيد فيها على مقدار مد الطبيعي وترقق لام "الله" إذا كسرت، أو كسر ما قبلها، وقد أجمعوا على تفخيمها بعد فتحة وضمة.

2-

وأما إعرابها لها صدر وعجز فعجزها ظاهر الإعراب إذ هو جملة مبتدأ، وخبر، ومضاف إليه، فأما لا فهي نافية و"إله" مبني على الفتح لتضمنه معنى "من" إذ التقدير "لا من إله" ولهذا كانت نصًّا في العموم كأنه قد نفى كل إله غيره عز وجل من مبدأ ما يقرر إلى ما لا نهاية له، وقيل: بنى معها التركيب، وذهب الزجّاج أن اسمها معرب منصوب بها، وإذا فرغنا على المشهور من البناء فموضع الاسم نصب بلا العاملة عمل إن، وقال الأخفش: لا هي العاملة فيه.

ونقل السنوسي عن أهل العلم أن الاسم المعظم في هذا التركيب يرفع وهو الكثير ولم يأت في القرآن غيره وقد نصب فالرفع بالبدلية أو على الخبرية والقول بالبدلية هو المشهور وهي رأي ابن مالك، ثم الأقرب أن يكون من الضمير في الخبر المقدر، وأما القول بالخبرية في الاسم الأعظم فقد قال به الجماعة.

ومن البسط الوافي: "لا إله إلا الله" أصل "الله" إله فلما أريد قصر الخبر على المبتدأ وهو من قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر فاقترن بلا وأخر المبتدأ فاقترن بإلا لإفادة الحصر، ومن القواعد أن المبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم الخبر، قال ابن مالك:[وخبر المحصور قدم أبداً] ، أي خبر المبتدأ المحصور قدم، [كما لنا إلا اتباع أحمد] ، ولله مرفوع على أنه بدل من اسم لا حملاً على محل البعيد الذي هو الرفع بالابتداء والتقدير لا إله

ص: 116

موجود1: أي في الوجود وهذا التقدير المشهور.

3-

وأما معناها: فلا تسع معناها مجلدات فضلاً عن هذا المختصر، والسبب أن ما أنزل الله الكتب ولا أرسل الرسل إلا لتقرير معناها، وإذا أمعنت النظر رأيت الكون والمكون دليل على لا إله إلا الله؛ لأن كل ما في الكون فعل الله وخلقه وقنطرة ودليل لألوهيته وعبادته، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . [البقرة: 21، 22] .

ولله المثل الأعلى وذلك كم شرى عبداً وأنعم عليه بما يحتاج إليه من المأكل والمشرب والمنكح والمسكن ثم قال له: اخدمني ولا تشرك في خدمتي أحداً، فبدأ العبد يخدم مولاه وغيره، فالمسلم يلزمه أن يوحد الله في أفعاله أي لا ينسب أفعال الله إلى غيره، ولا نعمه إلى غيره، وهذا هو توحيد الربوبية.

ثم بعد ذلك يلزمه أن يوحد الله في أفعاله نفسه أي ما يفعل من العبادة يجعله لله وحده ولا يشرك مع الله في ذلك غيره.

وقال العماد ابن كثير في تفسير: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} . [آل عمران: 64] . أي سواء نحن وأنتم فيها أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به وثناً، ولا صليباً ولا صنماً ولا طاغوتاً ولا ناراً ولا نبيًّا بل نفرد العبادة لله وحده وهذه دعوة الرسل كلهم. ثم قال:{وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} . [آل عمران: 64] .

قال ابن جرير: "يعني نطيع بعضنا بعضاً في معصية الله" ويشهد

1 هذا التقدير خاطىء. وصوابه: لا إله إلا حَقٌ إلَاّ الله، ويأتي للشارح بيانه على الصواب /ص/134.

ص: 117

على هذا التفسير ما ورد عن عدي بن حاتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم، يتلو قوله تعالى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} . [التوبة: 31] . قلت: لسنا نعبدهم يا رسول الله! قال: "أليسوا يحلون لكم الحرام ويحرمون عليكم الحلال فتطيعونهم؟ ". قلت: بلى، قال:"فتلك عبادتهم"1. وقال عكرمة: أي لا يسجد بعضنا لبعض، انتهى ملخصاً.

وثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الكلمة الطيبة في قوله تعالى: {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} . [إبراهيم: 24، 25] . أنها كلمة التوحيد وهي لا ‘له إلا الله وإطلاق الكلمة عليها وهي أربع كلمات كقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ} . في جواب {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا} . [المؤمنون: 99، 100] . وذا يقع كثيراً في كلام العرب أنهم يطلقون على الكلام المفيد لفظ كلمة، قال ابن مالك:[وكِلْمة بها كلام قد يؤم] .

قوله: "طيبة" صفة مشبهة لازمة لا تنفك من الموصوف ولا ينفك الموصوف منها، فهي طيبة في نفسها على أفضل الأعمال والأذكار وتطيب ما يخالطها إذا كان صالحاً أي إذا كان العمل مشروعاً وكان خالصاً طاب.

قال الفضيل بن عياض: ما يقبل الله عملاً إلا أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبله الله، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبله،

1 رواه الترمذي (3095) من حديث عدي بن حاتم وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب. وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وأخرجه ابن جرير في التفسير (16649) عن حذيفة مرفوعاً ورجاله ثقات.

ص: 118

الله تعالى حتى يكون خالصاً صواباً، قوله: كشجرة طيبة مشبه به، والكلمة الطيبة مشبه والكاف حرف التشبيه، ووجه الشبه ما بينهما ما ذكر الله. أصلها ثابت وفرعها في السماء، أما كشجرة فبين، وأما لا إله إلا الله فأصلها ثابت في القلوب السليمة، وفرعها وهو الأعمال الصالحة من الإيمان والبر متفرعة على الجوارح والأعمال تصعد إلى السماء، قال تعالى:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} . [فاطر: 10] . وقوله: تؤتي أكلها كل حين لا كالشجرة المعهودة التي تؤتي أكلها ستة أشهر أو سبعة بل تثمر لا إلا الله بالأثمار الحسنة الطيبة كل حين فصار وجه الشبه ثبوت أصلها وتفرعها إلى السماء، وأما إتيان أكلها كل حين فزيادة على المشبه به، وذا كثير في اللغة كما تقول للرجل العالم الكاتب الشجاع إنه كالأسد أي في الشجاعة فقط، وأما العلم والكتابة فزيادة على المشبه به. قوله:[بإذن ربها] وذلك لا ريب فيه الشجرة وغيرها مطلقاً بإذن الله تثمر وتنفع وتعطي وتمنع لا إله إلا هو، قال البغوي: "الكلمة الطيبة لا إله إلا الله1.

قال العماد ابن كثير: قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} . أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل من يعبد من دون الله ووحد الله بالعبادة وحده، وشهد أن لا إله إلا الله فقد استمسك بالعروة الوثقى يعني الإيمان التي لا انفصام لها، قال سعيد بن جبير وقال الضحاك: العروة الوثقى: لا إله إلا الله، وأيضاً تستلزم الحب والبغض والموالاة والمعاداة.

1 معالم التنزيل للبغوي 3/566.

ص: 119

وقال البيضاوي: "الله أصله إله فحذفت الهمزة وعوّض عنها الألف واللام، وقيل: يا الله بالقطع إلا أنه مختص بالمعبود بالحق والإله يقع على معبود ثم غلب على المعبود بالحق، واشتقاقه من أله يأله ألوهة وألوهية بمعنى عبد، وقيل: من إله إذا تحير، إذ العقول تتحير في معرفته أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه؛ لأن القلوب تطمئن إلى ذكره، والأرواح تسكن إلى معرفته، أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه إذ العباد مولعون بالتضرع إليه في الشدائد، وقيل: علم لذاته المخصوصة لأنه يوصف ولا يوصف به".

وقال البيضاوي: وفي قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} . [المؤمنون: 117] . أي يعبده إفراداً أو إشراكاً"1 فسمى المعبود إلهاً وإله بمعنى المألوه ككتاب بمعنى المكتوب، فكل ما تألهه القلوب فهو إله، وعليه يدل حديث أبي واقد الليثي أنهم لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة" 2. فدل الحديث أن المراد المعنى لا اللفظ؛ لأنهم ما طلبوا إلها قد طلبوا ذات أنواط، فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف أن ما تألهه القلوب فهو الإله كائناً ما كان، وبأي لفظ كان.

قال ابن كثير: "العبادة في اللغة من الذلة يقال: طريق معبد أي مذلل، وفي الشرع عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف"3.

وفي حاشية البيضاوي: والعبادة أبلغ من العبودية التي هي إظهار

1 أنوار التنزيل ص 456

2 رواه الإمام أحمد (5/218) والترمذي (2181) من حديث أبي واقد الليثي. وقال الترمذي: حسن صحيح.

3 تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

ص: 120

التذلل والعبادة على الأمر، قال تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} . [يوسف: 40، 67] . أي في أمر الدين والعبادة ثم بين ما حكم به فقال: {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} . [يوسف: 40] . الثابت الذي دلت عليه البراهين، وقوله:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} . [الإسراء: 23] . أي أمر مقطوع به.

وقال البغوي فيها: "أي أمر ربك قاله ابن عباس وقتادة والحسن"1 انتهى.

وقال ابن القيم في النونية:

حق الإله عبادة بالأمر لا

بهوى النفوس فذاك للشيطان

والأمر استدعاء الفعل بالقوة ممن هو دونه على سبيل الوجوب على الإطلاق والتجرد عن القرينة فيحمل عليه والله أعلم.

4-

وأما حكمها: ففي "فاكهة القلوب": اعلم أن الناس مؤمن وكافر، فأما المؤمن فيجب أن يذكرها مرة في عمره وينوي بها الوجوب، ثم ينبغي أن يكثر ذكرها وليعرف معناها لينتفع بها، وأما الكافر فذكره لهذه الكلمة شرط في صحة إيمانه مع القدرة، انتهى ملخصاً. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"2. قال العلماء: إذا قال الكافر: لا إله إلا الله فقد شرع في العاصم، فإن تمم ذلك وإلا بطلت، ولكون النبي صلى الله عليه وسلم، قد قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كف عنه وصار ماله ودمه

1 معالم التنزيل للبغوي 3/110.

2 رواه البخاري (1399 و1457 و6924 و7284) ، ومسلم (20) .

ص: 121

معصومين. قلت: بل لا بد مع قولها الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويما جاء به كما في رواية أبي هريرة:"حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به"1.

وقال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: "من المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلماً، وقد أنكر على أسامة بن زيد قتله من قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف واشتد نكيره"2.وقال شهاب الدين أحمد بن حجر على شرح "الأربعين النبوية" نحو ذلك، والمقصود أن حكمها الكف عمن قالها ثم يطالب بمعناها وحقها كالكفر بعيادة غير الله، وشهادة أن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر شرائع الإسلام.

5-

وأما حقها: فقال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين على حديث ابن عمر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها". فقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا بحقها". وفي رواية: "إلا بحق الإسلام". قد سبق أن أبا بكر رضي الله عنه أدخل في هذا الحق فعل الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فعل الصيام والحج أيضاً، ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من فعل المحرمات، وقد ورد في تفسير حقها بذلك ما خرَّجه الطبراني وابن جرير من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وعز وجل". قيل: وما حقها؟

1 رواه مسلم (21) .

2 جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 228.

ص: 122

قال: "زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس فيقتل بها". وشهد لهذا ما في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والترك لدينه المفارق للجماعة"1. وقد ذكر ابن رجب في شرح هذا الحديث أنه قد ورد قتل المسلم بغير هذه الثلاث: فمنها اللواط، ومنها من أتى ذات محرم، ومنها الساحر وغير ذلك2.

6-

وأما حقيقتها: فحقيقة الشيء ماهيته وأصله وما أسس عليه بنيانه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، لوفد الأزد لما قالوا إنا مؤمنون:"ما حقيقة إيمانكم" فذكروا ما تركب منه إيمانهم وأسس عليه قواعده وهو خمسة عشر خصلة، قالوا: خمس أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا رسلك أن نفعلها وخمس كنا في الجاهلية عليها، وقد مضى ذكره وكذلك قول عمر رضي الله عنه لحذيفة لما قال: أصبحتُ مؤمناً، قال:"وما حقيقة إيمانك؟ " قال: كأني أنظر إلى عرش الرحمن وأهل النار سيصلون فيها3. فعلى هذا حقيقة لا إله إلا الله التي تركبت منها، وأسس قواعدها عليها النفي والإثبات، ونفي الألوهية عما سوى الله تعالى وإثباتها لله وحده لا شريك له، وأساس قواعدها

1 رواه البخاري (6878) ومسلم (1676) .

2 جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 320- ص 325.

3 رواه ابن أبي شيبة في الإيمان (114) مرسلاً من حديث محمد بن صالح الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عوف بن مالك فذكره بنحوه، ورواه أيضا (115) من حديث زبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كيف أصبحت يا حارثة بن مالك؟ " فذكره بمعناه. ووصله البيهقي في "شعب الإيمان"(10591) وفي إسناده محمد بن أبي الجهم، وله طريق أخرى في "الشعب"(10592) وإسناده منقطع، والله أعلم.

ص: 123

الحب والبغض والموالاة والمعاداة على ذلك، قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} . [الزخرف: 26-28] . يعني بالكلمة لا إله إلا الله فبين الله أن أساسها البراء والموالاة في ذات الله تعالى وهو المبغي من العباد كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} . [الممتحنة: 4] . فبين الله تعالى صريحاً أن البراء والولاية من الإيمان بالله وحده وبه يتم الإيمان.

7-

وأما لازمها: فالتقوى والإخلاص وطيب القول والعمل لإضافتها إلى ذلك، قال الله تعالى:{وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} . [الفتح: 26] . وقال تعالى: {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} . [إبراهيم: 24] . فكما أن الشجرة الطيبة لا تثمر إلا بما هو طيب فكذلك لا إله إلا الله لا تثمر إلا بكل وقول وعمل طيب، فإن قلت: اللازم ما لا ينفك من الملزوم كلزومية الحرارة للنار وكثيراً ما نرى أن قائلها ليس معه تقوى ولا إخلاص ولا طيب القول والعمل، قلت: لا إله إلا الله من لوازمها التقوى والإخلاص وطيب القول والعمل ولكن القائل الذي يشير إليه ما قالها على الوجه المبغي منه أي لم يأت بها على حقيقتها ولا ابتغاء وجه الله تعالى، فلذا ما يوفق على لوازمها، أما ترى أن الله ذكر في كلامه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وكثيراً ما نرى المصلي مقيماً على الفحشاء والمنكر، قيل في تفسيرها: أن الذي ما نهته الصلاة عن الفحشاء والمنكر ما صلى على الوجه المرضي المبغي منه في الشرع، فمن أجل

ص: 124

ذلك ما وفق على ترك الفحشاء والمنكر.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "والناس في الصلاة على مراتب خمس:

أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقض من وضئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.

والثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق من صلاته فهو في صلاة وجهاد.

والرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستعمل واستغرق قلبه في مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع منها شيئاً بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإتمامها قد يستغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ولكن مع هذا أخذ قلبه موضعه بين يدي ربه نظراً بقلبه إليه ممتلئاً محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات وارتفعت حجبها بينه وبين ربه فهذا بينه وبين غيره في الصلاة في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض وهذا في صلاته مشغول بربه قرير العين به.

فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفّر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب؛ لأنه له نصيب من قوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت

ص: 125

قرة عيني في الصلاة" 1.

فتأمل قوله: الأول معاقب مع أنه مصلٍّ لكنه على الوجه الذي غير مرض في الشرع، والثاني محاسب مع أنه أتى بأكثر أفعالها على الوجه الشرعي ظاهراً لكن أخل بالخشوع، والثالث مكفر عنه الذنوب التي عليه من دون زيادة أجر، الرابع مثاب، والخامس مقرب.

فإذا عرفت ذلك فاعرف أن الناس في الذكر على مراتب منهم من يحسن لفظها ويعرف معناها ويعمل بمقتضاها ويأتي بمتمماتها ويتجنب نواقضها ويعرف فضلها ويمتثل بحكمها وحقها ويمشي على حقيقتها فهذا يوقف على لوازمها من التقوى والإخلاص وطيب القول والعمل الصالح كرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ومنهم من لا يحسن لفظها.

ومنهم من لا يعرف معناها.

ومنهم من لا يعمل بمقتضاها.

ومنهم من لا يأتي بمتمماتها.

ومنهم من لا يجتنب نواقضها ولا يعرف فضلها وحقها.

ومنهم من لا يمشي على حقيقتها فكل هؤلاء ما قالوها على الوجه المرضي المبغي منهم، فإذاً لا يوقف على لوازمها بل معاقب مغضوب عليه لأنه أخل بما ألزمه الله فيها، فمن تأمل هذا الباب عرف نعم الله التي منَّ الله علينا بها في آخر الزمان، وعرف خطأ أكثر الناس

1 رواه الإمام أحمد (3/128 و195 و285) من حديث أنس بن مالك، ورواه الطبراني في "الأوسط"(5768) من طريق أخرى عن أنس بن مالك به، ورواه النسائي في "عشرة النساء"(2) من حديث أنس بن مالك به، وقال الحافظ في "التلخيص": إسناده حسن.

ص: 126

في المبغي منه.

قال ابن القيم: رحمه الله: "اعلم أن شعاع لا إله إلا الله يقطع ضباب الذنوب وغيمها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه إلا الله، فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالقمر، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعال الضعيف، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف، ولهذا تظاهر الأنوار يوم القيامة بين أيديهم وبأيمانهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً ومعرفة وحالاً، وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب شدته وقوته حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شبهة وشهوة ولا ذنباً إلا حرقه، فهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك به شيئاً، فأي ذنب أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حُرست بالرجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منه السارق إلا على فترة أو غفلة لابد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه ممن سرقه أو حصل أضعافه بكسبه فهو كذا أبداً مع اللصوص الجن والإنس وليس كمن فتح لهم خزائنه وولى الباب ظهره. وليس التوحيد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله وأن الله رب كل شيء ومليكه كما كان عبَّاد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن محبة الله والخضوع والذل له وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحب والبغض ما يحول بن صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها ومن عرف هذا عرف قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله

ص: 127

يبتغي بذلك وجه الله" 1. وقوله: " لا يدخل النار من قال لا إله إلا الله" وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس حنى ظن بعضهم أنها منسوخة، وظنها بعضهم قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود، وقال: المعنى لا يدخلها خالداً ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة، والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان فقط وأن هذا الخلاف معلوم بالاضطرار عن دين الإسلام فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الجاحد لها في الدرك من النار، فلابد من قول القلب واللسان، وقول القلب يتضمن معرفتها والتصديق بها ومعرفة حقيقة ما تضمنت من النفي والإثبات ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب علماً ومعرفة ويقيناً وحالاً ما يوجب تحريم قائلها من النار، وكل قول رتب الشارع، عليه من الثواب فإنها هو كقول "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" 2. وليس هذا مرتباً على مجرد قول اللسان، وليس من قالها بلسانه غافلاً عن معناها معرضاً عن تدبرها ولم يواطئ قلبه لسانه ولا عرف قدرها وحقيقتها راجياً مع ذلك ثوابها حطت خطاياه بل على حسب ما في قلبه فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلب، فتكون صورة العملين واحدة بينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحداً وبين

1 تقدم تخريجه.

2 رواه الترمذي (3466) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بنحوه. وقال: "حسن صحيح". وفي الباب عن أنس أخرجه مسلم (2692) .

ص: 128

صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وتأمل حديث البطاقة التي توضع ويقابلها تسعة وتسعون سجلاًّ كل سجل منها مد البصر فتثقل البطاقة وتطيش السجلات ولا يعذب، ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة وكثير منهم من يدخل النار بذنوبه وكلن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجلها السجلات ولم يحصل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقته بالثقل والزنة، وإذا أردت زيادة إيضاح لها فانظر إلى ذكر من قلبه ملآن بمحبتك وذكر من هو معرض عنك غافل ساه مشغول بغيره، قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبة غيرك وإيثاره عليك هل يكون ذكرهما لد واحداً؟ وهل يكون الوالدان اللذان هما بهذه المثابة وعبدك وزوجتك أو جاريتك عند الشدائد واحداً؟ وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن المسير إلى القرية وحملته وهو في تلك الحال إلى أن جعل ينوء بصدره وهو يعالج سكرات الموت لهول الأمر وإيمانه باليوم الآخر، ولا جرم أُلحق بالقرية الصالحة وجعل من أهلها، وقريب من هذا ما قام بقلب البغية التي رأت الكلب واشتد به العطش يأكل الثرى فما قام بقلبها ذلك الوقت مع عدم الدلاء وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها حملها على أن عرضت بنفسها في نزول البئر وتملأ ماء في خفها ولم تعبأ بتعرضها للتلف وحملها له بفيها وهو ملآن حتى أمكنها الرقي في البئر ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه وطرده فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب دون أن ترجو منه جزاء وشكوراً، فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها، فهكذا حال الأعمال عنده والغافل في غفلته عن هذا، وما هذا إلا الأكسير أو الكيمياوي الذي إذا وضع منه مثقال على قناطير من نحاس الأعمال قَلَبَها ذهباً، انتهى.

ص: 129

8-

ومن ثمرتها: الفلاح في الدارين، والظهور على الأعداء، وتملكهم بالقهر والغلبة، وحفظ المال والدم والعرض في الدنيا، وفي الآخرة رضى الرحمن ودخول الجنان قال النبي صلى الله عليه وسلم:"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة"1. وقال صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله وكفر يعبد من دون الله حرم دمه وماله" 2.

هذا3 وقد وعد الله المخلصين من عباده الذين لم يشركوا بعبادة ربهم أحداً النصر على الأعداء والغلبة والتمكن في الأرض وتبديلهم من بعد خوفهم أمناً، قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} . [النور: 55] . وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} . [الصافات: 171-173] . وقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} . [غافر: 51] .

قلت4: ذكرها في شرح الإقناع وقال: "إنها تصل أكثر من

1 رواه الإمام أحمد (3/492) و (4/241) من حديث ربيعة بن عباد الديلي مختصراً وفي سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهاً، كما في "التقريب". وفي الباب عن طارق بن عبد الله المحاربي أخرجه الحاكم (2/611- 612) مختصراً، وأخرجه من طريقه البخاري في "خلق أفعال العباد"(ص 39) .

2 رواه مسلم (23) .

3 لعل هذا بدء الشارح -رحمه الله تعالى- في بيان مقتضاها فيكون رقم /9، وسيعود الشارح إليها في آخر كلامه هنا.

4 لعل هذا بدء الشارح -رحمه الله تعالى- في بيان نواقضها. فيكون رقم /10، =

ص: 130

أربعمائة"1.

لما كان اجتناب النواقض عليه مدار رحى ثبات التوحيد والإسلام، لأنه إذا اجتنبت النواقض التي تنقض عرى الإسلام عروة بعد عروة سلم الإسلام والتوحيد من النقص ودخل المجتنب في الذين ذكرهم الله في {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} . [فصلت: 30-32] . أتى الشيطان أكثر الناس لهذا الملمح في التغافل عنها حتى عفت رسومها وخفيت رسومها وضيعت هضابها وتحيرت طلابها فأعمى البصيرة ظن أن ليس للا إله إلا الله والإسلام ناقض فقعد عن السؤال عنها فطفق يصد الناس عن سائلها بأقاويل مموهة بالزينة الكاذبة والزخارف الباطلة وبجوابات منقشة بالأصباغ الخائبة والتصاوير الهائلة حتى أوردهم موارد الهلاك فلأجل ذلك أردت أن أذكر ما ذكره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة الدين الراسخون في العلم.

قال صاحب شرح الإقناع: باب حكم المرتد "وهو الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً واعتقاداً أو شكًّا أو فعلاً لو لم يكن مميزاً فيصح ردته كإسلامه ويأتي طوعاً لا كرهاً" لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} . [النحل: 106] . ولو كان هازلاً لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} . [البقرة: 217] . وحديث ابن عباس مرفوعاً: "من بدل دينه فاقتلوه". رواه الجماعة غير

= وسقط أول الكلام. وحقه أن يقال: وأما نواقضها فكثيرة.

1 كشاف القناع: 6/136-141 وانظر: الدرر السنية: 8/80.

ص: 131

مسلم، وأجمعوا على وجوب قتل المرتد فمن أشرك بالله تعالى أو كفر بعد إسلامه كفر لقوله:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} . [النساء: 48، 116] . أو جحد ربوبيته أو جحد صفة من صفاته اللازمة. قاله في الرعاية، لأنه كجاحد الوحدانية وفي "الفصول" يُشترط أن تكون الصفة مُتفقًا عليها، أو اتخذ لله صاحبة أو ولداً: كفر؛ لأنه تعالى نزه نفسه عن ذلك ونفاه عنه، أو ادعى النبوة أو صدّق من ادعاها بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه مكذّب بقوله تعالى:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} . [الأحزاب: 40] . ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نبي بعدي"1. أو جحد نبيًّا مجمعاً عليه لأنه مكذّب لله وجاحد نبيًّا من أنبيائه الثابتة أو جحد كتاباً من كتب الله، أو شيئاً منها لأن جاحد البعض كجاحد الكل لاشتراك الكل من عند الله، أو جحد الملائكة أو واحداً مما ثبت أنه ملك لتكذبيه القرآن، أ، جحد البعث لتكذبيه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أو سب الله ورسوله كفر مطلقاً أو استهزأ بالله تعالى أو كتبه أو رسله لقوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . [التوبة: 65، 66] . أو مبغضاً لرسوله أو لما جاء به اتفاقاً أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعاً لأن ذلك فعل عابدي الأصنام قائلين {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} . وقولهم {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} . أو سجد لغير الله، أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين الذي شرعه الله، أو وجد منه امتهان القرآن أو طلب تناقضه أو ادعى أنه مختلف أو مختلق أو مقدور على

1 أخرجه البخاري (3706 و4416)، مسلم (2404) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً:"ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". قاله لعلي رضي الله عنه.

ص: 132

مثله أو إسقاط لحرمته لقوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} . [الحشر: 21] . وقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} . [النساء: 82] . وقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} . [الإسراء: 88] . أو أنكر الإسلام لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} . [آل عمران: 19] . أو الشهادتين أو إحداهما ولا يعلم معناها وجرى على لسانه من دون قصد لشدة فرح أو دهش كقول من أراد أن يقول: أنت ربي وأنا عبدك لما رأى راحلته واقفة على رأسه بعد اليأس قال: أنت عبدي وأنا ربك لحديث "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان"1.

ومن أطلق الشارع كفره كمن ادعى بغير أبيه وكمن أتى عرافاً فصدقه بما يقول فهو تشديد: كُفْرٌ دون كفر لا يخرج به عن الإسلام. وقيل: كفر نعمة وقيل: قارب الكفر، وعنه يجب الكف ولا يقطع بأنه لا ينقل عن الملة وقال القاضي وجماعة من العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم:" ومن أتى عرافاً فصدقه بما يقول كفر بما أنزل على محمد"2.

1 رواه ابن ماجه (2045) من حديث الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس رفعه بلفظ: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وأخرجه أيضاً الطبراني في "الأوسط"(8269) من حديث الوليد بن مسلم عن الأوزاعي به. و (8270) من حديثه أيضاً عن مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه بمثله. و (8272) من حديث الوليد عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن عقبه بن عامر مرفوعاً مثله. وفي الباب عن أبي ذر أخرجه ابن ماجه (2043) من حديث أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أبي ذر مرفوعاً بنحوه. وقال النووي: حديث حسن. والله أعلم.

2 رواه الإمام أحمد (2/408 و429 و476) وأبو داود (3904) والترمذي (135) ، =

ص: 133

أي جحد تصديقه بكذبهم ومنهم من حمل ذلك على من فعله مستحلاًّ. أو قال: إني يهودي أو نصراني أو برئ من دين الإسلام أو من القرآن أو النبي أو دينه أو يعبد الصليب ونحو ذلك على ما ذكروه في الإيمان أو قذف النبي أو أمه أو اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع لتكذبيه بالكتاب والسنة والإجماع أو سخر بوعد الله أو وعيده، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم لأنه مكذب بقول الله تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . [آل عمران: 85] . أو قال قولاً يتوصل به إلى تضليل أمة الاتباع للإجماع على أنها لا تجتمع على ضلالة وللخبر "لا تزال طائفة من أمتي على حق" 1 الحديث. أو قال قولاً يتوصل به إلى تكفير الصحابة بغير تأويل لتكذيبه بقوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم"2. وغيره، أو قال أن الكنائس بيوت الله وأن الله يعبد فيها أو أن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة لله ولرسوله أو أنه يحب ذلك أو يرضاه لتضمن ذلك اعتقاد صحة دينهم، أو إعانتهم على الكنائس وإقامة دينهم واعتقد أن ذلك قربة وطاعة واعتقد أن زيادة أهل الذمة وكنائسهم قربة إلى الله، وإن جهل حرمة ذلك أُعلم بها فإن أصر بعد ذلك صار مرتداً لتضمنه تكذيب قوله تعالى: {نَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} . [آل عمران: 19] .

أو يقول: ما ثَمَّ {إِلَّا اللَّهَ} . معتقداً ما ثم موجود إلا الله كأهل الاتحاد والخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق والرب هو العبد والعبد هو الرب ونحو ذلك من المعاني التي قام الإجماع على بطلانها

= وان ماجه (639) ، والحاكم (1/8) ، والبيهقي (7/198) من حديث أبي هريرة.

1 رواه مسلم (1920) . وهو حديث متواثر كما في: "نظم المتناثر" وتقدم ص 76.

2 خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصح قط. قاله ابن حزم رحمه الله.

ص: 134

يستتاب فإن تاب وإلا قتل أو قال: إن الله بذاته في كل مكان أو اعتقد أن لأحد طريقاً إلى الله من غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا يجب عليه اتباعه أو أن له أو لغيره خروجاً عن اتباعه وعن أخذ ما بُعث به أو يحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم في علم الظاهر دون علم الباطن أو علم الشريعة دون علم الحقيقة أو قال: إن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى بتكذبيه بقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} . [الأنعام: 153] . أو اعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو ظن أن قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} . [الإسراء: 23] . بمعنى قدر فإن الله ما قدر شيئاً إلا وقع وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله فإن هذا أشد الناس كفراً بل معنى قضى أوجب، أو استحل الحشيشة المسكرة أو يلعن التوراة، وأما من لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس عليه لأنه قد غير وبدل بل شرعنا نسخ سائر الشرائع. أو سب الصحابة أو اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو نبي وأن جبريل خان أو غلط لمخالفة الكتاب والسنة أو شك في كفر من توقف عن تكفيره، أو زعم أن القرآن نقص منه شيء أو كتم منه شيء لقوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . [الحجر: 9] . أو زعم أن له تأويلات باطنية تسقط الأعمال الشرعية كصلاة وصيام ونحو ذلك وهذا قول القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية لتكذيبهم الكتاب والسنة والإجماع، أو قذف عائشة بما برأها الله تعالى منه لتكذبيه بنص الكتاب ومن سب غيرها من أزواجه صلى الله عليه وسلم ففيه قولان: كسبّ أحد من الصحابة لعدم نص خاص، والثاني وهو الصحيح كقذف عائشة لقدحه فيه صلى الله عليه وسلم، وأما سب الصحابة بشيء لا يقدح في عدالتهم ولا دينهم كوصف بعضهم ببخل أو جبن أو قلة علم أو عدم زهد

ص: 135

ونحوه فهو يستحق التأديب والتعزير ولا يكفر، وأما من لعن وقبح مطلقاً فهو محل الخلاف هل يكفر أو يفسق؟ فوقف أحمد في كفره وقتله ويقال: يعاقب ويجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عن ذلك وهذا هو المشهور عن مالك، وقيل: يكفر إن استحله والمذهب يعزر كما تقدم وفي الفتاوى المصرية لابن تيمية رحمه الله يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين أو زعم أن الصحابة ارتدوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر أو أنهم فسق أو شك في كفر من توقف عن تكفيره أو أنكر صحبة أبي بكر للرسول صلى الله عليه وسلم لتكذبيه بقوله تعالى: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} . [التوبة: 40] . وقوله: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} . [الأنعام: 151] . [....] وذلك لأن الأدب تحلية وزينة للإنسان ومن أحسن ما يزينه ديناً ودنيا تنزهه عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

قال ابن الوردي: قيمة الإنسان ما يحسنه أكثر الإنسان منه أو أقل.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الأدب خل في الغنى كنز عند الحاجة، عون على المروءة، صاحب في المجلس، أنيس في الوحدة، تعمر به القلوب الواهية، وتحيى به الألباب الميتة، وتتقد به الأبصار الكليلة ويدرك به الطالبون ما حاولوا.

وقال آخر: الأدب يبلع بصاحبه الشرف وإن كان دنيًّا والعز وإن كان قيماً والقرب وإن كان قصياً، والمهابة وإن كان بذياً والغنى وإن كان فقيراً، والنيل وإن كان حقيراً، والكرم وإن كان سفيهاً، والمحبة وإن كان كريهاً.

قال بعض الملوك لوزيره: ما خير ما يرزقه الله بعد الإسلام؟ قال: عقل يعيش به، قال فإن عدمه؟ قال: أدب يتحلى به، قال:

ص: 136

فإن عدمه؟ قال: فخمول سيرة، قال: فإن عدمه؟ قال: فصاعقة تحرقه وتريح العباد منه والبلاد.

قال علي رضي الله عنه:

إن الكمال بالأخلاق مطهرة

فالعقل أولها والدين ثانيها

والعلم ثالثها واحلم رابعها

والجود خامسها والعرف ساديها

والعين تعلم من عين محدثها

إن كان من حزبها أو من أعاديها

والنفس تعلم أني لا أصدقها

ولست أرشد إلا حين أعصيها

قال لقمان لابنه: لا تتم الحكمة في أحد حتى يكون في ثلاثة مقدماً ومؤخراً ومبرءاً عن ثلاثة ومؤهلا لثلاثة، أما اللواتي مقدماً فيها فالعقل والعلم والنطق، وأما اللواتي مؤخر عنها فالحدة والعجلة والحجاجة، وأما اللواتي يكون مبرءاً منها فالهوى والحسد والكذب، وأما اللواتي يكون مؤهلاً لها فالرفق والصبر والصمت، وقال: يا بني الحكمة والمروة مردهما إلى خشية الله تعالى وخشية الله هي الحكمة ولن تجد حكيماً يأتي بسوء أو ينطق بفحش وإنما يقول خيراً أو يصمت، وقال آخر:

يكفيك من عقل الفتى صمته

وتركه ما ليس يعنيه

وقال لقمان: يا بني من حاسب نفسه فليس أحد يحاسبه، ومن عاقبها فليس أحد يعاقبه ومن لامها فليس أحد يلومه، وقال: من أصلح فاسده أرغم حاسده، ومن سعادة جدك وقوتك على حدك، حد العفاف الرضا بالكفاف، أجهل الناس من كان على السلطان مدلَاّ، وللإخوان مذلاًّ1.

ولو أردنا أن نذكر ما في الأدب لما وسعه المقام، واعلم أن

1 هذا من كرم أبي الفتح البستي ما في: "طبقات الشافعية" للسبكي.

ص: 137

مدار الأدب والحكمة والكمال على العقل ومدار العقل على صفاء الباطن، حتى يرى القببح من الحسن كالمرآة لصفائها يرى فيها الأشياء ومدار صفاء الباطن على التنزه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ومدار ذلك من خشية الله تعالى ومدار ذلك على الإيمان الصادق الناصح عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وقوله:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} . [الأنعام: 153] . أي تتشعب بكم عنه فتضلوا وتهلكوا وتستوجبوا الخزي في الدارين، وعن عبد الله بن مسعود قال:"خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا مستقيماً ثم قال: هذا صراط سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل على كل سبيل منها الشيطان يدعو إليه". وقرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} 1.

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أنه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي"2. رواه الترمذي. فوقع كما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فتشعبت أولاً ست فرق، الجبرية والقدرية والرافضة

1 رواه الإمام أحمد (1/435 و465) والدارمي (1/67)، والحاكم (2/318) وصححه ووافقه الذهبي وابن أبي عاصم في "السنة" (17) والطيالسي (244) وابن جرير في:التفسير" رقم (14168) .

2 رواه الترمذي (2641) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً به وفي سنده عيد الرحمن بن زياد الأفريقي، ضعيف في حفظه، كما في "التقريب" وقال الترمذي: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

ص: 138

والخوارج والمعتزلة والمرجئة، وتشعبت كل فرقة إلى اثني عشر فرقة فصارت ثنتين وسبعين فرقة كلها جائرة ومائلة عن صراط الله الذي أرسل به رسوله، والفرقة الناجية هي تمام الثلاث والسبعين:

قال أبو العباس أحمد ابن تيمية قدس الله روحه: "اعلم أن اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفو له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى، وإنما يؤمنون بما وصف به نفسه فإنه سبحانه وتعالى أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه ثم رسله صادقون مصدوقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون ولهذا قال سبحانه وتعالى:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} . إلى آخر السورة فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، هو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص] . وما وصف به نفسه في أعظم آية حيث يقول

ص: 139

سبحانه: قال تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} . [البقرة: 255] . أي لا يكرثه ولا يثقله، ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح".

11-

وأما فضلها: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال موسى: يا رب علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضيين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت لا إله إلا الله" رواه ابن حبان والحاكم وصححه الترمذي وحسنه1.قوله: يا رب علمني شيئاً أي خصصني بشيء أذكرك عن النسيان وأدعوك به عند تفاقم الأمر وتوالي الحدثان، قال الله تعالى: يا موسى قل: لا إله إلا الله منبهاً على أنها هي الموجبة لخلق الثقلين وهي الفارقة بين الكفر والإسلام، قال موسى: يا رب كل عبادك يقولون هذا أي عباد الطاعة لا عباد القهر لأنه قد علم بالكتاب والسنة والأخبار المتواترة والأحاديث المتوافرة أن الكفار قديماً وحديثاً أنكروها وأنكروا على من أمرهم بها، قال فرعون: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} . [الشعراء: 29] . قوم إبراهيم لما قال لهم: {أَإِفْكاً

1 رواه ابن حبان (2324) والحاكم (1/528) ، وصححه ووافقه الذهبي من حديث أبي سعيد الخدري، وفي سنده دراج أبو السمح في روايته عن أبي الهيثم ضعف.

ص: 140

آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} . [الصافات: 86] . {قالوا ابنوا له} . [الصافات: 97] . قوم نوج لما قال لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} . [الأعراف: 59] . {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} . [الشعراء: 116] . وقوم هود لما قال لهم:

{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} . [هود:50] . {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} . [الشعراء: 137] . وهلم جرا أي كل نبي لما دعا قومه إلى توحيد الألوهية أنكروه واستكبروا وزادوا نفوراً قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} . [الذاريات: 52، 53] . فهؤلاء مع تكذبيهم للرسل عبيد الله قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} . [مريم: 93] .

وأما عبيد الطاعة الذين قاموا بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وصدقوا الرسل بما جاؤوا به وعملوا بما قالوا، فالله أعلم قول موسى: كل عبادك يقولون هذا يعني بهم عبيد الطاعة الذين قالوا: لا إله إلا الله وعملوا بها فنبه الله تعالى على أنها أفضل الأذكار والأدعية لو أن السماوات السبع وعامرهن وفي رواية وعمارهن غيري مستثنياً نفسه المقدسة لأنه لا يقابلها بشيء ليس كمثله ولم يكن له كفواً أحد في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله واعلم أن ليس المراد منها لفظها لأن اللفظ إذا كتب وحط في الميزان لقابله ثلاث شعيرات عن الخلائق والتوكل على رب الخلائق وعبادته وحده لا شريك له فهذا هو المعظم وهو المثقل بالسماوات والأرضيين ومن فيهن إلا الله فتأمل.

وقد ورد فضلها بأحاديث متكاثرة وأخبار متواترة عن جابر

ص: 141

-رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله"1. رواه الترمذي وابن ماجه، وروى أبو إسحاق عن الأعمش أنه شهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر يقول الله تبارك وتعالى: صدق عبدي لا إله إلا أنا وأنا أكبر وإذا قال لا إله إلا الله وحده قال: لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لا حول ولا قوة إلا بي" 2. قال أبو إسحاق ثم قال الأعمش شيئاً لم أفهمه، فقلت لأبي جعفر: ما قال؟ قال: "من رزقهن عند موته لم تمسه النار"3. وفي رواية أبي سعيد وأبي هريرة: "من قالها في مرضه ثم مات لم يطعمه النار" 4. ومن المراسيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال كل يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أتى الله يوم القيامة وجهه أشد بياضاً من القمر ليلة البدر".

وعنه صلى الله عليه وسلم: "من قال في يوم مائة مرة إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كانت له حرزاً من الشيطان

1 رواه الترمذي (3383) وابن ماجه (3800) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعاً.

2 رواه الترمذي (3430) ، وابن ماجه (3794) ، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(30)(31) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة"(32) .

3 تقدم قبله مرفوعاً.

4 تقدم أيضاً مرفوعاً.

ص: 142

حتى يمسي" 1. وعنه صلى الله عليه وسلم: " دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج كربه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" 2. وفي الترمذي: "دعوة أخي ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع لها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" 3. وعنه صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم" 4.

ولو أردنا أن نذكر كل ما ورد في فضلها لطال الكلام، وما وسعه المقام، وكيف لا وقد كون الكون وأرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها أي لأجل معناها والعمل بمقتضاها وذلك تعبد الله وحده لا شريك له فلا تنيب إلا إليه ولا توكل إلا عليه وتقبل على الله بقلبك وقالبك وترضى وتسلم الأمور كلها إليه وتعلم أنه عليم بمصالح العباد وحكيم بوضع الأشياء في مواضعها إن الله يفعل ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة وتفر منه إليه عند الشدائد وتشكره عند الرخاء وتعلم إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.

قال الشيخ أسكنه الله الجنة: لا إله إلا الله لها عشر درجات ينبغي للمسلم أن يعرفها ويميز الناس بها:

1 رواه الترمذي (3468) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بنحوه. وأصله متفق عليه.

2 رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (661) من حديث سعد مرفوعاً، وانظر ما بعده.

3 رواه الترمذي (3505) من حديث سعد، وصححه الحاكم (1/505) ووافقه الذهبي.

4 أخرجه البخاري (6345-6346)(7421)(7431) ، ومسلم (2730) من حديث ابن عباس، بنحوه.

ص: 143

الأولى: تصديق القلب أن دعوة غير الله وعبادة غيره باطل وقد خالف فيها من خلف.

الثانية: أن عبادة غير الله ودعوة غيره منكر شنيع ويجب فيها العداوة والبغضاء، وقد خالف فيها من خالف.

الثالثة: أنها من الكبائر العظام المستحقة للمقت والمفارقة بل هي أكبر الكبائر، وقد خالف فيها من خالف.

الرابعة: أن هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة وأن صاحبه إن مات وهو عليه، حرام عليه الجنة مخلد في النار وما له نصير ولا شفيع، وقد خالف فيها من خالف.

الخامسة: أن المسلم إذا اعتقده أو دان به كفر، وقد خالف فيها من خالف.

السادسة: أن المسلم الصادق إذا تكلم به خوفاً أو طمعاً كفر، وقد خالف فيها من خالف.

السابعة: أنك تعمل معه عملك مع الكافر من عداوة الأب والابن وغير ذلك، وقد خالف فيها من خالف.

الثامنة: أن هذه تتعلق بلا إله إلا الله وهي معنى لا إله إلا الله وأن ثبوتها عمل ونفيها ترك عمل.

التاسعة: القتال على ذلك حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

العاشرة: أن كفر فاعل الشرك أغلظ من كفر اليهود، تنكح نساء اليهود ولا تنكح المشركات.

قلت: إذا تأملت هذه الدرجات وتدبرت معانيها وما يتعلق بها وجدت مصداق قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} . [سبأ: 13] . معيناً ورأيت قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ

ص: 144

بِمُؤْمِنِينَ} . [يوسف: 103] . هو الواقع ولا إله إلا الله سلعة الرحمن في الدنيا والجنة في الآخرة، وقد كسدت عند الأراذل واللئام:

يا سلعة الرحمن أين المشتري

فلقد عرضت بأيسر الأثمان

يا سلعة الرحمن سوقك كاسد

بين الأراذل سفلة الحيوان

يا سلعة الرحمن ليس ينالها

من ألف إلا واحد لا اثنان

الحق شمس والعيون نواظر

لا تختفي إلا على العميان

عن أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة". رواه الترمذي1.

وفي هذا الحديث بشارة عظيمة لمن وحد الله تعالى ونذارة شديدة لمن أشرك بالله شيئاً أي ولو قليلاً لأن الشرك في العمل كالنار في البارود فكما لو كان البارود كثيراً لأحرقه القليل من النار كذلك العمل لو كان كثيراً لأحبطه قليل من الشرك، قال تعالى:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . [الزمر: 65] .

12-

وأما متمماتها فشهادة أن محمداً عبده ورسوله واتباعه على كل حال في العسر واليسر قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . [الحشر: 7] . وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} . [النساء: 65] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل يدخل الجنة إلا من أبى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال:

1 رواه الترمذي (3540) من حديث أنس، وقال: حسن غريب، وفي الباب عن أبي ذر، وابن عباس.

ص: 145

"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"1. قال البخاري: ثنا محمد بن عبادة، ثنا سليم بن حيَّان، وأثنى عليه، ثنا سعيد بن مينا، ثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول: "جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم إنه نائم، وقال بعضهم العين نائمة والقلب يقظان، قالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: مَثَلُهُ كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أوِّلوها له يفقهها فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله ومحمد فرَّق بين الناس" 2.

واعلم أن مبنى قبول العمل على ركنين: الإخلاص والمتابعة. قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} . [الملك: 2] . قال الفضيل بن عياض: "هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل وإن كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، الخالص ما كان لله، والصواب أن يكون على السنة"، فالإخلاص في العمل مقتضى لا إله إلا الله، والصواب يعني متابعة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في العمل من مقتضى محمد رسول الله، فبان أن الله لا يقبل من أحد لا إله إلا الله حتى يشهد أن محمداً رسوله ويتبعه فيما

1 رواه البخاري (7280) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بنحوه.

2 رواه البخاري (7281) .

ص: 146

أتى به دقاً وجلاً فيدور مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله نفياً وإثباتاً بلا روغان فصارت الشهادة أن محمداً رسول الله والمتابعة له من متممات لا إله إلا الله.

وأما مقتضاها1: سلامة القلب من الشرك والشك والكفر والنفاق والعجب والكبر وتحلي القلب بحلي الإيمان والإخلاص وعظمة الله ووقاره والحب في الله والبغض فيه والرضى بقضاء الله وتسليم الأمر لله ونحو ذلك من الأعمال القلبية وصدق اللسان والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحدث بنعمة الدين والثناء على الله والشكر له والحمد ونحو ذلك من الأعمال اللسانية، وامتثال أوامر الله بما قال الله ورسوله وقد الله في كتابه العزيز آية جامعة لأصول الأعمال الصالحة، قال تعالى:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} . [البقرة: 177] .

قال البيضاوي: والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها صريحاً أو ضمناً فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأول بقوله تعالى:{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} . وإلى الثاني بقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} . وإلى

1 هذا عود من الشارح لبيان: "مقتضاها" وقد تقدم له بيان له.

ص: 147