الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متن الباب 2
باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب
وقول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . [النحل: 120] . وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] .
عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"، ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله
شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه فأخبروه، فقال:"هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "أنت منهم" ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "سبقك بها عكاشة".
فيه مسائل:
الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد.
الثانية: ما معنى تحقيقه.
الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.
الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.
السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.
الثامنة: حرصهم على الخير.
التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.
العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.
الحادية عشرة: عرض الأمم عليه، عليه الصلاة والسلام.
الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.
الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء.
الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده.
الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة.
السابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.
التاسعة عشرة: قوله: "أنت منهم" علم من أعلام النبوة.
العشرون: فضيلة عكاشة.
الحادية والعشرون: استعمال المعاريض.
الثانية والعشرون: حسن خلقه صلى الله عليه وسلم.
شرح الباب 2
باب في بين أدلة من الكتاب والسنة تدل على أن من حقق التوحيد الذي أرسل الله به الرسل وألزم به العبيد وهو إقبال العبد على الله بقلبه وقالبه في عبادته ودعائه وتوكله واستعانته ولا يساوي معه تعالى في حبه ورجائه وخوفه لا إله إلا هو دخل الجنة بغير حساب
قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ} . [النحل: 120، 121] . يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله ونبيه على نبينا وعليه السلام أنه كان أمة في تعليمه الناس الخير ومقاومته أهل الأرض بالمناصحة والمجادلة الحسنة أولاً فأولاً والأهم فالأهم، فأول ما بدأ بمناصحة أبيه ومجادلته بالتي هي أحسن {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} . [مريم: 42-45] . قال أبو آزر له {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} . [مريم: 46] . فلما بان منه الصدود والإعراض وتبين له أنه عدو لله تبرأ منه ثم ناصح أباه وقومه معاً واجتهد في دخولهم الصلاح والفلاح وجادلهم بالتي هي أحسن مع إنكاره عليهم في عبادتهم غير الله مع الله وهم عبيده تحت قهره وتصريفه ولا يملكون لهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً} . [الشعراء: 70، 71] . أي صوراً كانوا يصورونها على صور الصالحين قبلهم {وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} . [نوح: 23] . وكانوا {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} . [يونس: 18] . قالوا كذلك قال تعالى: {فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} .
[الشعراء: 71] . {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} . [الشعراء: 72] . أي إذا دعوتموهم {أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ} . إذا استعنتم بها {أَوْ يَضُرُّونَ} . [الشعراء: 73] إن تركتم عبادتها {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} . [الشعراء: 74] . أي إنهم لا يسمعون دعائنا ولا ينفعون ولا يضرون غير أنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ففعلنا فعلهم {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} . [الشعراء: 75-77] . فهذا الاستثناء يدل على أنهم يعبدون الله ويعبدون غيره فتبرأ إبراهيم من عبادة غير الله ومعابيدهم الباطلة واستثنى المعبود الحق رب العالمين الذي خلقني من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم صورني فأحسن صورتي فأخرجني إلى الفضاء وهو يهديني لما يصلحني وهو يطعمني بأرزاقه التي خلقها لنا من كل شيء ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفيني لا شفاء إلا شفائه والذي يميتني ثم يحييني والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين فهذا معبدوي الذي أعبده وحده وأتعلق بع وأتوكل عليه وأستعين به في أمور ديني ودنياي، بيده أزمة الأمور كلها له الآخرة والأولى، ثم قاوم ملكهم نمرود بن كنعان ومن تبعه بالمنصاحة والمجادلة الحسنة وتوضيحه لهم الأمر الجلي الواضح الذي يدل على فساد عقولهم وضلالهم وذلك كسره الأوثان، قال تعالى حكاية عنه أنه قال لهم:{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} . [الأنبياء: 57] . فقد كان لهم في كل سنة مجمع وعيد كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي فلما مضوا رجع إلى بيت الآلهة وهن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم
عظيم إلى جنبه أصغر منه وإلى جنب الأصغر أصغر منه وهكذا على التوالي وإذ هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين أيدي الآلهة وقالوا: إذا رجعنا قد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا فقال لهم إبراهيم على طريق الاستهزاء ألا تأكلون فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضرباً باليمين فجعل يكسرهن بفأس حتى إذا لم يبق إلا الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج وذلك قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} . [الأنبياء: 58] . قيل: معناه لعلهم يرجعون إلى دينه إذا علموا ضعف الآلهة، وقيل: لعلهم يرجعون فيسألونه فأتوا فرأوا و {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} . [الأنبياء: 59-61] . كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، وقيل: لعلهم يحضرون عقابه وما يصنع به {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ} . ما نراه إلا كما قال: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} . [الأنبياء: 62-64] . يعني بعبادتكم من لا يتكلم وقيل أنتم الظالمون في سؤالكم إياه وهذه الآلهة فاسألوها {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ} . قال أهل التفسير: أجرى الله الحق على لسانهم أولاً ثم أدركتهم الشقاوة وقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ} . [الأنبياء: 65] . لأنهم صور الصالحين فكيف نسألهم فلما اتجهت الحجة لإبراهيم {قَالَ} . لهم {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} . [الأنبياء: 66، 67] . فلما علم أنهم أعداء الله ولا تنفع فيهم المناصحة والمجادلة بالتي هي أحسن أيس منهم ونابذهم في الله أشد المنابذة وكافحهم بالإنكار أشد المكافحة وعاداهم في الله أشد المعاداة، قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ
لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} . [الممتحنة: 4] . وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . [الزخرف: 26-28] . يعني لا إله إلا الله، لأن معنى الآيتين نفي العبادة عما سوى الله تعالى وإثباتها لله وحده لا شريك له، وأيضاً معناها الولاء لمن عبد الله وحده لا شريك له والبراء ممن أشرك مع الله غيره فكان عليه السلام مجتهداً في تعليمه الناس الخير والحق والتوحيد.
قانتاً لله أي مطيعاً له كقوله تعالى: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} . [الروم: 26] . أي مطيعون مذعنون، قال النووي عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن السعدين1 أنه سأل ابن مسعود عن الأمة القانت فقال: الأمة معلم الخير والقانت المطيع لله.
حنيفاً أي مائلاً من الباطل إلى الحق ومن الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الإيمان ومن النفاق إلى الإخلاص ومن المعاصي إلى الطاعات، قال تعالى:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} . [النجم: 37] .
ولم يك من المشركين تبرأ من المشركين ومما يعبدون من دون الله تعالى وأخلص العمل لله وحده وكسر الأوثان {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} . [الأنبياء: 68] . قال ابن عمر: بنوا بنياناً كالحفيرة ثم جمعوا أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة حتى المريض يقول: إن عافني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم وكانت
1 كذا الأصل! وصوابه: "عن أبي العُبيدين" كما في "تفسيره" ابن جرير الطبري 7/660.
المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم وكان الرجل يوصي شراء الحطب وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها احتساباً في دينها، قال ابن إسحاق: كانوا يجمعون الحطب شهراً فأشعلوا في كل ناحية من الحطب ناراً فاشتعلت واشتدت حتى إن الطير لتحترق من شدة وهجها فأوقدوا عليها سبعة أيام، ثم وضعوا إبراهيم في المنجنيق فلما رموه فيها أتاه جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فسل ربك فقال إبراهيم: "حسبي من سؤالي علمه بحالي"1. فلما علم الله أنه رقى في الإخلاص منزلته الأعلى وتوكل عليه حق التوكل وتبرأ من الحول والقوة وقطع العلائق عما سواه قال الله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} . [الأنبياء: 69] . وذلك لما دعا الله تعالى إبراهيم من قلب حاضر خاشع عارف بالله خائف منه فارغ عما سواه مقبل على الله بقلبه وقالبه قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} . [إبراهيم: 35] . وقال هو وإسماعيل ولده {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} . [البقرة: 128] . أجاب الله دعاءه وجعله إمام الحنفاء، وليست الإجابة مختصة بإبراهيم بل الأنبياء كلهم دعوا وأجاب الله دعاءهم بل الأمر علم لمن دعا الله بقلب حاضر متجنب الموانع قال تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} . [غافر: 60] . قال ابن القيم: " الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب ولكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا فإن السهم يخرج منه
1 لا أصل له وهو من الإسرائيليات، بل بين شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنه باطل، لا يجوز لمسلم الدعاء به. وقد بينته في:"معجم المناهي" وفي صحيح البخاري: 8/229 أنه عليه السلام قال: " حسبنا الله ونعم الوكيل".
خروجاً ضعيفاً وإما لحضور المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والشهوة والذنوب والأهواء وغلبتها عليها كما في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه"1. فهذا دعاء نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته وكذلك أكل الحرام يبطلها ويضعفها كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك" 2.
وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوي من البلاء فيدافعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن يخففه وإن كان ضعيفاً.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل منهما وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتاً من أوقات الإجابة الستة: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان
1 رواه الترمذي (3479) من حديث أبي هريرة مرفوعاً به. وقال: "حديث غريب" في سنده صالح بن بشير المري. وله شاهد عند الإمام أحمد (2/177) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً بنحوه، وحسن إسناده الحافظ الهيثمي (10/118) بشاهده. هذا وعزو الحديث لصحيح مسلم خطأ قطعاً.
2 رواه مسلم (1015) .
والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعاً في القلب وانكساراً بين يدي الرب وإذلالاً له وتضرعاً ورقًّا واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده صلى الله عليه وسلم، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة والتعلق به ودعا رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يديه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبداً ولا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة وأنها متضمنة للاسم الأعظم". انتهى كلامه رحمه الله في فوائد الدعاء وموجبات الإجابة وموانعها.
واعلم أن تحقيق التوحيد له درجات بعضها فوق بعض، ففي ذروة سنامه إبراهيم خليل الرحمن وسيد المرسلين محمد بن عبد الله، فأما إبراهيم لما رمي في النار وقال له جبريل ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، جعل الله له النار برداً وسلاماً، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قالوا:{إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} . [آل عمران: 173] . ومن بعدهما صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} . فكل من لا يشرك بربه فالآية تشمله.
عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة روى أن انقِضَاضاً من الكواكب حدث بمولد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى عن الجن أنهم
قالوا لما سمعوا القرآن {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} . [الجن: 9] . قال تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} . [الصافات: 6-10] . وقيل: إنه كان قبل مبعثه ولكن اشتد بمبعثه صلى الله عليه وسلم على الشياطين بكثرة الشهب والحرس. قلت أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت. وهذا شأن الصالحين لم يرضوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلما كانت يقظته لقيام الليل للعبادة نفى عن نفسه المظنة قال: سعيد فما صنعت؟ قلت: ارتقيت أي طلبت الرقية من غيري قال: سعيد فما حملك على ذلك؟ وفي هذا أعظم دليل على أن الصحابة لم يقبلوا عملاً ولا قولاً إلا بدليل من الكتاب والسنة لأن الذي يرضاه الله من القول والعمل هو الذي شرعه على لسان رسوله وأمر عباده به قلت: حملني عليه حديث حدثناه الشعبي قال سعيد: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: "لا رقية إلا من عين لثبوته في الكتاب والسنة ". وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن أثر العين لتدخل الرجل القبر والجمل والقدر" 1 وروي أنه كان في بني أسد عيَّانون فأراد بعضهم على أن يعين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل قال تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ
1 رواه أبو نعيم في "الحلية"(7/90) من حديث شعيب بن أيوب حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً: "العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر". وقال: غرب من حديث الثوري تفرد به معاوية. اهـ.
بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} . [القلم: 51] . أو حمة بضم الحاء اللدغة فقال سعيد: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع عن الله وعن رسوله ولم يتعد إلى غيره. ولكن هنا درجة أرفع من هذه الدرجة التي أنت فيها وهي درجة التوكل حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط" من التسعة إلى الثلاثة والنبي ومعه الرجل والرجلان، "والنبي وليس معه أحد" لمرارة الحق على النفوس إلا ما رحمه الله تعالى وهداه، قال تعالى:{إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} . "إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي" لكثرتهم "فقيل" لي "هذا موسى وقومه فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرو هـ" بما قالوا "فقال: هم الذين لا يسترقون" أي يطلبون الرقية "ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . وقال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} "فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم" ولم يقل: اجعلني منهم "فقال صلى الله عليه وسلم" إما بوحي أوحي إليه أو بإلهام ألهمه الله تعالى: "أنت منهم، ثم قام
رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال صلى الله عليه وسلم "سبقك بها عكاشة"1. سدًّا للذريعة أم علم بوحي أو إلهام أنه ليس منهم وما أراد فضيحته.
1 رواه البخاري (3410 و6472 و6541 و5705 و5752) مطولاً ومختصراً، ومسلم (220) .