الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليها المساجد والسرج" 1. وقال صلى الله عليه وسلم: "لعن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما فعلوا" 2. وقال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" 3. وقال: "اللهم لا نجعل قبري وثناً يعبد من بعدي" 4. وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا أن يعلق عليها الستور ولا أن ينذر لها النذور ولا أن يوضع عندها الذهب والفضة، بل حكم هذه الأموال أن تصرف في مصالح المسلمين إذا لم يكن لها مستحق معين ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائن من كان، فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان كما قال تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} . [نوح: 32] .
قال السلف: هذه أسماء رجال صالحين فماتوا فعكفوا على قبورهم ثم عبدوهم، ومن نذر نذراً لها لم يجز الوفاء به لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"5. وعليه كفارة يمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كفارة نذر كفارة يمين" 6. إلى أن قال: ومن اعتقد أن النذر لها ينفع أو له أجر فهو
1 أخرجه أبو داود (3236) والترمذي (320) وابن ماجه (1575) من حديث ابن عباس مرفوعاً.
2 أخرجه البخاري (1/422) ومسلم (531) من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً.
3 أخرجه مسلم (532) من حدث جندب مرفوعاً.
4 أخرجه أحمد (2/246) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً. وإسناده صحيح.
5 أخرجه البخاري (6696) وأبو داود (3289) والترمذي (1526) والنسائي (7/17) وابن ماجه (2126) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً.
6 أخرجه البخاري (6608) ومسلم (3/1361 عبد الباقي) من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
ضال جاهل، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن النذر فقال:"إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج من البخيل"1. ومن اعتقد أن النذر للقبور يكشف السوء أو يفتح الرزق أو يحفظه فإنه مشرك كافر قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً} . [الإسراء: 56] .
1 أخرجه البخاري (6609) ومسلم (1640) من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
إليه" 1. وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا هل أنبئكم ما الغضة هي النميمة القالة بين الناس"، رواه مسلم2. ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من البيان لسحراً" 3. اختلفوا في تأويله فمنهم من حمله على الذم وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ذم التصنيع في الكلام والتكلف لتحسينه لتستمال قلوب السامعين به وإليه أصل السحر في كلامهم الصرف ويسمى السحر سحراً لأنه مصروف عن جهته فهذا المتكلم ببيانه يصرف قلوب السامعين إلى قبول قوله وإن كان غير حق والمراد من صرف الكلام فضله وما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة فيدخله الرياء ويخالطه الكذب، وأيضاً فإنه قد يحيد الشيء عن ظاهره ببيانه ويزيله عن موضعه بلسانه إرادة التلبيس عليهم فيصير بمنزلة السحر الذي يلبس على الناس بتورية الشيء الذي لا حقيقة له كأن له حقيقة، وقيل: أراد به أن من البيان ما يكتسب به صاحبه من الإثم ما يكتسب الساحر بسحره. وقيل: الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحب الحق فيسحر القوم بلسانه فيذهب بالحق، وشاهده قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه فإنما هو قطعة من
1أخرجه النسائي (4090) من طريق عبادة بن ميسرة المنقري عن الحسن البصري عن أبي هريرة مرفوعاً به. عباد: لين، والحسن مدلس وقد عنعنه. وقد صح منه قوله:"ومن تعلق شيئاً وكل إليه".
2 أخرجه مسلم (2606) من حديث ابن مسعود.
3 أخرجه البخاري (5146) من حديث ابن عمر مرفوعاً، وأخرجه مسلم (869) من حديث عمار بن ياسر.
النار" 1.
وذهب آخرون إلى أن المراد منه مدح البيان والحث على تحسين الكلام وتخيير الألفاظ وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلاً طلب إليه حاجة كان يتعذر عليه إسعافه بها، فاستمال قلبه بالكلام فأنجزها له ثم قال: هذا هو السحر الحلال، والحق أن الكلام يختلف بحسب المقاصد لأن مورد المثل على ما رواه الشيخ التوربشتي وكأن هذا القول منه صلى الله عليه وسلم عند قدوم وفد بني تميم وكان فيهم الزبرقان وعمرو ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك، فقال عمرو: إنه لشديد المعارضة مانع لجانبه مطاع في أذنيه فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غيرها، قال: وما منعه أن يتكلم إلا الحسد؟ فقال عمرو: وأنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال حديث المال ضيق العطن أحمق المولد مضيع في العشيرة والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولاً وما كذبت فيما قلت آخراً ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما عملت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحراً". قال الميداني: يضرب هذا المثل في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة، فالكلام يختلف باختلاف المقاصد فبعض من البيان كالسحر في الباطل إذا جعل الباطل حقًّا والحق باطلاً وبعضه ممدوح إذا خلى من ذلك وكذلك الشعر منه مذموم إذا كان في هجو مسلم وتزيين الباطل ومنه ممدوح إن اشتمل على الحكم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر
1 أخرجه البخاري (5/340) ومسلم (1713) من حديث أم سلمة.
متن الباب 12
باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} [الجن: 6] .
عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" رواه مسلم.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن.
الثانية: كونه من الشرك.
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء استدلوا به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر أو جلب نفع – لا يدل على أنه ليس من شرك.
متن الباب 13
باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
وقوله تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} . [يونس: 106-107] . وقوله: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ} [العنكبوت: 17] . وقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5] . وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] .
وروي الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل".
فيه مسائل:
الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
الثانية: تفسير قوله: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} [يونس: 106] .
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاءً لغيره صار من الظالمين.
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفراً.
السابعة: تفسير الآية الثالثة.
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
التاسعة: تفسير الآية الرابعة.
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله.
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه.
الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له.
الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة.
الخامسة عشرة: أن هذه الأمور سبب كونه أضل الناس.
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
السابعة عشرة: الأمر العجيب وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد والتأدب مع الله عز وجل.
شرح الباب 13
باب في بيان ما جاء أن من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره من الكتاب والسنة
قلت: عطف الدعاء على الاستغاثة عطف العام على الخاص لأن الدعاء يشمل الاستغاثة وغيره، والاستغاثة لا تشمل إلا الدعاء الذي في الكرب، فالاستغاثة لا تكون إلا في الضيق والكرب وطلب الغوث وتفريج الكربة وتفريج الشدائد، والدعاء يكون في الكرب وغيره فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة وذلك إذا كان الدعاء في السرور والرخاء لطلب الفوائد، فمن الاستغاثة إلحاح النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء يوم بدر في العريش حين رأى شوكة الأعداء وخيلهم وخيلاءهم، وذلك قوله تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} . [الأنفال: 9] .
ومن الاستغاثة ما ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين في الدعاء عن الحسن قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنى أبا مِعْلَق وكان تاجراً يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال: ضع مع معك فإني قاتلك، قال: ما تريد إلا دمي، شأنك بالمال، قال: أما المال فلي فلست أريد دمك، قال: إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات، قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه في آخر سجدة سجدها أن قال: يا ودود يا ذا العرش المجيد فعالاً ما يريد أسألك بعزك الذي لا يُرام وملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص يا مغيث أغثني ثلاث مرات فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله ثم أقبل إليه فقال له: قم
فقال: من أنت بأبي أنت وأمي جميعاً أغاثني الله بك اليوم؟ قال: أنا طائف من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة ثم دعوة بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث: فقيل: دعاء مكروب فسألت الله عز وجل أن يوليني قتله، قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروباً أو غير مكروب1، هذا وقال الشيخ أحمد ابن تيمية: وقد قال المصنفون في أسماء الله تعالى: يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وإن كل غوث فمن عنده وإن جعل ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه ولغيره مجاز، قالوا: ومن أسمائه المغيث والغياث وجاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة، قالوا: وأجمعت الأمة على ذلك، وقال أبو عبد الله الحليمي: الغياث هو المغيث وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه. وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" 2 يقال: أغاثه إغاثة وغياثاً وغوثاً وهذا الاسم في معنى المجيب والمستجيب إلا أن الإستغاثة أحق بالأفعال والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر، قالوا: والفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث والداعي يدعو بالمدعو، قال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي الشيخ المشهور بالديار المصرية وغيرها: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، وفي حديث موسى: اللهم
1 مجابو الدعوة لابن أبي الدنيا ص 63.
لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك يستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولما كان هذا المعنى هو المفهوم فيهما عند الإطلاق صح إطلاق نفيهما عما سوى الله عز وجل، ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله تعالى ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله.
وكذلك الاستعانة منها ما لا يصح إلا لله وهي المشار إليها بقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] . فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله تعالى وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه كما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] . وكذلك الاستنصار، قال تعالى:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72] . والنصر المطلق وهو خلق ما به يغلب العدو لا يقدر عليه إلا الله تعالى فعلى هذا فقس.
وأما الدعاء فيعم كشف الشدائد وجلب الفوائد، قال تعالى:{وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} . [الأعراف: 56] .
والدعاء مخ العبادة، قال تعالى:{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} . [الفرقان: 77] .
والدعاء يشمل دعاء المسئلة ودعاء العبادة وكلاهما مختصة لله تعالى.
فمن الدعاء الذي في كرب وكشف الشدائد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد رجعته من الطائف بعد رجعته من الطائف تحت شجرة بعدما رأى منهم من الأذى حتى ذكروا أنهم أدموا قدميه الشريفة صلوات الله وسلامه عليه: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي اللهم إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أو إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي
غير أن عافيتك أولى لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو تحل بي عقوبتك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك" 1.
ومن الدعاء الذي ليس في الكرب بل لجلب الفوائد قوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني عبدك وابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضي فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي"2.
قلت: في هذه الأدعية دلائل على الوحيد والرسالة:
الأول: قوله في دعاء الطائف: اللهم بمعنى يا الله حذفت حرف النداء وعوض عناه الميم المشددة، أقبل صلى الله عليه وسلم بقلبه وقالبه على الله في كشف الضر عنه لا غيره نبي ولا غير نبي ولا استغاث بغيره.
الثاني: قوله: إليك بكاف الخطاب التي على الوحدة والانفراد، أشكو بتقديم الجار والمجرور أعني إليك على الأمثل أعني أشكو لإفادة الحصر أي إليك أشكو لا غير لاتفاق النحويين تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والجار والمجرور حقهما التأخير.
الثالث: قوله: وأنت ربي أذعن بالعبودية وبربوبية الباري له وأنه العبد المدبر المقهور لا يقدر لنفسه نفعاً ولا ضراً من دونه.
الرابع: قوله: إلى من تكلني لعدم علمه بما يؤول أمرع صلى الله عليه وسلم إليه.
الخامس: قوله: ملكته أمري أذعن واعترف بأن ليس له من
1 أخرجه الطبراني في الدعاء (1036) من طريق محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر مرفوعاً. وأصله في البخاري ومسلم.
2 تقدم تخريجه.
الأمر شيء بل الأمر كله لله يفعل ما يشاء {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} .
السادس: قوله: إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي. دل على شدة خوفه صلى الله عليه وسلم من فاطره وخالقه الذي بيده أزمة الأمور.
السابع: قوله: أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة يدل على إقراره بالوحدانية المطلقة وإنابته إليه.
الثامن: قوله: لك العتبى حتى ترضى جعله نفسك كالميت بين يد الغاسل أي افعل بي ما يرضيك.
التاسع: قوله: ولا حول ولا قوة إلا بك دل على أنه صلى الله عليه وسلم تبرأ من الحول والقوة.
وفي الدعاء الثاني دلائل:
الأول: قوله: اللهم إني عبدك وابن عبدك أي أنك خلقتني ورزقتني ودبرتني.
الثاني: قوله: ناصيتي بيدك أي تفعل بي ما تشاء لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله.
الثالث: ماض في حكمك فيه بيان إثبات القدر وما تضمن الإيمان به.
الرابع: عدل في قضاؤك بيان بأنه الحق قائم بالقسط حكمه عدل وقوله صدق.
الخامس: أسألك بكل اسم هو لك دل على أنه لا يسأل إلا بأسمائه الحسنى كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} . [يوسف: 108] . ولا يدعى المخلوق مطلقاً.
السادس: سؤاله كشف الشدائد وجلب الفوائد من الله لا من
غيره لأنه القيوم بالكائنات وما فيها وبيده ملكوت كل شيء له الملك وله الحمد وهل الخلق وله الأمر ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فلا يستغاث بغيره ولا يدعى غيره؛ لأنه إن كل ما في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبداً، والعبد عاجز لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا.
أما الكتاب وقوله تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} . [يونس: 106] . وقوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . [الأنعام: 17] . وقوله: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ} . [العنكبوت: 17] . وقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} . [الأحقاف: 5] . وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} . [النمل: 62] . والآيات في ذلك كثيرة جدًّا بل أكثر القرآن يقرر أن لا يدعى غير الله كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} . [الجن: 18] . ولا يستغاث بغير الله.
أما السنة فروى الطبراني أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز..
وجل" 1. فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التلفظ بالألفاظ التي تختص بالله تعالى ولو ما قصدت على حقيقة معناها لأنه ذكر أنهم لم يقصدوا بالاستغاثة إلا الشكاية فمنعهم عن ذلك اللفظ لحماية لجناب التوحيد.
فإن قلت ربما يحصل بدعوة غير الله والاستغاثة به مقصود الداعي ويظن هذا من كرامات المدعو، قلت: هذا من جنس ما يفعله الشياطين لعبدة الأوثان حيث تتراءى أحياناً لمن يعبدها وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة وتقضي بعض الطلبات وقد وقع من هذا كثير في المتأخرين وأتباعهم حتى يروى عن بعضهم أنه قال: قبر مَعْرُوْفٍ الترياق المجرب، وعن بعضهم: فلان يدعى عند قبره، وعن بعض شيوخهم، إذا كانت لك حاجة إلى الله فاستغث بي أو قال: استغث عند قبري ونحو ذلك.
وكثير من هؤلاء إذا استغاث شيخه رأى صورته وربما قضى بعض حاجته فيظن أن شيخه نفسه أو أنه ملك تصور على صورته وأن هذا من كراماته، وإنما ذلك الشيطان وكلما كان القوم أعظم جهلاً وضلالاً كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر، وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال أو طعام أو لباس أو غير ذلك وهو لا يرى أحداً أتاه به فيحسب ذلك كرامة لشيخه وإنما هي عن الشيطان، أضلتهم الشياطين بذلك كما كانت تضل عباد الأصنام بمثل هذه الأحوال.
1 أخرجه الطبراني في "الكبير" كما في "المجمع"(10/159) وقال: رجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث. اهـ. وأخرجه أحمد (5/398) وفيه ابن لهيعة أيضاً وقد اختلط بعد احتراق كتبه.
متن الباب 14
باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} . [الأعراف: 190- 191] . وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} . [فاطر: 13] .
وفي "الصحيح" عن أنس قال: شُجَّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال:"كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم"؟ فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] . وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} . وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} . وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] . قال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين.
الثانية: قصة أحد.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار. منها: شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها: التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} .
السابعة: قوله: {أََوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] . فتاب عليهم فآمنوا.
الثامنة: القنوت في النوازل.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعنه المعيّن في القنوت.
الحادية عشرة: قصته صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] .
الثانية عشرة: جده صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: "لا أغني عنك
من الله شيئاً" حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً" فإذا صرح صلى الله عليه وسلم وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئاً عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس الآن -تبين له التوحيد وغربة الدين.
شرح الباب 14
باب في بيان ما يدل من الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة على معنى قول الله عز وجل:
{أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} . [الأعراف: 190-191] . وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} . [فاطر: 13، 14] . يخبر تعالى عن فساد عقول المشركين وضلالهم وعمى بصائرهم منبهاً على ذلك بالاستفهام الإنكاري أيشركون بالله الذي تفرد بالملك، والحمد، والخلق، والأمر، والعز، والبقاء، والربوبية، والقيومية، والقهر، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والعطاء، والمنع، والنفع، والضر، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، يفعل ما يشاء ويختار، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، لو أن الخلق أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم قاموا في صعيد واحد وسألوه فأعطى كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، سبحانه وتعالى بائن عن خلقه غني عما سواه لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، قادر على كل شيء عليم بكل شيء ما فوق العرش وتحت الفرش في العلم عنده سواء، بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة
الظلماء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون سبحانه وتعالى عما يشركون أيشركون خلقاً ما أو يشركون به مخلوقاً من ماء مهين مدبراً في الرحم من حال إلى حال نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يكسو العظام لحماً ثم ينفخ فيه ويرزق من دم الحيض غذاء وشراباً إلى حد معلوم عنده ثم أخرجه متلوثاً بما تكرهه النفوس فيعطف الله عليه الأبوين ويشفقهما عليه فيربيانه بأمر الله وهو يتقلب في القاذورات ويرضع ثدي أمه إلى حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة ثم يخلق له أسناناً نوعين نوع للقطع ونوع للمضغ والطحن وخلق له كل شيء من النعم قال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} . [إبراهيم: 34] . {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] . فالإنسان مدبر مقهور لولا فضل الله ورحمته لكان من الهالكين لا يعلم مصالح نفسه ولا مفاسده، قال تعالى:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} . [البقرة: 216] . بل إنه كالميت بين يدي الغاسل يقلبه يميناً وشمالاً وهو لا يشعر لو يأتيه أدنى مصيبة من المصائب عجز عن دفعها ورفعها، ضعيف نحيف لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا يملك في الكون مثقال ذرة ملكاً حقيقياً ولا نقيراً ولا قطميراً ولا فتيلاً، فمن كان هذا حاله فكيف يتصور أنه ينفع أو يضر أو يعطي أو يمنع أو يخذل أو يعز أو يذل أو يقدر على أمر من الأمور الكونية، وقد قال الله لأفضل الخلق أجمعين وسيد الأنبياء والمرسلين وحبيبه وصفوته من خلقه:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] .
وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: شُج النبي صلى الله عليه وسلم
يوم أحد وكسرت رباعيته1 عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لقينا المشركين يومئذ وأحبس النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً من الرماة وأمر عبد الله بن جبير رضي الله عنه وقال: "لا تبرحوا، فإن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا". فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن وبدت خلاخلهن، فلما رأوا ذلك الرماة فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعوا، فأخلوا الثغر وكرّ فرسان المشركين عليه فوجدوه خالياً فجاؤوا منه وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم بالشهادة وهم سبعون، وتولى الصحابة وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرحوه جراحات، شج رأسه وكسرت رباعيته، فلما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى: فيكم محمد؟ فلم يجيبوه فقال: فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن الخطاب؟ فلم يجيبوه، فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه قال: يا عدو الله قد أبقى الله ما يسوؤك، ثم قال أبو سفيان: أُعلُ هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلُّ، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم، قال: ألا تجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، ثم قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء قتلانا غي الجنة وقتلاكم في النار2.
1 أخرجه مسلم (1719) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً.
2 أخرجه البخاري (4/79) وأبو داود (2662) وأحمد (4/293) من حديث البراء بن عازب مرفوعاً.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج رأسه صلى الله عليه وسلم فجعل يسلت الدم عن وجهه فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم" فنزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] . أخرجه مسلم والترمذي1.
وفيه أي في الصحيح2: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} . وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام3، فنزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} . وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] . صعد الصفا وقال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً"4.
1 أخرجه مسلم (1791) والترمذي (3002) من حديث أنس مرفوعاً.
2 أخرجه البخاري (4069) من حديث ابن عمر مرفوعاً.
3 هذه الرواية عند الترمذي (3004) .
4 أخرجه البخاري (2753 و3527 و4771) ومسلم (204) وأحمد (2/360) والنسائي (6/249) والدارمي (2735) .
فيا لله العجب أفضل من في السموات والأرض من المخلوقين وأحب الخلق إلى الله وأقربهم عنده اصطفاه من خلقه وأرسله بالبينات وأيده بفصل الخطاب والمعجزات، وعرج إلى السبع الطباق وهو مع ذلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً كما قال تعالى:{قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً} . [الأعراف: 188] . وكذلك لا يملك لغيره ضراً ولا رشداً كما قال تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً} . [الجن: 14] . لأقرب قريب كما في هذا الحديث أنه خاطب عمه وخص عمه وعمته وبنته وقال: اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً فكيف غيره صلى الله عليه وسلم يقدر على النفع والضر سبحان من طبع على قلوب أعدائه كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين.
باب قول الله {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}
…
متن الباب 15
باب قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] .
وفي "الصحيح" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك. حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع -ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض- وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء".
وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة -أو قال رعدة- شديدة خوفاً من الله عز وجل. فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا
جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصاً من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الثالثة: تفسير قوله: {قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} .
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
الخامسة: أن جبريل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.
السابعة: أن يقول لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضاً.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!
التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية المعطلة.
الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي كانا خوفاً من الله عز وجل.
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجداً.
شرح الباب 15
باب ما يدل على الفوائد التوحيدية والمسائل الصمدية ونظام القيومية وسلطان الملكوتية من قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] .
قلت: لو لم يكن للتوحيد دليل غير هذه لكفت، وحال أنه كل ما في الكون ينطق نطقاً فصيحاً بأنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له في ملكه وربوبيته وألوهيته:
هو الإله الذي آياته ظهرت
…
في كل شيء ترى خير العلامات
النور ينطق والأوراق والثمر
…
بأنه الله خلاق البريات
البر والبحر والأفلاك ناطقة
…
بأنه الله علام الغيوبات
الإنس والجن والحيوان شاهدة
…
بأنه الله قيوم السموات
والوحش والطير والحيتان مذعنة
…
بأنه الله كاشف الكربات
الواحد الأحد الوتر المهيمن لا
…
شبه له ومثال في المكونات
لا نفع في الكون إلا نفعه أبداً
…
والضر من عنده حتى البليات
إن مسك الله بالأضرار لا كاشف
…
سواه عنك كذا كل المصيبات
وإن أتاك بخير ما له مانع
…
سواه عنك كذا في كل الخيرات
ما لم يشأ لم يكن في الكون قط ولا
…
تجري المقادير إلا بالإرادات
من ظن نفعاً وضراً من خلائقه
…
بلا مشيئته حوى الخطيئات
حتى الملائك من عظم الجروم لهم
…
في الأمر طوعاً لخلاق البريات
حتى إذا سمعوا وحي العلي إذا
…
من ذاك صعقوا خوف العقوبات
قال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفله قدميه مسير خمسمائة عام، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرضين والأرضون والسموات في حجزهم وهم يقولون: سبحان ذي العز والجبروت،
سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وقال ميسرة بن عروة: أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشع لا يرفعون رؤسهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها.
وقال مجاهد: بين نور الله والملائكة سبعون حجاباً من نور، وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لربي ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام"1. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثون ألف عام والعرش يكسى كل يوم سبعون ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله والأشياء كلها بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، قال وهب بن منبه: أن حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون يقبل هؤلاء ويقبل هؤلاء فإذا استقبل بعضهم بعضاً هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك أنت أكبر، الخلق كلهم راجعون إليك ومن وراء هؤلاء المائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبح الآخر به
1 أخرجه أبو داود من حيث حابر بلفظ: "أُذن لي أن أحدث عن مَلًكٍ من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام"
ما بين جناحي أحدهم مسير ثلاثة عام وبين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش سبعين حجاباً من نور وسبعين حجاباً من ياقوت أصفر، وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر وسبعين حجاباً من ثلج وسبعين حجاباً من ماء، وسبعين حجاباً من برد وما لا يعلمه إلا الله تعالى وتقدس، وقالوا: لكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، أما جناحان فعلى وجه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق وأما جناحان فيصعق بهما ليس كلامهم إلا التسبيح، والتحميد وإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخر فكانوا ثمانية على صورة الأوعال بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} . [الحاقة: 17] . وثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ومنهم خزنة النار تسعة عشر مالك وثمانية عشر. جاء في الأثر: أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالمساحي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة نزعت منهم الرحمة يدفع أحدهم سبعين ألفاً فيرميهم حيث أراد من جهنم. قال عمرو بن دينار: إن واحداً منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. وغير ذلك من الأوصاف المستغربة المستعظمة التي لا تأتي في العقول لو نذكرها لطال الكلام وظهر عما نبغي من النظام، ولكن من علم يقيناً أن الله على كل شيء قدير وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، ما استنكر ولا استغرب ولا استعظم ما ذكر من خلق الله وأفعاله.
واعلم أن الملائكة مع ما بها من عظم الجسوم ونكارة الهيئة
وشدة القوة هم كما قال عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} . [الصافات: 164] . يقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم نعبد الله تعالى فيه". قال ابن العباس: ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح. وروي عن أبي ذر عن النبي قال: "أطَّت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله عز وجل"1. وقال السدي: إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة، وقال أبو بكر الوراق: إلا له مقام معلوم يعبد الله عليه كالخوف والرجاء والمحبة والرضا، {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} . [الصافات: 165] . قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم، وقال الكلبي، صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في الأرض لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومع ذلك كله ليس لهم قدرة سماع الوحي إذا قضى الله الأمر في السماء يغشى عليهم حين يسمعون الصوت.
في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير"2. وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة زاعمين أنهم شفعاء لهم فبين سبحانه مقام عظمته وجبروته أنهم لا يسبقونه
1 أخرجه الترمذي (2312) وابن ماجه (4190) وأحمد (5/173) من حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعاً.
2 أخرجه البخاري (4701 و4800 و7481) ، وابن خزيمة في "التوحيد"(3221) ، وابن مندة في "الإيمان"(700)
بالقول فلا يتكلمون ولا يشفعون إلا لمن أذن له فهم خلف سرادق الهيبة خاضعون خاشعون حتى إذا قضى الله الأمر في السماء لم يثبتوا عند سماع كلام الحق ولم يطيقوا فهمه ابتداء، بل خضعت وفزعت وضربت بأجنحتها وصعقت وسجدت فإذا فزع عن قلوبهم وجلي نهم الفزع قالوا حينئذ: ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، فهذه حالهم عند تكلمه تعالى بالوحي، إما وحي كلامه الذي يبعث به رسله كما أنزل القرآن، وإما أمره الذي يقضي به من أمر كونه فذلك حاصل في أمر التشريع وأمر التكوين ولهذا قال تعالى:{وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} . [سبأ: 23] . وحتى غاية يكون ما بعدها داخلاً فيما ما قبلها ليست بمنزلة إلى التي قد يكون ما بعدها خارج عما قبلها كما في قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} . [البقرة: 187] . وحتى سواء كانت حرف عطف أو حرف جر يتضمن ذلك وما بعدها يكون النهاية التي ينبه بها على ما قبلها فتقول: قدم الحاج حتى المشاة، فقدوم المشاة تنبيه على قدوم الركاب، وتقول: أكلت السمكة حتى رأسها، فأكل رأسها تنبيه على أكل غيره، فإن كل رؤوس السمك قد تبقى في العادة فهذه الآية أخبر الله تعالى فيها أنه ليس لأحد غيره ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة له ولا شفاعة إلا بعد إذنه، قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} . [سبأ: 22، 23] . ثم قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} . [سبأ: 23] . والضمير في قولهم عن قلوبهم يعود إلى ما دل عليه قوله من أذن له ودل عليه قوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ} . [سبأ: 22] . فإن الملائكة تدخل في ذلك، فسلبهم
الملك والشرك والمعاونة، والشفاعة إلا بإذنه ثم بين تعالى حتى إنه تعالى تكلم لا يثبتون لكلامه ولا يستقرون بل يفزعون ولا يفهمون حتى إذا أزيل عنهم الفزع حينئذ يقولون: ماذا قال ربكم؟ وذلك أن ما بعد حتى جملة تامة، وهو قوله: إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، والعامل في إذا هو قوله: قالوا ماذا، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط أي لما زال الفزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، والغاية بعد حتى يكون مفرداً كما تقدم ويكون جملة كما في قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . [يونس: 22، 23] . فأخبر تعالى عن تسيير هؤلاء إلى هذه الغاية فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعضه وصفه سفيان يكفه فحرفها وبدد بين أصابه فيسمع الكلمة مسترق السمع فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه الشهاب فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. وذلك بعد المبعث وأما قبل المبعث فكانوا يسمعون الوحي فيلقونها على ألسنة الكهنة وكان في كل حي كاهن يتحاكمون عنده ويستخبرون الأخبار، وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة وكانوا
يسترقون في بعض الأحوال فلما بعث صلى الله عليه وسلم منعوا من ذلك أصلاً فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة فعرفوا أن هذا السبب في حراسة السماء فآمن من آمن منهم وتمرد من تمرد.
وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفاً من الله عز وجل فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، ثم ينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل"1. سبحان من له الملك والملكوت، سبحان من له العز والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت.
1 أخرجه ابن جرير في "التفسير"(22/91) وابن خزيمة في "التوحيد"(206) ، وابن أبي عاصم في "السنة"(515) ، والآجري في "الشريعة"(294) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات"(2) .
متن الباب 16
باب: الشفاعة
وقول الله تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] . وقوله: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} [الزمر: 44] . وقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] . وقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] . وقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 22] .
قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] . فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسَل تُعط، واشفع تُشفع.
وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يبدأ بالشفاعة أولاً، بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع.
السادسة: من أسعد الناس بها؟
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة: بيان حقيقتها.
شرح الباب 16
باب في بيان ما يدل على أن الشفاعة المطلقة لله جميعً
وليس لأحد من خلقه أن يشفع لأحد إلا بإذنه أي بإذن الشافع في شفاعة من رضي الله عليه من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله الله تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] . وقوله: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} [الزمر: 44] . وقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] . وقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] . وقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22، 23] . قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عوناً لله تعالى ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب تعالى.
قلت: ومن المعلوم بالضرورة أن العاقل ما يقصد خلقاً لمقصود إلا وهو زان أنه إما مالك ذلك المقصود لأن المالك يتصرف في ملكه بما شاء عطاء أو منعاً وإن لم يكن مالكاً لذلك المقصود يكن شريكاً في المقصود الذي يريده منه، لأن الشريك أيضاً يتصرف في حقه بما يشاء عطاء أو منعاً، فإن لم يكن شريكاً يكن معيناً لمالك الشيء الذي يريده منه؛ لأن المعان لا يغضب الذي يعينه ولا يرده عما يبغي من ملاه لأنه محتاج إليه في إعانته له فلا يخالفه فبما يمضي من ماله، فإن
لم يكن معيناً يكن شفيعاً لسناً يتشفع للعاني الذي قصد الشفيع، فيقبل المالك شفاعة الشفيع فيما يتكلم فيه ويمضي للشفيع ما يبتغي من مال المالك فإذا تصور أن هنا أحداً لا يملك شيئاً ولا شراكة في شيء ولا له إعانة لمالك الشيء ولا يقبل شفاعته عند مالك الشيء إلا بإذنه كيف هذا يقضي لك حاجة أو يكشف ضرًّا أو ينفع نفعاً ومثل من يطلب حاجة ممن خلي من هذه الأربع كمن يطلب مما في قصر الملك وخزائنه من عبده بلا إذن من الملك فتأمل. كما قال تعالى:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} . [الأنبياء: 28] . هذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن ولكن التي ثابتة يوم القيامة الشفاعة المقيدة بإذن كما أثبته القرآن والسنة.
أما القرآن فقد مضى ما يكفي من الآيات.
وأما السنة فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ولا يبدأ بالشفاعة أولا ثم يقال هل ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعط، واشفه تشفع1. وخرج البخاري2 أيضاً عن حجاج بن منهال ثنا همام بن يحي، ثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهمُّوا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم وأبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، لتشفع
1 قطعة من حديث الشفاعة الطويل، أخرجه البخاري (3340، 3361) ومسلم (194) من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
2 أخرجه البخاري (6565) ، ومسلم (193) من حديث أنس مرفوعاً، وقد أخرجه البخاري (7440) معلقاً، وقد ساق المصنف هذه الرواية.
لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نُهي عنها، ولكن ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب: سؤاله ربه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كلمات كذبهنَّ، ولكن ائتوا موسى: عبداً آتاه الله التوراة وكلمه وقرَّبه نجيًّا، قال: فيأتون موسى فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب: قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وروح الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، وسل تُعْطَ، واشفع تُشَفَّع، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً، فأخرجهم فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته أيضاً يقول: فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تُشَفَّعْ، وسل تُعط، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حداً، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن. أي وجب عليه الخلود. قال: ثم تلا الآية: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء: 79] . قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وهل تدرون فيما ذاك؟ يجمع
الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فينظرهم الناظر، ويسمعهم الداع، وتدنو منهم الشمس، فبلغ ذلك الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما كنتم فيه، ألا تنظرون من يشفع لكم؟ فيقول بعضهم لبعض: أبوكم بآدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسد لك ملائكته، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، وما بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: أنت يا نوح، أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك عبداً شكوراً، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن
ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم وفي رواية: فيأتوني، فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق إلى تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، يا رب أمتي، فيقول: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المِصْرَاعَيْنِ من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو: كما بين مكة وبصرى"، وزاد في رواية في قصة إبراهيم: "وذكر قوله في الكواكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم" 1.
قلت: هذه الأحاديث أثبت الشفاعة على الوجه المذكور وما فيها من معالم الوحدانية لله في الربوبية والألوهية لا يخفى على من له أدنى عقل ولب. وهو من وجوه:
الأول: قوله: يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي. دل على قهره الكلي الشامل كل البرايا كما قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} . [الأنعام: 18] . ودل على غلبة أمره على أمر غيره كما قال: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} . [يوسف: 21] . فدل ذلك على أنه من هو القاهر الغالب يستحق العبادة
1 أخرجه البخاري (3340) ، ومسلم (194) من حديث أبي هريرة.
لا المقهور المغلوب.
الثاني: قوله: تدنو بهم الشمس فيبلغ ذلك الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. قلت: ومن يحكم على الخلق هذا الحكم النافذ بحيث لا يقدر أحد أن يفر أو يكيد كيداً فهو المستحق للعبادة لا المحكوم عليه.
الثالث: تعذر على نبي بذب عن الشفاعة وقول كل منهم: نفسي نفسي، فمن يرهب الناس هذا الإرهاب بحد كل خائف حتى الأنبياء والمرسلين فهو المستحق للعبادة لا المرتهب المتخوف.
الرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: فأنطلق إلى تحت العرش فأقع ساجداً لربي قلت: وفي هذا أعظم دليل على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أما التوحيد فلأنه أفضل الخلق وقع ساجداً لله وأما الرسالة فلأنه تبرأ من الحول والقوة ونسب الأمر إلى الله.
الخامس: فيفتح الله علي محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، فدل أن الله هو العليم العلام وكل علم يصدر من علمه؛ ولذا -فسبحانه- المعبود لا غير.
السادس: قوله: ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع دل على أنه ما لم يشأ الله لم يكن لأنه لولا الله قال له: يا محمد ارفع رأسك ما رفع رأسه أبداً ولولا قال سل تعط ما سأل ولولا قال اشفع تشفع ما شفع له فله الأمر وله الحكم في الدنيا والآخرة فهو المعبود بحق في الوجود وكلٌّ عبده تحت قهره وتصريفه لا إله إلا هو له الملك والملكوت وله العز والجبروت الحي القيوم الذي لا يموت.
السابع: قوله فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. دل على أن الشفاعة محدودة في ناس دون ناس.
الثامن: قوله: فأعود فاستأذن على ربي فيؤذن لي عليه فإذا رأيته
وقعت ساجداً. قلت: قوله أستأذن على ربي دل على أنه لا إله إلا الله لأنه صلى الله عليه وسلم ما يفعل شيئاً إلا بالإذن. فيؤذن دل على أنه لا إله إلا هو لأنه لو ما أذن له ما دخل عليه، وقوله: فإذا رأيته وقعت ساجداً دل على أنه لا إله إلا الله فإذا كان هذا حال أفضل الخلق أجمعين فكيف بغيره، فتأمل تفلح وتدبر المعاني تستبصر.
وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"1. فتلك الشفاعة لأهل التوحيد والإخلاص بإذن الله قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} . [النبأ: 38] . وقال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} . [البقرة: 255] . ولا تكون الشفاعة لمن أشرك بالله كيف وقد قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} . [المائدة: 72] . وقد نهى الله رسوله عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أقاربه قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} . [التوبة: 113] . وقال تعالى في شأن المنافقين: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} . [التوبة: 80] . وقال تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً} . [التوبة: 84] . فإذا كان منهيًّا عن الدعاء والاستغفار فكيف يستغفر لهم في الآخرة وحقيقته أمه لما كان المشرك نجساً وخبيثاً في الفعل وأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ولا يجاوره في دار كرامته إلا الطيبون حرم الله على المشرك النجس الخبيث الجنة، ولما كان الموحد طاهراً طيباً أكرمه الله بالنزول في دار كرامته، وإذا كان عليه دنس من أدناس
1 أخرجه البخاري (6570) من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
الذنوب أولاً يصفى بكير الامتحان بالمحن والمصائب وإن بقي عليه شيء منها صفي يوم القيامة بكير النار حتى ينظف فحينئذ يدخل في الجنة فيقول لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، ولكن يجعل الله دخولهم على يد من أذن له بالشفاعة كرامة له فكان الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك أي أنه طلب الشفاعة من غير الله ما طلبها منه تعالى وتقدس مثل أن يقول: اشفع لي يا فلان فذلك قد طلب حق الله من غيره قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} . [الزمر: 44] . فهذا ممنوع منهي عنه وهو شرك لأنه دعا غير الله لمقصده الذي هو الشفاعة التي هي لله تعالى جميعاً، ومعلوم بالضرورة أن من طلب حق الله من عبده فقد ظلمه أولاً، وثانياً ظن أن للعبد شراكة في ذلك الحق ولولا ذلك الظن ما طلب حق الله من غيره، وأما إذا طلبته من الله كأن تقول: اللهم شفع فلاناً في أو اجعل فلاناً شفيعاً لي فذلك جائز لأنك دعوت الله لا غيره وطلبت حق الله من الله لا غيره وليس من المنهي عنه فتأمل حتى تميز.
ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
متن الباب 17
باب قول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [
القصص: 56] .
وفي "الصحيح" عن ابن المسيب عن أبيه قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: " يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] . وأنزل الله في أبي طالب: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .
الثانية: تفسير قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} .
الثالثة: -وهي المسألة الكبرى- تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: "قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال للرجل: "قل: لا إله إلا الله". فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
الخامسة: جدّه صلى الله عليه وسلم ومبالغته في إسلام عمه.
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه صلى الله عليه وسلم استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك، لاستدلال أبي جهل بذلك.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم، لأنه لو قالها لنفعته.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته صلى الله عليه وسلم وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم، اقتصروا عليها.
شرح الباب 17
باب في بيان ما يدل على أنه لا يهدي الهداية الجامعة للعلم والعمل والتعليم والصبر إلا الله من الكتاب والسنة
أما الكتاب فقول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] . قلت: فإذا كان الخطاب للرسول المبعوث المأمور بالتبليغ فكيف غيره؟ فإن قلت: كيف ذلك وكان شأنه ودأبه منذ بعث إلى أن مات هداية الناس إلى الصراط المستقيم؟ قلت: الهداية تتعدى بنفسه تارة وبإلى تارة وباللام تارة وكل له معنى معلوم، فمن المعدى بنفسه {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، وقوله {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} ، ومن المعدى بإلى قوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . [الشورى: 52] . وقوله: {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . [الأنعام: 161] . ومن المعدى باللام قوله تعالى عن أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا} . [الأعراف: 43] . وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} . [الإسراء: 9] . المتعدي بإلى للإيصال إلى الغاية المطلوبة، وباللام لذلك مع إفادة التخصيص، وبنفسه للهداية التامة الجامعة للعلم والعمل والتعليم والثبات كما ذكر الله في سورة العصر:{وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} . [العصر: 1-3] .
قال ابن القيم: فمتى عدي بإلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة.
قلت: ليس معنى قوله: الإيصال إلى الغاية الهداية التامة؛ لأن الإيصال إلى الغاية لا يشمل الدخول في الغاية كما في قوله تعالى: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} . [البقرة: 187] . أما ترى أن الليل ليس بداخل في
الصوم فإلى تدل على الغاية والحد المحدود فقط، فمعنى قوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . [الشورى: 52] . إيضاح للطريق المستقيم وتنبيه لهم، قال تعالى:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} . [النحل: 64] . فأثبت الله للرسول صلى الله عليه وسلم الإيضاح والتبيين ونفى عنه الهداية التامة، قال تعالى:{وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} . [النمل: 81] . وقال -رحمه الله تعالى-: ومتى عدي باللام تضمن التخصيص، قلت: معناه أنه يتضمن معنى خاصًّا لا عامًّا، كقول أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا، أي لدخولنا الجنة، وقال رحمه الله: ومتى عدي بنفسه تضمن المعنى الجامع لذلك كله أن يعرفه إياه ويبينه له ويلزمه إياه. قلت: وهذا المعنى الجامع هو المنفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كذلك، ولكن الله يهدي الهداية التامة الجامعة من يشاء من عباده.
وأما السنة ففي الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم شفقة عليه لما رأى من النصح والاجتهاد فيما يصلح أمره صلى الله عليه وسلم ويذب عنه بمله وحاله وولده وصنع معه صنائع لم يصنعها أحد من الأقارب والأباعد لأحد وقصصه وأفعاله متواترة مشهورة لاسيما صبره معه في الشِّعْب ثلاث سنين على الجوع والعري حتى ذُكر أنه يُسمع أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، وأيضاً قومته في كل نائبة جاءت الرسول من المشركين، ومع هذا كله كان مقرًّا مصدقاً بما يقول صلى الله عليه وسلم، وأثنى على النبي صلى الله عليه وسلم في قصيدته اللامية المشهورة التي أولها:
أعوذ برب الناس من كل طاعن
…
علينا بسوء أو ملح بباطل
إلى أن قال:
كذبتم وبيت الله نبزي محمداً
…
ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله
…
ونذهل عن أبنائنا والحلائل
إلى أن قال:
ولقد علموا أن ابننا لا مكذب
…
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
إلى أن قال:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
…
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
حليم رشيد عادل غير طائش
…
يوالي إلهاً ليس عنه بغافل
إلى أن قال:
فوالله لولا أن أجي بمسبة
…
تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة
…
من الدهر جدًّا غير قول التهازل
وقال في قصيدته النونية معترفاً بدينه الحق:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
…
حتى أوسد في التراب دفينا
إلى أن قال:
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي
…
ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه
…
من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة
…
لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
فلما حضره الموت جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم ليعرض عليه الإسلام شفقة عليه وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له:"يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم1.
قوله: قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فأعادا أي عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل على أبي طالب: أترغب عن ملة
1 أخرجه البخاري (1360) ، ومسلم (24) من حديث المسيب.
عبد المطلب، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. فمات على خاتمة السوء نعوذ بالله منها. قلت: وفي هذا أبين دليل على أن جليس السوء يردي بجليسه طبعاً وخُلقاً وديناً كما قيل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
…
وكل قرين بالمقارن يقتدي
وأحسن من ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " المرء يحشر على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"1. وقوله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب" 2.
الحاصل أن جلساء أبي طالب أردوا به وتسببوا عليه بالشر فغلبت على أبي طالب الشقاوة، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فلما أيس منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولها قال صلى الله عليه وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور منهي فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] . وأنزل الله في أبي طالب: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] .
1 أخرجه أبو داود (4833) ، والترمذي (2378) من حديث أبي هريرة، وله طريق أخرى عند الحاكم (4/171) .
2 أخرجه البخاري (10/426) ، ومسلم (2640) من حديث أنس.
متن الباب 18
باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله عز وجل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] .
وفي "الصحيح" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} [نوح: 23] . قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت".
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم؛ ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه.
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو".
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً.
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
الثانية: معرفة أول شرك حدث على وجه الأرض أنه بشبهة الصالحين.
الثالثة: أول شيء غُيّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم.
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل؛ فالأول: محبة الصالحين، والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئاً أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نُقل عن السلف أن البدعة سبب الكفر.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو
حسن قصد الفاعل.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
الثانية عشرة: معرفة: النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.
الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه، فهو الكفر المبيح للدم والمال.
الخامسة عشرة: التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" فصلوات الله
وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تُعبد حتى نُسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده.
العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.
شرح الباب 18
باب ما جاء في بيان ما يدل من الكتاب والسنة
أن سبب كفر بني آدم بربهم الذي خلقهم من ماء مهين الذي يخرج من بين الصلب والترائب خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرحم، وظلمة القميص ثم دبّره بأحسن التدبير وهم أجنة في بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، ثم أذن له بالخروج بالرفق واللين فأدرّ عليه ثدي أمه بال حليب السائغ إلى حد الفطام ثم أخرج له أسنان منها للقطع ومنها للتنعيم والتطحين، فأنعم عليه من كل نعمة كما قال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} . [إبراهيم: 34] . وجعل عليه حفظة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} . [الرعد: 11] . ومع ذلك كله إنهم اتخذوا الشيطان وذريته أولياء من دون الله وأطاعوهم في المعاصي حتى آلت بهم المعاصي إلى الكفر تركهم دينهم الذي فطرهم الله عليه وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فزين لهم الشيطان أعمالهم واجتهادهم بالغلو في الصالحين قديماً وحديثاً، فأحدث عليهم ذلك الشرك بالله في حقه الذي لا يستحقه إلا هو لا إله إلا هو، وقد نهى الله تعالى عن الغلو في كتابه الذي أمر الله عباده باتباعه قال تعالى:{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ} . [الأعراف: 3] .
والدليل على ذلك من الكتاب قوله عز وجل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} . [النساء: 171] . يخبر الله تعالى عن أمة العيسوية أنهم غلوا في عيسى وعن أمة الموسوية أنهم غلوا في
عزير وحال أن فيها آيات وبراهين ساطعة يستدل بها كل ذي لب على أنه لا يعبد إلا الله، فأما عيسى فخلقه الله من دون أب بل بنفخة نفخها جبرائيل في جيب مريم وتكلم وهو المهد بأنه رسول الله، ففي ذلك أعظم دليل على أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن الإله الحق هو الله الذي خلقه بلا أب، وأنطقه في المهد بنطق فصيح فالله تبارك وتعالى له القدرة الكاملة، خلق آدم وذريته على أربعة أنواع: نوع ليس له أب ولا أم، فذلك آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، ونوع له أب وليس له أم ذلك حواء خلقها من ضلعه الأيسر، ونوع له وليس له أب وذلك عيسى ابن مريم، ونوع له أب وأم وذلك ما سوى هؤلاء، وأيضاً منهم من يعطيهم ذكوراً وإناثاً، ومنهم من يجعله عقيماً، قال تعالى:{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} . [الشورى: 49، 50] . ففي هذا كمال القدرة واعلم اللذين هما على الوحدانية أشد ظهوراً من الشمس.
وأمَّا عُزَيْر فقد جرى عليه بعد رجوعه من عند بخت نصر ما هو أقطع دليل على أنه لا إله إلا هو وأنه المعبود بحق لا سواه وذلك أنه لما مر على بيت المقدس بعدما خرجه بخت نصر وهي خاوية على عروشها ساقطة على سقوفها وتهدمت حيطانها استعظم الأمر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأراد الله أن يريه قدرته الكاملة الصالحة لكل شيء فأماته الله مائة عام آية في نفسه واعتباراً لغيره ثم أحياه الله وذكر أنه كان معه تين وعصير عنب ومع هذه المدة الطويلة لم يتغير التين ولا عصير العنب وحماره قد بليت عظامه وتفرقت، فجمعها الله وهو ينظر إليه وركب بعضها على بعض وألبسها لحماً وأحياه، فإذا هو
واقف بين يديه، فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، فنظر فإذا القرية قد اعتمرت على أحسن ما يتصور، فسبحان من تفرد بالقدرة الكاملة والعلم المحيط بكل شيء فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، قال تعالى:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} . [الرعد: 14] .
قال ابن القيم: " وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بأيهما ظفر من العبد من الخصلتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فيشمه فإن وجد فيه فتوراً أو توانياً أو ترخيصاً أخذه بالتقصير والتفريط، فثبطه وأقعده بالكسل والتواهن والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، وإن وجد عنده حذرا وجدًّا وتشميراً ويقظة أخذه بالاجتهاد الزائد وسول له أن هذا المشروع ما يكفيك وهمتك فوق هذا وينبغي لك أن تزيد على العاملين وأن لا ترقد إذا رقدوا ولا تفتر إذا فتروا، إذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعاً، وإذا توضأ أنت اغتسل لها، ونحو هذا من الإفراط والتعدي فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم، كما يحمل الأول على التقصير، ومقصوده إخراج كل واحد عن الصراط المستقيم ولا ينجي من ذلك إلا الله؛ ثم علم راسخ وإيمان ثابت وقوة على محاربة ولزوم الوسط؛ لأن دين الله وسط بين الغالي والجافي، والله المستعان" انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فإذا قلت: إن الله تعالى ما ذكر إلا الغلو الذي هو الإفراط ولم يذكر التفريط والتقصير. قلت يحتمل فيه أمران: لما تركه لدلالة الضد على الضد كما في قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} . [النحل: 81] . فلم يذكر البرد لدلالة الحر عليه، ذكر
ذلك بعض المفسرون وإما لأن الغلو: يورث الشرك والكفر والتفريط، والتقصير: يورث الذنوب والشرك والكفر أعظم خطراً فذكر الغلو لعظم خطره.
والدليل من السنة أن الغلو سبب كفر بني آدم، ففي الصحيحين1 عن ابن عباس في قوله تعالى:{وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} . [نوح: 23] . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. أول رسول أرسل في الأرض لما غلو في الصالحين وأشركوا مع الله غيره في العبادة، قال قتادة: ذرك لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى الشريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله إليهم نوحاً، وقال ابن عباس في قوله تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} . [البقرة: 213] . قال: على الإسلام كلهم وقد أراد الله تعالى استخبارهم فامتحنهم الله بما يفتنهم ليعلم الصادق من الكاذب كما قال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} . [العنكبوت: 1- 3] . فبين الله أنه لابد أن يفتن الذي يدعي الإيمان قديماً وحديثاً ومن حكمة الرب تعالى أن يفتن كلاًّ بما يليق بحاله، قال تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} . [البقرة: 155] . فإن علم الله من الصدق والإيمان الحقيقي الذي لا يشوبه ظلم حفظه من وساوس الشيطان فانتبه. قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} . [إبراهيم: 27] . وإن علم منه خلاف ذلك خلى بينه
1 أخرجه البخاري (4920) من حديث ابن عباس موقوفاً ولم يروه مسلم.
وبين الشيطان فإذاً يسلط عليه ويستحوذ عليه فيهلكه، ولما كان أهل ذلك الزمان الذي فيه ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر وكانوا معتنين بالدين والعلم النافع فتنهم الله بموت هؤلاء العلماء الصالحين في أزمنة متقاربة بعضها من بعض فلما هلكوا حزنوا عليهم حزناً شديداً لما رأوا من ذهاب علمائهم وصلحائهم الذين بذهابهم يذهب العلم المتواخذ بينهم فحينئذ اغتنم الشيطان الفرصة وأتاهم وأوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها حالة التعليم والتذكير أنصاباً على صورهم المعلومة عندكم وسموها بأسمائهم التي كانوا يسمون بها ففعلوا فلم يعبدوا الصور لقرب عهدهم بالمعاني الشركية وأفعالها وأقوالها حتى إذا هلك أولئك أي أهل ذلك القرن والقرن الثاني وأتى القرن الثالث نسي العلم الذي فيه بيان الشرك والتوحيد أو نسي العلم الذي نصبوا لأجله الأنصاب وهو تذكر العلم الذي كانوا يأخذونه منهم عبدت الصور حينئذ وذلك أنه جاءهم الشيطان أن آبائكم ما نصبوا هذه الأنصاب إلا أنهم يريدون شفاعتهم فتعلقت قلوبهم بها لأجل ذلك قال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} . [يونس: 18] .
قال ابن القيم قال غير واحد من السلف: قال محمد بن كعب: إن ودًّا وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا هذه أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم أخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ففعلوا ثم نشأ قوم
بعدهم فقال إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم فابتداء عبادة الأوثان كان ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم المسلمين. قلت: وموجب ذلك كله الغلو شيئاً فشيئاً حتى تعدى عن الحد، وآل الأمر إلى الشرك بالله فعكفوا على قبورهم وذلك بما صوروا صورهم ثم طال عليهم الأمد فغفلوا عن التوحيد وغلوا فيها فأشركوا فعبدت فلذلك نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن الغلو حذراً مما وقع قبل من الشرك بسببه. وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه1. ولمسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" 2.
بين صلى الله عليه وسلم أن الغلو هو داء العضال الذي في الأمم الماضية فأهلكوا به قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} . [الروم: 42] . ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هلك المتنطعون" 3، قالها ثلاثاً. ففُسِّر بالذين يبالغون في الأمور.
1 أخرجه البخاري (3445) من حديث عمر مرفوعاً، ولم يروه مسلم.
2 أخرجه النسائي (5/268) وابن ماجه (3029) وأحمد (1/215) من حديث ابن عباس مرفوعاً، والحديث لم يروه مسلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاقتضاء" 1/289: إسناده صحيح على شرط مسلم.
3 أخرجه مسلم (2670) من حديث ابن مسعود مرفوعا.
متن باب 19
باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده
في "الصحيح" عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين، فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها قالت: "لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال -وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً،" أخرجاه.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبْنَ مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجداً، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال صلى الله عليه وسلم:"جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد". ورواه أبو حاتم في "صحيحه".
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجداً يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك.
الثالثة: العبرة في مبالغته صلى الله عليه وسلم في ذلك. كيف بيّن لهم هذا أولاً، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
السابعة: أن مراده صلى الله عليه وسلم تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجداً.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجداً وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
الثانية عشرة: ما بلي به صلى الله عليه وسلم من شدة النزع.
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلّة.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
شرح الباب 19
باب ما جاء ف بيان ما يدل على أن التغليظ يلزم الذي يطيع الله ورسوله
غيرة منه على دينه عز وجل فيمن عبد الله خالصاً لكن عند قبر رجل صالح حذرا من الفتنة والشرك هذا إذا كان غير الله فكيف إذا عبده فيكون التغليظ أولى وألزم وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنسية رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور والتماثيل لما كانوا يصورون عيسى وأمه والأنبياء تعظيماً لهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح –شك في الراوي- بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق"1. لنبذهم حكم الله ورسوله واتباعهم الآباء والأهواء فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين اللتين أكثر الناس قد ضلوا بهما إحداهما فتنة القبور وقد ضلت بها أمم لا يحصيهم إلا الله، والثانية فتنة التماثيل وقد ضلت بها فئام أيضاً ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم أي وقع به الأمر اللازم الذي ليس لأحد عنه مفر طفق أي شرع يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك أي في هذه الحالة لشدة اهتمامه واعتنائه بالوحدانية التي هي زبدة الرسالة: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر صلى الله عليه وسلم بقوله أمته عن ما صنعوا ولولا ذلك الحذر لأبرز قبره
1 أخرجه البخاري (427) ومسلم (528) من حديث عائشة.
غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً إذا أبرز أخرجاه1، ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس ليال وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليل كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً"2. لما رأيت منه التصديق والنصح لله ورسوله ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فيقعون في الشرك والكفر بالغلو فيهم ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فتقعون فيما وقعوا فيه فإني أنهاكم عن ذلك فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله وذلك لأن التردد على القبور يوجب ما قاله وذلك يورث عبادتهم والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبْنَ مسجد وهو معنى قولها خشي أن يتخذ مسجداً فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعاً: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" رواه ابن حبان في صحيحه3.
1 تقدم تخريجه.
2 أخرجه مسلم (532) من حديث جندب.
3 أخرجه أحمد (1/435) وابن حبان (340) وابن خزيمة (789) من حديث ابن مسعود.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد ثبت في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة، وآخرون أمثل من هؤلاء يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وكثير يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المساجد، ويرى من الصلاة في المساجد المبنية على القبور أفضل من المساجد التي لا قبور فيها، هذا كله مما علم من جميع أهل العلم بدين الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام وأنه لم ينقله أحد من علماء الأمة بل هم متفقون على أنه لا فضيلة للصلاة عند القبور ولا في المساجد المبنية على القبور بل ينهى عن ذلك" انتهى كلامه.
متن الباب 20
باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله
روى مالك في "الموطأ": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم: 19] . قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج". رواه أهل السنن.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: -وهي من أهمها- معرفة صفة عبادة
اللات التي هي من أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
التاسعة: لعنه زَوَّارات القبور.
العاشرة: لعنه من أسرجها.
شرح الباب 20
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا
لما مضى من أن التردد يورث التأله والتعظيم شيئاً فشيئاً حتى تعبد من دون الله الذي خلق الكون وما فيه بأسره سبحانه وتعالى عما يشركون روى مالك في الموطأ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"1. وقعوا في المحذور الذي أوجب لهم اللعنة والعذاب، ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} قال: كان رجل يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان يلت السويق للحاج، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج 2. لما فيه من ذلك المحذور الذي يؤول إلى الشرك وعبادة غير الله.
1 أخرجه مالك (1721) وابن سعد في الطبقات (2/240-241) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً.
وهذا إسناد مرسل صحيح ورواه ابن عجلان عن زيد بن أسلم مرسلاً لم يذكر عطاء.
وأخرجه عبد الرزاق (1/406) وابن أبي شيبة (3/245) وحديث مالك هو الصواب، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (5/43) من طريق عمر بن محمد عن زيد بن أسلم به. وهذا إسناد حسن، وعمر بن محمد ثقة وقد جاء الحديث مرفوعاً من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (2/246) .
2 أخرجه أبو داود (3236) ، والترمذي (320) وقد أفردت في أحاديث زيارة النساء للقبور، وما فيها من آثار: رسالة طبعت في "الأجزاء الحديثية".
متن الباب 21
باب: ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
وقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128] .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.
وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم". رواه في المختارة.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة.
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص،
مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعُد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
شرح الباب 21
باب ما جاء في حماية المصطفى –من الخلق لأجل الرسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك لأنه صلى الله عليه وسلم ما أرسل إلا لنفيه بالبيان والسنان وقوله الله تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي شاق عليه عنتكم ومضاركم وأي ضرر أعظم من الشرك والكفر والنفاق الذي يخلد صاحبه في النار أبد الآبدين حريص عليكم أي على صلاح شأنكم وأي صلاح أعظم من صلاح التوحيد الذي لو يأتي صاحبه بقراب الأرض خطايا لأتاه ربه بها مغفرة بالمؤمنين رؤوف رحيم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً" 1 أي لا تجعلوا بيوتكم مثل القبور لا تصلون فيها بل صلوا فيها السنن والنوافل لأنها في البيت أفضل، قيل: لأنه أبعد من الرياء وأقرب للإخلاص "ولا تجعلوا قبري عيداً" تعودونه في كل يوم أو كل أسبوع أو شهر أو سنة ولا يسمى العبد عيداً إلا لإعادته على الناس في كل عام فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا قبره عيداً يعودونه حذراً مما وقع في السلف الماضي من الأمم، وإن أردتم الصلاة والسلام "فصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم". رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات2.
وعن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه
1 أخرجه أبو داود (2042) وأحمد (2/367) .
2 أخرجه أبو داود (2042) وأحمد (2/367) من حديث أبي هريرة.
وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وسلموا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم". رواه في المختارة1. فبين علي رضي الله عنه أن دعاءه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم منهي عنه ولو نيته كانت صالحة حذراً من الغلو الذي أهلك من كان قبل.
1 أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (2/186) وأبو يعلى (469) من طريق جعفر بن إبراهيم الجعفري عن علي بن عمر بن الحسين عن أبيه عن علي بن الحسين به وله شواهد.
متن الباب 22
باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
وقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 50] . وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] . وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} [الكهف: 21] .
عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:"فمن"؟ أخرجاه، ولمسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي
بعضهم بعضًا"، ورواه البرقاني في "صحيحه"، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع؟: هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
الخامسة: قولهم إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلاً من المؤمنين.
السادسة: وهي المقصود بالترجمة أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعيد.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
الثامنة: العجب العجاب خروج من يدّعي النبوة، مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق وفيه أن محمداً خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح. وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة، منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال، وإخباره بأنه أعطي الكنزين، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة، وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بإهلاك بعضهم بعضاً وسبي بعضهم بعضاً، وخوفه على أمته من الأئمة المضلين، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة. وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون من العقول.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
شرح الباب 22
باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة المحمدية تعبد الأوثان وتسلك مسالك من مضى من الأمم الماضية شبراً بشبر وذراعاً بذراع من الكتاب والسنة
أما الكتاب فدلالته على الترجمة بالتضمن وذلك قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 50] . وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] . وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} [الكهف: 21] . يخبر الله تعالى عن جهل هؤلاء وظلمهم، أما جهلهم فهو أنهم تركوا حكمَ الله الذي هو ربهم وملكهم، وسنَّة نبيهم، وعملوا بحكم الجبت والطاغوت. وأما ظلمهم فإنَّهم عصوا الله وآمنوا بالجبت والطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به كما قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} . [النحل: 36] .
وأما دلالة الآيات على الترجمة أنه يتصور ويمكن أن هذه الأمة الذين أوتوا القرآن يعبدون الجبت والطاغوت كما أن الذين أوتوا التوراة والإنجيل عبدوا الجبت والطاغوت.
وأما في السنة فقد بين الرسول هذا المعنى بعينه وأفصح به لئلا يشتبه على أحد ويستبعد ذلك، عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود
والنصارى؟ قال: " فمن". أخرجاه1. فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة المحمدية يتبعن سنن من قبلهم ويسلكن مسلكهم ثم أكد المشابهة أي بأنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، جعل صلى الله عليه وسلم غاية المشابهة أمراً محالاً في العادة بمعنى أنكم لا تتركون شيئاً يفعلونه حتى لو فعلوا هذا الأمر المحال لفعلتموه ثم بين أنهم خالفوا الله ورسولهم وهم أهل الكتاب الذين أوتوا العلم فدل ذلك على أن الكتاب والعلم لا يوجب الهداية إلا بفضل الله ورحمته فكونوا على حذر فإنكم على خطر فإن الذي أضلهم من المنظرين إلى يوم القيامة واستلزم بإضلال العباد إلا عباد الله المخلصين قال لعنه الله: {لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} حتى يؤول بكم الإضلال إلى تفرقكم واختلافكم بعضكم من بعض كما تفرقت بنو إسرائيل. عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" رواه الترمذي2. وفي رواية لأحمد وأبي داود عن معاوية: "ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة، وأنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا
1 أخرجه البخاري (3456) ومسلم (2669) من حديث أبي سعيد الخدري.
2 رواه الترمذي (2641) من حديث عبد الله بن عمرو.
دخله" 1.
ولمسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين: الأبيض والأحمر وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال لي: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضًا" 2، رواه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني في صحيحه، وزاد:"وإنما أخاف على أمتي من الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"3.
قلت: وفي هذا تصريح وتوضيح بأن بعض أمته صلى الله عليه وسلم يلحق بالمشركين وفئام منها تعبد الأوثان. قال أبو السعادات: الفئام الجماعات الكثيرة، وقال البخاري: باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان
1 أخرجه أبو داود (4597) وأحمد (4/102) من حديث معاوية بن أبي سفيان.
2 أخرجه مسلم (2889) من حديث ثوبان.
3 أخرجه بالزيادة المذكورة أبو داود (4252) وابن ماجه (3952) .
وذكر السند إلى أن قال عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة"، قال وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدونها في الجاهلية1. وروى مسلم من رواية في صحيحه عن عائشة مرفوعاً:"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى"2.
ففي هذه الأحاديث رد على الذين ينكرون وقوع الشرك وعبادة الأوثان في الأمة المحمدية فمن فهم ما أخبر الله تعالى في كتابه وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته ورأى الناس ورأى الواقع من غالب الناس ما أخبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم به سواء بل زيَّدوا أموراً شركية ليس في الأولين لها شبيه، وقد نظمت على هذا المعنى:
فعند ثقيف كان قبة لاتهم
…
والآن في كل المواضع ذا الصنع
ففي كل أرض قبة مثل لاتهم
…
تعظم ترجى جلب نفع مع الدفع
وفي نخلة العزى زمان قريشهم
…
وكم سدرة الآن تقصد للنفع
هناك مناة كما مناة زماننا
…
فكم صخرة الآن تقصد للدفع
وأن نزل الوادي استعاذت قريش
…
والآن كل يستعيذ من الخمع
فكم ذبحت للجن سودا دجاجة
…
وكم بيضة كم من بسيس من الوجع
وقد زادني ذا الوقت أهل زماننا
…
تعلقهم بالروث والضرس والودع
وبالعين جحر النمل موط لصالح
…
وبالبيض عظم الرأس في النخل والزرع
معابيدهم شتى مقاصدهم شتى
…
فكل له مولى إذا ناب من فجع
ومهما أرادوا حاجة قصدوا لهم
…
مقاماً وشيئاً من خرى الكلب والضبع
وقالوابها تقضى معاضل أمرنا
…
بقصد صحيح بالخضوع وبالخشع
1 أخرجه البخاري (7116) ومسلم (2906) من حديث أبي هريرة.
2 أخرجه مسلم (2907) من حديث عائشة.
فكم ذبحت للقبر خير ذبيحة
…
وكم صار نذر للقبور من الفجع
وكم سجدوا حول القبور لحاجة
…
وكم راكع مهما أتاها وكم ينعي
وكم هتفوا باسم المشايخ عندما
…
رأوا ضرة بحراً وبرًّا من الفزع
فكل ترى داع إلهاً لقصده
…
إذا اشتدت الحاجات والكرب والجزع
وهم قد نسوا خلاقهم مليكهم
…
وخاضوا كما خاض الذي أول البدع
وكل ما جرى مصداق قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر صلى الله عليه وسلم "أنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى".
متن الباب 23
باب: ما جاء في السحر
وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} [البقرة: 102] . وقوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 50] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
وعن جندب مرفوعاً: "حد الساحر ضربه بالسيف" رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف.
وفي "صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وصح عن حفصة رضي الله عنها: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت، وكذلك صح عن جندب. قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر، فكيف بعده؟!
شرح الباب 23
باب ما جاء في بيان السحر وأنواعه وحكمه
أما حده وبيانه، فقال صاحب القاموس: السحر بالكسر هو ما دق مأخذه ولطف.
وأما أنواعه فهو قولي وفعلي والكل يحصل به مقصود الساحر من تفريق أو تبديل أو تغيير أو اختلاف، ويتفرع من هذين النوعين فروع مستنكرة مستغربة ولولا أن الله تعالى من حكمته الباهرة يبطله إذا أتى به الساحر في مقام ادعاء النبوة لادّعى النبوة، لأن كل ما يفعله النبي بأمر الله معجزة له حقيقة يفعله الساحر مجازاً بالتخيلات كما قال تعالى:{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} . [طه: 66] . فأثبت الله لها السعي من سحرهم، وثانياً: إن عمل الساحر ما يثبت بل يبطل كما قال تعالى: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} . [يونس: 81] . وقال تعالى: {مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} . [طه: 69] .
وأما معجزة الأنبياء فلها حقيقة كما جرى بين موسى والسحرة فإنهم مع كثرتهم قيل أنهم سبعون ألفاً وألقوا ما ألقوا من الكيد أمر الله موسى أن يلقي عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.
وأما حكمه: فقيل: إنه كفر واستدلوا بقول الله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} . [البقرة: 102] . وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} . [البقرة: 102] . قلت: دلت الآيات على كفرية السحر لفظاً ومعنى ومقتضى أما اللفظ بقوله تعالى عن هاروت
وماروت: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} . [البقرة: 102] . أي بتعلمك السحر وفعله، فبقوله:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} . [البقرة: 102] . فدل على أن اتباع السحر وتعلمه وفعله كفر؛ لأن الذي تر الشياطين على ملك سليمان هو السحر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد كفر"1. وأما المقتضي فبقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} . [البقرة: 102] . أي من نصيب من الرحمة وذلك الشقاوة الأبدية التي ما يتصف بها إلا الكافر، وقوله تعالى:{يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} . [النساء: 50] . قال عمر: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقال جابر: الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد.
ومما أخرج ابن أبي حاتم ابن عباس قال: إن هاروت وماروت هبطا إلى الأرض فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي وقالوا له: إنما نحن فتية فلا تكفر، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه البيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، قالت: كان لي زوج فغاب عني فدخلت علي عجوز فشكوت لها فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما جاء الليل جائتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الأخر فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل فإذا برجلين معلقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم
1 أخرجه النسائي (4090) من حديث عباد بن ميسرة عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعاً به وإسناده لين.
السحر، فقالا: إنما نحن فتية فلا تكفري وارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت فقالا: إذاً اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت ففزعت ولم أفعل فرجعت إليهما فقالا: فعلت فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئاً؟ قلت: لم أر شيئاً، فقالا: لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ثم أتيت فذهبت فاقشعر جلدي وخفت ورجعت إليهما فقلت قد فعلت فقالا: ما رأيت فقلت لم أر شيئاً فقالا: كذبت لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت وبلت فيه فرأيت فارساً مقنعاً بحديد فخرج عني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى ما أراه، وجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا: ما رأيت؟ فقلت: فارساً مقنعاً، خرج مني فذهب إلى السماء حتى ما أراه قالا: صدقت ذلك إيمانك خرج منك اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً، فقالت: بلى لم تريدي شيئاً إلا كان خذي هذا القمح فبذري فبذر وقلت اخلقي فخلقت ثم قلت افركي فأفركت ثم قلت: أيبسي فيبست ثم قلت اطحني فطحنت ثم قلت: اخبزي فأخبزت فلما رأيت أني لا أريد شيئاً إلا كان سقط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئاً ولا أفعله أبداً فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ متوافرون فما دروا ما يقولون لها ولكهم خاف أن يفتيها بما لا يعلمه إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده لو كان أبواك حيين أو أحدهما فكانا يكفيانك. انتهى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
1وعن جندب مرفوعاً: "حد الساحر ضربة بالسيف" رواه الترمذي2 وقال: الصحيح أنه موقوف وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر، وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت وكذلك صح عن جندب قال أحمد: وصح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: في قتله فوائد:
الأولى: يكون ردعاً وزجراً لأشباهه عن السحر الذي وهو كفر وفتنة.
الثانية: أن بقتله يبطل السحر الذي فعله وذا مجرب فيكون قتله دواءً نافعاً للمسحور مما يجده في نفسه.
الثالثة: أن تنقطع مادة الفاسد بقتله علماً وعملاً وتعليماً وفعلاً قطعاً.
1أخرجه البخاري (2766) ومسلم (89) من حديث أبي هريرة.
2 أخرجه الترمذي (1460) والطبراني في الكبير (1665) والحاكم (4/360) والبيهقي (8/126) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن البصري عن جندب مرفوعاً، قال الترمذي:"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، وإسماعيل بن مسلم البصري، قال وكيع: هو ثقة، ويروى في الحسن أيضاً، والصحيح عن جندب موقوفاً".
متن الباب 24
باب: بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت".
قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض، والجبت، قال: الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد ولأبي داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" المسند منه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا هل أنبئكم ما الغضة؟ هي النميمة، القالة بين الناس" رواه مسلم.
ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن من البيان لسحراً".
فيه مسائل:
الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت.
الثانية: تفسير العيافة والطرق.
الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر.
الرابعة: أن العقد مع النفث من ذلك.
الخامسة: أن النميمة من ذلك.
السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.
شرح الباب 24
باب في بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حبان بن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العيافة والطرق والطيرة من الجبت"، قال عوف: العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط في الأرض، والجبت قال الحسن: رنة الشيطان إسناده جيد1. قلت: العيافة على ما ذكرها أهل العلم زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها وهو من العرب كثير في أشعارهم يقال: عاف يعيف عيفاً إذا زجر وحدس وظن، وبنوا أسد يذكرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل: إن قوماً من الجن تذاكروا أعيافهم فأتوهم فقالوا: ضلت ناقة فلو أرسلتم مهنا من يعيف فقالوا لغلامهم انطلق معهم فاستردفه أحدهم ثم ساروا فلقيهم عقاب كاسرة أحدى جناحيه فاقشعر جلد الغلام وبكى فقالوا: مالك؟ فقال: كسرت جناحاً ورفعت جناحاً وحلفت بالله صراحاً ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحاً، وأنشد التوربشتي وقال:
تتحابى هدهد فوق بابه
…
هدى وبيان بالجناح يلوح
وقالوا حمامات فحم لقائها
…
وطلح فسلت والمطي طليح
وقال آخر:
يغني الطائران ببين سلمى
…
على غصنين من غرب وبان
وقال آخر:
جرت سنحا فقلت لها أجيري
…
نوى مشهولة فمتى اللقاء السانح
1 أخرجه أبو داود (3907) وأحمد (3/477) قد وقع اختلاف كبير في تحديث اسم شيخ عوف، انظر تهذيب الكمال (1/474) والحديث حسنه النووي في رياض الصالحين.
مما كانوا يمنون به أي قلت للنفس أجيري أي طفي حال نوى والمشمولة المكروهة من الشمال فإنهم يكرهونها لما فيها من البرد وذهابها بالغيم الذي فيه الحيا والخصب. والطرق هو الضرب بالحصى الذي تفعله النساء، وقيل: هو الخط في الرمل واقتصر في الفائق على الوجه الأول، وأنشد قول لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا
…
زاجرات الطير ما الله صانع
والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء وهو مصدر تطير طيرة مثل تخير خيرة ولم يجيء من المصادر غيرهما وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظبا وغيرهما وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير من جلب نفع أو دفع ضرن فلا يصدنهم مما يتوجهون إليه من المقاصد أو من سواء السبيل والصراط المستقيم ما يجدونه في صدورهم من الوهم.
قال ابن عباس: الخط يخط في الأرض كان نبي من الأنبياء يخط فيعرف بالفراسة بتوسط تلك الخطوط، قيل: هو إدريس، فمن وافق خطه في الصورة والحالة وهو قوة الخاط في الفراسة والعلم واعمل الموجبين لها فذاك مصيب، وذا محال، لأن خط ذاك النبي معجزة له ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"من وافق خطه فذاك" على سبيل الزجر معناه لا يوافق أحد خط ذلك النبي لأنه معجزة، قال: والخط هو ما يخط الحازي بالحاء المهلمة والزاي المعجمة الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه ويقال للمنجم الحازي أيضاً لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه، والحازي هو الكاهن قال: والخط هو علم تركه الناس يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوناً فيقول: اقعد حتى أخط لك وبين يدي الحازي غلام له معه ميل ثم يأتي إلى أرض
لحكمة" 1. قال تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . [الشعراء: 224- 227] . كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ومن سلك مسلكهم.
1 أخرجه أبو داود (5011) والترمذي (2845) وابن ماجه (3756) من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً. وسماك في روايته عن عكرمة اضطراب. وله شاهد من حديث أبي بن كعب.
باب بيان شيء من أنواع السحر
…
رخوة فيخط فيها خطوطاً بالعجلة لئلا يلحقها ثم يرجع فيمحو منها ما مهل خطين خطين وغلامه يقول للتفال: ابني عيان أسرعا لبيان فإن بقي خطان فهما علامة النجح وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة، قال صاحب النهاية المشار إليه: علم معروف وللناس فيه تصانيف كثيرة ويستخرجون به الضمير وغيره على زعمهم هذا.
قلت: كيف يتصور استخراج الضمير وغيره من الغيوبات وقد قال الله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} . [النمل: 65] . وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} . [الأنعام: 59] . وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} . [الجن: 26، 27] . قال صاحب الكشاف وقد بطل بهذه الآيات كرامات الأولياء بادعائهم الغيب فيه اللهم إلا أن يكون من نوع الفراسة لقوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"1. قاله أكثر أهل العلم.
ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد"، رواه أبو داود وإسناده صحيح2. وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل
1 أخرجه الترمذي (3127) من طريق عطية عن أبي سعيد. وضعفه الترمذي بقوله: "هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه". قلت: وعطية هو ابن سعيد العوفي.
2 أخرجه أبو داود (3905) وابن ماجه (3726) من حديث ابن عباس.