المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب قول الله {حتى إذا فزع عن قلوبهم} - فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

[حامد بن محسن]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌شرح البسملة:

- ‌كتاب التوحيد:

- ‌باب في أنواع الشرك

- ‌باب: فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

- ‌باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب

- ‌باب: الخوف من الشرك

- ‌باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

- ‌باب: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

- ‌باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه

- ‌باب: ما جاء في الرقي والتمائم

- ‌باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما

- ‌باب ما جاء جاء في الذبح لغير الله

- ‌باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله

- ‌باب: من الشرك النذر لغير الله

- ‌باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله

- ‌باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره

- ‌باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ

- ‌باب قول الله {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}

- ‌باب: الشفاعة

- ‌باب قول الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [

- ‌باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

- ‌باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده

- ‌باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله

- ‌باب: ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك

- ‌باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان

- ‌باب: ما جاء في السحر

- ‌باب بيان شيء من أنواع السحر

- ‌باب: ما جاء في الكهان ونحوهم

- ‌باب: ما جاء في النشرة

- ‌باب: ما جاء في التطير

- ‌باب: ما جاء في التنجيم

- ‌باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء

- ‌باب قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً

- ‌باب: قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ

- ‌باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [

- ‌باب: قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ

- ‌باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله

- ‌باب: ما جاء في الرياء

- ‌باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا

- ‌باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله

- ‌باب قول الله تعالى {يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}

- ‌باب: من جحد شيئاً من الأسماء والصفات

- ‌باب: قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا

- ‌باب: قول الله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

- ‌باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله

- ‌باب قول ما شاء شئت

- ‌باب: من سب الدهر فقد آذى الله

- ‌باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه

- ‌باب: احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك

- ‌باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول

- ‌باب ما جاء قول الله تعالى {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ}

- ‌باب قول الله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [

- ‌باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى

- ‌باب: لا يقال: السلام على الله

- ‌باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت

- ‌باب: لا يقول: عبدي وأمتي

- ‌باب لا يرد من سأل بالله

- ‌باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

- ‌باب ما جاء في اللوء

- ‌باب: النهي عن سب الريح

- ‌اب: قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}

- ‌باب: ما جاء في منكري القدر

- ‌باب: ما جاء في المصورين

- ‌باب: ما جاء في كثرة الحلف

- ‌باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه

- ‌باب: ما جاء في الإقسام على الله

- ‌باب: لا يستشفع بالله على خلقه

- ‌باب: ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك

- ‌باب: ما جاء في قول الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}

الفصل: ‌باب قول الله {حتى إذا فزع عن قلوبهم}

‌باب قول الله {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}

متن الباب 15

باب قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] .

وفي "الصحيح" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك. حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع -ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض- وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء".

وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة -أو قال رعدة- شديدة خوفاً من الله عز وجل. فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا

ص: 253

جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل".

فيه مسائل:

الأولى: تفسير الآية.

الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصاً من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.

الثالثة: تفسير قوله: {قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} .

الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.

الخامسة: أن جبريل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا".

السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.

السابعة: أن يقول لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه.

الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.

التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.

العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.

الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.

ص: 254

الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضاً.

الثالثة عشرة: إرسال الشهب.

الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.

الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان.

السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.

السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.

الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!

التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.

العشرون: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية المعطلة.

الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي كانا خوفاً من الله عز وجل.

الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجداً.

ص: 255

شرح الباب 15

باب ما يدل على الفوائد التوحيدية والمسائل الصمدية ونظام القيومية وسلطان الملكوتية من قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] .

قلت: لو لم يكن للتوحيد دليل غير هذه لكفت، وحال أنه كل ما في الكون ينطق نطقاً فصيحاً بأنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له في ملكه وربوبيته وألوهيته:

هو الإله الذي آياته ظهرت

في كل شيء ترى خير العلامات

النور ينطق والأوراق والثمر

بأنه الله خلاق البريات

البر والبحر والأفلاك ناطقة

بأنه الله علام الغيوبات

الإنس والجن والحيوان شاهدة

بأنه الله قيوم السموات

والوحش والطير والحيتان مذعنة

بأنه الله كاشف الكربات

الواحد الأحد الوتر المهيمن لا

شبه له ومثال في المكونات

لا نفع في الكون إلا نفعه أبداً

والضر من عنده حتى البليات

إن مسك الله بالأضرار لا كاشف

سواه عنك كذا كل المصيبات

وإن أتاك بخير ما له مانع

سواه عنك كذا في كل الخيرات

ما لم يشأ لم يكن في الكون قط ولا

تجري المقادير إلا بالإرادات

من ظن نفعاً وضراً من خلائقه

بلا مشيئته حوى الخطيئات

حتى الملائك من عظم الجروم لهم

في الأمر طوعاً لخلاق البريات

حتى إذا سمعوا وحي العلي إذا

من ذاك صعقوا خوف العقوبات

قال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفله قدميه مسير خمسمائة عام، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرضين والأرضون والسموات في حجزهم وهم يقولون: سبحان ذي العز والجبروت،

ص: 256

سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وقال ميسرة بن عروة: أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشع لا يرفعون رؤسهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها.

وقال مجاهد: بين نور الله والملائكة سبعون حجاباً من نور، وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لربي ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام"1. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثون ألف عام والعرش يكسى كل يوم سبعون ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله والأشياء كلها بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، قال وهب بن منبه: أن حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون يقبل هؤلاء ويقبل هؤلاء فإذا استقبل بعضهم بعضاً هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك أنت أكبر، الخلق كلهم راجعون إليك ومن وراء هؤلاء المائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبح الآخر به

1 أخرجه أبو داود من حيث حابر بلفظ: "أُذن لي أن أحدث عن مَلًكٍ من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام"

ص: 257

ما بين جناحي أحدهم مسير ثلاثة عام وبين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش سبعين حجاباً من نور وسبعين حجاباً من ياقوت أصفر، وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر وسبعين حجاباً من ثلج وسبعين حجاباً من ماء، وسبعين حجاباً من برد وما لا يعلمه إلا الله تعالى وتقدس، وقالوا: لكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، أما جناحان فعلى وجه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق وأما جناحان فيصعق بهما ليس كلامهم إلا التسبيح، والتحميد وإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخر فكانوا ثمانية على صورة الأوعال بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء.

وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} . [الحاقة: 17] . وثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ومنهم خزنة النار تسعة عشر مالك وثمانية عشر. جاء في الأثر: أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالمساحي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة نزعت منهم الرحمة يدفع أحدهم سبعين ألفاً فيرميهم حيث أراد من جهنم. قال عمرو بن دينار: إن واحداً منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. وغير ذلك من الأوصاف المستغربة المستعظمة التي لا تأتي في العقول لو نذكرها لطال الكلام وظهر عما نبغي من النظام، ولكن من علم يقيناً أن الله على كل شيء قدير وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، ما استنكر ولا استغرب ولا استعظم ما ذكر من خلق الله وأفعاله.

واعلم أن الملائكة مع ما بها من عظم الجسوم ونكارة الهيئة

ص: 258

وشدة القوة هم كما قال عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} . [الصافات: 164] . يقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم نعبد الله تعالى فيه". قال ابن العباس: ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح. وروي عن أبي ذر عن النبي قال: "أطَّت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله عز وجل"1. وقال السدي: إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة، وقال أبو بكر الوراق: إلا له مقام معلوم يعبد الله عليه كالخوف والرجاء والمحبة والرضا، {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} . [الصافات: 165] . قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم، وقال الكلبي، صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في الأرض لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومع ذلك كله ليس لهم قدرة سماع الوحي إذا قضى الله الأمر في السماء يغشى عليهم حين يسمعون الصوت.

في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير"2. وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة زاعمين أنهم شفعاء لهم فبين سبحانه مقام عظمته وجبروته أنهم لا يسبقونه

1 أخرجه الترمذي (2312) وابن ماجه (4190) وأحمد (5/173) من حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعاً.

2 أخرجه البخاري (4701 و4800 و7481) ، وابن خزيمة في "التوحيد"(3221) ، وابن مندة في "الإيمان"(700)

ص: 259

بالقول فلا يتكلمون ولا يشفعون إلا لمن أذن له فهم خلف سرادق الهيبة خاضعون خاشعون حتى إذا قضى الله الأمر في السماء لم يثبتوا عند سماع كلام الحق ولم يطيقوا فهمه ابتداء، بل خضعت وفزعت وضربت بأجنحتها وصعقت وسجدت فإذا فزع عن قلوبهم وجلي نهم الفزع قالوا حينئذ: ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، فهذه حالهم عند تكلمه تعالى بالوحي، إما وحي كلامه الذي يبعث به رسله كما أنزل القرآن، وإما أمره الذي يقضي به من أمر كونه فذلك حاصل في أمر التشريع وأمر التكوين ولهذا قال تعالى:{وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} . [سبأ: 23] . وحتى غاية يكون ما بعدها داخلاً فيما ما قبلها ليست بمنزلة إلى التي قد يكون ما بعدها خارج عما قبلها كما في قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} . [البقرة: 187] . وحتى سواء كانت حرف عطف أو حرف جر يتضمن ذلك وما بعدها يكون النهاية التي ينبه بها على ما قبلها فتقول: قدم الحاج حتى المشاة، فقدوم المشاة تنبيه على قدوم الركاب، وتقول: أكلت السمكة حتى رأسها، فأكل رأسها تنبيه على أكل غيره، فإن كل رؤوس السمك قد تبقى في العادة فهذه الآية أخبر الله تعالى فيها أنه ليس لأحد غيره ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة له ولا شفاعة إلا بعد إذنه، قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} . [سبأ: 22، 23] . ثم قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} . [سبأ: 23] . والضمير في قولهم عن قلوبهم يعود إلى ما دل عليه قوله من أذن له ودل عليه قوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ} . [سبأ: 22] . فإن الملائكة تدخل في ذلك، فسلبهم

ص: 260

الملك والشرك والمعاونة، والشفاعة إلا بإذنه ثم بين تعالى حتى إنه تعالى تكلم لا يثبتون لكلامه ولا يستقرون بل يفزعون ولا يفهمون حتى إذا أزيل عنهم الفزع حينئذ يقولون: ماذا قال ربكم؟ وذلك أن ما بعد حتى جملة تامة، وهو قوله: إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، والعامل في إذا هو قوله: قالوا ماذا، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط أي لما زال الفزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، والغاية بعد حتى يكون مفرداً كما تقدم ويكون جملة كما في قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . [يونس: 22، 23] . فأخبر تعالى عن تسيير هؤلاء إلى هذه الغاية فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعضه وصفه سفيان يكفه فحرفها وبدد بين أصابه فيسمع الكلمة مسترق السمع فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه الشهاب فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. وذلك بعد المبعث وأما قبل المبعث فكانوا يسمعون الوحي فيلقونها على ألسنة الكهنة وكان في كل حي كاهن يتحاكمون عنده ويستخبرون الأخبار، وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة وكانوا

ص: 261

يسترقون في بعض الأحوال فلما بعث صلى الله عليه وسلم منعوا من ذلك أصلاً فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة فعرفوا أن هذا السبب في حراسة السماء فآمن من آمن منهم وتمرد من تمرد.

وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفاً من الله عز وجل فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، ثم ينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل"1. سبحان من له الملك والملكوت، سبحان من له العز والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت.

1 أخرجه ابن جرير في "التفسير"(22/91) وابن خزيمة في "التوحيد"(206) ، وابن أبي عاصم في "السنة"(515) ، والآجري في "الشريعة"(294) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات"(2) .

ص: 262