الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متن الباب 27
باب: ما جاء في التطير
وقول الله تعالى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] . وقوله: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس: 19] .
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر" أخرجاه. زاد مسلم: "ولا نوء، ولا غول".
ولهما عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة؛ ويعجبني الفأل" قالوا: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة".
ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل". رواه أبو داود، والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود.
ولأحمد من حديث ابن عمرو: "من ردته الطيرة عن
حاجة فقد أشرك" قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: "أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك".
وله من حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك.
فيه مسائل:
الأولى: التنبيه على قوله: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} مع قوله: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} .
الثانية: نفي العدوى.
الثالثة: نفي الطيرة.
الرابعة: نفي الهامة.
الخامسة: نفي الصفر.
السادسة: أن الفأل ليس من ذلك بل مستحب.
السابعة: تفسير الفأل.
الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهته لا يضر بل يذهبه الله بالتوكل.
التاسعة: ذكر ما يقوله من وجده.
العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك.
الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة.
شرح الباب 27
باب: ما جاء في التطير وقول الله تعالى:
{أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] .
وقوله: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس: 19] . عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى" العدوى هنا مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره يقال: أعدى فلان فلاناً من حلقه أو من علة به، هذا على ما يذهب به المتطببة في عِلَلِ سبع: الجذام، والجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية.
وقد اختلف العلماء في التأويل فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث والقرآن، المسبوقة على العدوى وهم الأكثرون ومنهم من يقول: إنه لم يرد إبطالها فقد قال صلى الله عليه وسلم: "فر من المجذوم، كما تفر من الأسد"1. وقال: "لا يوردن ذو عاهة على مصح" 2 وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة فإنهم كانوا يرون أن العلل المعدية مؤثرة لا محالة فأعلمهم صلى الله عليه وسلم بقوله هذا أن الأمر ليس على ما تتوهمون بل هو متعلق بالمشيئة إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن، ويشير إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن
1 أخرجه البخاري (5707) تعليقاً، وقد وصله أحمد في المسند (2/443) وهو صحيح وله شاهد من حديث عائشة.
2 أخرجه مسلم (2221) وأبو داود (3911) من حديث أبي هريرة مرفوعاً وفي رواية مسلم أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى" ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يورد ممرض على مصح". قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: "لا عدوى" وأقام على: "أن لا يورد ممرض على مصح".
أعدى الأول؟ ". أي إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير فمن أعدى الأول وبين بقوله ذلك من المجذوم وبقوله: لا يوردن ذو عاهة على مصح أن ملاقاة ذلك من أسباب العلة فليتقه اتقاء الجدار المائل والسفينة المعيوبة. وقد رد الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم بالحديثين أن النهي فيهما إنما جاء شفقاً على مباشرة أحد الأمرين فتصيبه علة في نفسه أو عاهة في إبله فيعتقد أن العدوى حق. قال الرازي: القول الثاني أولى التأويلين لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، ثم لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية ولم يرد الشرع بتعطيلها بل ورد بإثباتها والعبرة بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد ولا مناقضة في القبول في القول بها على الوجه الذي ذكرناه، وأما استدلالهم بالقرائن المسبوقة عليها فإنا قد وجدنا الشارع يجمع في النهي بين ما هو حرام وبين ما هو مكروه وبين ما هو منهي عنه لمعنى وبين ما ينهى عنه لمعان كثيرة ويدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم المبايع: "قد بايعناك فارجع" 1. في حديث الشريد بن سويد الثقفي وهو مذكور بعد قوله للمجذوم أخذ بيده فوضعها معه في القصعة كُلْ ثقة بالله وتوكلاً عليه ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه يبين بالأول التوقي من أسباب التلف وبالثاني التوكل على الله فقوله: ارجع بايعناك رخصة لمن لم يكن له درجة التوكل أن يراعي الأسباب والله أعلم "ولا طيرة" وقد مضى تفسيره في باب ذكر العيافة والطرق والطيرة "ولا هامة" قال أبو داود في سننه قال: بقية سألت محمد بن راشد عن قوله: ولا هامة فقال: أهل الجاهلية كانوا يعتقدون ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج
1 أخرجه مسلم (2231) من حديث الشريد بن سويد الثقفي.
من قبره هامة هي بتخفيف الميم على المشهور، وقيل بتشديدها، وفيها تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بها وهي من طير الليل وقيل: هي البومة قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم فرآها ناعية له نفسه أو بعض أهله وهو تفسير مالك بن أنس، وثانيهما: كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين معاً وأنهما باطلان، "ولا صفر" 1 قال أبو داود في سننه: قال بقية سألت محمد بن راشد عنه قال: وكانوا يستشئمون بدخول صفر فقاله النبي صلى الله عليه وسلم قال: وسمعت من يقول هو وجع يأخذ في البطن يزعمون أنه يعدي قال أبو داود: وقال مالك: كان أهل الجاهلية يحلون صفر عاماً ويحرمونه عاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صفر، وقيل: كانت العرب تعتقد أن في البطن دابة تهيج عند الجوع وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب وهذا التفسير هو الصحيح وبه قال مطرف وابن وهب وأبو عبيد وغيرهم، وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث فتعين اعتماده، قال الراغب: سمعت العرب يعنون بالصفر الذي هو بالجوف حية الجوف من حيث إنه يتألم به الجوف وذلك أن العرق الممتد من الكبد إلى المعدة إذا لم يجد غذاء امتص آخر المعدة فاعتقدت جهلة العرب أن ذلك حية في البطن يعض الشراسيف حتى نفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لا صفر، وأنشد الأعشى:
لا يعمر الساق من أين ولا تعب
…
ولا يعض على سرسوفه الصفر
ويحتمل أن يكون نفياً لما يتوهم أن شهر صفر يكثر فيه الدواهي والفتن أخرجاه، زاد مسلم ولا نوء الأنواء منازل القمر وكانت
1 أخرجه البخاري (5757) ومسلم (2220) من حديث أبي هريرة.
العرب تزعم أن كل نوء مطر ينسبونه إليه فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا وإنما سمي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب فالطالع بالمشرق ينوء أي ينهض ويطلع، وقيل: أراد بالنوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع وإنما غَلَّظَ النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الأنواء لأن العرب تنسب المطر إليها "ولا غول"1. الغول واحد الغيلان وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فيتغول تغولاً أو يتلون تلوناً في صور شتى وتغولهم أي تضلهم عن الطريق ويهلكهم فنفاه النبي صلى الله عليه وسلم وأبطله، وقيل: قوله غول ليس نفياً لعين الغول ووجوده وإنما إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله ويشهد له الحديث الآخر ولكن السعالي والسعالى سحرة الجن أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل ومنه الحديث: "إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان" 2 أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها ومنه حديث أبي أيوب: كان لي نمرة في سهوة وكانت الغول تجيء فتأخذه. قال الطحاوي: ويحتمل أن الغول قد كان ثم دفعه الله تعالى عن عباده، وعن بعضهم: هذا ليس ببعيد لأنه يحتمل أنه من خصائص بعثه صلى الله عليه وسلم كما منع الشياطين من استراق السمع بالشهاب الثاقب، واعلم أن (لا) التي لنفي الجنس دخلت على المذكورات ونفت ذواتها وهي غير منفية فتوجه النفي إلى أوصافها وأحوالها التي هي مخالفة للشرع قال العدوي: والصفر والهامة والنوء موجود والمنفي ما زعمت الجاهلية
1 أخرجه مسلم (2220) بزيادة: لا نوء، من حديث أبي هريرة ومن حديث جابر (2220/107) بزيادة: لا غول.
2 رواه ابن عدي في "الكامل"(5/107) من حديث سعد بن مالك مرفوعاً وفي سنده عمرو بن عبيد بن باب البصري المعتزلي القدري، متهم.
إثباتها فإن نفي الذات لإرادة نفي الصفات أبلغ لأنه من باب الكناية.
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل" قالوا: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة"1. ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد الطيرة مسلماً عن حاجته لإيمانه بقوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . [الأنعام: 17] . فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك" 2. أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم أن إتيان الحسنات ودفع السيئات أن ذلك من الله تعالى لا من غيره وما يتطير به فلا يضر ولا ينفع ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن ابن مسعود مرفوعاً: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل". رواه أبو داود والترمذي وصححه وجعل آخره من قول ابن مسعود3. ولأحمد من حديث ابن عمر: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك،
1 أخرجه البخاري (5756) ومسلم (2224) من حديث أنس.
2 أخرجه أبو داود (3919) والبيهقي (8/139) من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن عامر مرفوعاً. قلت: وإسناده ضعيف فعروة ليس له صحبة، وقال ابن حجر في التهذيب (7/185) : والظاهر أن رواية حبيب عنه منقطعة.
3 أخرجه أبو داود (3910) والترمذي (1614) وابن ماجه (3538) وأحمد (1/389، 438) من حديث ابن مسعود. وهو صحيح. وقوله: "وما منا إلا ولكن
…
" مدرج كما قال سليمان بن حرب. رواه الترمذي، انظر: الفتح (10/213) .
قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك" 1.
وله من حديث الفضل بن العباس:: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" 2. فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الطيرة وفسرها بقاعدة كلية يُفْهَمُ منها أن كل شيء أمضاك وجرأك على أمر أو ردك ومنعك عنه فذاك الطيرة، ومن مضى أو امتنع بسببها فقد أشرك.
1 أخرجه أحمد (2/220) وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(293) من حديث ابن عمر به، وفي سنده ابن لهيعة.
قلت: وإسناده ضعيف، ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه فمن روى عنه قبل احتراق كتبه فأحاديثه صحيحة وإلا فلا.
2 أخرجه أحمد (1/213) من طريق ابن علاثة عن مسلمة الجهني عن الفضل بن عباس به.