المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌10 - ما يتعلق بإجماع الحجة - فصول في أصول التفسير

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ما صدر من الكتب المتعلقة بأصول التفسير

- ‌المقدمة

- ‌أصول التفسير

- ‌الأصل في اللغة:

- ‌2 - مقدمات المفسرين

- ‌3 - كتب علوم القرآن:

- ‌‌‌حكم التفسيروأقسامه

- ‌حكم التفسير

- ‌أقسام التفسير:

- ‌طرق التفسير

- ‌أولاً: تفسير القرآن بالقرآن

- ‌2 - تقييد المطلق

- ‌1 - بيان المجمل:

- ‌3 - تخصيص العام:

- ‌4 - تفسير المفهوم من آية بآية أخرى

- ‌5 - تفسير لفظة بلفظة:

- ‌6 - تفسير معنى بمعنى:

- ‌7 - تفسير أسلوب قرآني في آية بآية أخرى

- ‌ثانياً: تفسير القرآن بالسنة النبوية

- ‌1 - أن ينص على تفسير آية أو لفظة

- ‌2 - أن يشكل على الصحابة فهم آية فيفسرها لهم:

- ‌3 - أن يذكر في كلامه ما يصلح أن يكون تفسيراً للآية

- ‌4 - أن يتأول القرآن

- ‌ثالثاً: تفسير القرآن بأقوال الصحابة

- ‌مصادرهم في التفسير:

- ‌1 - القرآن الكريم

- ‌2 - السنة النبوية:

- ‌3 - اللغة العربية:

- ‌4 - أهل الكتاب:

- ‌5 - الفهم والاجتهاد

- ‌حكم تفسير الصحابي:

- ‌رابعاً: تفسير القرآن بأقوال التابعين

- ‌مصادرهم في التفسير:

- ‌1 - القرآن الكريم

- ‌2 - السنة النبوية:

- ‌5 - أهل الكتاب:

- ‌6 - الفهم والاجتهاد:

- ‌حكم تفسير التابعي:

- ‌تنبيهات حول تفسير الصحابة والتابعين:

- ‌خامساً: تفسير القرآن باللغة

- ‌ ضوابط التفسير باللغة»:

- ‌1 - أن تكون اللفظة المفسِّرة صحيحة في اللغة

- ‌تنبيهات حول تفسير القرآن باللغة:

- ‌ هل وقع خلاف في جواز التفسير بالرأي

- ‌ العلم الذي يحتاجه من فسَّر برأيه

- ‌ هل للتفسير المذموم حد يعرف به

- ‌طرق التفسير

- ‌1 - تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌2 - تفسير القرآن بالسنة:

- ‌3 - تفسير القرآن بأقوال الصحابة:

- ‌4 - تفسير القرآن بأقوال التابعين:

- ‌5 - تفسير القرآن باللغة

- ‌6 - تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد

- ‌التفسير بالمأثور

- ‌اختلاف السلف في التفسير

- ‌تعريف اختلاف التنوع واختلاف التضاد

- ‌أنواع اختلاف التنوع:

- ‌2 - أن يذكر كل مفسر من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل المثال

- ‌4 - أن يعبروا عن المعنى بألفاظ متقاربة

- ‌أسباب الاختلاف في تفسير السلف

- ‌من أسباب الاختلاف بين مفسري السلف

- ‌1 - الاشتراك:

- ‌2 - الاختلاف في مفسر الضمير

- ‌3 - أن يكون في الجملة حذف:

- ‌4 - أن تحتمل اللفظة أكثر من تصريف

- ‌5 - تنوع الاستعمال العربي للفظة

- ‌6 - أن يدور حكم الآية بين الإحكام والنسخ

- ‌7 - أن يدور حكم الآية بين العموم والخصوص

- ‌8 - أن يذكر الوصف المحتمل لأكثر من موصوف:

- ‌9 - أن يكون في الآية حرف له قراءتان

- ‌اختلاف السلف في التفسير

- ‌أنواعه:

- ‌1 - اختلاف التنوع:

- ‌2 - اختلاف التضاد

- ‌أسبابه:

- ‌الإجماع في التفسير

- ‌الإجماع في عرف الأصوليين:

- ‌ بين اختلاف التنوع والإجماع:

- ‌تنبيهات حول الإجماع

- ‌مسرد بعض الإجماعات:

- ‌الأصول التي يدور عليها التفسير

- ‌أولاً: التفسير على اللفظ:

- ‌ثانياً: التفسير على المعنى:

- ‌ثالثاً: التفسير على الإشارة والقياس:

- ‌الأصول التي يدور عليها التفسير

- ‌1 - التفسير على اللفظ:

- ‌2 - التفسير على المعنى:

- ‌3 - التفسير على الإشارة أو القياس:

- ‌طريقة السلف في التفسير

- ‌1 - التفسير بالمطابق

- ‌2 - التفسير باللازم:

- ‌3 - التفسير بجزء المعنى:

- ‌4 - التفسير بالمثال:

- ‌5 - التفسير بالقياس والاعتبار:

- ‌6 - التفسير بالإشارة:

- ‌أقسام التفسير

- ‌1 - باعتبار معرفة الناس له:

- ‌2 - باعتبار طرق الوصول إليه:

- ‌3 - باعتبار أساليبه:

- ‌4 - باعتبار اتجاهات المفسرين فيه

- ‌توجيه أقوال السلف

- ‌أمثلة لتوجيه أقوال السلف:

- ‌قواعد التفسير

- ‌ القواعد العامة

- ‌ القواعد الترجيحية

- ‌متى يكون الترجيح

- ‌طريقة المفسرين في عرض التفاسير المنقولة:

- ‌القواعد الترجيحية:

- ‌1 - ما يتعلق بالعموم في القرآن

- ‌2 - ما يتعلق بالسياق القرآني

- ‌3 - ما يتعلق برسم المصحف

- ‌4 - ما يتعلق بالأغلب من لغة العرب

- ‌6 - ما يتعلق بتصريف اللفظة

- ‌7 - ما يتعلق بالتقديم والتأخير

- ‌8 - ما يتعلق بظاهر القرآن

- ‌10 - ما يتعلق بإجماع الحجة

- ‌كليات القرآن

- ‌ كليات الألفاظ:

- ‌ كليات الأسلوب:

- ‌توجيه القراءات وأثره في التفسير

- ‌المراجع

- ‌الفوائد

الفصل: ‌10 - ما يتعلق بإجماع الحجة

‌10 - ما يتعلق بإجماع الحجة

أو قول الأكثر من الصحابة والتابعين

استخدام ابن جرير في ترجيحاته إجماع الحجة ـ وهو قول الأكثر عنده ـ استخدمه في ترجيح أحد الأقوال أو في تخطئتها.

مثال: قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199].

قيل: الأمر لقريش، والناس من عداهم.

وقيل: الأمر للمسلمين، والناس وإبراهيم عليه السلام، وهو قول الضحاك.

قال ابن جرير الطبري: «والذي نراه صواباً من تأويل هذه الآية، أنه عنى بهذه الآية قريشاً ومن كان متحمساً معها من سائر العرب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله» (1).

مثال: قوله تعالى: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة: 69].

قال أبو الليث: «ويقال: أراد بها البقرة السوداء

ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين، وكلهم اتفقوا أنه أراد به اللون الأصفر، إلا قولاً روي عن الحسن البصري» (2). [114]

* * *

(1)«تفسير الطبري» (2/ 293)، وانظر:(1/ 126، 127، 220، 274، 2/ 114، 30/ 169)؛ و «الإشارة إلى الإيجاز» (ص276)؛ و «تفسير ابن جزي» (1/ 9).

(2)

«تفسير القرآن الكريم» للسمرقندي (1/ 386، 387).

ص: 150

11 -

الترجيح بالاستعمال العربي

المراد بهذه القاعدة أن الاستعمال العربي للفظة أو الأسلوب يكون دليلاً في ترجيح أحد الأقوال على غيرها.

ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة: 69].

رد ابن جرير قول من قال: فاقع: سوداء شديدة السواد.

وقال: «

العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد ـ إذا وصفته بالشدة ـ بالحلوكة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك، وحانك، وحلكوك، وأسود غربيب، ودجوجي، ولا تقول: هو أسود فاقع، وإنما تقول: هو أصفر فاقع. فوصْفُه إياه بالفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله:{إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ} المتأول بأن معناه سوداء شديدة السواد» (1).

وفي قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15].

ذكر الطبري الأقوال في الأشد، وهي:

1 -

ثلاثة وثلاثون سنة، وهو قول ابن عباس، وقتادة.

2 -

بلوغ الحلم، وهو قول الشعبي.

ثم قال معلقاً على القولين، ومرجحاً لأحدهما:

«وقد بينا فيما مضى أن الأشد جمع: شد، وأنه تناهي قوته واستوائه، وإذا كان ذلك كذلك، كان الثلاث والثلاثون به أشبه من الحلم؛ لأن المرء لا

(1)«تفسير الطبري» (1/ 345).

ص: 151

يبلغ في حال حلمه كمال قواه، ونهاية شدته، فإن العرب إذا ذكرت مثل هذا الكلام، فعطفت ببعض على بعض جعلت كلا الوقتين قريباً أحدهما من صاحبه، كما قال جل ثناؤه:{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ} [المزمل: 20] ولا تكاد تقول: أنا أعلم أنك تقوم قريباً من ساعة الليل وكله، ولا أخذت قليلاً من مال أو كله، ولكن تقول: أخذت عامة مالي أو كله، فكذلك ذلك في قوله:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] لا شك أن نسق الأربعين على الثلاثة والثلاثين أحسن وأشبه، إذ كان يراد بذلك تقريب أحدهما من الآخر من النسق على الخمس عشرة أو الثمان عشرة» (1). [115]

* * *

(1)«تفسير الطبري» (26/ 16، 17).

ص: 152

12 -

الترجيح بالسنة النبوية

لا شك أن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على تفسير غيره، ولكن قد يكون في النصوص احتمال؛ فيستند المفسر على السنة النبوية لبيان الأقوى منها، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى:{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30].

أورد ابن جرير في معنى قوله تعالى: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} قولين:

الأول: أنها بمعنى: النفي، بمعنى: ما من مزيد؛ لأنها قد امتلأت، وكأن قولها هذا من باب التأفف من هؤلاء الكفار الذي ألقوا فيها.

الثاني: أنها بمعنى: الاستزادة، وأنها تطلب مزيداً إن كان هناك مزيداً.

ورجح الطبري القول الثاني فقال:

«وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو بمعنى الاستزادة: هل من شيء أزداده؟ وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثني أحمد بن مقدم العجلي، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: ثنا أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة، لم يظلم الله أحداً من خلقه شيئاً، ويلقى في النار، تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع عليها قدمه، فهنالك يملؤها، ويزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قطْ قطْ» ».

ثم قال بعد أن سرد غير هذا الخبر: «ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟» ، دليل واضح على أن ذلك بمعنى الاستزادة لا بمعنى النفي؛ لأن قوله:«لا تزال» دليل على اتصال قول بعد قول» (1). [116]

(1)«تفسير الطبري» (26/ 170، 171)، وانظر:«الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز» للعز بن عبد السلام (ص276)؛ و «تفسير ابن جزي الكلبي» (1/ 9).

ص: 153

13 -

التأسيس أولى من التأكيد

المراد بهذه القاعدة أن الكلام إذا دار بين التأسيس والتأكيد حُمِل على التأسيس.

ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

للعلماء في المراد بالحياة الطيبة قولان:

الأول: أنها في الدنيا.

الثاني: أنها في الآخرة، بدخول الجنة.

فإذا قيل بالقول الأول كأن تأسيساً، وإذا قيل بالثاني كان تكراراً؛ لأنه جاء بعده قوله تعالى:{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ}

أي: في الآخرة، وعلى هذا فالأول أرجح (1).

وفي قوله تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] للعلماء في ضمير الفاعل المحذوف في قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} قولان:

الأول: أنه يرجع إلى المصلي والمسبح.

الثاني: أنه يرجع إلى الله سبحانه.

والأول أرجح بناء على هذه القاعدة؛ لأن القول الثاني يكون من باب التكرار؛ فيكون قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} مؤكداً للجملة السابقة (2). [117]

(1)«أضواء البيان» (3/ 355، 356).

(2)

«أضواء البيان» (6/ 244، 245)، وانظر:(5/ 759، 6/ 414، 692، 821).

ص: 154

14 -

الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور

المراد بهذه القاعدة أن الضمائر ـ ويلحق بها ما يناسب قاعدة الضمير من أسماء الإشارة وما شابهها ـ إذا احتمل عودها إلى أكثر من مذكور، فالأصل عودها إلى أقرب مذكور.

من أمثلة رجوع الضمير لأقرب مذكور قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}

الآية [الرعد: 9، 11].

قال ابن جرير الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: الهاء في قوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} من ذكر (مَنْ) التي في قوله: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ} وأن المعقبات من بين يديه، ومن خلفه، هي حرسه وجلاوزته، كما قال ذلك من ذكرنا قوله.

وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب؛ لأن قوله: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} أقرب إلى قوله: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ} منه إلى {عَالِمِ الْغَيْبِ} ؛ فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره» (1).

ومن أمثلة اسم الإشارة قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى} [الأعلى: 18].

ذكر ابن عطية في مرجع اسم الإشارة ثلاثة أقوال، وهي:

(1)«تفسير الطبري» (13/ 117).

ص: 155

1 -

القرآن.

2 -

معاني السورة.

3 -

يرجع إلى الفلاح وإيثار الناس للدنيا.

ثم رجع الثالث بقوله: «وهذا هو الأرجح؛ لقرب المشار إليه» (1). [118]

* * *

(1)«المحرر الوجيز» (15/ 415).

ص: 156

15 -

الأصل توافق الضمائر في المرجع حذراً من التشتت (1)

المراد بهذه القاعدة أن الضمائر التي يحتمل رجوعها إلى مرجع واحد، ويحتمل توزيعها على أكثر من مرجع، فإن الأولى رجوعها إلى مرجع واحد؛ لأن في توزيعها على أكثر من مرجع تفكيكاً للنظم.

ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 9]، اختلف العلماء في مرجع الضمائر في قوله:{وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} بعد إجماعهم على أن الضمير في {وَتُسَبِّحُوهُ} عائد إلى الله سبحانه وتعالى.

فقال بعض العلماء: مرجع الضمائر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: مرجعها إلى الله سبحانه.

وبناء على هذه القاعدة يكون الراجح القول الثاني، وقد اختاره الزمخشري بناء على هذه القاعدة (2).

ومن أمثلة قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي} [يوسف: 53].

قيل: هو من كلام يوسف، وقيل: هو تمامٌ لكلام امرأة العزيز، وهذا هو الصواب، ومن أدلة ترجيح هذا القول ما قاله ابن القيم: «الصواب أنه من تمام كلامها، فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه. وهو قول النسوة:{مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} [يوسف: 51]، وقول امرأة العزيز: {أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ

(1)«معترك الأقران» (3/ 578).

(2)

«الكشاف» (2/ 373)، وانظر:(2/ 24)؛ و «أضواء البيان» (5/ 750، 751، 7/ 265).

ص: 157

نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 51]، فهذه خمس ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله:{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [يوسف: 52] فهذا هو المذكور أولاً بعينه، فلا شيء يفصل الكلام من نظمه، ويُضْمَرُ فيه قول لا دليل عليه» (1). [119]

* * *

(1)«روضة المحبين» (ص320، 321).

ص: 158

16 -

الأصل عدم التقدير ولا يلجأ إليه إلا بحجة يجب الرجوع إليها تثبت هذا المحذوف (1)

المراد بهذه القاعدة أن الخطاب إذا كان يفهم من غير حاجة إلى تقدير مقدر فلا معنى لهذا التقدير.

ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33].

للعلماء في هذه الأحكام قولان:

الأول: أن الإمام مخير بينها، فيفعل بالمحارب أحد هذه العقوبات.

الثاني: أن هناك مضمراً مقدراً، وهي على التفصيل، فإن قَتَل قُتِلَ، وإن قَتَلَ وأخَذَ المال قُتِلَ وصُلِبَ، وإن أخَذَ المال ولم يقتل تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل فقط، ينفوا من الأرض.

وبناء على هذه القاعدة فالأول أرجح؛ لأن الأصل عدم التقدير، وهذه التقديرات زيادة تحتاج إلى نص من كتاب أو سنة (2).

ومن الأمثلة: قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2].

قال أبو حيان: «وقد ركبوا وجوهاً من الإعراب في قوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} والذي نختاره منها أن قوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} جملة مستقلة من

(1) انظر نص ابن جرير على هذه القاعدة (2/ 592).

(2)

«أضواء البيان» (2/ 86 - 88)، وانظر:(4/ 137، 7/ 265).

ص: 159

مبتدأ وخبر؛ لأنه متى حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار كان أولى من أن يسلك به الإضمار والافتقار» (1).

ومن الأمثلة قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي} [يوسف: 53].

قيل: هو من قول يوسف، وقيل: من قول امرأة العزيز، والثاني هو الصواب، ومن [120] الأدلة المرجحة لذلك؛ أنه متصل بكلام المرأة، وهو قولها: {

الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي} [يوسف: 51 - 53]، ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه ما. والقول في مثل هذا لا يحذف؛ لئلا يوقع في اللباس. فإن غايته: أن يحتمل الأمرين. فالكلام الأول أولى به قطعاً (2). [121]

* * *

(1)«البحر المحيط» (1/ 36).

(2)

«التفسير القيم» (ص316).

ص: 160