الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - أن يعبروا عن المعنى بألفاظ متقاربة
.
وقد أشار الشاطبي إلى ثلاث منها، وضرب لها أمثلة.
توضيح هذه الأنواع بالأمثلة:
النوع الأول:
قال شيخ الإسلام: «أن يعبر كل واحد من المفسرين عن المعنى المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى» .
وقال الشاطبي: «أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى، بحيث ترجع إلى معنى واحد، فيكون التفسير فيها على قول واحد، ويوهم نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف محقق» .اهـ.
ويأتي هذا فيما يكون له أكثر من وصف دال عليه، وهذا وارد في اللغة؛ كالسيف، فهو المهند، والصارم
…
إلخ.
فمن عبر عنه بالمهند نظر إلى وصفه بالهندية، ومن عبر عنه بالصارم نظر إلى عدم انثنائه وقوته، فالتعبيران وإن اختلفا فإنهما يدلان على ذات واحدة.
ومثّل له شيخ الإسلام باختلاف عبارة المفسرين في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] فقال بعضهم: القرآن؛ أي: اتباعه، وقال بعضهم: هو الإسلام. [58]
قال شيخ الإسلام: «فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير وصف الآخر، كما أن لفظ «صراط» يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك.
فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها» (1).اهـ.
ومثّل له الشاطبي بتفسيرهم للسلوى فقال: «كما قالوا في السلوى: إنه طائر يشبه السُّمَانَى، وقيل: طير حمر صفته كذا، وقيل: طير بالهند أكبر من العصفور» .اهـ.
أقول: ومن هذا الباب توسع السلف في التفسير لشيء ذُكِر أحد أوصافه أو أحواله في الآية، فيتوسعون بذكر الأوصاف الأخرى المذكورة في آيات أخرى، وإن لم يدل عليها اللفظ مباشرة.
ومثال ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} [الطور: 9]، فالمور يدل على تردُّد (2) ويكون بذهاب ومجيء سريع على جهة الاضطراب (3).
وجاء في تفسير السلف: تدور السماء دوراً، مورها: تحريكها.
ومورها: استدارتها وتحريكها لأمر الله، ومورها: موج بعضها في بعض، ومورها: تشققها (4).
قال ابن عطية: «وهذه كلها تفاسير بالمعنى؛ لأن السماء العالية يعتريها هذا كله» (5).
ولعلك لاحظت أن في هذه الأقوال ما لا يدل عليه اللفظ مباشرة، لكن المفسر عبر [59] عن شيء سيقع للسماء، وإن لم تدل عليه هذه اللفظة، كمن فسر المور بالتشقق.
ومنه قوله تعالى: {وَكَاسًا دِهَاقًا} [النبأ: 34]، فقد قيل في الدهاق: ثلاث عبارات:
(1)«مقدمة في أصول التفسير» (ص42، 43)، وانظر: مقدمة «جامع التفاسير» (ص134).
(2)
انظر: «مقاييس اللغة» (5/ 284).
(3)
انظر هذه المعاني في: «القاموس المحيط» مادة (مور).
(4)
انظر: «تفسير الطبري» (27/ 21).
(5)
«تفسير ابن عطية» (14/ 53).
الأولى: ممتلئة.
الثانية: متتابعة.
الثالثة: صافية (1)، والعبارة الأولى هي التي يدل عليها اللفظ مباشرة، وما بعدها أوصاف تابعة، لكن لا يدل عليها اللفظ مباشرة (2).
النوع الثاني:
قال شيخ الإسلام: «أن يذكر كل مفسر من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل المثال» (3).
وقال الشاطبي: «أن يُذكَر في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، أو عن أحد من أصحابه أو غيرهم، ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ، ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخر مما يشمله اللفظ أيضاً، فينصُّهما المفسرون على نصهما، فيظن أنه خلاف. اهـ.
ومثاله قوله تعالى: {لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8].
قيل في النعيم أقوال: منها الأمن والصحة والأكل والشرب.
وقيل: تخفيف الشرائع.
وقيل: الإدراك بحواس السمع والبصر (4)، فهذا المذكور كله أمثلة للنعيم.
ومثّل له الشاطبي بالمنِّ فقال: «كما نقلوا في المنِّ أنه خبز رقاق، وقيل: زنجبيل [60] وقيل: الترنجبين، وقيل: شراب مزجوه بالماء، فهذا كله
(1) انظر: «تفسير الطبري» (30/ 18 - 20).
(2)
ينظر كتابي «تفسير جزء عم» عند هذه الآية ففيه تفصيل على ما ذكرته هنا.
(3)
وقد ورد العكس، فيفسرون اللفظ بلفظ أعم منه، كما جاء في تفسير (البنان) في قوله تعالى:{وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] قال عطية والضحاك: كل مفصل، (رواه ابن جرير 9/ 199) والبنان: جزء من المفاصل.
وراجع: مقدمة «جامع التفاسير» ففيها بيان جواز تفسير الخالص بالعام (ص63).
(4)
انظر: «الدر المنثور» (8/ 612) وما بعدها.
يشمله اللفظ، لأن الله منَّ به عليهم، ولذلك جاء في الحديث:«الكمأة من المنِّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل» ، فيكون المنُّ جملةَ نعمٍ ذكر الناس منها آحاداً».
ويدخل ضمن هذا النوع ما يذكره المفسرون من أسباب النزول، فهي كالمثال، فإذا قيل نزلت هذه الآية في كذا، وقيل غير ذلك من أسباب فإنها كالأمثلة تدخل في حكم الآية.
وهذان النوعان السابقان هما الغالبان على تفسير سلف الأمة، كما قال شيخ الإسلام (1).
النوع الثالث:
أن يكون اللفظ محتملاً لأمرين، إما لأنه مشترك في اللغة (2)، أو لأنه متواطئ (3).
ومن أمثلة المشترك اللغوي في القرآن: لفظ «قسورة» في قوله تعالى: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 51]. قيل: هو الرامي، وقيل: الأسد، وقيل: النبل.
(1)«مقدمة في أصول التفسير» (ص49).
(2)
المشترك: هو ما اتحد فيه اللفظ واختلف فيه المعنى.
كالعين، تطلق على العين الباصرة وعين الماء، والجاسوس، ويدخل في المشترك اللغوي: أحرف التضاد، وهي: الألفاظ التي استعملها العرب للمعنى وضده؛ كالظن، يأتي بمعنى الشك ويأتي بمعنى اليقين.
(3)
المتواطئ لفظ منطقي يراد به: نسبة وجود معنى كلي في أفراده وجوداً متوافقاً غير متفاوت؛ كالإنسانية لزيد وعمرو، فهو يدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها اشتراكاً متساوياً، فإن لم يكن متساوياً فهو مشكك؛ كالبياض بالنسبة للبن والثلج، فهما متساويان في البياض، ولكن أحدهما أشد من الآخر في البياض.
والفرق بين المشترك والمتواطئ:
• أن المشترك لا بدّ أن يكون وارداً عن العرب محكيّاً عنهم، أما المتواطئ فلا يلزم منه ذلك.
• أن المتواطئ يلزم في أفراده نسبة التساوي، أما المشترك فلا يلزم فيه ذلك.
ومن أحرفه الواردة في القرآن لفظ {عَسْعَسَ} في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17]. قيل: {عَسْعَسَ} بمعنى أدبر، وقيل: أقبل.
أمثلة المتواطئ:
يشمل المتواطئ: الضمير الذي يحتمل عوده إلى شيئين، وأسماء الأجناس؛ كالفجر [61] والعصر، والأوصاف التي يشترك فيها أكثر من واحد؛ كالخنس والنازعات.
ومن أمثلة الضمير، قوله سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6]، فالضمير في قوله:{فَمُلَاقِيهِ} يحتمل عوده إلى الكدح وإلى الرب.
ومن أمثلة أسماء الأجناس الخلاف الواقع في تفسير الفجر في قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ} [الفجر: 1] قيل: عام في كل فجر، وقيل: أول فجر في ذي الحجة، وقيل: أول فجر من أيام السنة.
ومن أمثلة الأوصاف، لفظ الخنس: فقيل: هو بقر الوحش والظباء، وقيل: هو الكواكب والنجوم (1).
وفي هذا النوع يمكن أن تكون هذه الأقوال داخلة ضمن معاني الآية، فتحمل عليها جميعاً (2)، ويمكن أن يكون أحدها راجحاً، فيكون هو المختار وما عداه فهو مرجوح.
النوع الرابع:
أن يعبِّر المفسرون عن المعنى بألفاظ متقاربة.
(1) بالنظر إلى تعريف المتواطئ فإن نسبة عود الضمير إلى أحد المذكورين لا تختلف عن نسبته إلى الآخر، فكلاهما متوافقان في صحة عود الضمير إليهما من جهة اللغة، وبهذا فهما متواطئان.
وكذا بالنسبة إلى الأوصاف، فنسبة الوصف بالخنوس لا تختلف عن بقر الوحش والظباء ولا عن النجوم والكواكب، وإن كان قد يقع الاختلاف في نوعية الخنوس، وهذا يسميه المناطقة مشككاً، وهو نوع من المتواطئ.
(2)
انظر: «مقدمة في أصول التفسير» (ص50)؛ ومقدمة «جامع التفاسير» (ص98).
مثل قوله تعالى: {أَنْ تُبْسَلَ} [الأنعام: 70] قيل: تحبس، وقيل: ترتهن.
وقوله تعالى: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38].
قال ابن عباس ومجاهد: نصب.
وقال ابن زيد: عناء.
وقال سفيان: سآمة. [62]
* * *