الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال ابن رجب في الفتح (2/ 682): "وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم؛ فإن متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرًا.
وقد حكى ابن حزم في كتاب الإجماع الاتفاق على أن المار بين المصلي وسترته آثم.
وفي الحديث: دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، سواء كان يصلي إلى سترة، أو لم يكن،
…
"، إلى أن قال: "فأما من وقف في مجاز الناس الذي ليس لهم طريق غيره وصلى، فلا إثم في المرور بين يديه، صرح به أصحابنا وغيرهم؛ لأنه مفرط بذلك، فلا حرمة له".
ولخص ابن الحاجب أحوال المصلي والمار في الإثم بقوله: "ويأثم المصلي إن تعرَّض، والمارُّ وله مندوحة"[الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/ 303)].
***
110 - باب ما يقطع الصلاة
702 -
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر: حدثنا شعبة، ح.
وحدثنا عبد السلام بن مطهَّر، وابن كثير، المعني، أن سليمان بن المغيرة أخبرهم، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر: قال حفص: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقطعُ صلاةَ الرجل".
وقالا عن سليمان، قال: قال أبو ذر: "يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قِيْدُ آخِرةِ الرحل: الحمارُ، والكلبُ الأسود، والمرأةُ".
فقلت: ما بالُ الأسودِ من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟! فقال: يا ابن أخي! سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال:"الكلب الأسود شيطان".
• حديث صحيح.
• أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة:
مسلم (510)، وأبو عوانة (1/ 386/ 1400)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 117/ 1127)، وابن ماجه (3210)، وابن حبان (6/ 145/ 2384)، وأحمد (5/ 155 و 158)، وأبو العباس السراج في مسنده (395 و 396)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (382 و 383)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (1164 و 3085)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 100/ 2462)، والبيهقي في السنن (2/ 274).
هكذا رواه عن سليمان بن المغيرة: شيبان بن فروخ، وعبد السلام بن مطهر، ومحمد بن كثير العبدي، ووكيع بن الجراح، وبهز بن أسد، وعفان بن مسلم، وعلي بن الجعد، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن حمران.
ولفظه بتمامه من طريق بهز: حدثنا سليمان بن المغيرة: حدثنا حميد، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال:"يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، قال: قلت لأبي ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال:"الكلب الأسود شيطان".
• وتابع سليمانَ بن المغيرة على روايته هذه، بوقف أوله:
عاصم بن سليمان الأحول [ثقة]، وقرة بن خالد [ثقة]، وسهل بن أسلم العدوي [صدوق]، وقتادة [ثقة ثبت][من رواية ابن أبي عروبة عنه][ومن رواية هشام الدستوائي عنه، وتفرد به عن الدستوائي: أزهر بن القاسم، وهو: صدوق]، وسلم بن أبي الذيال [ثقة][رُوي عنه موقوفًا ومرفوعًا]، ومطر بن طهمان الوراق [صدوق، كثير الخطأ]، وعبد الله بن بكر المزني [صدوق، لكن الإسناد إليه لا يصح]:
فرووه عن حميد بن هلال به نحو رواية سليمان بوقف أوله، ورفع آخره.
وزاد فيه مطرٌ وصفَ الكلب الأسود بالبهيم، وهي زيادة شاذة، بل منكرة في هذا الحديث، لتتابع الثقات الحفاظ على رواية الحديث بدونها.
أخرجه مسلم (510)، وأبو عوانة (1/ 386/ 1402)، وابن خزيمة (2/ 21/ 830)، وابن حبان (6/ 144 و 149/ 2383 و 2388)، والبزار (9/ 362 و 363/ 3932 و 3933)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (603 و 604 - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (397 و 416 - 418 و 431)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (384 و 897 - 899)، وابن الأعرابي في المعجم (3/ 881/ 1837)، والطبراني في الأوسط (3/ 125/ 2685)، وفي الصغير (2/ 277/ 1161)، وفي جزء من حديثه لأهل البصرة (2 - انتقاء ابن مردويه)، وابن عدي في الكامل (1/ 401 - 402) و (6/ 357)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (3/ 422)، وابن المقرئ في المعجم (1346)، والدارقطني في الأفراد (2/ 204/ 4699 - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في الثالث من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (237)(603 - المخلصيات)، وفي السادس (190)(1209 - المخلصيات)، وفي العاشر (325 و 326)(2480 و 2481 - المخلصيات)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 132)، وفي تاريخ أصبهان (1/ 314)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (9/ 145).
قلت: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، رواها عنه: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وهو ممن روى عن ابن أبي عروبة قبل وبعد اختلاطه، فلم يميز بينهما، ورواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وهو من أروى الناس عن ابن أبي عروبة، فقال في روايته: عن قتادة أو مطر الوراق، هكذا بالشك، ورواه أيضًا: مغيرة بن موسى أبو عثمان البصري، وهو: منكر الحديث، وقد حدث بأصناف ابن أبي عروبة [التاريخ الكبير (7/ 319)، التاريخ الأوسط (2/ 249)، ضعفاء البخاري (349)، الجرح والتعديل (8/ 230)،
المجروحين (3/ 7)، الثقات (9/ 169)، الكامل (6/ 357)، اللسان (8/ 136)].
قال الدارقطني: "غريب من حديث عبد الله بن شوذب عن مطر الوراق عن حميد عنه، هكذا حدث به الوليد بن مزيد عن ابن شوذب، وتابعه ضمرة".
قلت: اختلف فيه على ضمرة، فروي عنه بالوقف وبالرفع، وتابعهما أيضًا: محمد بن كثير المصيصي [وهو: صدوق، كثير الغلط]، فرواه عن ابن شوذب به، لكن برفع شقيه، في رواية عنه، ورواه عن مطر أيضًا: إبراهيم بن طهمان [ثقة]، وسويد بن سعيد [ضعيف، وقرن مطرًا بقتادة].
هكذا أوقف سليمان بن المغيرة ومن تابعه أول هذا الحديث على أبي ذر، وهو تقصير، فإن آخرَه يدلُّ على رفع أوله، وهكذا رفعه بشقيه -وهو الصواب- أكثر من رواه عن حميد بن هلال من الثقات الحفاظ، كما سيأتي، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن بعض الأئمة أجروا هذا مجرى المرفوع لدلالة شقه الثاني عليه، فلم يعدوه اختلافًا على حميد بن هلال، ولذا فلم ينبه على ذلك مسلم، بل ولا أكثر من رواه، ممن قرن سليمان بن المغيرة بغيره ممن روي الحديث مرفوعًا بشقيه.
وقد ذكر ابن حبان في صحيحه (6/ 145) بأن رواية سليمان توهم أن أول هذا الخبر غير مرفوع، ثم استدل برواية شعبة على رفعه.
وقال البيهقي: "أخرجه مسلم بن الحجاج في الصحيح من حديث: شعبة، ويونس بن عبيد، وسليمان بن المغيرة، وجرير بن حازم، وسلم بن أبي الذيال، وعاصم الأحول، عن حميد بن هلال، فساق حديث يونس، ثم أحال عليه حديث الباقين، وهذا منه رحمنا الله وإياه تجوز،
…
"، ثم ذكر رواية سليمان، ثم قال: "رواه مسلم في الصحيح عن شيبان بن فروخ؛ إلا أنه لم يسقه، وهكذا قاله عاصم الأحول عن حميد، جعل أول الحديث من قول أبي ذر، ثم جعله مرفوعًا بالسؤال في آخره، وأعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن الاحتجاح برواية عبد الله بن الصامت، واحتج بها غيره من الحفاظ، وقد أشار الشافعي رحمه الله إلى تضعيف الحديث في هذا الباب، وخلافه ما هو أثبت منه، فإما أن يكون غير محفوظ، أو يكون المراد به أن يلهو ببعض ما يمر بين يديه فيقطعه عن الاشتغال بها؛ إلا أنه لا يفسد الصلاة، وهذا الذي حمل الحديث عليه أولى به، فنحن نحتج بمثل إسناد هذا الحديث، وله شواهد بعضها صحيح الإسناد مثله"، ثم أتبعه بحديث أبي هريرة الآتي في الشواهد، وكذلك حديث ابن عباس وغيره.
• وأخرجه من طريق شعبة:
مسلم (510)، وأبو عوانة (1/ 386/ 1400 و 1401)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 117/ 1126)، والنسائي في الإغراب (67 - الرابع)، وابن ماجه (952)، والدارمي (1/ 385/ 1414)، وابن خزيمة (2/ 21/ 830)، وابن حبان (6/ 146/ 2385)، وأحمد (5/ 149 و 161)، والطيالسي (1/ 362/ 454)، والبزار (9/ 366/ 3943)، وابن جرير الطبري
في تهذيب الآثار (602 - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (398)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (385)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (1164 و 3085)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 100/ 2462)، والبيهقي في السنن (2/ 274)، وفي المعرفة (2/ 123/ 1060)، والبغوي في شرح السُّنَّة (2/ 462/ 551)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 425/ 576).
هكذا رواه عن شعبة: محمد بن جعفر غندر، وعبد الرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وأبو الوليد الطيالسي، وحفص بن عمر، وأبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد، والنضر بن شميل، وعلي بن الجعد، ومحمد بن كثير العبدي، وشبابة بن سوار، ووهب بن جرير.
ولفظ غندر، قال: حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي الرجل مثل مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود" قال: قلت: ما بال الأسود من الأحمر؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال:"الكلب الأسود شيطان".
• تابع شعبة على رفعه بشقيه:
يونس بن عبيد [ثقة ثبت]، ومنصور بن زاذان [ثقة ثبت]، وأيوب السختياني [ثقة ثبت حجة]، وقتادة [ثقة ثبت][من رواية هشام الدستوائي، وسعيد بن بشير، وسويد بن إبراهيم الجحدري أبي حاتم الحناط: عنه]، وجرير بن حازم [ثقة]، وخالد بن مهران الحذاء [ثقة]، وعاصم الأحول [ثقة]، وحبيب بن الشهيد [ثقة ثبت]، وهشام بن حسان [ثقة]، وأشعث بن عبد الملك [ثقة]، وعمر بن عامر السلمي [صدوق]، وسهل بن أسلم العدوي [صدوق]، وسلم بن أبي الذيال [ثقة]، والحسن بن ذكوان [صدوق]، وقيس بن سعد المكي [ثقة][تفرد به ابن جريج عن قيس، قاله الدارقطني والطبراني]، وغيرهم:
رووه عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود"، قلت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال:"الكلب الأسود شيطان". وهذا لفظ يونس، وبنحوه رواية الجماعة.
وتفرد هشام بن حسان بهذا اللفظ: "تعاد الصلاة من: ممر الحمار، والمرأة، والكلب الأسود"[عند ابن خزيمة وابن حبان].
أخرجه مسلم (510)، وأبو عوانة (1/ 385/ 1398 و 1399)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 116 - 118/ 1125 و 1128 - 1130)، والترمذي (338)، وقال:"حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام"(2/ 238/ 316)،
والنسائي في المجتبى (2/ 63/ 750)، وفي الكبرى (1/ 407 / 828)، وابن خزيمة (2/ 11 و 21/ 806 و 830 و 831)، وابن حبان (6/ 149 و 150 و 151/ 2388 و 2389 و 2391 و 2392)، وأحمد (5/ 151 و 160)، وابن أبي شيبة (1/ 251/ 2896)، والبزار (9/ 362 - 365 و 367/ 3930 و 3934 - 3942 و 3944 و 3945)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (596 - 601 - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (399 و 429)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (386)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 88/ 2432)(5/ 73/ 2422 - ط دار الفلاح)، والطحاوي (1/ 458)، وأبو محمد الفاكهي في فوائده عن ابن أبي مسرة (68)، والطبراني في الكبير (2/ 151 و 152/ 1635 و 1636)، وفي الأوسط (3/ 336/ 3325)، وفي الصغير (1/ 131 و 304/ 195 و 505)، وابن عدي في الكامل (3/ 373)، وابن المقرئ في المعجم (196)، والدارقطني في الأفراد (2/ 205/ 4699 - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (327 و 328)(2482 و 2483 - المخلصيات)، والخطيب في الموضح (1/ 550)، والحازمي في الاعتبار (1/ 319/ 81)، وقال:"هذا حديث صحيح، تفرد مسلم بإخراجه في الصحيح"، والمزي في التهذيب (11/ 221 - 222).
• فهذا الحديث قد رواه بهذا اللفظ من الثقات: شعبة، ويونس بن عبيد، ومنصور بن زاذان، وأيوب السختياني، وقتادة، وجرير بن حازم، وخالد الحذاء، وحبيب بن الشهيد، وسليمان بن المغيرة، وعاصم الأحول، وقرة بن خالد، وسهل بن أسلم العدوي، وسلم بن أبي الذيال، وأشعث بن عبد الملك، وعمر بن عامر السلمي، وقيس بن سعد المكي، والحسن بن ذكوان، وهم سبعة عشر رجلًا، وتابعهم غيرهم.
وانفرد عنهم هشام بن حسان فأتى دونهم بهذا اللفظ: "تعاد الصلاة من: ممر الحمار، والمرأة، والكلب الأسود"، فإنه رواه بالمعنى الذي ظهر له، والله أعلم، وهو لفظ شاذ لمخالفته فيه عامة من روي الحديث من الثقات عن حميد بن هلال، والله أعلم.
• خالف جماعة الثقات أيضًا: أبو حمزة السكري، محمد بن ميمون المروزي [ثقة]، فرواه عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال سألت أبا ذر: ما يقطع الصلاة؟ قال: لا يقطع الصلاة شيء غير الكلب الأسود، فقلت: ما بال الكلب الأسود، من الأحمر، من الأبيض؟ قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عما سألتني، فقال:"الكلب الأسود شيطان".
أخرجه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (919) بإسناد مروزي صحيح إلى أبي حمزة، وعلي بن الحسن بن شقيق ممن كتب عنه وهو بصير [شرح العلل لابن رجب (2/ 754)].
وهذه أيضًا رواية شاذة، والله أعلم.
وانظر أيضًا في الأوهام والمناكير: المعجم الأوسط للطبراني (8/ 169/ 8299).
• ولحديث أبي ذر أسانيد أخرى، وقفت منها على ما رواه:
أ- عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال:"يقطع الصلاة الكلب الأسود"، أحسبه قال:"والمرأة الحائض"، قال: قلت لأبي ذر: ما بال الكلب الأسود؟ قال: أما إني قد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:"إنه شيطان".
أخرجه عبد الرزاق (2/ 26/ 2348)، ومن طريقه: أحمد (5/ 164)، والطبراني في الكبير (2/ 151/ 1632).
وهذا حديث ضعيف؛ علي بن زيد بن جدعان: ضعيف، وقد خالف فيه حميد بن هلال، فأوقف شطره الأول، وأسقط ذكر الحمار، وقيد المرأة بالحائض.
ب- الجراح بن مخلد [ثقة]، قال: نا عبيد الله بن عبد المجيد [صدوق]، قال: نا عبيد الله بن أبي حميد، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رفعه، قال:"يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والحمار، والمرأة".
أخرجه البزار (9/ 359/ 3927).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن سعيد بن أبي الحسن إلا عبيد الله بن أبي حميد".
وخالفه في إسناده: محمد بن إبراهيم بن كثير [هو الصوري أبو الحسن: ضعيف، واتُّهم. اللسان (6/ 476)، الثقات (9/ 144)، الأباطيل والمناكير (1/ 484/ 297)]: ثنا مؤمَّل بن إسماعيل [صدوق، كثير الغلط، كان سيئ الحفظ]: ثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
…
فذكره.
أخرجه أبو القاسم الحامض في المنتقى من الجزء الأول من حديثه (45)، والدارقطني في الأفراد (2/ 205/ 4699 - أطرافه).
قال الدارقطني: "تفرد به عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عنه، ولم يروه عنه غير مؤمل بن إسماعيل".
قلت: وهذا إسناد واهٍ، ولا يصح لا عن سعيد بن أبي الحسن، ولا عن أبي المليح بن أسامة الهذلي، إذ مداره على عبيد الله بن أبي حميد الهذلي، وهو: متروك، منكر الحديث.
• وحديث أبي ذر هذا: صححه أحمد، ومسلم، والترمذي، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، والبيهقي، وابن عبد البر، والحازمي، وقدمه أبو حاتم على حديث أبي سعيد في عدم القطع [انظر مع المصادر المتقدمة: الجزء المفقود من تهذيب الآثار (ص 321)].
قال الإمام أحمد [في رواية المروذي]: "إليه أذهب، وهو صحيح الإسناد"[الفتح لابن رجب (2/ 700)].
وقال [في رواية علي بن سعيد]: "هو حديث ثبت، يرويه شعبة وسليمان بن المغيرة"، ثم قال:"ما في نفسي من هذا الحديث شيء"[الفتح لابن رجب (2/ 700)].
وقال في مسائل ابن هانئ (330): "ما في قلبي منه شيء".
وقال أبو حاتم: "حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يقطع الصلاة الكلب الأسود البهيم": أصح من حديث أبي سعيد: "لا يقطع الصلاة شيء""[العلل (1/ 76/ 204)].
وقال الترمذي: "حديث أبي ذر: حديث حسن صحيح".
وقال ابن المنذر: "وهو خبر صحيح، لا علة له".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (21/ 168): "الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها صحاح من جهة النقل؛ غير أن حديث أبي ذر وغيره في المرأة والحمار والكلب: منسوخ، ومعارَض، فمما عارضه أو نسخه عند أكثر العلماء: حديث عائشة المذكور في هذا الباب".
وقال الحازمي: "هذا حديث صحيح، تفرد مسلم بإخراجه في الصحيح".
ورده الإمام الشافعي لمعارضته لحديث ابن عباس في مروره بالأتان بين يدي الصف، ولحديث عائشة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إليها وهي معترضة بينه وبين القبلة، وقال:"وهو عندنا غير محفوظ"[اختلاف الحديث (10/ 126 - الأم)، معرفة السنن والآثار (2/ 124)]، مع كون هذه الأحاديث المعارضة يمكن الجمع بينها وبين حديث أبي ذر، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومع كون البيهقي ممن نصر الشافعي ومذهبه، فلم يذهب إلى ما ذهب إليه الشافعي، بل عارضه بقوله:"هذا الحديث صحيح إسناده، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات، وإن كان البخاري لا يحتج به، وله شواهد عن أبي هريرة وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اشتغل بتأويله في رواية حرملة، وهو به أحسن"، ثم أسند إلى حرملة قوله:"سمعت الشافعي يقول في تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "يقطع الصلاة: المرأة والكلب والحمار"، قال: يقطع الذِكرَ: الشغلُ بها، والالتفات إليها؛ لا أنه يفسد الصلاة،
…
".
• ولحديث أبي ذر شواهد، منها:
1 -
حديث أبي هريرة:
يرويه عبد الواحد بن زياد: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب، ويقي ذلك: مثلُ مؤْخِرة الرحل".
أخرجه مسلم (511)، وأبو عوانة (1/ 386/ 1403)، وأبو نعيم في المستخرج (2/ 118/ 1131)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (1/ 328/ 314)، وأبو العباس السراج في مسنده (371 و 402)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (389)، وابن حزم في المحلى (4/ 9)، والبيهقي (2/ 274)، والمزي في التهذيب (15/ 165).
• وله طريق أخرى عن أبي هريرة، يرويها قتادة، واختلف عليه:
أ- فرواه هشام الدستوائي، واختلف عليه:
• فروى معاذ بن هشام، وابن أبي عدي:
عن هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ".
أخرجه ابن ماجه (950)، وأحمد (2/ 299)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (1/ 301/ 279)، والبزار (16/ 270/ 9461)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (577 و 578 - الجزء المفقود)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 577/425).
قال البزار: "ولا نعلم روى سعد بن هشام عن أبي هريرة إلا هذا الحديث".
• ورواه ابن علية، قال: حدثنا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، قال:"يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة". قال هشام: ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا شك في رفعه، وأسقط سعد بن هشام.
أخرجه أحمد (2/ 425)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (580 - الجزء المفقود)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (329)(2484 - المخلصيات).
• ورواه يحيى بن سعيد القطان: عن هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. جزم برفعه، وأسقط سعدًا.
ذكره الدارقطني في العلل (9/ 1657/91)[وصححته من التنقيح لابن عبد الهادي (2/ 315)].
• ورواه عبد الرحمن بن مهدي، ومسلم بن إبراهيم:
عن هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، موقوفًا قوله، بدون ذكر سعد بن هشام.
ذكره الدارقطني في العلل (9/ 91/ 1657).
قلت: الذين اختلفوا على هشام الدستوائي كلهم ثقات، والحكم لمن زاد في الإسناد الرفع، وذكر سعد بن هشام، لكني أخاف أن يكون الرفع من قِبَل الدستوائي، فقد جاء عنه: الرفع والوقف والشك، وهذا الشك يدل على أنه كان أولًا يشك في رفعه، ثم غلب على ظنه الرفع فجزم به، وصوابه الوقف، حيث لم يتابعه على رفعه ابن أبي عروبة وهمام.
ب- ورواه معاذ بن معاذ، وابن أبي عدي:
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، بمثله، ولم يرفعه، بدون ذكر سعد بن هشام.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (579 - الجزء المفقود).
ج- ورواه عبد الرحمن بن مهدي، عن همام، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة، موقوفًا.
ذكره الدارقطني في العلل (9/ 91/ 1657)[وصححته من التنقيح لابن عبد الهادي (2/ 315)].
قال الدارقطني: "والصحيح: حديث قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة.
وحديث قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل".
قال ابن رجب في الفتح (2/ 702): "ولعل وقفه أشبه".
قلت: اتفق ابن أبي عروبة وهمام على الوقف، وعلى القول بأن الحكم لمن زاد في رواية هشام: فقد اتفق هشام وهمام على زيادة سعد بن هشام، ولم يأت الرفع إلا في بعض الروايات عن هشام، وكان يشك في رفعه أحيانًا، وعلى هذا فإذا أخذنا بقول اثنين من أصحاب قتادة، وتركنا قول من انفرد منهم، كان الأشبه بالصواب:
قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، قال: يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ.
وهذا موقوف على أبي هريرة بإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، والله أعلم.
وله حكم الرفع، فقد صح عن أبي هريرة مرفوعًا من وجه آخر، كما تقدم.
• قلت: ولقتادة في هذا الحديث أسانيد أخرى، عن عبد الله بن مغفل، وابن عباس، يأتي ذكرها في موضعها، وهو حافظ كبير يحتمل منه التعدد في الأسانيد، وقد رواها عنه ثقات أصحابه: هشام وسعيد وشعبة.
• وقد روي عن أبي هريرة خلاف ذلك:
رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه:"لا يقطع الصلاة امرأة، ولا كلب، ولا حمار، وادرأ ما مر أمامك ما استطعت، فإن أبى إلا أن تلاطِمَه فلاطِمْه؛ فإنما تلاطم الشيطان".
وهو حديث منكر، تقدم ذكره تحت الحديث السابق برقم (698).
• وأما ما روي عن أبي هريرة في الهر فبخلاف ما صح عنه في الكلب والحمار والمرأة، ولا يصح أيضًا:
فقد روى عيسى بن ميمون: ثنا محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الهر من متاع البيت؛ لا يقطع الصلاة".
أخرجه ابن عدي في الكامل (5/ 241).
قال ابن عدي: "ولعيسى بن ميمون غير ما ذكرت من الحديث، وعامة ما يرويه: لا يتابعه أحد عليه".
قلت: هو حديث منكر؛ عيسى بن ميمون هو: المدني، مولى القاسم، المعروف
بالواسطي، ويُعرف بابن تليدان: متروك، منكر الحديث [انظر: التهذيب (3/ 370)، الميزان (3/ 325)، المغني (2/ 173)، وغيرها].
• ورواه بندار محمد بن بشار [ثقة]: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو بكر الحنفي [بصري، صدوق]: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الهِرَّة لا تقطع الصلاة؛ لأنها من متاع البيت".
أخرجه ابن ماجه (369)، وابن خزيمة (2/ 20/ 828)، والحاكم (1/ 254)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 100/ 2461)، وابن عدي في الكامل (4/ 275)، والدارقطني في الأفراد (2/ 360/ 5664 - أطرافه).
قال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم؛ لاستشهاده بعبد الرحمن بن أبي الزناد مقرونًا بغيره من حديث ابن وهب، ولم يخرجاه".
وقال الدارقطني: "غريب من حديثه عنه [يعني: من حديث أبي الزناد عن أبي سلمة]، تفرد به ابنه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عنه".
وقال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (1/ 210): "هذا حديث إسناده جيد، لا بأس به".
وقال ابن خزيمة: "إن صح الخبر مسندًا؛ فإن في القلب من رفعه".
ثم أخرجه (829) من طريق عبد الله بن وهب [مصري، ثقة حافظ]، عن ابن أبي الزناد، بهذا الحديث موقوفًا، غير مرفوع.
ثم قال: "ابن وهب أعلم بحديث أهل المدينة من عبيد الله بن عبد المجيد".
قلت: وهو كما قال؛ لكن لم ينفرد به أبو علي الحنفي، فقد تابعه على رفعه:
مهدي بن عيسى الواسطي [صدوق. الجرح والتعديل (8/ 337)، الثقات (9/ 201)، بيان الوهم (3/ 230/ 959)، اللسان (8/ 180)]، قال: نا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع الهِرَّة الصلاة؛ وإنما هي من متاع البيت".
أخرجه البزار (15/ 224 و 225/ 8646 و 8647)، والخطيب في التاريخ (8/ 330).
قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطي (1/ 348): "عبد الرحمن يكتب حديثه على ضعفه".
وجوَّد إسناده ابن حجر في ترجمة مهدي من اللسان (8/ 180).
وانظر: بيان الوهم (4/ 186/ 1668).
قلت: عبد الرحمن بن أبي الزناد: حديثه بالمدينة: صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون؛ إلا ما كان من رواية سليمان بن داود الهاشمي؛ فأحاديثه عنه حسان، وليس هذا من الأول ولا الأخير [انظر ما تقدم تحت الحديث رقم (148)]، فقد رواه عنه من العراقيين بصري وواسطي، وابن وهب أعلم بحديثه منهما.
وعليه: فالقول قول ابن وهب: موقوف على أبي هريرة قوله بإسناد حسن.
والمرفوع قد استغربه الدارقطني من حديث أبي الزناد، وعده ابن عدي والذهبي من مناكير عبد الرحمن بن أبي الزناد [الميزان (2/ 576)]، والله أعلم.
وانظر أيضًا: مسند البزار (15/ 291/ 8793)، الكامل (2/ 386)، أطراف الغرائب والأفراد (2/ 305/ 5311)، سنن البيهقي (1/ 249)، الحديث المتقدم برقم (76).
2 -
حديث الحكم بن عمرو الغفاري:
روي حوشب، عن الحسن، عن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة".
أخرجه الطبراني في الكبير (3/ 211/ 3161)، من طريق: محمد بن أبي بكر المُقدَّمي: ثنا عمر بن رُدَيْح: ثنا حوشب به.
لم أقف على سماع الحسن البصري من الحكم بن عمرو، والحسن مشهور بالإرسال الخفي، وقد عنعنه، وحوشب هذا لعله ابن مسلم، وهو: صدوق، وعمر بن رديح: صدوق، يخطئ ويخالف، ضعفه أبو حاتم [اللسان (6/ 102)، الاكتفاء في تنقيح كتاب الضعفاء لمغلطاي (3/ 400)، سنن البيهقي (1/ 290)].
وهذه الرواية عندي وهم؛ فقد رواه أثبت أصحاب الحسن موقوفًا:
رواه يونس بن عبيد [ثقة ثبت، أثبت أصحاب الحسن]، ويزيد بن إبراهيم التستري [ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الحسن]، ومعمر بن راشد عمن سمع الحسن:
عن الحسن، قال: صلى الحكم الغفاري بأصحابه، وقد ركز بين يديه رمحًا فمر بين أيديهم كلب أو حمار، فانصرف إلى أصحابه، فقال: أما إنه لم يقطع صلاتي، ولكنه قطع صلاتكم، فأعاد بهم الصلاة. لفظ معمر.
وأما لفظ يونس فمطول، والشاهد منه: قول الحسن: وقد صلى الحكم بن عمرو الغفاري بأصحابه، فمر بين أيديهم حمار، فلما قضى صلاته أعاد بمن لم يكن بين يديه شيء يستره.
ولفظ التستري: عن الحكم بن عمرو الغفاري؛ أنه صلى بأصحابه صلاة الصبح، قال: فمر حماران بين أيديهم، يطرد أحدهما الآخر، فلما انصرف أعاد بهم الصلاة، فقال ناس: فعلت كما فعل فلان، قال: فخطب فقال: يا أيها الناس إني والله! ما فعلت كما فعل فلان، ولكني لما صليت الصبح مر حماران بين أيدينا، يطرد أحدهما الآخر، وإني إنما أعدت بالصف الأول.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 18/ 2318)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (564 و 573 - الجزء المفقود).
وهذا هو الأشبه بالصواب، موقوف على الحكم.
• وروى ابن المبارك، قال: حدثني سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: صلى الحكم الغفاري بالناس في سفرٍ، وبين يديه عنزة، فمرت
حمير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، فقالوا: أراد أن يصنع كما يصنع الوليد بن عقبة، إذ صلى بأصحابه الغداة أربعًا، ثم قال: أزيدكم، قال: فلحقتُ الحكم، فذكرت ذلك له، فوقف حتى تلاحق القوم، فقال: إني أعدت بكم الصلاة من أجل الحمُر التي مرت بين أيديكم؛ فضربتموني مثلًا لابن أبي معيط، وإني أسأل الله أن يحسن تسييركم، وأن يحسن بلاغكم، وأن ينصركم على عدوكم، وأن يفرق بيني وبينكم، قال: فمضوا فلم يروا في وجوههم ذلك إلا ما يُسَرُّون به، فلما فرغوا مات.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 18/ 2320)، ومن طريقه: الطبراني في الكبير (3/ 209/ 3151).
• تنبيه: وقع في المصنف: "عن ابن المبارك"، وكذا وقع في المحلى (4/ 11):"عبد الله بن المبارك"، لكن في المطبوع من المعجم الكبير [وهو من طريق عبد الرزاق]:"عن ابن التيمي"، ويبدو لي أنه من تصرف الناشر أو الناسخ، ففي جامع المسانيد والسنن لابن كثير (3/ 555/ 2247 - ط قلعجي) (2/ 210/ 2584 - ط الدهيش) من طريق الطبراني:"عن التميمي"، وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، وليس عن ابن التيمي، كما في مطبوع المعجم، فتبين بذلك خطأ ما في المطبوع، والله أعلم.
وهذا موقوف على الحكم بن عمرو الغفاري بإسناد صحيح.
وأما ما رواه مبارك بن فضالة، قال: حدثنا حميد بن هلال العدوي، قال: أخبرني عبد الله بن الصامت، قال: كنا مع الحكم بن عمرو الغفاري، فذكر القصة بنحو رواية ابن المبارك، إلى أن قال: رُدُّوا عليَّ أوائل الناس، قال: فردوهم عليه، فقال: إنا كنا نؤمر إذا كان أحدنا يصلي، وليس بين يديه ما يستره، فمر بين يديه الكلب، أو الحمار، أو المرأة: أن نعيد الصلاة؛ فمر بين أيديكم: حماران يطرد أحدهما الآخر، وقد كان بين يدي ما يسترني -يعني: العنزة- ولكني إنما أعدت الصلاة بمن لم يكن بين يديه ما يستره، لتكمل صلاتكم، فشبهتموني بابن أبي معيط، فإنه صلى الصبح أربع ركعات، أحسن الله صحبتكم، وأحسن عافيتكم، ونصركم على عدوكم، وعجل الفراق بيني وبينكم، قال: فأصابوا ظفرًا، كما دعا لهم، ثم هلك عند ذلك.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (565 - الجزء المفقود)، وأبو العباس السراج في مسنده (401)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (388).
قلت: فلا يُقبل هذا من مبارك بن فضالة، وسليمان بن المغيرة أثبت منه بكثير، فهو ثقة ثبت، وأما المبارك فإن كثير الخطأ والتدليس، وكان يرفع حديثًا كثيرًا، وقد رفع هذا الحديث، وقد وقفه من هو أثبت منه، فالقول قول سليمان موقوفًا، والله أعلم.
• ورواه معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي طالب الضبعي: أن الحكم الغفاري- وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه، فمر حمار بينه وبين
الصف فأعاد الصلاة، فقالوا: أميرنا صلى الصبح أربع ركعات فقال: اللَّهُمَّ أرحني منهم، وأرحهم مني؛ فما جمَّع الجمعة الثانية حتى مات.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (566 - الجزء المفقود).
وهذا موقوف، بإسناد رجاله ثقات، ولا أعرف لأبي طالب الضبعي سماعًا من الحكم، وصورته مرسل، وهذه الواقعة كانت متأخرة، قبل وفاة الحكم مباشرة، وقد توفي الحكم سنة خمسين، وقيل: سنة خمس وأربعين، فإدراك أبي طالب لها ممكن، وأبو طالب الضبعي الحجام: ثقة، روى عن ابن عباس وأبي أمامة [تاريخ ابن معين (4/ 311/ 4543)، العلل ومعرفة الرجال (3/ 389/ 5709)، كني البخاري (45)، التاريخ الكبير (3/ 248)، مسند البزار (11/ 456/ 5324)، الجرح والتعديل (9/ 397)، الثقات (4/ 219) و (5/ 574)، فتح الباب (4087)].
والحاصل: أن حديث الحكم بن عمرو الغفاري موقوف، ومن رفعه فقد وهم، والله أعلم.
3 -
حديث أبي سعيد الخدري:
يرويه أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة"، وفي رواية: فقلنا: يا أبا سعيد! ما يستر المصلي؟ قال: السهم، والحجر، والرحل.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 13/ 2294 و 2295) و (2/ 27/ 2350)، والحارث بن أبي أسامة (165 - بغية الباحث)(3/ 333/ 315 - مطالب)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (581 - الجزء المفقود)، وأبو جعفر ابن البختري في الرابع من حديثه (36)[مجموع مصنفاته (280)].
وهذا حديث واهٍ؛ أبو هارون عمارة بن جوين العبدي البصري: متروك، كذبه جماعة [التهذيب (3/ 207)].
4 -
حديث أنس:
وله طرق عن أنس:
أ- يرويه أبو غسان العنبري يحيى بن كثير بن درهم [ثقة]، وأبو زيد الهروي سعيد بن الربيع [ثقة]:
كلاهما، عن شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس: سمعت أنسًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطع الصلاة: الحمار، والمرأة، والكلب".
أخرجه البزار (14/ 37/ 7461)، وأبو العباس السراج في مسنده (400)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (387)، وابن المظفر في غرائب شعبة (214)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (331)(2486 - المخلصيات)، والخطيب في تاريخ بغداد (7/ 49)، والضياء في المختارة (6/ 250 و 251/ 2267 و 2268).
• وخالفهما جماعة الحفاظ من أصحاب شعبة فأوقفوه، وهو الصواب:
رواه عبد الرحمن بن مهدي، وغندر محمد بن جعفر، وأبو داود الطيالسي، وأبو الوليد الطيالسي، ومحمد بن كثير العبدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن منهال:
عن شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب.
أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 252/ 2899)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (562 و 563 - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 101/ 2463).
قال الدارقطني: "والموقوف: أصح"[العلل (12/ 124/ 2510)، الفتح لابن رجب (2/ 705)].
وهذا موقوف على أنس، بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
ب- وروى يعلى بن عباد: حدثنا عبد الحكم، عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يقطع الصلاةَ: الكلبُ، والحمارُ، والمرأةُ".
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (163 - بغية الباحث)(3/ 426/ 340 - مطالب).
وهذا حديث منكر؛ عبد الحكم بن عبد الله، ويقال: ابن زياد القسملي: منكر الحديث، روى عن أنس: نسخة منكرة [التهذيب (2/ 471)، الميزان (2/ 536)]، ويعلى بن عباد الكلابي: ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"يخطئ"[علل الدارقطني (12/ 155/ 2562)، الثقات (9/ 291)، تاريخ بغداد (14/ 354)، اللسان (8/ 540)].
ج- وروى جعفر بن عبد الواحد، قال: قال لنا الأنصاري: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
…
فذكره.
وهو حديث باطل، يأتي ذكره بطرقه في حديث عبد الله بن المغفل.
• وقد روي عن أنس خلاف ذلك:
فقد روى إدريس بن يحيى أبو عمرو المعروف بالخولاني [صدوق. الجرح والتعديل (2/ 265)، الثقات (8/ 133)، السير (10/ 165)، تاريخ الإسلام (15/ 56)]، عن بكر بن مضر [ثقة ثبت]، عن صخر بن عبد الله بن حرملة؛ أنه سمع عمر بن عبد العزيز، يقول: عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! فلما سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من المسبِّح آنفًا، سبحان الله؟ " قال: أنا، يا رسول الله! إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، قال:"لا يقطع الصلاة شيء".
أخرجه أبو بكر الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (8 و 9)، والدارقطني (1/ 367)، والبيهقي (2/ 277)، والخطيب في المتفق والمفترق (2/ 924/ 559 م)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 583/426).
قال ابن حجر في الدراية (1/ 178): "وإسناده حسن".
• خالفه: الوليد بن مسلم [شامي، ثقة ثبت]، فرواه عن بكر بن مضر المصري، عن صخر بن عبد الله المدلجي، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، يحدث عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بأصحابه إذ مر بين أيدينا حمار،
…
فذكره مثله.
أخرجه أبو بكر الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (10).
• وخالفهما: إسحاق بن بكر بن مضر [قال أبو حاتم: "لا بأس به، وكان عنده درج عن أبيه"، الجرح والتعديل (2/ 214)، التهذيب (1/ 117)]، فرواه عن أبيه بكر بن مضر، عن صخر بن عبد الله بن حرملة المدلجي، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، يقول بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم[يصلي] بالناس إذ مرَّ بين أيديهم حمار، فقال رجل من أصحابه
…
فذكر الحديث هكذا مرسلًا، بالقصة وبإبهام اسم عياش بن أبي ربيعة.
أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق (2/ 559/924).
قلت: وهذا مرسل، هو أشبه بالصواب؛ فإن أهل بيت الرجل أولى به من غيرهم، لا سيما وأن إسحاق كان عنده صحف أبيه، فلعل الوهم وقع للغرباء بما لم يكن في الصحف، كما أن كلام الدارقطني يدل على أن إسحاق بن بكر لم يتفرد بإرساله عن أبيه، وأنه قد توبع عليه، والله أعلم.
قال الدارقطني في العلل (12/ 116/ 2499): "يرويه صخر بن عبد الله بن حرملة المدلجي، حدث به عنه بكر بن مضر، واختلف عنه: فرواه إدريس بن يحيى، عن بكر، عن صخر بن عبد الله، عن عمر بن عبد العزيز، عن أنس.
وخالفه الوليد بن مسلم؛ رواه عن بكر، عن صخر، عن عمر بن عبد العزيز، عن عياش بن أبي ربيعة.
وغيرهما يرويه عن بكر بن مضر، عن صخر، عن عمر مرسلًا.
والمرسل أصح".
وقال عبد الحق في الأحكام الوسطي (1/ 348): "اختلف في إسناده، والصواب: مرسل عن عمر".
قال ابن القطان في بيان الوهم (3/ 49/ 703): "إنما يرويه صخر بن عبد الله بن حرملة، وهو: مجهول الحال، ولا يعرف روي عنه غير بكر بن مضر".
وضعفه ابن الجوزي بقوله: "فيه صخر بن عبد الله: قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالأباطيل، عامة ما يرويه منكر، أو من موضوعاته، وقال ابن حبان: لا يحل الرواية عنه"، وخلَّط فيه أيضًا في الضعفاء (2/ 53/ 1686).
فتعقبه ابن عبد الهادي في التنقيح (2/ 320) بقوله: "وصخر بن عبد الله بن حرملة الراوي عن عمر بن عبد العزيز: لم يتكلم فيه ابن عدي، ولا ابن حبان، بل ذكره ابن حبان
في الثقات، وقال النسائي: هو صالح، وإنما ضعف ابن عدي صخر بن عبد الله الكوفي المعروف بالحاجبي، وهو متأخر عن ابن حرملة، روي عن مالك والليث وغيرهما، وعلي تقدير ثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يقطع الصلاة شيء" لا يعارض به حديث أبي ذر وأبي هريرة وابن مغفل؛ لأنها خاصة، فيجب تقديمها على العام".
وتعقب ابنَ الجوزي أيضًا مغلطاي في الاكتفاء في تنقيح كتاب الضعفاء (1/ 432)، فقال:"والذي نقله ابن الجوزي عن ابن عدي فيه، إنما هو في صخر الحاجبي، وكذلك ابن حبان، وأما المدلجي فثقة"، وتعقبه أيضًا: الذهبي وابن حجر [الميزان (2/ 309)، التهذيب (2/ 205)، اللسان (4/ 307)].
قلت: صخر بن عبد الله بن حرملة المدلجي: روي عنه: بكر بن مضر، وعبد الله بن وهب [كما في المدونة (1/ 114)]، قال النسائي:"صالح"، وقال العجلي:"ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات [معرفة الثقات (758)، الثقات (6/ 473)، التهذيب (2/ 205)، اللسان (4/ 307)]، وصحح له حديثًا في صحيحه (15/ 456/ 6995)، وصحح له الحاكم نفس الحديث (3/ 312)، وقال:"على شرط الشيخين"، فتعقبه الذهبي بقوله:"صخر صدوق، لم يخرجا له"، وهذا الحديث أخرجه الترمذي [جامع الترمذي (3749) (6/ 312/ 4082 ط شعيب)]، وقال:"حسن غريب"، فلم يصححه.
وأما صخر بن عبد الله الحاجبي: فهو معروف بوضع الحديث [المجروحين (1/ 378)، الكامل (4/ 92)، اللسان (4/ 307)].
وعليه: فهذا مرسل، بإسناد لا بأس به، والله أعلم.
• وروي نحوه عن أنس من وجه آخر:
روى السهمي في تاريخ إستراباذ من آخر تاريخ جرجان (518)، قال: قال أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريف: حدثنا أبي: حدثنا إسحاق بن أبي عمران الإستراباذي: حدثنا حيون بن المبارك البصري بمصر: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا أبي، عن جدي، عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليستتر أحدكم في الصلاة بالخط بين يديه والحجر، وبما وجد من شيء؛ مع أن المؤمن لا يقطع صلاته شيء".
رواه من طريق السهمي: ابن عساكر في تاريخ دمشق (8/ 291)، وابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب (3/ 1524).
قال ابن رجب في الفتح (2/ 639): "وإسناده مجهول، ساقط بمرة".
وقال ابن حجر في اللسان (3/ 310): "حيُّون بن المبارك البصري: نكرة، حدث بمصر عن الأنصاري، عن أبيه، عن جده، عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: "ليستتر أحدكم في الصلاة بالخط
…
" الحديث، رواته ثقات غير حيون، والخبر منكر".
قلت: وهو كما قال ابن رجب؛ فوائد أبي أحمد الغطريفي، والمثنى بن عبد الله بن أنس: مجهولان، وحيون: نكرة، وعبد الله بن المثنى: صدوق، كثير الغلط.
• والحاصل: أن الثابت عن أنس في هذا أنه قال: يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب، كما تقدم بيانه.
5 -
حديث عائشة:
يرويه أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان بن عمرو، قال: ثنا راشد بن سعد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقطع صلاة المسلم شيء؛ إلا: الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة"، فقالت عائشة: يا رسول الله لقد قُرِنَّا بدوابِّ سوء.
أخرجه أحمد (6/ 84)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (584 - الجزء المفقود)، والطبراني في مسند الشاميين (2/ 101/ 990).
وهذا إسناد حمصي صحيح إلى راشد بن سعد، صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي: حمصي ثقة، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني: حمصي ثقة، وراشد بن سعد: حمصي تابعي ثقة، لكنه كان يرسل كثيرًا، ولا أظنه سمع عائشة، إذ لا يُعرف له سماع منها، وما له في الكتب الستة عنها شيء، ولا له في أطراف العشرة (16/ 2/ 1075 21653 و 21654) سوى هذا الحديث [عند أحمد فقط]، وحديث آخر عند الدارقطني (4/ 142)، صوابه مرسل [المراسيل لأبي داود (388)، [وانظر: المعجم الأوسط للطبراني (5/ 55/ 4656)][وانظر: التاريخ الكبير (3/ 292)، الجرح والتعديل (3/ 483)، تاريخ دمشق (17/ 450)].
ثم وجدته يروي عن عائشة بواسطة [كما في التاريخ الكبير (3/ 223)، مسند الشاميين (3/ 93/ 1859)، سنن البيهقي (3/ 78)]، مما يؤكد عدم سماعه منها.
• ثم إن هذه الرواية وهم؛ فقد خالف فيه أصحاب عائشة:
فقد روى الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
ح وقال الأعمش: حدثني مسلم، عن مسروق، عن عائشة، ذُكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذي النبي صلى الله عليه وسلم، فأنسل من عند رجليه.
وهذا حديث متفق عليه [البخاري (511 و 514 و 6276)، مسلم (512/ 270)].
وروى شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال: فقلنا: المرأة والحمار، فقالت: إن المرأة لدابة سوء؛ لقد رأيتني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم معترضة، كاعتراض الجنازة، وهو يصلي.
وهذا حديث صحيح؛ أخرجه مسلم (512/ 269).
وحديث عائشة هذا سيأتي تخريجه بطرقه موسعًا في موضعه من السنن برقم (710 - 714).
قال ابن رجب في الفتح (2/ 705): "هذا منقطع؛ راشد لم يسمع من عائشة بغير شك، ووهم في ذلك، وإنما الصحيح: ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ عنها، أنه ذُكر
عندها ذلك، فقالت: لقد قرنتمونا بقرناء سوء، ونحو هذا المعنى، وقد ذكر الميموني أن أحمد ذُكر له أن الحوضي روى من طريق الأسود، عن عائشة، مرفوعًا:"يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود"؟ فقال أحمد: غلط الشيخ عندنا؛ هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحمار؟! يعني: لو كان هذا عندها عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما قالت ما قالت".
6 -
حديث عبد الله بن مغفل:
يرويه عبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وجعفر بن عون، ومعاذ بن معاذ، وسعيد بن عامر، ومحمد بن جعفر غندر:
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ".
أخرجه ابن ماجه (951)، وابن حبان (6/ 147/ 2386)، وأحمد (4/ 86) و (5/ 57)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (575 و 576 - الجزء المفقود)، والروياني (880)، والطحاوي (1/ 458)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 425/ 578).
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (2/ 316): "إسناده صحيح".
وقال الذهبي في التنقيح (1/ 187): "صحيح".
قلت: وهو كما قالا؛ فإن سماع الحسن من عبد الله بن مغفل ثابت في غير هذا الحديث، وقد أثبت له السماع منه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو حاتم، والبزار، والبرديجي، فلسنا بحاجة إلى طلب إثباته في كل حديث بعينه، ولم أر تصريحًا له بالسماع في طرق هذا الحديث، وهذا لا يُعِلُّ الإسناد بشيء، أعني: عنعنة الحسن فيه، فإنها مقبولة محمولة على الاتصال، وقد سبق بحث هذه المسألة بالتفصيل عند الحديث المتقدم برقم (27).
• وخالف أصحاب ابن أبي عروبة فيه:
جعفر بن عبد الواحد [أحاديثه بواطيل، كان يسرق الحديث، وروى أحاديث لا أصل لها. اللسان (2/ 457)]، قال: قال لنا الأنصاري: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة".
أخرجه ابن حبان في المجروحين (1/ 215)، وابن عدي في الكامل (2/ 154).
وهو حديث باطل.
قال ابن عدي: "وهذا الحديث بهذا الإسناد لا نعرفه إلا عن جعفر هذا؛ وقد ترك فيه جعفر الطريقَ الواضح؛ إذ كان أسهلَ عليه: عن سعيد عن قتادة عن أنس، وروي سعيد بن أبي عروبة هذا عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر".
قلت: روى سعيد بن أبي عروبة هذا المتن عن قتادة بأسانيد عنه، وكلها محفوظة،
وإنما أوردته هاهنا لسببين: الأول: اتحاد لفظه مع لفظ حديث ابن المغفل، والثاني: أن الذين رووا هذا الطرف من حديث أبي ذر عن ابن أبي عروبة أوقفوه على أبي ذر، وكذلك فإن الذين رووه عن ابن أبي عروبة من حديث أبي هريرة، أوقفوه عليه أيضًا، كما تقدم بيانه في موضعه، وسيأتي أيضًا من حديث ابن عباس كذلك، وكلها محفوظة؛ غير حديث أنس.
• وقد وجدت من تابع جعفر بن عبد الواحد هذا؛ إلا أنه أشد منه وهاءً:
فقد رواه محمد بن يونس الكديمي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله.
أخرجه أبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (285)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (330)(2485 - المخلصيات)، والضياء في المختارة (7/ 114/ 2538).
وهذا باطل كسابقه، محمد بن يونس الكديمي: كذاب، يضع الحديث، وهو شيخ القطيعي في هذا الحديث، لكن قال: حدثنا محمد، ولم ينسبه، وكان قد روى عنه أحاديث هذا منها، وقد نسبه في أولها، ووقع في رواية المخلص والضياء من طريق الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: ثنا محمد بن موسى البصري، هكذا نسبه إلى جده كي يعمي عليه لئلا يُعرف، فهو محمد بن يونس بن موسى البصري الكديمي، قال ابن عدي:"ومن حدَّث عنه نسبه إلى جده لئلا يُعرف"[التهذيب (3/ 743)].
وأما ما جعله ابن عبد الهادي احتمالًا، فقد ظهر هنا الجزم به، حيث قال في التنقيح (2/ 316):"يحتمل أن يكون شيخ المحاملي: محمد بن يونس بن موسى الكديمي، وهو: ضعيف".
• ويأتي ذكر بقية الشواهد، في حديث ابن عباس الآتي:
***
703 -
. . . يحيى، عن شعبة: حدثنا قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس -رفعه شعبة-، قال:"يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ الحائضُ، والكلبُ".
قال أبو داود: أوقفه سعيد، وهشام، وهمام، عن قتادة، عن جابر بن زيد، على ابن عباس.
• المحفوظ: موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، على شرط الشيخين
أخرجه النسائي في المجتبى (2/ 64/ 751)، وفي الكبرى (1/ 408/ 829)، وابن ماجه (949)، وابن خزيمة (2/ 22/ 832)، وابن حبان (6/ 148/ 2387)، والضياء في
المختارة (9/ 517 و 519/ 500 و 501)، وأحمد (1/ 347)، والبزار (11/ 50 و 417/ 4741 و 5269)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (592 - الجزء المفقود)[لكن وقع عنده موقوفًا، ومقرونًا بابن أبي عروبة، وقال: الحمار، بدل المرأة]، والطحاوي (1/ 458)، والطبراني في الكبير (12/ 181/ 12824)، وابن عدي في الكامل (5/ 385) و (7/ 130)، والدارقطني في الأفراد (1/ 427/ 2312 - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (333)(2488 - المخلصيات)، وأبو نعيم في الحلية (8/ 387)، والبيهقي (2/ 274)، وابن عبد البر في التمهيد (21/ 168).
ولفظ البزار، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: نا يحيى بن سعيد، قال: نا شعبة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والمرأة الحائض".
قال: قلت: قد كان يُذكر الثالث، قال: ما هو؟ قلت: الحمار، قال: رويدًا الحمار، قلت: قد ذكر الرابع، قال: ما هو؟ قلت: الكافر، قال: إن استطعت ألا يمر بين يديك كافر ولا مسلم فافعل.
قال أبو داود: "أوقفه سعيد، وهشام، وهمام، عن قتادة، عن جابر بن زيد، على ابن عباس".
وقال البزار: "وهذا الحديث أسنده يحيى بن سعيد، ولا نعلم أسنده إلا يحيى عن شعبة".
وقال الدارقطني: "تفرد به يحيى القطان عن شعبة عن قتادة: مرفوعًا".
ورواه البيهقي بإسناد لا بأس به إلى: علي بن عبد الله المديني: ثنا يحيى بن سعيد: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب".
قال يحيى -وهو القطان-: لم يرفع هذا الحديث أحد عن قتادة غير شعبة، قال يحيى: وأنا أفْرَقه.
قال: ورواه ابن أبي عروبة وهشام عن قتادة -يعني: موقوفًا-.
قال يحيى: وبلغني أن همامًا يدخل بين قتادة وجابر بن زيد أبا الخليل.
قال علي: ولم يرفع همام الحديث.
قال البيهقي: والثابت عن ابن عباس أن شيئًا من ذلك لا يفسد الصلاة، ولكن يكره، وذلك يدل من قوله مع قوله:"يقطع" على أن المراد بالقطع غير الإفساد، ويروى من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما. اهـ كلامه.
قلت: الذي أبلغ يحيى برواية همام هو عفان بن مسلم، قال أبو حفص عمرو بن على الفلاس بعد أن روى الحديث عن يحيى بن سعيد به: "فقال له عفان: حدثنا همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: فبكى يحيى،
وقال: اجترأتم عليَّ؛ ذهب أصحابي خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ" [الكامل (5/ 385) و (7/ 130)].
قال الذهبي في السير (10/ 253) بعد هذه الحكاية: "مثل هذا يجوز أن يكون حدث به قتادة مرة عن جابر فدلسه كعوائده، ومرة رواه عن صالح عن جابر أبي الشعثاء، والله أعلم".
قلت: وهذا بعيد -والله أعلم- فإن أثبت الناس في قتادة، وأعلمهم بحديثه: شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة قد رووا هذا الحديث عن قتادة، قال شعبة: سمعت جابر بن زيد، وقال هشام وسعيد: قال: قلت لجابر بن زيد، وهذا دليل ظاهر على سماع قتادة لهذا الحديث من جابر بن زيد، فكيف يقال بعد ذلك بأنه دلسه؟!
وقال ابن أبي حاتم: "قال يحيى بن سعيد: أخاف أن يكون وهم"؛ يعني: شعبة [العلل (1/ 210/ 606)، الفتح لابن رجب (2/ 702)].
وقال ابن رجب في الفتح (2/ 702): "وكذا وقفه غندر عن شعبة، ورفعه سفيان بن حبيب عن شعبة".
قلت: قد صرح البزار والدارقطني أن يحيى بن سعيد القطان قد تفرد برفعه عن شعبة، ورواية سفيان بن حبيب هذه قد وصلها:
أبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (332)(2487 - المخلصيات).
والأقرب عندي أنها تصحيف، تصحف على بعضهم سعيد إلى شعبة، وسيأتي بيان ذلك في ذكر الاختلاف فيه على سعيد بن أبي عروبة.
• وقد اختلف في هذا الحديث على قتادة:
1 -
فرواه شعبة: حدثنا قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد، يحدث عن ابن عباس -رفعه شعبة-، قال:"يقطعُ الصلاةَ: المرأةُ الحائضُ، والكلبُ". وتقدم ذكر الاختلاف على شعبة في رفعه ووقفه.
2 -
ورواه هشام الدستوائي، واختلف عليه:
أ- فرواه يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي عدي:
عن هشام [مقرونًا بشعبة في رواية القطان؛ حيث قال: حدثني شعبة وهشام]، عن قتادة، قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: كان ابن عباس يقول: المرأةُ الحائضُ، والكلبُ.
زاد ابن أبي عدي: قلت: فأين الحمار؟ قال: [رويدك] الحمار؟ قلت: قد كان يُذكر رابعٌ! قال: ما هو؟ قلت: العلج الكافر، قال: إن استطعت ألا يمر بين يديك كافر ولا مسلم، فافعل. هكذا موقوفًا.
أخرجه النسائي في المجتبى (2/ 64/ 751)، وفي الكبرى (1/ 408/ 829)، وابن
جرير الطبري في تهذيب الآثار (591 - الجزء المفقود)، وابن عدي في الكامل (5/ 385) و (7/ 130).
ب- ورواه معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والحمار، والمرأة الحائض.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (590 - الجزء المفقود).
قلت: وهذا الوجه الثاني وهمٌ، والمحفوظ ما رواه الحافظان عن هشام كالجماعة.
3 -
ورواه سعيد بن أبي عروبة:
فرواه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وابن أبي عدي: عن سعيد [مقرونًا بشعبة في رواية القطان؛ حيث قال: حدثنا سعيد وشعبة]، عن قتادة، قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس: الكلب الأسود، والمرأة الحائض.
قال: قلت: قد كان يُذكر الثالث، قال: ما هو؟ قلت: الحمار، قال: رويدك الحمار، قلت: قد كان يذكر الرابع، قال: ما هو؟ قلت: العلج الكافر، قال: إن استطعت أن لا يمر بين يديك كافر ولا مسلم فافعل. هكذا موقوفًا.
أخرجه البزار (11/ 50 و 417/ 4741 و 5268)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (592 - الجزء المفقود).
قال البزار: "وهذا الحديث أسنده يحيى بن سعيد، ولا نعلم أسنده إلا يحيى عن شعبة".
خالفهما فرواه عن سعيد به مرفوعًا: سفيان بن حبيب [بصري، ثقة، عالم بحديث ابن أبي عروبة]، لكن الإسناد إليه لا يصح؛ إذ شيخ القطيعي فيه: محمد بن يونس الكديمي، وهو: كذاب، يضع الحديث.
أخرجه أبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (284).
وأخرجه أبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (332)(2487 - المخلصيات)، من طريق الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: ثنا محمد بن موسى البصري، هكذا نسبه إلى جده كي يعمي عليه لئلا يُعرف، فهو محمد بن يونس بن موسى البصري الكديمي، قال ابن عدي:"ومن حدَّث عنه نسبه إلى جده لئلا يُعرف"[التهذيب (3/ 743)]، لكن وقع عنده: شعبة بدل: سعيد، والأقرب عندي أنه تصحف على بعضهم، وإنما هو سعيد بن أبي عروبة، فقد صرح غير واحد من الأئمة، مثل البزار والدارقطني: أن يحيى بن سعيد القطان قد نفرد به عن شعبة، والله أعلم.
4 -
ورواه همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب الأسود، والمرأة.
قلت: فأين الحمار؟ قال: إن استطعت ألا يمر بين يديك: مسلم، ولا كافر فافعل.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (589 - الجزء المفقود)، وابن عدي في الكامل (5/ 385).
[وانظر في الأوهام على قتادة: مصنف عبد الرزاق (2/ 27/ 2351)، مصنف ابن أبي شيبة (1/ 252/ 2902)].
قال الإمام أحمد: "ثنا يحيى، قال: شعبة رفعه، قال: وهشام لم يرفعه"، قال أحمد:"كان هشام حافظًا".
قال ابن رجب: "وهذا ترجيح من أحمد لوقفه، وقد تبين أن شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه"[الفتح (2/ 703)].
ورجح أبو حاتم الرازي رفعه، فقال عن رواية شعبة:"هو صحيح عندي"[العلل (1/ 210/ 606)].
وقال النووي في المجموع (3/ 221): "رواه أبو داود بإسناد صحيح".
قلت: هكذا اختلف على شعبة في رفع هذا الحديث ووقفه، وتابعه على رواية الوقف: هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام -وإن خالفهم همام في إسناده- مما يدل على أن رواية الرفع: وهمٌ؛ لذا كان يَفرَق منها يحيى بن سعيد القطان، ويخشى أن يكون شعبة وهم فيها، واستغربها الحفاظ مثل: البزار والدارقطني، وأعلها: أحمد وأبو داود، وخالفهم أبو حاتم الرازي فصححها.
قلت: المحفوظ وقفه على ابن عباس، وهذا ظاهر كلام أكثر النقاد، فمن المعلوم أن شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة: هم أثبت أصحاب قتادة؛ فإذا اختلفوا قدَّمنا رواية الاثنين على الواحد منهم، قال البرديجي:"إذا روي هشام وسعيد بن أبي عروبة شيئًا، وخالفهما شعبة، فالقول قولهما"، وقال:"وإذا اتفق هشام وسعيد بن أبي عروبة من رواية أهل التثبت عنهما، وخالفهما شعبة: كان القول قول هشام وسعيد"، وقال أيضًا:"وإذا اختلفوا في حديث واحد فإن القول فيه: قول رجلين من الثلاثة"[شرح علل الترمذي (2/ 696)].
وأما المحفوظ في إسناده: فهو ما اتفق عليه الحفاظ الثلاثة: قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهي مقدمة على رواية همام، والله أعلم.
وعليه: فهو موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، على شرط الشيخين.
• وقد روي من وجهين آخرين، موقوفًا أيضًا:
أ- فقد روى المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن عكرمة، وأبي الشعثاء [جابر بن زيد]، عن ابن عباس، قال: تقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب الأسود.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 28/ 2354)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (588 - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 103/ 2470).
وهذا أيضًا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح؛ إلا أن
سليمان التيمي لم يسمع من عكرمة شيئًا، قاله أبو زرعة الرازي [المراسيل (307)]، والعمدة في الإسناد على أبي الشعثاء جابر بن زيد.
ب- ورواه ابن عيينة، أو ابن جريج:
قال ابن جريج: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة الحائض.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 27/ 2353)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 103/ 2469)، واللفظ له.
وهذا موقوف بإسناد مكي صحيح، على شرط الشيخين.
***
704 -
قال أبو داود: حدثنا محمد بن إسماعيل، مولى بني هاشم البصري: حدثنا معاذ: حدثنا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"إذا صلى أحدكم إلى غير سترة؛ فإنه يقطع صلاتَه: الكلبُ، والحمارُ، والخنزيرُ، واليهوديُّ، والمجوسيُّ، والمرأةُ، ويجزئُ عنه: إذا مرُّوا بين يديه على قَذْفَةٍ بحجر".
قال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيءٌ، كنت أذاكر به إبراهيم وغيره؛ فلم أر أحدًا جاء به عن هشام، ولا يعرفه، ولم أر أحدًا يحدث به عن هشام، وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة -يعني: محمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم-، والمنكَرُ فيه: دِكرُ المجوسي، وفيه:"على قذفة بحجر"، وذِكرُ الخنزير، وفيه نكارة.
قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهِمَ؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه.
• حديث منكر؛ والمعروف عن هشام الدستوائي: مقطوع على عكرمة.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (2/ 275).
قال عبد الحق في الأحكام الوسطى (1/ 345): "إنما يصح من هذا: ذكر المرأة والكلب والحمار".
فتعقبه ابن القطان في بيان الوهم (3/ 355/ 1101) بقوله: "وعلة هذا الحديث بادية، وهي الشك في رفعه، فلا يجوز أن يقال: إنه مرفوع، وراويه قد قال: أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
…
"، إلى أن حكى كلام أبي داود، ثم قال: "وهذا كله لا يحتاج إليه، فإنه رأيٌ لا خبر، ولم يجزم ابن عباس برفعه، وابن أبي سمينة أحد الثقات، وقد جاء هذا
الخبر بذكر أربعة فقط، عن ابن عباس موقوفًا بسند جيد كذلك،
…
"، ثم ذكر أثر أبي الشعثاء عن ابن عباس السابق برقم (703)، من طريق ابن عروبة، موقوفًا على ابن عباس، بذكر الكلب الأسود، والمرأة، والحمار، والعلج الكافر.
وقال النووي في المجموع (3/ 221): "رواه أبو داود وضعفه، وجعله منكرًا، وروي أبو داود أحاديث كثيرة من هذا النوع ضعيفة".
وقال الذهبي في الميزان (3/ 482) بعد أن ذكر كلام أبي داود في ابن أبي سمينة: "صدوق؛ لأنه منكر جدًّا، ولكنه قد شك في رفعِه، ووقفُه يحتمل إن كان محفوظًا".
قلت: في هذا السياق خلل، فإما أن يكون قال: "صدق؛ لأنه منكر جدًّا،
…
"، أو يكون قال: "صدوق؛ إلا أنه منكر جدًّا،
…
"، وفي الاحتمال الأول يكون فاعل صدق هو أبو داود، وفي الاحتمال الثاني أراد بهذا الوصف ابن أبي سمينة، والله أعلم.
• قلت: لم ينفرد به ابن أبي سمينة، وقد برئ من عهدته، فقد تابعه عليه:
عبد بن حميد [ثقة حافظ، مصنف]، وصالح بن مسمار المروزي [ثقة]، وعلي بن بحر القطان [ثقة]، ومحمد بن عمر بن علي المقدمي [ثقة]:
رووه عن معاذ بن هشام الدستوائي، قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:- وأحسبه أسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم -، قال:"يقطع الصلاة: الحمار، والكلب، والمرأة الحائض، واليهودي، والنصاري، والمجوس [وفي رواية: والنصراني، والمجوسي]، والخنزير" قال: "ويكفيك ما كانوا منك على قدر رمية بحجر، لم يقطعوا عليك صلاتك".
أخرجه عبد بن حميد (576)، وأبن جرير الطبري في تهذيب الآثار (585 - الجزء المفقود)، والطحاوي (1/ 458)، والبيهقي (2/ 275).
قال ابن رجب في الفتح (2/ 703): "وقد تبين بذلك أن ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود، ولكنه منكر؛ كما قاله ابن عدي".
[وانظر: الكامل لابن عدي (6/ 433 - ط دار الفكر) (8/ 185 - ط الكتب العلمية) (3/ 157/ ب- مخطوط)][فقد رواه من طريق محمد بن المثنى -وهو: ثقة ثبت-، ومحمد بن ميمون الخياط -وهو: ليس به بأس، يهم-، كلاهما: عن معاذ به، إلا أنه سقط من إسناده من فوق يحيى بن أبي كثير، ثم قال ابن عدي: "وهذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن"، فلعله أراد أن هذا المتن غير محفوظ عن ابن عباس، لا مرفوعًا، ولا موقوفًا، والله أعلم].
• والعهدة فيه عندي على معاذ بن هشام؛ فقد اختلف فيه على هشام الدستوائي:
أ- فرواه معاذ بن هشام الدستوائي [صدوق، ربما رهم]، قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: -وأحسبه أسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم -، قال:
…
فذكره كما تقدم.
ب- وخالفه أبو داود الطيالسي [ثقة حافظ]، فرواه عن هشام، عن يحيى، عن عكرمة، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة، والخنزير، والحمار، واليهودي، والنصراني، والمجوسي.
أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 252/ 2904).
قلت: أخطأ معاذ بن هشام على أبيه في هذا الحديث في موضعين: وصله بذكر ابن عباس، وشك في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معاذ بن هشام يغلط في الشيء بعد الشيء مع صدقه [انظر: التهذيب (4/ 102) وغيره]، وأبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي أحفظ من معاذ بن هشام، فإن قيل: إن أبا داود كان يغلط أيضًا إذا حدث من حفظه، فيقال: إنما كان خطؤه في رفع الموقوف، ووصل المرسل [انظر: التهذيب (2/ 90)]، وهو هنا على العكس، قد قطعه على عكرمة قوله، لم يعْدُه إلى ابن عباس، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المحفوظ عن هشام، والله أعلم.
• واختلف فيه أيضًا على يحيى بن أبي كثير:
أ- فرواه هشام الدستوائي [في المحفوظ عنه]، عن يحيى، عن عكرمة، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة، والخنزير، والحمار، واليهودي، والنصراني، والمجوسي.
هكذا مقطوعًا على عكرمة قوله.
ب- وخالفه فسلك فيه الجادة والطريق السهل: عبيس بن ميمون، فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي، والخنزير".
ذكره ابن أبي حاتم في العلل (1/ 177/ 507).
قال أبو زرعة: "هذا حديث منكر، وعبيس: شيخ ضعيف الحديث".
وقال الأثرم: "هذا إسناد واه"[الفتح لابن رجب (2/ 704)].
قلت: هو حديث منكر باطل؛ خالف فيه عبيسٌ هذا أثبتَ أصحاب يحيى بن أبي كثير، هشامًا الدستوائي، وقول هشام هو الصواب، وعبيس: متروك، منكر الحديث، عامة ما يرويه غير محفوظ [لتهذيب (3/ 47)، الميزان (3/ 26)].
• تابع يحيى بن أبي كثير على قطعه على عكرمة:
أ- رواه معمر، قال: أخبرني من سمع عكرمة، يقول: يقطع الصلاة: الكلب، والخنزير، واليهودي، والنصراني، والمجوسي، والمرأة الحائض.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 27/ 2352).
وإسناده ضعيف؛ لإبهام الواسطة بين معمر وعكرمة.
ب- ورواه عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أيوب، قال: نبئت أن عكرمة قال: يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، والخنزير، واليهودي، والنصراني؛ فإن مروا بين يديك قذفة حجر، أو كان فوقك، أو تحتك، أو بين يديك: لم يقطع صلاتك.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (583 - الجزء المفقود)، قال: حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: حدثنا عبد الوارث به.
وإسناده صحيح إلى أيوب السختياني، لكنه لا يصح أيضًا لإبهام الواسطة بينه وبين عكرمة.
ويحتمل أن يكون المبهم في إسناد معمر وأيوب هو يحيى بن أبي كثير نفسه، فإن معمرًا وأيوب كلاهما يروي عن يحيى، فإن كان كذلك فقد عاد الحديث إلى يحيى، ولم يتابع عليه، والله أعلم.
• خالف فزاد فيه ابن عباس، موقوفًا عليه:
المعتمر بن سليمان التيمي، رواه عن أبيه، عن عكرمة، وأبي الشعثاء [جابر بن زيد]، عن ابن عباس، قال: تقطع الصلاة: المرأة الحائض، والكلب الأسود.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 28/ 2354)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (588 - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 103/ 2470).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح.
لكن الأقرب أنه حمل لفظ عكرمة على لفظ أبي الشعثاء، فإن هذا هو لفظ أثر ابن عباس من رواية أبي الشعثاء جابر بن زيد عنه، ومن ثم فقد تكون زيادة: ابن عباس في أثر جابر بن زيد وحده؛ حيث ساق لفظه، وأعرض عن لفظ عكرمة وإسناده، والله أعلم.
والذي يؤيد ذلك: أن سليمان التيمي لم يسمع من عكرمة شيئًا، قاله أبو زرعة الرازي [المراسيل (307)]، وعليه: فلا يحفظ في إسناد هذا الحديث ذكر ابن عباس من طريق عكرمة، إنما هو مقطوع على عكرمة قوله، والله أعلم.
• وحاصل ما تقدم: أن هذا اللفظ: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة، والخنزير، والحمار، واليهودي، والنصراني، والمجوسي: إنما هو من كلام عكرمة، مقطوع عليه، وليس من كلام ابن عباس، والله أعلم.
• فإن قيل: رُوي عن ابن عباس خلاف ذلك:
أ- فقد روى الثوري، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، قال: ذُكر لابن عباس: ما يقطع الصلاة؟ فقيل له: المرأة والكلب [والحمار]؟ فقال ابن عباس: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] فما يقطع هذا [ولكن يكره].
أخرجه عبد الرزاق (2/ 29/ 2360)، وابن أبي شيبة (2/ 258/ 8760)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (518 - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 104/ 2474)، والطحاوي (1/ 459)، والبيهقي في السنن (2/ 279)، وفي المعرفة (2/ 125/ 1062).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح.
ولا حجة في إعلاله بتلقين سماك؛ ذلك أنه قد رواه عن سماك من لم يكن يروج عليه ما يُلقَّنه سماك، فإن سفيان الثوري ممن حمل عن سماك صحيح حديثه دون ما أخطأ
فيه، وأكثر ما نُقِم على سماك هو التلقين؛ لذا فقد ضُعِّف بسببه، وقد أمناه هنا؛ قال يعقوب بن شيبة السدوسي:"ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان: فحديثهم عنه صحيح مستقيم".
ومما نُقم على سماك أيضًا: اضطرابه في حديث عكرمة، ذلك لأنه كان يقول فيه: عن ابن عباس، وقد أمنا خطأه هنا لما قد علمت، أعني لمجيئه من طريق سفيان عنه، فإنه كان يميز ذلك منه؛ قال ابن المديني:"روايته عن عكرمة مضطربة، فسفيان وشعبة يجعلونها عن عكرمة، وأبو الأحوص وإسرائيل يجعلونها عن عكرمة عن ابن عباس"[تاريخ دمشق (41/ 97)، شرح علل الترمذي (2/ 797)، التهذيب (3/ 517)، الميزان (2/ 232)].
وأما قول الذهبي في السير (5/ 248) في سلسلة إسناد: سماك عن عكرمة عن ابن عباس: "ولا ينبغي أن تُعدَّ صحيحةً؛ لأن سماكًا إنما تُكُلِّم فيه من أجلها".
فإن هذا ليس على إطلاقه؛ فإن قامت القرائن التي تدل على صحتها فهي صحيحة، لكنا هنا نجد ما يوافق كلام الذهبي!
فقد روى يحيى بن أبي كثير وسليمان التيمي عن عكرمة خلاف ما رواه سماك عنه، كما تقدم بيانه؛ كما أنه قد صح عن ابن عباس من طرق صحيحة، على شرط الشيخين خلاف ما رواه سماك أيضًا:
فقد روى قتادة، قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس: الكلب الأسود، والمرأة الحائض.
وهو موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، على شرط الشيخين.
ورواه عبيد الله بن أبي يزيد الليثي المكي، أنه سمع ابن عباس، قال: يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة الحائض.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، موقوف على ابن عباس.
وقد تقدم ذكر هذين الأثرين في الحديث السابق (703)، وهذان إسنادان لا مطعن فيهما، وهما أصح من إسناد سماك.
وعليه: فالأقرب عندي: تقديم ما رواه اثنان من أصحاب ابن عباس: جابر بن زيد، وعبيد الله بن أبي يزيد، على ما رواه عكرمة من طريق سماك عنه، لا سيما وقد خولف فيه سماك عن عكرمة، والله أعلم.
ب- وروى يحيى بن ميمون الضبي أبو المعلى العطار [ثقة]: حدثنا الحسن العرني، قال: ذُكر عند ابن عباس: يقطع الصلاةَ الكلبُ والحمارُ والمرأةُ، قال: بئسما عدلتم بامرأةٍ مسلمةٍ كلبًا وحمارًا، لقد رأيتني أقبلت على حمارٍ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، حتى إذا كنت قريبًا منه مستقبله نزلت عنه، وخليت عنه، ودخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته، فما أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، ولا نهاني عما صنعت، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس،
فجاءت وليدة تخلل الصفوف، حتى عاذت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، ولا نهاها عما صنعت، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد، فخرج جدْيٌ من بعض حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب يجتاز بين يديه، فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: أفلا تقولون: الجدي يقطع الصلاة؟!.
وفي رواية: عن ابن عباس؛ أنه ذُكر عنده ما يقطع الصلاة، فقال: ما تقولون في الجَدْي؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي، فمرَّ جَدْيٌ بين يديه، فبادر رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ولقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، وإن حمارةً للفضل بن عباس ترعي بين يديه.
أخرجه ابن ماجه (953)، وأحمد (1/ 247)، والطبراني في الكبير (12/ 138 و 140/ 12696 و 12704).
ورواه سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس، بمعناه.
أخرجه أحمد (1/ 308 و 343)، والدارقطني في الأفراد (1/ 427/ 2313 - أطرافه)، والطبراني في الكبير (12/ 140/ 12703)، والبيهقي (2/ 277).
قال الدارقطني: "تفرد به: أبو حمزة السكري، عن رقبة بن مصقلة، عن سلمة بن كهيل عنه".
قال البخاري: "ولم يسمع الحسن من ابن عباس"، وكذا قال أحمد وابن معين [العلل ومعرفة الرجال (31)، التاريخ الأوسط (1/ 296/ 1441)، المراسيل (155)، الجرح والتعديل (3/ 45)، تحفة التحصيل (77)].
وهذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس، وسيأتي الكلام عن طرق هذا الحديث في موضعه من السنن -إن شاء الله تعالى- برقم (716 و 717).
***
705 -
. . . وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مولىً ليزيدَ بن نِمْران، عن يزيد بن نمران، قال: رأيتُ رجلًا بتبوكَ مُقعَدًا، فقال: مررتُ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا على حمارٍ، وهو يصلي، فقال:"اللَّهُمَّ اقطع أثره"، فما مشيتُ عليها بعدُ.
• حديث منكر.
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 254/ 2920)، وفي المسند (2/ 229/ 717)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (2/ 2549/ 615 - السفر الثاني)، والبيهقي في السنن (2/ 275)، وفي الدلائل (5/ 243)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (8/ 365).
***
706 -
قال أبو داود: حدثنا كثير بن عبيد -يعني: المَذْحِجي-: حدثنا أبو حَيْوَة، عن سعيد، بإسناده ومعناه، زاد: فقال: "قطع صلاتنا؛ قطع الله أثره".
قال أبو داود: ورواه أبو مسهر، عن سعيد، قال فيه أيضًا:"قطع صلاتنا".
• حديث منكر.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (2/ 275)، وفي الدلائل (5/ 243)، والحازمي في الاعتبار (1/ 317/ 80).
قال الحازمي: "هذا حديث غريب، على شرط أبي داود، وأخرجه في كتابه".
وأبو حيوة هكذا وقع في بعض النسخ، وكذا هو في تحفة الأشراف (11/ 214/ 15684 - ط المكتب الإسلامي)(10/ 610/ 15684 - ط دار الغرب)، قال المزي:"وهو: شريح بن يزيد"، وفي بعض النسخ: حيوة، كذا فقط بدون أداة الكنية، قال ابن حجر في النكت الظراف:"الذي رأيته في د: عن حيوة بن شريح، وكذا ذكره ابن عساكر في ترجمة يزيد بن نمران من تاريخه".
• قلت: الذي يظهر لي أنه أبو حيوة؛ لأمور:
الأول: أن هذا الحديث رواه من طريق أبي داود -فقال: أبو حيوة-: البيهقي والحازمي.
الثاني: لم أر فيمن روي عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي من اسمه حيوة، وذكر المزي في ترجمته من التهذيب، فيمن روي عنه: أبا حيوة شريح بن يريد الحمصي، ورمز له برمز أبي داود، وكذلك فقد ذكر سعيدًا في شيوخ أبي حيوة.
الثالث: لم أر في شيوخ حيوة بن شريح: سعيد بن عبد العزيز التنوخي.
• وأخرجه من طريق أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر:
البخاري في التاريخ الكبير (8/ 366).
قال البخاري: وقال أبو مسهر: نا سعيد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدثني يزيد بن جابر: حدثني ابن نمران، ولم يقل: على أتان، قال أبو مسهر: وكان سعيد فيما أعلم قال أيضًا: عن مولى يزيد، وأما أنا فإني لسمعته عن ابن جابر.
هكذا رواه أبو مسهر عن سعيد وابن جابر، فجعل يزيد بن جابر بدل مولى يزيد بن نمران، وقد خالفه في ذلك الجماعة.
• تابع أبا حيوة وأبا مسهر على هذه اللفظة: "قطع صلاتنا":
الوليد بن مزيد، والوليد بن مسلم، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، ومروان بن معاوية [وهم ثقات أثبات]، وعمرو بن أبي سلمة التنيسي [صدوق، والراوي عنه: أحمد بن عيسى الخشاب التنيسي: كذبه أبو زرعة الرازي ومسلمة وابن طاهر، وقال ابن حبان:"يروي عن المجاهيل الأشياء المناكير، وعن المشاهير الأشياء المقلوبة، لا يجوز عندي الاحتجاج بما انفرد من الأخبار"، وقال الدارقطني:"ليس بالقوي"، سؤالات البرذعي (2/ 676)، المجروحين (1/ 160 - ط حمدي السلفي)، الكامل (1/ 191)، الضعفاء
والمتروكون للدارقطني (73)، التهذيب (1/ 91)، الميزان (1/ 126)، اللسان (1/ 568)]: عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، قال: حدثنا مولى ليزيد بن نمران، قال: حدثني يزيد بن نمران، قال: لقيت [بتبوك] رجلًا مُقعدًا، فسألته [عن إقعاده]؟ قال: مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أَتَانٍ، أو حمار، فقال:"قطع صلاتنا؛ قطع الله أثره"، قال: فأُقعِدت.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (8/ 366)، وأحمد (4/ 64) و (5/ 376 - 377)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (560 - الجزء المفقود)، والبيهقي في الدلائل (6/ 241)، وإسماعيل الأصبهاني المعروف بقوام السُّنَّة في دلائل النبوة (189)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (21/ 336) و (68/ 224)، والمزي في التهذيب (32/ 260).
وانظر: الثقات (3/ 446).
• ورواه أيضًا عن سعيد:
محمد بن بكار بن بلال العاملي [صدوق]: أرنا سعيد، عن مولى ليزيد بن نمران، عن نمران، به.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (8/ 366) معلقًا، ولم يذكر لفظه.
• هكذا روى الوليد بن مزيد، والوليد بن مسلم، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، ومروان بن معاوية، ووكيع بن الجراح [وهم ثقات أثبات]، وأبو حيوة شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي [ثقة]، ومحمد بن بكار بن بلال العاملي [صدوق]:
رواه سبعتهم: عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، قال: حدثنا مولى ليزيد بن نمران، قال: حدثني يزيد بن نمران، قال: لقيت رجلًا مُقعدًا
…
الحديث.
وخالفهم في إسناده: أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر [ثقة إمام]، فرواه عن سعيد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدثني يزيد بن جابر: حدثني ابن نمران به.
قلت: رواية الجماعة أولى بالصواب، والله أعلم.
ويزيد بن نمران المَذحِجي الذِّماري: روي عنه ثلاثة من ثقات الشاميين، وذكره ابن حبان في الثقات [الثقات (5/ 539)، التهذيب (4/ 431)].
ومولى يزيد بن نمران، سماه البخاري: سعيدًا مولى نمران، وقال:"قاله أبو اليمان عن سعيد بن عبد العزيز"، وتبعه على ذلك: ابن أبي حاتم وابن حبان وابن عساكر، ومن بعدهم، لكن وقع في الثقات: سعيد بن نمران، فلعله تصحف [التاريخ الكبير (3/ 517)، الجرح والتعديل (4/ 77)، الثقات (6/ 373)، تاريخ دمشق (21/ 336)، الميزان (2/ 1 63)، التهذيب (2/ 53)]، وهو مجهول، كما في التقريب (238).
فالإسناد ضعيف؛ والحديث منكر، والله أعلم.
قال ابن رجب في الفتح (2/ 706): "وفي إسناده جهالة".
وممن ضعفه أيضًا: ابن القيم في الزاد (3/ 543).
***
707 -
. . . معاوية [يعني: ابن صالح]، عن سعيد بن غزوان، عن أبيه: أنه نزل بتبوك، وهو حاجٌّ، فإذا هو برجل مُقعَد، فسأله عن أمره؟ فقال له: سأحدثك حديثًا فلا تحدِّث به ما سمعتَ أني حيٌّ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك إلى نخلةٍ، فقال:"هذه قِبلتنا"، ثم صلى إليها، فأقبلتُ وأنا غلامٌ أسعي حتى مررتُ بينه وبينها، فقال:"قطع صلاتنا؛ قطع الله أثره"، فما قمتُ عليها إلى يومي هذا.
• حديث منكر.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (8/ 365)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (561 - الجزء المفقود)، والطبراني في مسند الشاميين (3/ 195/ 2067)، والبيهقي في السنن (2/ 275)، وفي الدلائل (5/ 243 - 244)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (48/ 58)، والمزي في التهذيب (23/ 101).
قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 345): "إسناده ضعيف".
وقال ابن القطان في بيان الوهم (2/ 65/ 35): "والحديث في غاية الضعف، ونكارة المتن، فإن دعاءه عليه السلام لمن ليس له بأهل: زكاة ورحمة، فاعلم ذلك".
وقال أيضًا (3/ 356/ 1102): "وهو كما ذكر ضعيف، وعلته الجهل بحال سعيد، فإنها لا تعرف، فأما أبو غزوان، فإنه لا يُعرف مذكورًا، فإن ابنه وإن كانت حاله لا تعرف؛ فقد ذُكر وتُرجم باسمه في مظان ذكره وذكر أمثاله، وذكر ما يذكر به المجهولون".
وقال النووي في الخلاصة (1767): "وذكر أبو داود أحاديث كثيرة في قطع الصلاة: بالكلب، والمرأة، والحمار، ومعظمها ضعيفة، وتأول الجمهور القطع المذكور على قطع الذكر والخشوع؛ للجمع بين الأحاديث".
وقال الذهبي في الميزان (2/ 154) عن سعيد بن غزوان: "فهذا شامي مُقِلٌّ، ما رأيت لهم فيه ولا في أبيه كلامًا، ولا يُدري مَن هما، ولا مَن المقعد، قال عبد الحق وابن القطان: إسناده ضعيف، قلت: أظنه موضوعًا".
وقال ابن رجب في الفتح (2/ 685): "إسناد فيه نظر".
وممن ضعفه أيضًا: ابن القيم في الزاد (3/ 543).
قلت: إسناده مجهول، وهو حديث منكر؛ سعيد بن غزوان وأبوه: مجهولان، ومعاوية بن صالح، هو الحضرمي الحمصي: صدوق، له إفرادات وغرائب وأوهام، ولأجل ذلك تكلم فيه من تكلم، والأكثر على توثيقه، وقد أكثر عنه مسلم، لكن أكثره في المتابعات والشواهد، وهذا الحديث من أفراده، رواه عنه: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن صالح.
قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى بعد رواية وكيع المتقدمة: "ثم إن متنه ظاهر النكارة؛ لأنه مخالف كل المخالفة لما عرف من هديه صلى الله عليه وسلم في حسن إرشاده لأمته، ولطفه في تعليمهم، كما ترى ذلك في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد النبوي، وفي حديث معاوية بن الحكم السُّلمِي، الذي تكلم في الصلاة، فلم ينهره عليه الصلاة والسلام، ولا دعا عليه! بل قال معاوية نفسه: فوالله! ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس
…
" الحديث؛
فأين هذا مما في هذا الحديث من دعائه عليه الصلاة والسلام على هذا الرجل؛ لمجرد مروره بينه وبين السترة؟! ولذلك مال الذهبي إلى أن الحديث موضوع،
…
، فما أبعد" [ضعيف سنن أبي داود (9/ 257/ 111)].
• وفي الباب أيضًا:
عن عبد الله بن عمرو:
يرويه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]، وهشام بن سليمان [هو: ابن عكرمة بن خالد المخزومي المكي: قال أبو حاتم: "مضطرب الحديث، ومحله الصدق، ما أرى به بأسًا"، وقال العقيلي:"في حديثه عن غير ابن جريج وهم"، لم يخرج له مسلم إلا من روايته عن ابن جريج، وعلق له البخاري موضعًا عن ابن جريج، وله أيضًا ما استنكر عن ابن جريج، كما في علل ابن أبي حاتم (1/ 289/ 862)، انظر: التاريخ الكبير (8/ 200)، الجرح والتعديل (9/ 62)، ضعفاء العقيلي (4/ 338)، شرح علل الترمذي (7/ 802)، التهذيب (4/ 272)، الميزان (4/ 299)، وغيرها]، وحميد بن حماد بن خوار [ليس بالقوي]:
قال عبد الرزاق: أنا ابن جريج: أخبرني عمرو بن شعيب أزاد ابن خوار: نافعًا، قرنه بعمرو بن شعيب]، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض أعلى الوادي، نريد أن نصلي، قد قام وقمنا؛ إذ خرج علينا حمارٌ من شِعْبِ أبي دُبٍّ، شِعْب أبي موسى، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُكبِّر، وأجرى إليه يعقوب بن زَمْعة حتى ردَّه.
أخرجه أحمد (2/ 204)، وعبد الرزاق (2/ 22/ 2333)، والفاكهي في أخبار مكة (4/ 140/ 2471)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (582 - الجزء المفقود).
وهو حديث ضعيف؛ لانقطاعه، فإن عمرو بن شعيب لم يسمع من جد أبيه عبد الله بن عمرو [انظر: جامع التحصيل (244)، تحفة التحصيل (243)، الإتحاف (9/ 601/ 12027)].
***