المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌114 - باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة - فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود - جـ ٨

[ياسر فتحي]

فهرس الكتاب

- ‌109 - باب ما ينهي عنه من المرور بين يدي المصلي

- ‌110 - باب ما يقطع الصلاة

- ‌111 - باب سُترة الإمام سترةُ مَن خلفَه

- ‌112 - باب من قال: المرأة لا تقطع الصلاة

- ‌(1/ 462)].***113 -باب من قال: الحمار لا يقطع الصلاة

- ‌114 - باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة

- ‌115 - باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء

- ‌أبواب تفريع استفتاح الصلاة

- ‌116 - باب رفع اليدين

- ‌117 - باب افتتاح الصلاة

- ‌118 - باب من ذكر أنَّه يرفع يديه إذا قام من اثنتين

- ‌119 - باب من لم يذكر الرفع عند الركوع

- ‌120 - باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة

- ‌121 - باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء

- ‌(13/ 496/ 14370)].***122 -باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك

- ‌123 - باب السكتة عند الافتتاح

- ‌124 - باب ما جاء في من لم ير الجهر بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

- ‌125 - باب ما جاء في من جهر بها

- ‌126 - باب تخفيف الصلاة للأمر يحدث

- ‌127 - باب في تخفيف الصلاة

- ‌128 - باب ما جاء في نقصان الصلاة

- ‌(1/ 116/ 444)].***129 -باب ما جاء في القراءة في الظهر

الفصل: ‌114 - باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة

خليفة بن خياط (471 و 475)، المعرفة والتاريخ (1/ 62)، أخبار القضاة (1/ 258)، تاريخ الطبري (5/ 151)، تاريخ بغداد (10/ 313)]، ولم يترجم له البخاري ولا ابن أبي حاتم ولا ابن حبان، ولما ترجم له الخطيب البغدادي لم يذكر له شيئًا سوى الولاية، فلم يذكر له رواية، ولم ينقل عن أحد فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ مما يدل على أنه لم يكن معروفًا بالرواية، ومن ثم فهو مجهول الحال، وشيخ ابن سمعون هو: عمر بن الحسن بن علي بن مالك بن أشرس بن عبد الله بن منجاب أبو الحسين الشيباني المعروف بابن الأشناني، وقد وثقه جماعة، وتكلم فيه آخرون، لكنه ممن يحتمل، ويُقوَّى أمره [انظر: تخريج الذكر والدعاء (3/ 1006/ 460)، سؤالات الحاكم (252)، سؤالات السلمي (218)، تاريخ بغداد (11/ 236)، السير (15/ 406)، اللسان (6/ 78)، التنكيل (1/ 368/ 170)].

قلت: هو حديث منكر؛ ولا يحتمل تفرد هذين المجهولين بمثل هذا عن جعفر الصادق عن أبيه عن جده، لا سيما مع مخالفة الأحاديث الصحيحة في الباب، والله أعلم.

***

‌114 - باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة

718 -

. . . يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في باديةٍ لنا ومعه عباس، فصلى في صحراءَ ليس بين يديه سترة، وحمارةٌ لنا وكلبةٌ يعبثان [وفي نسخة: تعبثان] بين يديه، فما بالى ذلك.

• حديث ضعيف.

أخرجه الطبراني في الكبير (18/ 295/ 756)، والدارقطني (1/ 369)، والبيهقي في السنن (2/ 278)، وفي المعرفة (2/ 121/ 1057)، والبغوي في شرح السُّنَّة (2/ 461/ 549).

رواه عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري [ليس به بأس، كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه]: الليث بن سعد [ثقة ثبت، فقيه إمام]، وسعيد بن أبي مريم [ثقة ثبت فقيه]، ومعاذ بن فضالة [ثقة].

وهذا لفظ الليث، ولفظ سعيد:

سعيد بن أبي مريم: أنا يحيى بن أيوب: حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب؛ أن عباس بن عبيد الله بن عباس حدثه، عن الفضل بن عباس، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عباسًا في بادية لنا، فصلى العصر وبين يديه كلبة لنا، أو: حمارة لنا، فلم ينْهَهَا ولا نُؤَخِّرها [كذا].

ولفظ معاذ بن فضالة: كان أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية لنا، فصلى بنا العصر، وبين يديه كليبة وحمار لنا، فما نهْنَهَهُما، وما ردَّهما.

ص: 87

والذي يظهر لي أن هذا الاختلاف في المتن إنما هو من يحيى بن أيوب، لم يكن يضبطه، والله أعلم، فمرة يقول: فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، ومرة لا يذكر شأن السترة، ومرة يقيد الصلاة بالعصر، ومرة يطلق، ومرة يجمع بين الكليبة والحمار، ومرة يشك أيهما كانت، مع تصرفه في ألفاظ السياق.

ويحيى بن أيوب الغافقي المصري: صدوق سيئ الحفظ، يخطئ كثيرًا، له غرائب ومناكير يتجنبها أرباب الصحاح، وينتقون من حديثه ما أصاب فيه [انظر: التاريخ الكبير (8/ 260 و 306)، الجرح والتعديل (9/ 127)، الثقات (7/ 600)، مشاهير علماء الأمصار (1528)، العلل ومعرفة الرجال (3/ 52/ 4125)، تاريخ ابن معين للدارمي (719)، الضعفاء والمتروكون للنسائي (626)، ثقات العجلي (1962)، سؤالات الآجري (5/ ق 14)، علل الترمذي الكبير ص (118)، عمل اليوم والليلة للنسائي (365)، طبقات ابن سعد (7/ 516)، المعرفة والتاريخ (2/ 445)، ضعفاء العقيلي (4/ 391)، الكامل (7/ 214)، سنن الدارقطني (1/ 98)، علل الدارقطني (5/ ق 21)، بيان الوهم والإيهام (2/ 485/ 484)، سير أعلام النبلاء (8/ 5)، الميزان (4/ 362)، من تكلم فيه (367)، إكمال مغلطاي (12/ 287)، التهذيب (4/ 342)].

وانظر أحاديث وهم فيها يحيى بن أيوب: التاريخ الكبير (8/ 306)، علل الحديث لابن أبي حاتم (1/ 85 و 122 و 147/ 226 و 333 و 409)، علل الدارقطني (4/ 335) و (9/ 260)، بيان الوهم والإيهام (3/ 36 و 324 و 495 و 606/ 690 و 1070 و 1269 و 1412) و (4/ 68 - 82 و 149 و 150 و 171 و 636/ 1504 - 1515 و 1592 و 1638 و 2193 و 2194).

وانظر في أوهامه فيما تقدم في السنن على سبيل المثال: الحديث رقم (158)، وما تحت الحديث رقم (228 و 335).

• وهذا الحديث قد رواه ابن جريج، لكن اختلف عليه فيه:

أ - فرواه حجاج بن محمد المصيصي [ثقة ثبت، أثبت الناس في ابن جريج]، والضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل [ثقة ثبت، من أصحاب ابن جريج]:

قال حجاج: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر، وهما بين يديه؛ فلم تُؤَخَّرا، ولم تُزجَرا.

أخرجه النسائي في المجتبى (2/ 65/ 753)، وفي الكبرى (1/ 409/ 831)، وأحمد (1/ 211)، وأبو يعلى (12/ 94/ 6726)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (496 و 497 - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 106/ 2478)، والطحاوي (1/ 459)، والطبراني في الكبير (18/ 294/ 754)، والدارقطني (1/ 369)، والبيهقي (2/ 278)، والمزي في التهذيب (14/ 231).

ص: 88

ب- ورواه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ، من أثبت الناس في ابن جريج]، فقال: أنبأنا ابن جريج، قال: حدثني محمد بن عمر بن علي، عن الفضل بن عباس، قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم عباسًا، ونحن في بادية لنا، فقام يصلي -قال: أراه قال: العصر-، وبين يديه كُليبة لنا، وحمار يرعى، ليس بينه وبينهما شيء يحول بينه وبينهما.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 28/ 2358)، ومن طريقه: أحمد (1/ 212)، والطبراني في الكبير (18/ 294/ 755)[وفي سنده قلب في اسم محمد بن عمر بن علي].

قال الطبراني: "ولم يذكر عبد الرزاق في حديثه: العباس بن عبيد الله بن العباس".

ج- ورواه مسدد، قال: وثنا عبد الله، عن ابن جريج، عن عمر بن محمد بن علي، عن الفضل بن العباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم زار العباس في بادية لهم، فصلى، وكليبُه وحمارُه ترعى، ليس بينه وبينهما شيء.

أخرجه مسدد في مسنده (2/ 107/ 1133 - إتحاف الخيرة المهرة).

وعبد الله هذا يحتمل أن يكون: عبد الله بن المبارك، أو: عبد الله بن داود الخريبي، فكلاهما روى عنه مسدد، وكلاهما يروي عن ابن جريج، وعبد الله بن المبارك: ثقة ثبت، فقيه إمام، من أثبت الناس في ابن جريج، والخريبي: بصري ثقة، معروف بالرواية عن ابن جريج.

فهذا الاختلاف على ابن جريج في إسناد هذا الحديث، يُشعر بأنه لم يكن يضبطه، فيحتمل أن يكون حدث به من كتب غيره، كما قال يحيى بن سعيد القطان عنه [انظر: شرح العلل (2/ 683)، التهذيب (2/ 616)،؛ فإنه مرة يثبت العباس بن عبيد الله، ومرة يسقطه، ومرة يقول: محمد بن عمر بن علي، ومرة يقلبه، والله أعلم.

وعباس بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب: ذكره ابن حبان في الثقات، وهو قليل الرواية جدًّا، ولم أقف على رواية أيوب السختياني عنه، وأظن قولَ ابن حبان:"روى عنه أيوب" خطأً نشأ عن سقط وقع له في نسخة التاريخ الكبير، والذي كان ينقل منه، ففي التاريخ الكبير للبخاري ذكر العباس بهذا الإسناد حسب، والذي يرويه يحيى بن أيوب وابن جريج، كلاهما عن محمد بن عمر بن علي، عن العباس به، وقال ابن القطان الفاسي:"لا تعرف حاله"، ومن ثم فهو مستور؛ وإن وثقه الذهبي في الكاشف، وقول ابن حجر عنه في التقريب:"مقبول" هو أولى بالقبول، أعني على اصطلاحه [الطبقات الكبرى (5/ 315)، التاريخ الكبير (7/ 3)، الجرح والتعديل (6/ 211)، الثقات (5/ 258)، بيان الوهم (3/ 354/ 1100)، الكاشف (1/ 535)، التهذيب (2/ 291)، التقريب (305)].

ثم هو منقطع؛ فإن عباسًا لم يدرك عمه الفضل؛ فإن الفضل بن العباس قديم الموت، مات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، على الأرجح [التاريخ الكبير (7/ 114)، الاستيعاب (3/ 1269)، تاريخ الإسلام (3/ 182)، التهذيب (3/ 392)، الإصابة (5/ 375)]، وأخوه عبيد الله بن العباس كان يصغر عبد الله بن العباس بسنة، ومن ثم كان له عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم -

ص: 89

قرابة اثنتي عشرة سنة، أو أقل من ذلك [الاستيعاب (3/ 1009)، السير (3/ 512)، الإصابة (4/ 396)]، فكيف يولد له العباس فيدرك الفضل في خلافة أبي بكر!؟ وقد نبه المزي في التهذيب على أن روايته عن الفضل مرسلة.

ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: وثقه الدارقطني ضمن جماعة، قال البرقاني للدارقطني:"الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي؟ فقال: كلهم ثقات"، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة، وقال ابن سعد:"وكان قليل الحديث"، لكن قال ابن القطان الفاسي:"لا تعرف حاله"، ومع ذلك فقد حسَّن له، وقال ابن القيم في الزاد:"وقد استُنكر بعض حديثه"؛ يعني: هذا الحديث، وقال ابن حجر:"صدوق"، وقال الذهبي في الكاشف:"ثقة"، وقال في الميزان:"ما علمت به بأسًا، ولا رأيت لهم فيه كلامًا، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة، فما استُنكِر له حديث"، ثم ذكر كلام عبد الحق وابن القطان الآتي [الثقات (5/ 353)، سؤالات البرقاني (85)، تاريخ دمشق (54/ 413)، بيان الوهم (3/ 354/ 1100) و (4/ 267/ 1806)، تاريخ الإسلام (8/ 531)، زاد المعاد (2/ 79)، إكمال مغلطاي (10/ 289)، الميزان (3/ 668)، الكاشف (2/ 205)، التهذيب (3/ 655)، التقريب (555)].

وقد نقل الخطابي في معالم السنن (1/ 165) عن أصحاب الإمام أحمد أن في إسناد حديث الفضل مقال.

وقال ابن المنذر، وابن قدامة:"في إسناده مقال"[المغني (2/ 44)].

وقال ابن حزم: "وهذا باطل؛ لأن العباس بن عبيد الله لم يدرك عمه الفضل"[المحلى (4/ 13)، تحفة التحصيل (169)، التهذيب (2/ 291)]، وأقره ابن حجر على انقطاعه.

قلت: هو ظاهر الانقطاع؛ كما تقدم بيانه.

وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 344): "إسناده ضعيف".

وأقره ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (3/ 354/ 1100)، ثم قال: "وعباس هذا: لا تعرف حاله، ولا ذُكر بأكثر من رواية محمد بن عمر هذا عنه، وروايته هو عن الفضل،

، ومحمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو حفص: مجهول الحال، وقد يظنه من لا يعلم: محمد بن عمر بن علي المقدَّمي، وليس به".

قلت: وهم في نسب محمد، وإنما هو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب [انظر: التهذيب (3/ 655)، الرد على ابن القطان للذهبي (29)].

وخالف هؤلاء فحسنه: النووي حيث قال في الخلاصة (1746)، وفي المجموع (3/ 222):"رواه أبو داود بإسناد حسن".

وقال ابن رجب في الفتح (2/ 711): "ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: وثقه

ص: 90

الدارقطني وغيره، وعباس بن عبيد الله بن عباس: روى عنه أيوب السختياني مع جلالته وانتقاده للرجال، حتى قال أحمد: لا تسأل عمن روى عنه أيوب، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد اختلف قول أحمد في هذا: فمرة قال: حديث أبي ذر يخالفه، ولم يعتد به: نقله عنه علي بن سعيد، ومرة عارض به حديث أبي ذر، وقدمه عليه: نقله عنه الحسن بن ثواب، لكن ليس في هذا الحديث أن الكلب كان أسود؛ فلذلك لم يرد به حديث أبي ذر في الكلب الأسود، ولم يجعله معارضًا له".

قلت: ما نقله أصحاب الإمام أحمد في تصحيح حديث أبي ذر وقبوله، أولى من مما نقله الحسن بن ثواب عنه، وانظر في هذا حديث أبي ذر المتقدم برقم (702)، وقد سبق التنبيه على أني لم أقف على رواية أيوب السختياني عن العباس، وأن هذا النقل قد يكون محض وهم وقع لابن حبان، والله أعلم.

وحاصل ما تقدم: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

• ومما لم يُذكر في هذه الأبواب من أحاديث القطع:

حديث أم سلمة:

يرويه وكيع، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن قيس، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر [بن أبي سلمة]، فقال بيده هكذا، قال: فرجع، قال: فمرت [زينب] ابنة أم سلمة، فقال بيده هكذا، قال: فمضت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"هن أغلب".

أخرجه ابن ماجه (948)، وأحمد (6/ 294)، وابن أبي شيبة (253/ 1/ 2918)(2/ 540 - 451/ 2935 - ط عوامة)، والطبراني في الكبير (23/ 362/ 851).

وعلقه ابن عبد البر في الاستذكار (2/ 278).

هكذا رواه عن وكيع بن الجراح: أحمد بن حنبل، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة.

• تنبيهات:

الأول: أخرج ابن ماجه الحديث عن ابن أبي شيبة عن وكيع به، لكن وقع عنده:"عن أبيه"، بدل:"عن أمه"، وهكذا هو في أكثر الأصول الخطية، وممن عزاه لابن ماجه هكذا بقوله:"عن أبيه":

الزيلعي في نصب الراية (2/ 85)، حيث قال:"ولم أجد في كتاب ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة إلا: محمد بن قيس عن أبيه"، قلت: هو في مصنف ابن أبي شيبة: "عن أمه".

وابن رجب في الفتح (2/ 712).

والبوصيري في مصباح الزجاجة (2/ 604/ 343)، وقال:"هذا إسناد ضعيف، وقع في بعض النسخ: عن أمه، بدل: عن أبيه، واعتمد المزي ذلك، وأخرج الحديث في ترجمة أم محمد بن قيس عن أم سلمة، ولم يسمها، وأبوه أيضًا: لا يعرف، والله أعلم".

ص: 91

والمناوي في الفيض (6/ 357).

وكذا هو في نسخة مغلطاي في شرحه للسنن (5/ 1623).

لكن وقع في بعض النسخ لابن ماجه: "عن أمه"، وممن اعتمدها: المزي في التحفة (12/ 164/ 18293 - دار الغرب)، وفي التهذيب (26/ 324).

الثاني: وقع في مطبوعة المعجم الكبير للطبراني: "عن محمد بن بكر، عن أبيه، عن أم سلمة"، وأخشى أن يكون وهمًا من الناسخ أو الناشر، فإن الطبراني ترجم له بقوله:"أم محمد بن قيس عن أم سلمة"، مما يقتضي كون الإسناد عنده هكذا:"محمد بن قيس، عن أمه، عن أم سلمة"، وقد رواه الطبراني من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة.

الثالث: وقع عند ابن ماجه وحده: "عن محمد بن قيس، هو: قاصُّ عمر بن عبد العزيز"، ولم أجده مقيدًا بهذا الوصف عند غيره.

ولذلك فإن المزي اعتمد ذلك في إيراد أسامة بن زيد الليثي، فيمن روى عن محمد بن قيس المدني قاص عمر بن عبد العزيز، وتبعه على ذلك جماعة، ويؤيد هذا القول: أن عبد الله بن أحمد سأل أباه، فقال:"سألت أبي عن محمد بن قيس الذي روى عنه أسامة بن زيد وأبو معشر وابن عجلان؟ فقال: هو المديني، قديم، لا أعلم إلا خيرًا"، وفرَّق بينه وبين محمد بن قيس بن مخرمة المطلبي المكي [العلل ومعرفة الرجال (2/ 505/ 3328 و 3329)، وانظر: التاريخ الكبير (1/ 212)، الجرح والتعديل (8/ 63)، التهذيب (3/ 681)].

لكن يُشكل عليه أن ابن سعد في الطبقات الكبرى (8/ 476) ترجم لأم محمد هذا بقوله: "أم محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمها درة بنت عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل: روت عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: مرَّ بعض بني سلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي"، فالله أعلم.

قال ابن القطان في بيان الوهم (5/ 2259/24): "وأم محمد بن قيس: لا تعرف البتة، فأما ابنها محمد: فإنني لا أعرف مَن هو مِن جماعة مسمَّين بهذا الاسم، وفي هذه الطبقة، وقد ذكر الحديثَ كما ذكره وكيعٌ: ابنُ أبي شيبة، والظنُّ بأبي محمد أنه لم يعرف هذا الإسناد، فلذلك تبرأ من عهدة الحديث بذكر جميعه، ولو عرفه اقتصر منه على أم سلمة، كغالب أمره فيما يذكره، و [على] هذا: فإن أسامة بن زيد الليثي مختلف فيه، فالحديث من أجله لو سلم من غيره لا يقال له: صحيح، وهو من أجل محمد بن قيس وأمه: ضعيف، فاعلم ذلك"[وانظر أيضًا: (4/ 85/ 1523) و (5/ 688)][وانظر: بغية النقاد النقلة (1/ 113/ 50) لابن المواق، حيث تعقب ابن القطان في بعض ما قال].

قلت: محمد بن قيس سواء كان هو: المدني قاص عمر بن عبد العزيز، أم: محمد بن قيس بن مخرمة، فكلاهما: ثقة، وأسامة بن زيد الليثي مولاهم: صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد أنكروا عليه أحاديث [تقدمت ترجمته مفصلة عند الحديث رقم (394 و 600 و 619)]، وأخاف أن يكون هذا من مناكيره؛ حيث تفرد به،

ص: 92

وقد أعرض عن حديثه هذا أرباب الصحاح، فلم يخرجه ابن خزيمة ولا ابن حبان ولا الحاكم، ولا غيرهم ممن صنف في الصحيح وكان شرطه دون شرط الشيخين، لا سيما وقد استشهد مسلم بأسامة من رواية ابن وهب عنه، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، فكيف يعرضوا عن حديثه هذا مع حاجتهم إليه؟ فإذا انضم إلى ذلك جهالة أم محمد بن قيس، وأنه لا يُعرف لها سماع من أم سلمة، كما أن سياق الحديث كأنه لها، وليس لأم سلمة، وكأن ذكر أم سلمة في إسناده مقحم، حيث يبدو من ظاهر السياق أن أم محمد بن قيس هي التي تحكي الواقعة، ولم تدركها، والله أعلم.

إذا تبين هذا دل على أنه: حديث ضعيف، والله أعلم.

• ومما روي في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير سترة:

حديث المطلب بن أبي وداعة:

يرويه ابن جريج [ثقة فقيه، مدلس، وقد صرح فيه بالسماع من كثير بن كثير]، وسالم بن عبد الله الخياط [صدوق، سيئ الحفظ]، وعمر بن قيس [المعروف بسندل: متروك]، وزهير بن محمد التميمي [والراوي عنه: الوليد بن مسلم الدمشقي وعمرو بن أبي سلمة التنيسي، ورواية أهل الشام عن زهير غير مستقيمة، والتنيسي يروي عنه أحاديث منكرة]، وعبد الملك ابن عم المطلب بن أبي وداعة [لم أعرفه]، ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير [متروك، منكر الحديث. اللسان (7/ 227 و 404)]:

عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه [وفي رواية لابن جريج: عن أبيه، وذكر أعمامه]، عن جده [المطلب بن أبي وداعة]، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في المسجد الحرام، والناس يطوفون بالبيت بينه وبين القبلة بين يديه، ليس بينه وبينهم سترة.

وفي رواية: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من سُبُعه جاء حتى يحاذِيَ بالركن، فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطواف أحد.

قال ابن ماجه بعده: "هذا بمكةَ خاصة".

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (8/ 7)، وأبو داود (2016)، والنسائي في المجتبى (2/ 67/ 758) و (5/ 235/ 2959)، وفي الكبرى (1/ 410/ 836) و (4/ 136/ 3939)، وابن ماجه (2958)، وابن خزيمة (2/ 15/ 815)، وابن حبان (6/ 127 و 128/ 2363 و 2364)، والحاكم (1/ 254)، وأحمد في المسند (6/ 399)، وفي العلل ومعرفة الرجال (3/ 456/ 5941)، وعبد الرزاق (2/ 35/ 2387)، والحميدي (578)، وابن أبي شيبة (3/ 371/ 15040)، والفاكهي في أخبار مكة (2/ 109 و 110/ 1231 و 1233)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (3/ 51)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 110/ 814)، وأبو يعلى (12/ 295/ 6875)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (557 و 558 - الجزء المفقود)، والطحاوي في مشكل الآثار (7/ 23 و 25)، وفي شرح معاني الآثار (1/ 461)، وابن قانع في المعجم (3/ 101) [لكنه أسقط من طريق سندل

ص: 93

رجلًا من الإسناد، وانظر: علل الدارقطني (14/ 43/ 3408)]، والطبراني في الكبير (20/ 288 و 289 و 290/ 680 و 682 و 683 و 685 و 687).

وفي رواية هشام بن حسان، قال: ثنا غير واحد من أهل مكة، منهم: عبد الملك ابن عم المطلب بن أبي وداعة، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم خرج من البيت فأتى المكان، وأشار إلى موضع سقاية خالد، قبالة الحجر الأسود، فصلى ركعتين، والرجال والنساء يمرون بين يديه، وما بينهم وبينه شيء. وفي رواية لابن جريج: أتى موضع الفسقينة.

• هكذا روى هذا الحديث عن ابن جريج جماعة من أصحابه الثقات الحفاظ، منهم: يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعيسى بن يونس، ويحيى بن سعيد الأموي، والليث بن سعد [من رواية عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عبد الحكم][طب (683)].

واختلف الثقات فيه على عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد [وهو صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة]، فرواه مرة عن الليث هكذا كالجماعة.

ورواه مرة أخرى عن الليث بن سعد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن غير واحد من أعيان بني المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة، أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى سعيه يصلي في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطوافين سترة.

أخرجه ابن المنذر في الأوسط (5/ 92 - 93/ 2441)، قال: حدثنا علان بن المغيرة [هو: علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المخزومي مولاهم المصري: ثقة]، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث به.

• وخالف جماعة الثقات عن ابن جريج: حماد بن زيد [ثقة ثبت، أثبت الناس في أيوب السختياني]، فرواه عن ابن جريج: حدثني كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه: حدثني أعيان المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حيال الركن، والرجال يمرون بين يديه.

أخرجه الطبراني في الكبير (20/ 290/ 684)، قال: حدثنا أحمد بن داود المكي [هو: أحمد بن داود بن موسى السدوسي البصري المكي: ثقة. المنتظم (12/ 345)، تاريخ الإسلام (21/ 57)، مغاني الأخيار (1/ 26)]: ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي: ثنا حماد به.

واختلف فيه على المقدمي:

فرواه أحمد بن داود المكي [ثقة]، ويوسف بن يعقوب القاضى [ثقة حافظ، وهو راوية المقدمي. تاريخ بغداد (14/ 310)، الإرشاد (2/ 608)، السير (14/ 85)، التذكرة (2/ 660)]، عن المقدمي به هكذا [كما عند الطبراني في الكبير، وذكره الدارقطني في العلل (14/ 43/ 3408)].

ص: 94

وخالفهما: معاذ بن المثنى بن معاذ العنبري [ثقة. تاريخ بغداد (13/ 136)، تاريخ الإسلام (21/ 308)، السير (13/ 527)]، فرواه عن المقدمي، عن حماد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، قال: حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب به.

ذكره الدارقطني في العلل (14/ 43/ 3408).

واختلف فيه على حماد بن زيد:

أ - فرواه محمد بن أبي بكر بن علي المقدمي [ثقة]: ثنا حماد به، كما تقدم على الاختلاف المذكور.

ب - ورواه أحمد بن حاتم بن مخشي [وفي رواية الطبراني: عيسى، بدل: مخشي][وهو غير أحمد بن حاتم الطويل، فرَّق بينهما ابن أبي حاتم، وجعلهما ابن حبان واحدًا، روى عنه أبو زرعة. الجرح والتعديل (2/ 48)، الثقات (8/ 11)]: نا حماد بن زيد: نا عمرو بن دينار، عن عثمان [وفي رواية الطبراني: عباد، وكذا هو في علل الدارقطني (14/ 43/ 3408)، ولم أجد من ترجم له] بن المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند حيال الركن عند السقاية، والنساء والرجال يمرون بين يديه.

أخرجه ابن قانع في المعجم (3/ 100)، والطبراني في الكبير (20/ 290/ 686).

قلت: هذه الرواية وهم على حماد بن زيد، ولا يُعرف من حديث عمرو بن دينار، فهو حديث غريب جدًّا.

قال الدارقطني في العلل (14/ 43 / 3408): "وهو غريب من حديث عمرو بن دينار، لا أعلم جاء به عنهم غير أحمد بن حاتم، عن حماد بن زيد، وقول ابن عيينة أصحها".

• قلت: وحاصل هذا الاختلاف على ابن جريج: أن المحفوظ ما رواه عنه جماعة الحفاظ، والله أعلم.

وقد احتج به من صححه على إباحة مرور المرء بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سترة يستتر بها.

• ورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه:

أ - فرواه الشافعي، والحميدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني [وهم أئمة أجلاء، ثقات حفاظ، أثبت أصحاب ابن عيينة]، وأبو بكر بن أبي شيبة [ثقة حافظ]، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني [صدوق، لازم ابن عيينة]، وإبراهيم بن بشار الرمادي [ثقة، من أصحاب ابن عيينة]، وسعدان بن نصر [صدوق. الجرح والتعديل (4/ 291)، سؤالات السلمي (142)، السير (12/ 357)]، وأحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي [ثقة]، وهارون بن عبد الله الحمال [ثقة]، ويونس بن عبد الأعلى [ثقة]، وغيرهم:

عن سفيان، قال: ثنا كثير بن كثير بن المطلب، عن بعض أهله؛ أنه سمع جده المطلب بن أبي وداعة، يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينه وبين الطواف سترة.

ص: 95

قال سفيان: وكان ابن جريج حدثنا أولًا: عن كثير عن أبيه عن المطلب، فلما سألته عنه؟ قال: ليس هو عن أبي [وفي رواية أحمد: ليس من أبي سمعته]، إنما أخبرني بعض أهلي أنه سمعه من المطلب. هكذا في حديث الحميدي، وأحمد، والعدني.

وقال ابن المديني: قال سفيان: فذهبت إلى كثير فسألته، قلت: حديث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي، عن جدي المطلب.

قال علي: "قوله: لم أسمعه من أبي، شديد على ابن جريج"، قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي:"يعني: ابن جريج لم يضبطه".

وفي رواية الرمادي: قال سفيان: فحدثنا كثير بن كثير بعد ما سمعته من ابن جريج، قال: أخبرني بعض أهلي، ولم أسمعه من أبي.

أخرجه أبو داود (2016)، وأحمد في المسند (6/ 399)، وفي العلل ومعرفة الرجال (3/ 456/ 5939 - 5941)، والشافعي في اختلاف الحديث (10/ 122 - 123/ 121 - أم)، والحميدي (578)، وابن أبي شيبة (3/ 371/ 15039)، والأزرقي في أخبار مكة (2/ 67)، والفاكهي في أخبار مكة (2/ 109/ 1231)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (3/ 51)، وأبو يعلى (13/ 119/ 7173)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (556 - الجزء المفقود)، والطحاوي في مشكل الآثار (7/ 23)، وفي شرح معاني الآثار (1/ 461)، وابن قانع في المعجم (3/ 101)، والبيهقي في السنن (2/ 273)، وفي المعرفة (2/ 120/ 1053 و 1054).

ب- ورواه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]:

عن ابن عيينة، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم . . . فذكره، وزاد في رواية: مما يلي باب سهم.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 35/ 2388 و 2389)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (5/ 93/ 2442)[لكن وقع عنده كرواية الجماعة عن ابن عيينة: عن كثير بن المطلب، عن بعض أهله، عن جده]، والطبراني في الكبير (20/ 289/ 681).

والمحفوظ: رواية الجماعة، ورواية عبد الرزاق وهم.

قلت: رواية ابن عيينة بيَّنت عوار رواية ابن جريج ومن معه، وأن كثير بن كثير لم يسمع هذا الحديث من أبيه، وإنما رواه عمن لم يسمه، عن جده المطلب، فسقط بذلك الاحتجاج بهذا الحديث لأجل هذا المبهم، والله أعلم.

قال ابن المديني: قال سفيان: فذهبت إلى كثير فسألته، قلت: حديث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي، عن جدي المطلب.

قال علي عقبه: "قوله: لم أسمعه من أبي، شديد على ابن جريج"، قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي:"يعني: ابن جريج لم يضبطه".

وقال البيهقي معقبًا: "وقد قيل: عن ابن جريج، عن كثير، عن أبيه، قال: حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب، ورواية ابن عيينة: أحفظ".

ص: 96

وقد ترجم البخاري في صحيحه بابًا في أبواب السترة، فقال:"باب السترة بمكة وغيرها"، ثم أخرج تحته حديث أبي جحيفة [صحيح البخاري (501)].

قال ابن حجر في الفتح (1/ 576) معلقًا على ترجمة البخاري: "فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث [يعني: حديث ابن أبي وداعة]، وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة".

قال الدارقطني في العلل (14/ 3408/42): "وقول ابن عيينة: أصحها".

وانظر: الأحكام الوسطى (1/ 344)، بيان الوهم (5/ 539/ 2771).

وقال العلائي: "فتبين أن الحديث مرسل"[جامع التحصيل (649)، تحفة التحصيل (269)].

وقال ابن رجب في الفتح (2/ 642): "وقد تبين برواية ابن عيينة هذه أنها أصح من رواية ابن جريج، ولكن يصير في إسنادها من لا يعرف".

وقال ابن حجر في الفتح (1/ 576) عن حديث ابن جريج: "ورجاله موثقون؛ إلا أنه معلول".

فهو حديث ضعيف.

وكثير بن المطلب بن أبي وداعة: روى عنه أولاده الثلاثة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين [التهذيب (3/ 466)]، لكن لا يثبت ذكره في هذا الحديث، وبقية رجاله ثقات، والله أعلم.

• ورواه عبد ربه بن عطاء الله القرشي، قال: حدثني أبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن جده: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وليس بينه وبين الذين يطوفون بالبيت سترة.

أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (554 - الجزء المفقود)، وابن شاهين في الناسخ (236)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (6/ 3045/ 7051).

عبد الرحمن بن المطلب: روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو معروف بتساهله في توثيق المجاهيل [التاريخ الكبير (5/ 350)، الجرح والتعديل (5/ 283)، الثقات (5/ 81)].

وأبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب: لا يُعرف إلا بهذا الإسناد [كنى البخاري (39)، الجرح والتعديل (9/ 381)، فتح الباب (3561)].

وعبد ربه بن عطاء الله القرشي: مجهول الحال [الجرح والتعديل (6/ 43)، تاريخ الإسلام (10/ 340)، التهذيب (2/ 482)، التقريب (356)].

فهو إسناد مجهول.

ولا يقال بأن هذا الإسناد يعضد الإسناد السابق؛ فقد يكون هؤلاء هم بعض آل المطلب الذين أبهمهم كثير، والله أعلم.

ص: 97

وانظر فيمن وهم في إسناده: معرفة الصحابة لأبي نعيم (6/ 3044/ 7050).

• ورواه أحمد بن حاتم بن مخشى: نا حماد بن زيد: نا عمرو بن دينار، عن عثمان [وفي رواية: عباد] بن المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند حيال الركن عند السقاية، والنساء والرجال يمرون بين يديه.

أخرجه ابن قانع في المعجم (3/ 100)، والطبراني في الكبير (20/ 290/ 686).

وهذا حديث غريب جدًّا، وهو وهم، تقدم الكلام عليه.

وانظر: أطراف الغرائب والأفراد (2/ 506/ 6501)، الحديث المتقدم برقم (684).

• وحاصل ما تقدم من أحاديث في الصلاة إلى غيرة سترة:

فأحاديث هذا الباب إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح، وغاية ما يمكن الاحتجاج به مما صح هو حديث ابن عباس [عند البخاري]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بمنى إلى غير جدار، لكنه كما قلت ليس صريحًا في بيان المراد، وقد تقدم بيان المراد من قوله: إلى غير جدار، وهو أنه صلى الله عليه وسلم صلى في أرض خلاء، ولم يذكر ابن عباس شأن السترة، وقد كانت عادته صلى الله عليه وسلم إذا صلى في أرض فضاء أن يصلي إلى العنزة، كما في حديث أبي جحيفة وحديث ابن عمر وغيرهما، وتقدم تفصيل القول فيه في موضعه، وأما ما جاء صريحًا في أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير سترة، فلا يصح من ذلك شيء، والله أعلم.

لكن الزهري قد احتج بحديث عائشة رضي الله عنها في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهي معترضة بين يديه، احتج به على جواز الصلاة إلى غير سترة، فقد سأله عبد الرحمن بن نمر عن إمام يصلي بلا سترة؟ فقال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله [مسند الشاميين (2890)][وتقدم تخريجه قريبًا تحت الحديث رقم (711)].

وهو دليل قوي في هذه المسألة، وهو صالح لصرف الأمر الوارد في حديث سبرة بن معبد مرفوعًا:"استتروا في صلاتكم، ولو بسهم"[وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (494)، وذكرته في شواهد الحديث رقم (688)]، فقد دل حديث سبرة هذا على وجوب اتخاذ السترة بدلالة الأمر والسياق، لكن دلالة هذا الأمر على الوجوب يمكن صرفها إلى الاستحباب إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلى غير سترة، وقد ثبت، كما في حديث عائشة، وقد احتج به الزهري على المطلوب، وعليه: فإن اتخاذ السترة مستحب، وليس بواجب، ومن صلى إلى غير سترة صحت صلاته، وأجزأته من غير إثم، لا سيما مع أمن أن لا يمر بين يديه أحد، والله أعلم.

قال ابن القاسم في المدونة (1/ 113): "وقال مالك: من كان في سفر فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة، وأما في الحضر فلا يصلي إلا إلى سترة.

قال ابن القاسم: إلا أن يكون في الحضر بموضع يأمن أن لا يمر بين يديه أحد، مثل الجنازة يحضرها فتحضره الصلاة خارجًا، وما أشبه ذلك، فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة".

ص: 98