الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
112 /
أَذْكَارُ طَرَفَيِ النَّهَارِ
إنَّ من الأذكار والأدعية الراتبة التي وظَّفها الشرعُ الحكيم على المسلم في يومه وليلته أذكارَ طرفي النهار، بل هي أوسعُ الأذكار المقيَّدة وأكثرُها وروداً في النصوص، حثًّا عليها وترغيباً فيها وذكراً لأنواع كثيرة من الأذكار تُقَال في هذين الوقتين الفاضلين.
يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} 1 والأصيل ما بين العصر وغروب الشمس.
ويقول تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ} 2، والإبكار: أوَّلُ النهار، والعشيُّ: آخره.
ويقول تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} 3، ويقول تعالى:{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} 4، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ومَحلُّ هذه الأوراد هو الصباحُ الباكرُ من بعد صلاة الصُّبحِ إلى قبل طلوع الشمس، والمساء ويقال العشي والآصال من بعد صلاة العصر إلى قبل الغروب، على أنَّ الأمر في ذلك واسعٌ إن شاء الله فيما لو نسي العبدُ ذلك في وقته أو عَرضَ له عارضٌ فلا بأس أن يأتي بأذكار الصباح بعد طلوع الشمس، وأذكار المساء بعد غروبها.
1 سورة: الأحزاب الآية (42 - 43) .
2 سورة: غافر، الآية (55) .
3 سورة ق، الآية (39) .
4 سورة الروم، الآية (17) .
وأما عن الأذكار المشروعة والأدعية المأثورة التي تقال في هذين الوقتين الفاضلين فهي كثيرة ومتنوعة، وسيأتي - إن شاء الله - طائفةٌ طيِّبةٌ منها، مع بيان شيء من معانيها العظيمة ودلالتها القويمة.
روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ"1.
فهذا من الأذكار العظيمة التي ينبغي أن يُحافظ عليها المسلمُ كلَّ صباح ومساء، ليكون بذلك محفوظاً - بإذن الله تعالى - من أن يصيبه فجأةُ بلاءٍ أو ضرُّ مصيبة أو نحو ذلك.
قال القرطبي رحمه الله عن هذا الحديث: "هذا خبَرٌ صحيحٌ وقولٌ صادق علمناه دليلَه دليلاً وتجربة، فإنِّي منذ سمعته عملت به فلم يضرَّني شيءٌ إلى أن تركته، فلدغتني عقربٌ بالمدينة ليلاً، فتفكرتُ فإذا أنا قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات"2.
وجاء في سنن الترمذي عن أبان بن عثمان رحمه الله – وهو راوي الحديث عن عثمان - أنَّه قد أصابه طرف فالج - وهو شللٌ يصيب أحد شقي الجسم - فجعل رجلٌ منهم ينظر إليه فقال له أبان: "ما تَنظر؟ أمَا إنَّ الحديثَ كما حدَّثتُك، ولكنِّي لَم أَقُلْه يومئذ ليمضي اللهُ عليَّ قَدَرَه".
والسُّنَّة في هذا الذِّكر أن يُقال ثلاثَ مرَّات كلَّ صباح ومساء، كما أرشدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ذلك.
1 أبو داود (رقم:5088) والترمذي (رقم:3388)، وصحَّحه العلَاّمة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (رقم:6426) .
2 انظر: الفتوحات الربانية لابن علان (3/100) .
وقوله في هذا الحديث "بسم الله" أي: بسم الله أستعيذ، فكلُّ فاعل يُقَدِّر فعلاً مناسباً لحاله عندما يُبَسمِل، فالآكِلُ يُقدِّر آكُلُ، أي: بسم الله آكُل، والذَّابحُ يُقَدِّرُ أَذبَحُ، والكاتبُ يُقَدِّرُ أكتُبُ، وهكذا.
وقوله: "الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ" أي: مَن تعوَّذ باسم الله فإنَّه لا تَضرُّه مُصيبةٌ من جهة الأرض ولا من جهة السماء.
وقوله: "وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ" أي: السَّميع لأقوال العباد، والعليمُ بأفعالِهم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السَّماء.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ"1.
وفي رواية للترمذي: "مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ حُمَةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةِ"2.
والحُمَةُ: لدغةُ كلِّ ذي سمٍّ كالعقرب ونحوها.
وقد أورد الترمذي عقب الحديث عن سُهيل بن أبي صالح ـ أحد رواته ـ أنَّه قال: "كان أهلُنا تعلَّموها، فكانوا يقولونَها كلَّ ليلةٍ، فلُدغَت جارِيَةٌ منهم، فلَم تَجِدْ لَها وجَعاً".
فالحديث فيه دلالةٌ على فضلِ هذا الدعاء، وأنَّ مَن قاله حين يُمسي يكون مَحفوظاً بإذن الله مِن أن يَضرَّه لَدْغُ حيَّةٍ أو عقرَبٍ أو نحوِ ذلك.
1 صحيح مسلم (رقم 2709) .
2 سنن الترمذي (رقم 3604)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (رقم:6427) .
وقوله في الحديث: "أعوذ" أي: ألتجئ، فالاستعاذةُ الالتجاءُ والاعتصامُ، وحقيقتُها: الهرَبُ مِن شيءٍ تَخافُه إلى مَن يَعْصِمُك منه ويَحمِيكَ من شَرِّه، فالعائِذُ بالله قد هَرَب مِمَّا يؤذيه أو يُهلكُه إلى ربِّه ومالكِه، وفَرَّ إليه، وألقى نفسَه بين يديه، واعتصم به، واستجار به، والتجأَ إليه.
والمراد بكلمات الله: قيل: هي القرآن الكريم، وقيل: هي كلماته الكونية القدرية، والمراد بالتامَّات أي: الكاملات التي لا يَلحقُها نَقصٌ ولا عيبٌ، كما يلحق كلامَ البشَر.
وقوله: "مِن شرِّ ما خَلقَ" أي: مِن كلِّ شرٍّ، في أيِّ مخلوق قام به الشَّرُّ من حيوان أو غيره، إنسياً كان أو جِنياً، أو هامةً أو دابَّةً أو ريحاً أو صاعقة، أيَّ نوعٍ كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة1.
وثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن خُبيب رضي الله عنه قال: "خَرْجَنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ، نَطْلُبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَيُصَلِيَ لَنَا، فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: قُلْ. فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ: قُلْ. فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ: قُلْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حَينِ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ"2.
ففي هذا الحديث فضيلة قراءة هذه السور الثلاث: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثلاثَ مرَّات كلَّ صباح ومساء، وأنَّ مَن حافظ عليها كَفَتْه بإذن الله من كلِّ شيء، أي أنَّها تدفع عنه الشرورَ والآفات، وبالله وحده التوفيق لا شريك له.
1 انظر: تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله (ص:213 - 214) .
2 سنن أبي داود (رقم:5082) وسنن الترمذي (رقم:3575)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب (رقم:649) .
113 / ومن أَذْكَار طَرَفَيِ النَّهَارِ
إنَّ مِن الأذكارِ العظيمة والدعواتِ المباركة التي ينبغي على المسلم أن يحافظ عليها كلَّ صباح ومساء ما ثبت في صحيح البخاري من حديث شداد ابن أوس رضي الله عنه عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: " سَيِّدُ الاسْتِغَفَارِ أَنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ"1.
فهذا دعاءٌ عظيمٌ جامعٌ لمعاني التوبةِ والتَّذَلُّلِ لله تبارك وتعالى والإنابة إليه، وَصَفَهُ صلى الله عليه وسلم بأنَّه سيِّدُ الاستغفار، وذلك لأنَّه قد فاق سائرَ صيغِ الاستغفار في الفضيلة، وعلا عليها في الرتبة، ومن معاني السيِّد، أي: الذي يفوق قومَه في الخير ويرتفع عليهم. ووجهُ أفضليةِ هذا الدعاء على غيره من صِيَغِ الاستغفار أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بدأه بالثَّناء على الله والاعتراف بأنَّه عبدٌ لله مربوبٌ مخلوق له عز وجل، وأنه سبحانه المعبود بحقٍّ ولا معبود بحقٍّ سواه، وأنَّه مقيمٌ على الوعد، ثابتٌ على العهد من الإيمان به وبكتابه وبسائر أنبيائه ورسله، وأنَّه مقيمٌ على ذلك بحسب طوقه واستطاعته، ثم استعاذ به سبحانه من شَرِّ كلِّ ما صَنَع من التقصير في القيام بما يجب عليه مِن شُكر الإنعام وارتكاب الآثام، ثم أَقَرَّ بترادف نِعمِه سبحانه وتوالي عطاياه ومِنَنِه، واعترف
1 صحيح البخاري (رقم:6306) .
بما يصيبُ من الذنوب والمعاصي، ثم سأله سبحانه المغفرةَ مِن ذلك كلِّه، معترفاً بأنَّه لا يغفرُ الذنوبَ سواه سبحانه.
وهذا أكملُ ما يكون في الدُّعاء، ولهذا كان أعظمَ صِيغ الاستغفار وأفضلَها وأجمعَها للمعاني الموجبة لغفران الذنوب.
وقوله في أول هذا الدعاء "اللَّهمَّ" هي بمعنى يا الله، حذف منها ياءَ النداء وعوض عنها بالميم المشددة، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما؛ لأنَّه لا يجمع بين العِوَض والمعوَّض عنه، ولا تستعمل هذه الكلمة إلَاّ في الطلب، فلا يقال: اللَّهم غفور رحيم، وإنَّما يقال: اللَّهم اغفر لي وارحمني ونحو ذلك.
وقوله: "أنتَ ربِّي لا إلَه إلَاّ أنت خلقتَنِي وأنا عبدُك" فيه تذَلُّلٌ وخضوعٌ، وانكسارٌ بين يدي الله، وإيمان بوحدانيته سبحانه في ربوبيَّتِه وألوهيته، فقوله:"أنت ربِّي" أي: ليس لي ربٌّ ولا خالق سواك، والربُّ هو المالك الخالقُ الرازقُ المدبِّر لشؤون خلقه، فهذا إقرارٌ بتوحيد الربوبية، ولهذا أعقبه بقوله "خلقتنِي" أي: أنت ربِّي الذي خلقتنِي ليس لي خالقٌ سِواك.
وقوله: "لا إله إلَاّ أنت" أي: لا معبود بحقٍّ سواك، فأنت وحدك المستحق للعبادة، وهذا تحقيقٌ لتوحيد الألوهية؛ ولهذا أعقَبَه بقوله "وأنا عبدك" أي: وأنا عابدٌ لك، فأنت المعبودُ بحقٍّ ولا معبودَ بحقٍّ سواك.
وقوله: "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت" أي: وأنا على ما عاهدتُك عليه وواعدتُك من الإيمان بك والقيام بطاعتك وامتثال أوامرك، "ما استطعت" أي: على قَدْر استطاعتِي، فإنَّه سبحانه لا يكلِّف نفساً إلَاّ وُسْعَها.
وقوله: "أعوذ بك من شرِّ ما صنعت" أي: ألتجئُ إليك يا الله، وأَعتَصِمُ بك من شَرِّ الذي صنعتُه مِن شَرِّ مَغَبَّتِه، وسوء عاقبته، وحلول عقوبته، وعدم مغفرته، أو من العَوْد إلى مثله من شر الأفعال، وقبيح الأعمال، ورديء الخصال.
وقوله: "أبوء لك بنعمتك عليَّ" أي: أعترف بعظم إنعامك عليَّ وترادف فضلك وإحسانك، وفي ضِمن ذلك شكر المنعم سبحانه والتَّبَرِّي من كفران النِّعَم.
وقوله: "وأبوء بذنبِي" أي: أقرُّ بذنبِي، وهو ما ارتكبتُه من إثم وخطيئة، من تقصير في واجب أو فعلٍ لمحظور، والاعترافُ بالذَّنب والتقصيرُ سبيلٌ إلى التوبة والإنابة، ومَن اعترف بذنبه وتاب منه تاب الله عليه.
وقوله: "فاغفر لي" أي: يا الله، جميعَ الذنوب فإنَّ رحمتَك واسعةٌ، وصفحَك كريمٌ، ولا يتعاظمُك ذنبٌ أن تغفرَه، فأنت الغفورُ الرحيم، ولا يغفر الذنوب إلَاّ أنت، يقول الله تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللَّهُ} 1.
ثم إنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قد ختم هذا الدعاءَ ببيان الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يناله من يحافظ عليه كلَّ صباح ومساء، فقال:"من قالها - أي: هؤلاء الكلمات - من النهار، موقناً بها - أي: مصدقاً بها ومعتقداً لها، لكونها من كلام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلَاّ وحي يوحى، صلوات الله وسلامه عليه - فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة".
1 سورة: آل عمران الآية (135) .
وإنَّما حاز المحافظُ على هذا الدعاء هذا الموعود الكريم والأجر العظيم والثواب الجزيل؛ لأنَّه افتتح نهارَه واختتمه بتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته والاعترافِ بالعبودية ومشاهدة المنة والاعتراف بالنعمة، ومطالعة عيب النفس وتقصيرها، وطلب العفو والمغفرة من الغفار، مع القيام على قدم الذل والخضوع والانكسار، وهي معان جليلةٌ وصفاتٌ كريمة يفتتح بها النهار ويختتم، جدير صاحبها أو المحافظ عليها بالعفو والغفران، والعتق من النيران، والدخول للجنان1، نسأل الله الكريم من فضله.
1 انظر: كتاب نتائج الأفكار في شرح حديث سيِّد الاستغفار للسفاريني كاملاً.
114 / ومن أَذْكَار طَرَفَيِ النَّهَارِ
لا يزال الحديثُ موصولاً حول بيان الأذكار المتعلقة بطرفي النهار.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كَانَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمْسَى قَالَ: "أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ للهِ، وَالحَمْدُ للهِ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي القَبْرِ"، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضاً: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ"1.
وهذا دعاءٌ نافع وذكرٌ عظيم ووِردٌ مبارَك، يَحسنُ بالمسلم أن يُحافِظَ عليه كلَّ صباح ومساء تأسياً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم واقتداءً بهديه القويم.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم في أوَّل هذا الدعاء "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله" أي: دخلنا في المساء، ودخل فيه المُلْك كائناً لله ومختصاً به، وهذا بيان لحال القائل: أي عرفنا وأقررنا بأنَّ المُلْكَ لله، والحمد له لا لغيره، فالتجأنا إليه وحده، واستعنَّا به، وخصصناه بالعبادة والثناء عليه والشكر له، ولهذا أعلن بعد ذلك إيمانه وتوحيده فقال:"لا إله إ لا الله وحده لا شريك له" أي: لا معبود بحقٍّ إلَاّ الله، وينبغي أن نلاحظ أنَّ كلمةَ التوحيد لا إله إلَاّ الله مشتملةٌ على رُكنَيْن، لا يتحقق التوحيدُ إلَاّ بهما، وهما النفي والإثبات، فـ " لا إله " نافيةٌ لجميع المعبودات، و" إلَاّ الله " مثبتةٌ العبادة لله سبحانه،
1 صحيح مسلم (رقم:2723) .
ولعِظَم هذا الأمر وجَلالة شأنه أكَّدَه بقوله "وحده لا شريك له"، فقوله "وحده" فيه تأكيد للإثبات، وقوله:"لا شريك له" فيه تأكيد للنفي، وهذا تأكيد من بعد تأكيد اهتماماً بمقام التوحيد وتعليةً لشأنه.
ولَمَّا أَقَرَّ لله بالوحدانية أَتْبَعَ ذلك بالإقرار له بالملك والحمد والقُدرة على كلِّ شيء، فقال:"له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير" فالمُلكُ كلُّه لله، وبيده سبحانه ملكوت كلِّ شيء، والحمد كلُّه له ملكاً واستحقاقاً، وهو سبحانه على كلِّ شيء قدير، فلا يخرج عن قدرته شيءٌ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} 1.
وفي الإتيان بهذه الجملة المتقدِّمة بين يَدي الدعاء فائدةٌ عظيمة، فهو أبلغُ في الدعاء، وأرجى للإجابة، ثمَّ بدأ بعد ذلك بذكر مسألته وحاجاته، فقال:"ربِّ أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها" أي: أسألك خير ما أردتَ وقوعه في هذه الليلة للصالحين من عبادك من الكمالات الظاهرة والباطنة، ومن المنافع الدينية والدنيوية، "وخير ما بعدها" أي: ما بعدها من اللَّيالي.
"وأعوذ بك من شرِّ ما في هذه الليلة وشرِّ ما بعدها" أي: وأعتَصِمُ بك وألتجئُ إليك من شرِّ ما أردتَ وقوعه فيها من شرور ظاهرة أو باطنة.
وقوله: "ربِّ أعوذ بك من الكَسَل وسوء الكبر"، والمراد بالكسل عدم انبعاث النفس للخير مع ظهور القدرة عليه، ومَن كان كذلك فإنَّه لا يكون معذوراً، بخلاف العاجز، فإنَّه معذورٌ لعدم قدرته، والمرادُ بسوء الكِبَر، أي: ما يورثه كبرُ السن من ذهاب العقل، واختلاطِ الرأي، وغير ذلك مِمَّا يسوء به الحال.
1 سورة: فاطر الآية (44) .
وقوله: "ربِّ أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر" أي: أستَجير بك يا الله من أن ينالَنِي عذابُ النار وعذابُ القبر، وإنَّما خَصَّهما بالذِّكر مِِن بين سائر أعذبة يوم القيامة لشدتهما، وعظم شأنهما، فالقبرُ أوَّلُ منازل الآخرة، ومَن سَلِم فيه سلم فيما بعده، والنَّارُ أَلَمُها عظيمٌ وعذابُها شديد، حَمانا الله وإياكم ووقانا ووقاكم.
ويُستَحبُّ للمسلم إذا أصبح أن يقول ذلك، إلَاّ أنَّه يقول:"أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير، ربِّ أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شرِّ ما في هذا اليوم وشرِّ ما بعدها، ربِّ أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، ربِّ أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر".
ومن أذكار طرفي النَّهار ما رواه ابن السنِّي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "من قال في كلِّ يومٍ حين يصبح وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلَاّ هو عليه توكّلت وهو ربُّ العرش العظيم سبع مرّات كفاه الله عز وجل ما همّه من أمر الدنيا والآخرة"1.
فهذا الذكر المبارك له أثرٌ بالغٌ ونفعٌ عظيمٌ في كلِّ ما يهمّ المسلم من أمر الدنيا والآخرة، ومعنى حسبي الله؛ أي: كافيني.
ومن الأذكار العظيمة المشروعة في الصباح والمساء أن يقول المسلم إذا أصبح وإذا أمسى: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ
1 عمل اليوم والليلة (رقم:71) ، وقد روي مرفوعاً وموقوفاً، وصحَّحه الألباني رحمه الله الضعيفة (رقم:5286) عن أبي الدرداء موقوفاً، ومثله لا يُقال بالرأي.
وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَاّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ "1.
وفي هذا الذِّكرُ العظيمُ جَمْعٌ بين التسبيح والحمد، والتسبيح فيه تَنْزيهٌ لله عن النَّقائص والعيوب، والحمدُ فيه إثباتُ الكمال له سبحانه، وتعيين المائة لحكمة أرادها الشارعُ، وخفي وجهها علينا.
والسُّنَّةُ أن يَعقِدَ هذه التسبيحات بيده تأسِّياً به صلى الله عليه وسلم، لا بالسُّبْحَة أو الآلة أو نحو ذلك مِمَّا يفعله كثيرٌ من الناس، ففي سنن أبي داود عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما قال:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بِيَمِينِهِ"2.
ومن المعلوم لدى كلِّ مسلم أنَّ خيرَ الهدي هو هَديُه صلى الله عليه وسلم، رزقنا الله وإياكم التمسكَ بسنَّته، ولزومَ نَهجِه، واقتفاءَ آثاره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
1 صحيح مسلم (رقم:2692) .
2 سنن أبي داود (رقم:1502)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود (رقم:1330) .
115 / ومن أَذْكَار طَرَفَيِ النَّهَارِ
إنَّ مِن الأذكار العظيمة والأوراد المباركة التي كان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَحُثُّ أصحابَه على تعلُّمِها والمحافظة عليها كلَّ صباح ومساء ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المخرَّجِ في سنن الترمذي وسنن أبي داود وغيرهما أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان يُعَلِّم أصحابه، يقول:"إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ المَصِيرُ"1.
فهذا دعاءٌ نبَوِيٌّ عظيمٌ، وذِكرٌ مُبَارَكٌ، يَجدُرُ بالمسلم أن يُحافظَ عليه كلَّ صباح ومساء، ويتأمَّلَ في معانيه الجليلة ودلالاته العظيمة، وكيف أنَّه قد اشتمل على تَذكير المسلم بعظيم فَضلِ الله عليه وواسِعِ مَنِّه وإكرَامِه، فنَوْمُ الإنسانِ ويقظَتُه، وحركتُه وسكونُه، وقيامُه وقعودُه إنَّما هو بالله عز وجل، فما شاء الله كان، وما لَم يشأ لَم يكن، ولا حولَ ولا قوةَ إلَاّ بالله العظيم.
وقوله في الحديث: "بك أصبحنا" أي: بنعمتك وإعانتك وإمدادِك أصبحنا أي أدركنا الصباح، وهكذا المعنى في قوله "وبك أمسينا".
وقوله: "وبك نَحيا وبك نموت" أي حالُنا مُستَمرٌّ على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، في حركاتنا كلِّها وشؤوننا جَميعها، فإنَّما نحن بك، أنت المعين وحدَك، وأَزِمَّةُ الأمور كلّها بيدك، ولا غِنَى لنا عنك طَرْفَة عَيْن، وفي هذا من الاعتماد على الله واللُّجوء إليه والاعتراف بِمَنِّه وفَضله ما يُحقِّقُ للمرء إيمانَه ويُقوِّي يقينَه ويُعْظِمُ صِلتَه بربِّه سبحانه.
1 سنن الترمذي (رقم:3391) وسنن أبي داود (رقم:5068)، وحسَّنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (رقم:353) .
وقوله في الحديث: "وإليك النشور" أي المَرجِع يوم القيامة، ببَعْثِ النَّاس من قبورهم، وإحيائهم بعد إماتَتِهم.
وقوله: "وإليك المصير" أي المرْجِعُ والمآب، كما قال تعالى:{إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} 1.
وقد جعل صلى الله عليه وسلم قوله "وإليك النشور" في الصباح، وقوله:"وإليك المصير" في المساء رعايةً للتَّناسب والتشاكل؛ لأنَّ الإصباحَ يُشبه النشرَ بعد الموت، والنوم موتةٌ صغرى، والقيامَ منه يشبه النشرَ من بعد الموت، قال تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} 2.
والإمساءَ يُشبه الموتَ بعد الحياة؛ لأنَّ الإنسانَ يصير فيه إلى النَّوم الذي يشبه الموت والوفاة. فكانت بذلك خاتمةُ كلِّ ذِكرٍ متجانسةً غايةَ المجانسة مع المعنى الذي ذكر فيه.
ومِمَّا يُوَضِّح هذا ما ثبت عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقول عند قيامه من النوم: "الحمدُ لله الَّذي أَحْيَانا بعد ما أمَاتَنَا وإليه النُّشور"، فسُمِّيَ النوم موتاً والقيامُ منه حياةً من بعد الموت، وسيأتي الكلامُ على هذا الحديث وبيانُ معناه عند الكلام على أذكار النوم والانتباه منه إن شاء الله.
ومِن أذكار الصباح والمساء ذلكمُ الذِّكرُ العظيمُ، والدعاءُ النافع الذي علَّمه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما سأله أن يُرْشدَه إلى كلمات
1 سورة: العلق، الآية (8) .
2 سورة: الزمر، الآية (42) .
يقولوها كلَّ صباح ومساء، فقد روى الترمذي وأبو داود وغيرُهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: "يَا رَسُولَ اللهِ! مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ. قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وشِرْكِهِ". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءاً، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ". قَالَ: "قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجِعَكَ"1.
فهذا دعاءٌ عظيمٌ يُستحبُّ للمسلم أن يقولَه في الصباح والمساء وعند النوم، وهو مشْتَملٌ على التعوُّذ بالله والالتجاء إليه والاعتصام به سبحانه من الشرور كلِّها، من مصادرها وبداياتها ومن نتائجها ونهايتها، وقد بدأه بتَوَسُّلات عظيمة إلى الله جل وعلا، بذكرِ جُملةٍ من نُعوتِه العظيمة وصفاته الكريمة، الدَّالَة على عَظمته وجلاله وكماله، فتوسل إليه بأنَّه "فاطرُ السَّموات والأرض"، أي خالقُهُما ومُبْدعهما وموجدُهما على غير مثال سابق، وأنَّه "عالِمُ الغيب والشهادة"، أي لا يخفى عليه خافية، فهو عليمٌ بكلِّ ما غاب عن العباد وما ظهر لهم، فالغيبُ عنده شهادة، والسِّرُّ عنده علانية، وعِلمُه سبحانه مُحيطٌ بكلِّ شيء، وتوسَّل إليه بأنَّه "ربُّ كلِّ شيء ومليكُه" فلا يَخرج شيءٌ عن ربوبيَّته، وهو المالكُ لكلِّ شيء، فهو سبحانه ربُّ العالمين، وهو المالكُ للخَلق أجمعين، ثمَّ أعلن بعد ذلك توحيدَه وأَقَرَّ له بالعبودية، وأنَّه المعبودُ بحقٍّ ولا معبودَ بحقٍّ سواه فقال:"أشهد أن لا إله إلَاّ أنت"، وكلُّ ذلك جاء مقدِّمةٍ بين يدي الدعاءِ، مُظهراً فيه العبدُ فاقتَه وفَقرَه
1 سنن الترمذي (رقم:3392)(رقم:3529)، وسنن أبي داود (رقم:5067) (رقم:5083)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي (رقم:2701) .
واحتياجَه إلى ربِّه، معترفاً فيه بجلاله وعَظَمته، مُثبتاً لصفاته العظيمة ونعوته الكريمة، ثمَّ ذكر بعد ذلك حاجتَه وسؤالَه، وهو أن يُعيذَه اللهُ من الشرور كلِّها فقال:"أعوذ بك من شَرِّ نفسي وشَرِّ الشيطان وشِرْكِه، وأن أقْتَرفَ على نفسي سوءاً أو أجُرَّه إلى مسلم" وفي هذا جمعٌ بين التعوُّذ بالله من أصول الشَّرِّ ومنابعه، ومن نهاياته ونتائجه، يقول ابن القيم رحمه الله في التعليق على هذا الحديث:"فذَكَرَ ـ أي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مَصْدَرَي الشَّرِّ وهما النفسُ والشيطان، وذَكَر مَوْرِدَيْه ونِهَايَتَيْه وهما عَوْدُه على النفس أو على أخيه المسلم، فجمع الحديثُ مصادرَ الشَّرِّ ومَوارِدَه في أوجز لفظه وأخصره وأجمعه وأبينه"1. فالحديثُ فيه تعوذ بالله عز وجل من أربعة أمور تتعلق بالشر:
الأول: شَرُّ النفس، وشَرُّ النفس يُولِّد الأعمالَ السيِّئَةَ والذُّنوبَ والآثامَ.
والثاني: شَرُّ الشيطان، وعداوةُ الشيطان للإنسان مَعلومةٌ بتحريكه لفِعل المعاصي والذُّنوب وتَهيِيجِ الباطل في نفسه وقَلْبِه.
وقوله: "وشِرْكه" أي ما يدعو إليه من الشِّرك، ويُروَى بفتح الشين والراء "وشَرَكه" أي: حبائلُه.
والثالث: اقترافُ الإنسان السوءَ على نفسه، وهذه نتيجةٌ من نتائج الشَّرِّ عائدةٌ إلى نفس الإنسان.
والرابع: جرُّ السُّوء على المسلمين، وهذه نتيجةٌ أخرى من نتائج الشَّرِّ عائدةٌ إلى الآخرين.
وقد جمع الحديثُ التعوذَ بالله من ذلك كلِّه، فما أجْمَعَه من حديث، وما أعظمَ دِلالته، وما أكملَ إحاطته بالتَّخَلُّص من الشَّرِّ كلِّه.
1 بدائع الفوائد (2/209) .
116 / ومن أَذْكَارِ طَرَفَيِ النَّهَارِ
إنَّ من الدعوات العظيمة التي كان يحافظ عليها النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كلَّ صباح ومساء، بل كان لا يَدَعُها كلَّ ما أصبح وأمسى، ما ثبت في سنن أبي داود وسنن ابن ماجه وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنَ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي"1.
وقد بدأ صلى الله عليه وسلم هذا الدعاءَ العظيمَ بسُؤال الله العافية في الدنيا والآخرة، والعافيةُ لا يَعدِلُها شيءٌ، ومن أُعطي العافيةَ في الدنيا والآخرة فقد كَمُلَ نَصِيبُه من الخير، روى الترمذي في سننه عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عمِّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال:" قلتُ يا رسول الله، علِّمنِي شيئاً أسألُه اللهَ عز وجل، قال: سَلِ اللهَ العافيةَ، فمَكثْتُ أياماً، ثمَّ جِئتُ فقلت: يا رسول الله علِّمْنِي شيئاً أسأله اللهَ، فقال لي: يا عبَّاسُ يا عمَّ رسولِ الله، سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرَة"2.
وفي المسند وسنن الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
1 سنن أبي داود (رقم:5074)، وسنن ابن ماجه (رقم:3871) ، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح ابن ماجه (رقم:3121) .
2 سنن الترمذي (رقم:3514)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي (رقم:2790) .
قال: "سَلُوا الله العَفْوَ والعافيةَ، فإنَّ أحداً لَم يُعْطَ بعد اليَقين خَيراً من العافية"1.
والعَفْوُ: مَحْوُ الذنوب وسترُها، والعافيةُ: هي تأمين الله لعبده مِن كلِّ نِقْمَةٍ ومِحنَة، بصرف السُّوء عنه ووقايته من البلايا والأسقام وحفظه من الشرور والآثام.
وقد سأل صلى الله عليه وسلم العافيةَ في الدنيا والآخرة، والعافيةَ في الدِّين والدنيا والأهلِ والمال، وأمَّا سؤال العافية في الدِّين فهو طلبُ الوقاية من كلِّ أمرٍ يَشِينُ الدِّينَ أو يُخِلُّ به، وأمَّا في الدنيا فهو طَلَب الوقاية من كلِّ أمرٍ يَضُرُّ العبدَ في دنياه مِن مُصيبة أو بَلاء أو ضَرَّاء أو نحو ذلك، وأمَّا في الآخرة فهو طَلَبُ الوقاية من أَهوال الآخرة وشدائدها وما فيها من أنواع العقوبات، وأمَّا في الأهل فبِوِقَايَتِهم مِن الفتَن وحِمايَتِهم من البَلَايَا والمحن، وأمَّا في المال فبِحفظِه مِمَّا يُتْلِفُه مِن غَرَقٍ أو حَرْقٍ أو سَرِقَةٍ أو نحو ذلك، فجَمَع في ذلك سؤالَ الله الحفظَ من جَميع العَوارِض المُؤْذِيَة والأخطار المُضِرَّة.
وقوله: "اللَّهمَّ استر عوراتي" أي: عيوبِي وخَلَلِي وتقصيري وكلُّ ما يُسوءُنِي كشفه، ويدخل في ذلك الحفظ من انكشاف العورة، وهي في الرَّجل ما بين السُّرَّة إلى الرُّكبة، وفي المرأة جَميع بدنها، وحَريٌّ بالمرأة أن تُحافظ على هذا الدُّعاء، ولا سيما في هذا الزمان الذي كَثُرَ فيه في أنحاء العالم تَهَتُّك النساء وعدَمُ عنايتِهِنَّ بالسَّتْرِ والحجاب، فتلك تُبْدِي ساعدَها، والأخرى تَكشِف ساقَها، وثالثةٌ تُبْدِي صَدْرَها ونَحْرَها، وأخرياتٌ يَفعلنَ ما هو أشدُّ
1 مسند أحمد (1/3)، وسنن الترمذي (رقم:3558) ، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (رقم:3632) .
وأقبحُ من ذلك، بينما المسلمةُ الصيِّنَة العفيفة تتجَنَّب ذلك كلَّه، وهي تسأل اللهَ دائماً وأبداً أن يَحفظَها من الفتن، وأن يَمُنَّ عليها بسَتْرِ عوْرَتِها.
وقوله: "وآمن رَوْعاتي" هو مِن الأمن ضدُّ الخوف، والرَّوْعَاتُ جَمع رَوْعَة، وهو الخوفُ والحزن، ففي هذا سؤالُ الله أن يُجَنِّبَه كلَّ أمر يُخيفُه، أو يُحزنُه، أو يُقْلقُه، وذِكْرُ الرَّوْعات بصيغة الجمع إشارةٌ إلى كثرتها وتعدُّدِها.
وقوله: "اللَّهمَّ احفظني من بين يدي ومن خَلفي وعن يَمينِي وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أُغْتال من تحتي" فيه سؤالُ الله الحفظَ من المهالكِ والشُّرورِ التي تعرض للإنسان من الجهات السِّت، فقد يأتيه الشَّرُّ والبلايا من الأمام، أو من الخلف، أو من اليمين، أو من الشمال، أو من فوقه، أو من تحته، وهو لا يدري من أيِّ جهة قد يَفْجَأُه البلاءُ أو تَحُلُّ به المصيبة، فسأل ربَّه أن يَحفظَه من جميع جهاته، ثم إنَّ مِن الشَّرِّ العظيم الذي يحتاج الإنسانُ إلى الحفظ منه شرَّ الشيطان الذي يَتَرَبَّصُ بالانسان الدوائر، ويأتيه من أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله؛ ليُوقِعَه في المصائب، وليَجُرَّه إلى البلايا والمهالك، وليُبْعِدَه عن سبيل الخير وطريق الاستقامة، كما في دعواه في قوله:{ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} 1.
فالعَبدُ بحاجة إلى حِصن مِن هذا العدوِّ، ووَاقٍ له من كَيْده وشَرِّه، وفي هذا الدعاء العظيم تَحصينٌ للعبد من أن يَصِلَ إليه شَرُّ الشَّيطان من أيِّ جهة من الجهات؛ لأنَّه في حفظ الله وكَنَفِه ورعايته.
وقوله: "وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتِي" فيه إشارةٌ إلى عظم
1 سورة: الأعراف، الآية (17) .
خُطورة البلاء الذي يَحلُّ بالإنسان من تحته، كأن تُخسَف به الأرض من تحته، وهو نوعٌ من العقوبة التي يُحِلُّها الله عز وجل ببعض مَن يَمشون على الأرض، دون قيام منهم بطاعة خالقها ومُبدعها، بل يَمشون عليها بالإثم والعدوان والشَّرِّ والعصيان، فيُعاقَبون بأن تُزَلْزَلَ من تحتهم أو أن تُخسَفَ بهم جزاءً على ذنوبهم، وعقوبةً لهم على عصيانهم كما قال الله تعالى:{فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 1.
ومن الأذكار العظيمة التي يَجدُرُ بالمسلم أن يُحافظَ عليها كلَّ صباح ومساء ما ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال لا إله إلَاّ الله وحدَه لا شَريكَ له، له المُلْكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قديرٌ، مَن قالَها عشرَ مرَّات حين يُصبح كَتَبَ الله له مائةَ حسنة، ومَحَا عنه مائة سيِّئَة، وكانت له عدلُ رَقبة، وحُفظ بِها يومَئذ حتى يُمسي، ومَن قالَها مثلَ ذلك حين يُمسي كان له مثل ذلك"2.
ومن الأذكار العظيمة التي يُشرع للمسلم أن يقولَها كلَّ صباح مائة مرَّة3، ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: " مَن قال لا إله إلَاّ الله وحده لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ وهو
1 سورة: العنكبوت، الآية (40) .
2 المسند (2/360) ، وصحَّحه الألباني رحمه الله في الصحيحة (6/1/136، 137) .
3 وهو ليس مختصًّا بوقت الصباح، لكن الإتيان به في الصباح أفضل؛ لِمَا في ذلك من المبادرة بالخير، وليحصل أجره من أوَّلِ يومه، وليكون حرزاً له من الشيطان من بداية اليوم، ولهذا أورده العلماء في جملة أذكار الصباح.
على كلِّ شيء قديرٌ في يوم مائة مرَّة كانت له عدل عَشر رقاب، وكُتِبَت له مائةُ حسنة، ومُحيت عنه مائةُ سيِّئة، وكانت له حِرْزاً من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمْسي، ولَم يَأت أحدٌ بأفضَلَ مِمَّا جاء به، إلَاّ رجلٌ عَمِلَ أكثرَ من ذلك، ومَن قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرَّة، حُطَّت خطاياه ولو كانت مثلَ زَبَدِ البحر" 1.
وفي هذا دلالةٌ على عِظم شَأن كلمة التوحيد لا إله إلَاّ الله، التي هي أَجَلُّ الكلمات على الإطلاق، وأفضل ما قاله النبيُّون، ولأجلها قامت الأرضُ والسموات، وخُلقت الخلَائقُ والبَرِيَّات، وأهلُها هم أهلُ السعادة والفلاح، والفوزِ في الدنيا والآخرة، فكلمةٌ هذا شأنُها حَريٌّ بالمسلم أن تَعظُمَ عِنايتُه بها، والله وحده بيده التوفيقُ والسداد.
1 صحيح البخاري (رقم:3293)، وصحيح مسلم (رقم:2691) .
117 / ومن أذكار الصباح
إنَّ من الأذكار العظيمة التي كان يقولها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كلَّ صباح، ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن أَبْزى رضي الله عنه قال:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الإِخْلَاصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ"1.
وما أجْمَلَ أن يَفتَتِحَ المسلمُ يومَه بهذه الكلمات العظيمة، المشتملة على تجديد الإيمان، وإعلان التوحيد، وتأكيدِ الالتزامِ بدين محمد صلى الله عليه وسلم، والاتِّباع لِمِلَّّة إبراهيم الخليل عليه السلام، الحنيفية السمحة، والبُعدِ عن الشرك كلِّه صغيره وكبيره.
فهي كلماتُ إيمانٍ وتوحيد، وصدقٍ وإخلاص، وخضوعٍ وإذعان، ومتابعةٍ وانقياد، جديرٌ بِمَن يُحافظ عليها أن يتأمَّل في دلالاتها العظيمة ومعانيها الجليلة.
وقوله: "أصبحنا على فطرة الإسلام" أي: مَنَّ الله علينا بالإصباح ونحن على فطرة الإسلام مستمسكين بها، محافظين عليها، غير مُغيِّرين ولا مُبَدِّلين.
وقوله: "فطرة الإسلام" أي: دين الإسلام الذي فطر الله الناس عليه، وذلك بأن يقيمَ المرءُ وجهَه لدين الله حنيفاً، بالتوجُّه بالقلب والقصد والبدن إلى الالتزام بشرائع الدين الظاهرة والباطنة، كما قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
1 مسند أحمد (3/407)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (رقم:4674) .
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 1.
قال ابن كثير رحمه الله في معنى الآية: "يقول تعالى فسَدِّد وجهك واستمر على الدِّين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملَّة إبراهيم الذي هداك الله لها وكمّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازمٌ فطرتَك السليمة التي فطر الخلقَ عليها، فإنَّه تعالى فطر خلقَه على معرفته وتوحيده، وأنَّه لا إله غيره"2 اهـ كلامه رحمه الله.
فهذا الأصل في جميع الناس، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عَرَضَ لفطرته فأفسدها، كما في حديث عياض المجاشعي رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِّه أنَّه قال:"إنَّي خَلقْتُ عبادي حُنفاء كلَّهم، وإنَّهم أَتَتْهُم الشياطينُ فاجْتَالَتْهم عن دينهم، وحرَّمَتْ عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يُشركوا بي ما لَم أُنزِل به سلطاناً" رواه مسلم في صحيحه3.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا من مَولُود إلَاّ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه"4.
ولا شكَّ أنَّ نعمة الله على عبده عظيمةٌ أن يُصبحَ حين يُصبحُ وهو على فطرة سليمة لَم يُصبها تَلَوُّثٌ أو تَغَيُّر أو انحرافٌ.
وقوله: "وكلمة الإخلاص" أي: وأصبحنا على كلمة الإخلاص، وهي كلمة التوحيد لا إله إلَاّ الله، تلكم الكلمةُ العظيمة الجليلة التي هي أفضلُ
1 سورة: الروم، الآية (30) .
2 تفسير ابن كثير (6/320) .
3 صحيح مسلم (رقم:2865) .
4 صحيح البخاري (رقم:1359)، وصحيح مسلم (رقم:2658) .
الكلمات العظيمة وأجلُّها على الإطلاق، بل هي رأس الدِّين وأساسُه ورَأسُ أمره، لأجلها خُلقت الخليقة، وأُرْسِلَت الرُّسُل، وأنزِلت الكُتب، وبها افترق الناسُ إلى مؤمنين وكفار، وهي زُبدة دعوة المرسلين وخلاصة رسالاتِهم، وهي أعظم نعم الله على عباده، وفي هذا يقول سفيان بن عيينة رحمه الله:"ما أنعم الله على عبد من العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلَاّ الله"1.
وكلمة لا إله إلَاّ الله هي كلمةُ إخلاصٍ وتوحيد، ونبذٍ للشرك، وبراءةٍ منه ومن أهله، قال الله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 2.
وإذا أصبح العبدُ وهو على هذه الكلمة العظيمة لَم يُغيِّر ولَم يُبَدِّل فقد أصبح على خير حال، ولعِظَم شأن بدء اليوم بهذه الكلمة العظيمة جاء الحثُّ على الإكثار من قولها مرات عديدة كلَّ صباح، وقد سبق ذكرُ أجر مَن قالها حين يصبح عشر مرات، وأجرِ من قالها حين يصبح مائة مرة.
وقوله: "وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم" أي: وأصبحنا على ذلكم الدين العظيم الذي رضيه الله لعباده ديناً، وبعث به نبيه الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم، وقال فيه سبحانه:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} 3، وقال سبحانه:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} 4،
1 ذكره ابن رجب في كلمة الإخلاص (ص:53) .
2 سورة: الزخرف، الآية (26 - 28) .
3 سورة: المائدة، الآية (3) .
4 سورة: آل عمران، الآية (19) .
وقال سبحانه: {وََمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 1.
فهذا هو دين النَّبِيّ الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الاستسلامُ لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وإنَّ نعمة الله جلَّ وعلا على عبده عظيمة أن يصبح على هذا الدين العظيم والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
يقول الله تعالى مذكراً عباده الذين حباهم بهذه النعمة ومنَّ عليهم بها: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} 2، ويقول تعالى:{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 3.
فللَّه ما أعظَمَها من منَّة وما أجلَّها من نعمة.
وقوله: "وعلى ملَّة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين" أي: وأصبحت على هذه الملة المباركة ملة إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، وهي الحنيفيةُ السمحة والتمسكُ بالإسلام والبعد عن الشرك، ولهذا قال "حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين"، وهي ملَّة مباركةٌ لا يتركها ولا يرغب عنها إلَاّ مَن حَكَمَ على نفسه بالغيِّ والسَّفَه، ولهذا قال تعالى:{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} 4.
1 سورة: آل عمران، الآية (85) .
2 سورة: الحجرات، الآية (7) .
3 سورة: النور، الآية (21) .
4 سورة: البقرة، الآية (130) .
وقد أمر الله عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم باتِّباع هذه الملَّة وهداه إليها، كما قال تعالى:{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1، وقال تعالى مُمْتَنًّا على عباده بهذه النعمة:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} 2.
وإذا أصبح العبدُ وهو على هذه الملَّة المباركة الحنيفية السَّمحة فقد أصبح على خير عظيم وفضل عميم.
فكم هو جميلٌ وعظيمٌ أن يَفتَتِحَ المسلمُ يومَه بهذه الكلمات المباركة، ويومٌ يُفتَتَحُ بكلمات هذا شأنُها من قلب صادق أَكْرِمْ به من يوم.
1 سورة: الأنعام، الآية (161) .
2 سورة: الحج، الآية (78) .
118 / ومن أَذْكَار الصّباح
إنَّ من الدعوات العظيمة النافعة التي كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُلازمُ المحافظةَ عليها كلَّ صباح ما ثَبت في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً، وَرِزْقاً طَيِّباً، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً "1.
ومن يتأمَّل هذا الدعاءَ العظيمَ يَجدُ أنَّ الإتيانَ به في هذا الوقت بعد صلاة الصبح في غاية المناسبة؛ لأنَّ الصبحَ هو بدايةُ اليوم ومُفتَتَحُه، والمسلمُ ليس له مَطمع في يومه إلَاّ تحصيل هذه الأهداف العظيمة والمقاصد الجليلة المذكورة في هذا الحديث، وهي العلمُ النافع، والرِّزق الطيِّب، والعمل المتقبَّل، وكأنَّه في افتتاحه ليومه بذكر هذه الأمور الثلاثة دون غيرها يُحدِّدُ أهدافَه ومقاصدَه في يومه، ولا ريب أنَّ هذا أجمعُ لقلب الإنسان وأضبط لسيره ومسلكه، بخلاف مَن يصبح دون أن يستشعر أهدافَه وغاياته ومقاصدَه التي يعزم على القيام بها في يومه، ونجد المُعتنين بالتربية والآداب يُوصُون بتحديد الأهداف في كلِّ عمل يقوم به الإنسان، وفي كلِّ سبيل يسلكه؛ ليكون ذلك أَدعَى لتحقيق أهدافه، وأسلمَ من التشتُّت والارتباك، وأضبطَ له في مساره وعمله، وما من شكٍّ أنَّ مَن يسيرُ وَفْقَ أهدافٍ محدَّدةٍ ومقاصدَ معيَّنةٍ أكملُ وأضبطُ وأسلمُ مِمَّن يسير دون تحديد أهداف ودون تعيين مقاصد.
والمسلمُ ليس له في يومه بأجمعه، بل ليس في أيامه كلِّها إلَاّ الطمع في
1 مسند أحمد (6/322)، وسنن ابن ماجه (رقم:925) ، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح ابن ماجه (رقم:753) .
تحصيل هذه الأهداف الثلاثة وتكميلها، ونيلها من أقرب وجه وأحسن طريق.
وعلى هذا فما أجملَ أن يُفتتح اليومُ بذكر هذه الأمور الثلاثة التي تحدد أهداف المسلم في يومه وتعيِّن غاياتِه ومقاصدَه.
وليس المسلم في إتيانه بهذا الدعاء في مفتتح يومه يقصد تحديد أهدافه فحسب، بل هو يتضَرَّعُ إلى ربِّه، ويلجأ إلى سيِّده ومولاه، بأن يَمُنَّ عليه بتحصيل هذه المقاصد العظيمة والأهداف النبيلة؛ إذ لا حول له ولا قوة، ولا قدرة عنده على جَلب نفع أو دَفع ضُرٍّ إلَاّ بإذن ربِّه سبحانه، فهو إليه يلجأ، وبه يستعين، وعليه يعتمد ويتوكل.
فقول المسلم في كلِّ صباح "اللَّهمَّ إني أسألك علماً نافعا ورزقاً طيِّباً، وعملاً متقبَّلاً" هو استعانةٌ منه في صباحه وأوَّل يومه بربِّه سبحانه بأن ييسر له العسير، ويذلِّل له الصِّعابَ، ويعينه على تحقيق غاياته المباركة الحميدة.
وتأمَّل كيف بدأ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الدعاءَ بسؤال الله العلم النافع، قبل سؤاله الرِّزق الطيب والعمل المتقبَّل، وفي هذا إشارة إلى أنَّ العلمَ النافع مقدَّمٌ وبه يبدأ، كما قال الله تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} 1، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وفي البدء بالعلم النافع حكمةٌ ظاهرة لا تخفى على المتأمل، ألا وهي أنَّ العلم النافع به يستطيع المرءُ أن يميز بين العمل الصالح وغير الصالح، ويستطيع أن يميز بين الرزق الطيب وغير الطيب، ومن لَم يكن على علم فإنَّ الأمور قد تختلط عليه فيقوم بالعمل يحسبه صالحاً نافعاً، وهو ليس كذلك، والله تعالى يقول: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
1 سورة: محمد، الآية (19) .
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} 1، وقد يكتسب رزقاً ومالاً ويظنُّه طيِّباً مفيداً، وهو في حقيقته خبيثٌ ضارٌّ، وليس للإنسان سبيلٌ إلى التمييز بين النافع والضار والطيِّب والخبيث إلَاّ بالعلم النافع، ولهذا تكاثرت النصوصُ في الكتاب والسنَّة، وتضافرت الأدلَّة في الحثِّ على طلب العلم والترغيب في تحصيله وبيان فضل من سلك سبيله {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} 2.
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "علماً نافعاً" فيه دلالةٌ على أنَّ العلمَ نوعان؛ علمٌ نافعٌ وعلم ليس بنافع، وأعظمُ العلم النافع ما ينال به المسلمُ القربَ من ربِّه والمعرفةَ بدينه والبصيرةَ بسبيل الحق الذي ينبغي أن يسير عليه، وتأمَّل في هذا قول الله تعالى:{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 3، فحَريٌّ بالمسلم في يومه أن يَعْتَنِيَ بالقرآن الكريم وبمذاكرته ومدارسته، وأن يَعتَنِي بسنة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم المبيِّنة له والشارحَة لدلالته ومقاصده.
وقوله في الحديث "ورزقاً طيباً" فيه إشارةٌ إلى أنَّ الرزق نوعان طيِّبٌ وخبيث، والله تعالى طيب لا يقبل إلَاّ طيباً، وقد أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} 4،
1 سورة: الكهف، الآيتان (103 ـ 104) .
2 سورة: الزمر، الآية (9) .
3 سورة: المائدة، الآيتان (15 ـ 16) .
4 سورة: المؤمنون، الآية (51) .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} 1، وقد بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتحليل الطيب وتحريم الخبيث كما قال تعالى:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} 2، فحَريٌّ بالمسلم في يومه أن يتَحَرَّى المالَ الطيِّبَ الحلالَ، والرِّزقَ السليمَ النافعَ، ويَحذرَ أشدَّ الحذَر من الأموال الخبيثة والمكاسب المحرمة.
وقوله في الحديث: "وعملاً متقبلاً" وفي رواية: "وعملاً صالحاً" فيه إشارةٌ إلى أنَّه ليس كلُّ عملٍ يَتَقرَّب العبدُ به إلى الله يكون مُتقبَّلاً، بل المُتقبَّل من العمل هو الصالحُ فقط، والصالحُ هو ما كان لله وحده وعلى هدي وسنَّة نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الله تعالى:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} 3، قال الفضيل بن عياض في معنى الآية:"أي: أخلَصُه وأصوَبُه، قيل: يا أبا علي وما أخلَصُهُ وأَصْوَبُه قال: إنَّ العملَ إذا كان خالصاً ولَم يكن صواباً لَم يُقبَل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لَم يُقبَل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالصُ ما كان لله، والصواب ما كان على السُّنَّة"4.
فهذا دعاءٌ عظيمُ النَّفع كبيرُ الفائدة، يَحسُنُ بالمسلم أن يُحافظَ عليه كلَّ صباح تأسياً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ثمَّ يُتبِعُ الدعاءَ بالعمل، فيَجمع بين الدُّعاء وبَذلِ الأسباب، لينَالَ هذه الخيراتِ العظيمةَ والأفضالَ الكريمةَ، والله وحده الموفِّق، والمعين على كلِّ خير.
1 سورة: البقرة، الآية (172) .
2 سورة: الأعراف، الآية (157) .
3 سورة: الملك، الآية (2) .
4 رواه ابن أبي الدنيا في كتابه الإخلاص والنية (ص:50 ـ 51) ، وأبو نعيم في الحلية (8/95) .
119 / ومن أذكار الصباح
إنَّ من الأذكار العظيمة الجامعة التي يُستحب للمسلم أن يواظبَ عليها كلَّ صباح أن يقول: "سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ"، وذلك لِما روى مسلم في صحيحه عن جُوَيرية رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا [أي موضع صلاتها] ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ:"مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ"1.
فهذا ذِكرٌ عظيمٌ مبارَك أرشد إليه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وبيَّن أنَّه ذِكرٌ مُضاعَفٌ، يزيد في الفضل والأجر على مجرَّد الذِّكر بسبحان الله أضعافاً مضاعفة؛ لأنَّ ما يقوم بقلب الذَّاكر حين يقوله من معرفة الله وتَنْزيهه وتعظيمه بهذا القدر المذكور من العدد أعظمُ مِمَّا يقوم بقلب مَن قال "سبحان الله" فقط.
والمقصودُ أنَّ الله سبحانه يستحقُّ التسبيح بذلك القدر والعدد، كقوله صلى الله عليه وسلم:"ربَّنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئتَ من شيء بعد"، وليس المراد أنَّ العبدَ سبَّح تسبيحاً بذلك القدر؛ فإنَّ فعل العبد محصور، وإنَّما المراد ما يستحقُّه الرّبُّ من التسبيح فذاك الذي
1 صحيح مسلم (رقم:2726) .
يعظم قدرُه1، قال العلَاّمة ابن القيم رحمه الله في شرح هذا الحديث وبيان ما فيه من لطائف جليلةٍ ومعارف عظيمة:"وهذا يُسمَّى الذِّكرُ المضاعف، وهو أعظمُ ثناءً من الذِّكر المفرد، وهذا إنَّما يظهرُ في معرفة هذا الذِّكر وفهمه، فإنَّ قولَ المسبِّح: "سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ" تضمَّن إنشاءً وإخباراً: تضمَّن إخباراً عمّا يستحقُّه الرَّبُّ من التسبيح عددَ كلِّ مخلوق كان أو هو كائنٌ إلى ما لا نهايةَ له، فتضمَّن الإخبارَ عن تنزيههِ الرّبَّ وتعظيمه والثناءِ عليه هذا العددَ العظيمَ، الذي لا يبلغهُ العادُّون، ولا يُحصيه المُحصون.
وتضمَّن إنشاءَ العبدِ لتسبيحٍ هذا شانُه، لا أنَّ ما أتى به العبدُ من التسبيح هذا قدرُه وعددُه، بل أخبر أنَّ ما يستحقُّه الرَّبُّ سبحانه وتعالى من التسبيح هو تسبيحٌ يبلغ العددَ الذي لو كان في عدد ما يزيد عليه لذَكره، فإنَّ تجدُّدَ المخلوقات لا ينتهي عدداً، ولا يُحصَى الحاضر.
وكذلك قوله "ورضا نفسه"، وهو يتضمَّن أمرَين عظيمَين:
أحدهما: أن يكون المرادُ تسبيحاً هو في العظمة والجلال مساوٍ لرضا نفسه، كما أنَّه في الأول مخبرٌ عن تسبيحٍ مساوٍ لعدد خلقه، ولا ريبَ أنَّ رضا نفس الرَّبِّ أمرٌ لا نهاية له في العظمة والوصف، والتسبيحُ ثناءٌ عليه سبحانه يتضمّن التعظيم والتنزيه، فإذا كانت أوصافُ كماله ونعوتُ جلاله لا نهايةَ لها ولا غاية، بل هي أعظمُ من ذلك وأجلُّ، كان الثناءُ عليه بها كذلك؛ إذ هو تابِعٌ لها إخباراً وإنشاءً، وهذا المعنى ينتظمُ المعنى الأول من غير عكس.
1 انظر: مجموع الفتاوى (33/12) .
وإذا كان إحسانُه سبحانه وثوابُه وبركتُه وخيرُه لا منتهى له، وهو من موجباتِ رضاه وثمرتهِ فكيف بصفة الرضا.
وقوله: "وزِنَة عرشه" فيه إثباتُ العرش، وإضافته إلى الرَّبِّ سبحانه وتعالى، وأنَّه أثقلُ المخلوقات على الإطلاق؛ إذ لو كان شيءٌ أثقلَ منه لوُزن به التسبيح.
فالتضعيفُ الأول للعدد والكميَّة، والثاني للصفةِ والكيفية، والثالث للعِظَم والثِّقَل وكِبَر المقدار.
وقوله: "ومِدادَ كلماته" هذا يعمُّ الأقسام الثلاثة ويشملها؛ فإنَّ مدادَ كلماته سبحانه وتعالى لا نهايةَ لقدره، ولا لصفته، ولا لعدده، قال تعالى:{قُُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} 1، وقال تعالى:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 2، ومعنى هذا أنَّه لو فرض البحرُ مداداً، وجميعُ أشجار الأرض أقلاماً، والأقلامُ تستمدُّ بذلك المداد، فتفنى البحار والأقلام، وكلمات الرَّبِّ لا تفنى ولا تنفد.
والمقصودُ أنَّ في هذا التسبيح من صفات الكمال ونعوت الجلالِ ما يوجب أن يكون أفضلَ من غيره
…
". اهـ كلامه رحمه الله3.
هذا وقد نبَّه العلماء رحمهم الله إلى أهميَّة معرفة العبد بمعاني هذه
1 سورة: الكهف، الآية (109) .
2 سورة: لقمان، الآية (27) .
3 المنار المنيف (ص:27 ـ 30) .
الكلمات واستحضاره لدلالتها، وأنَّه بحسب ما يقوم بقلب العبد من هذه المعرفة والاستحضار يكون له من المزيَّة والفضل ما ليس لغيره، ويكون تأثيرُ هذا الذِّكر فيه أبلغَ من تأثيره في غيره.
ومن أتى بهذا الذِّكر أو بغيره من الأذكار المأثورة دون استحضار منه للمعنى ولا تعقُّل للدلالة فإنَّ تأثيرَ الذِّكر فيه يكون ضعيفاً.
وعلى كلٍّ فالجدير بالمسلم أن يُواظبَ على هذا الذِّكر المبارك صباحَ كلِّ يوم، وأن يجتهدَ في استحضار معناه وتعقُّل دلالته، وبالله وحده التوفيق، وهو سبحانه المعينُ والهادي إلى سواء السبيل.