الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
170 /
مَا وَرَدَ فِي السَّلَامِ
إنَّ من آداب الإسلام الحميدة وخصالِه الرشيدة إفشاءَ السلام، فإنَّ السلامَ تحيَّةُ المؤمنين، وشعارُ الموحِّدين، وداعيةُ الإخاء والأُلفة والمحبَّة بين المسلمين، وهو تحيَّةٌ مبارَكةٌ طيِّبةٌ، كما وصفه بذلك ربُّ العالمين، وذلك في قوله سبحانه {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} 1، وهو تحيَّة أهل الجنَّة يحيِّيهم بها الملائكة الكرام، وذلك عندما يُساق أهل الجنَّة إلى الجنَّة زُمَراً، وتفتح لهم أبوابها الثمانية، فيتلقَّاهم خزنتُها بهذه التحيَّة {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} 2، وهو تحيَّة أهل الجنَّة بينهم، كما قال تعالى:{تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ} 3، وهو تحيَّة الملائكة، وتحيَّة آدم وذريته.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ؛ طُولُهُ سِتًّونَ ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَفَرِ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذرِيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ"4.
1 سورة النور، الآية:(61) .
2 سورة الزمر، الآية:(73) .
3 سورة إبراهيم، الآية:(23) .
4 صحيح البخاري (رقم:6227)، وصحيح مسلم (رقم:2841) .
رومن فضائل السلام أنَّه من خير الإسلام، ففي الصحيحين عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما:"أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ "1.
وهو حقٌّ للمسلم على أخيه المسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حقُّ المسلم على المسلم ست"، وذكر منها:"وإذا لقيتَه فسلِّم عليه"2.
وهو سببٌ عظيمٌ للأُلفة بين المسلمين والمحبَّة بين المؤمنين، كما قال صلى الله عليه وسلم:" لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؛ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ" رواه مسلم3.
والمَحبَّة الحاصلةُ هنا سببُها أنَّ كلَّ واحد من المتلاقيَين يدعو للآخَر بالسلامة من الشرور، وبالرحمة الجالبة لكلِّ خير، ولهذا ثبت في المسند وغيره عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:" أفشوا السلام تسلموا "4 أي: تسلموا من كلِّ موجِب للفُرقة والقطيعة، وكيف إذا انضمَّ إلى هذا بشاشةُ الوجه وحُسنُ الترحيب وجمالُ الأخلاق.
وعلى المُسلَّمِ عليه ردُّ التحيَّة بأحسن منها أو مثلها؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} 5.
وخيرُ الرَّجلَين مَن يبدأُ صاحبَه بالسَّلام، ففي سنن أبي داود عن أبي
1 صحيح البخاري (رقم:28)، وصحيح مسلم (رقم:39) .
2 سبق تخريجه.
3 صحيح مسلم (رقم:54) .
4 المسند (4/286)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (رقم:1087) .
5 سورة: النساء، الآية (86) .
أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ"1.
وإذا لَم يُسلِّم مَن يُطلبُ منه ابتداءُ السلام فليُسلِّم الآخر ولا يتركوا السنَّة.
ومن السُّنَّة أن يُسلِّم الصغيرُ على الكبير، والقليلُ على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُسلِّمُ الرَّاكبُ على الماشِي، والماشي على القاعد، والقليلُ على الكثير"، وفي رواية للبخاري:"يُسلِّمُ الصغير على الكبير، والمارُّ على القاعد، والقليلُ على الكثير"2.
وكان صلى الله عليه وسلم يُسلِّم على الصبيان ويبدأهم بالسَّلام، وهذا من كمال تواضعه، وهو دأبُ السَّلف الصالح رحمهم الله، روى مسلمٌ في صحيحه عن يسار قال:"كنتُ أمشِِي مع ثابت البُناني، فمرَّ بصبيان فسلَّم عليهم، وحدَّث ثابتٌ أنَّه كان يَمشي مع أنس رضي الله عنه، فمَرَّ بصبيان فسلَّم عليهم، وحدَّث أنسٌ أنَّه كان يَمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمَرَّ بصبيان فسلَّم عليهم"3.
ثمَّ إنَّ ابتداءَ السلام سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ فإن كان المسلِّمُ جماعةً كفى عنهم واحد، ولو سلَّموا جميعاً كان أفضلَ، ورفعُ الصوت بابتداء السَّلام سُنَّةٌ ليَسمعه المسلَّمُ عليهم كلُّهم سماعاً محقَّقاً لحديث "أفشوا السَّلام بينكم".
1 سنن أبي داود (رقم:5197)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب (رقم:2703) .
2 صحيح البخاري (رقم:6232، 6234)، وصحيح مسلم (رقم:2160) .
3 صحيح مسلم (رقم:2168) .
وإن سلَّمَ على أيقاظ ونيام خفضَ صوتَه بحيث يُسمع الأيقاظَ ولا يوقظ النيامَ، وهذا أدبٌ إسلاميٌّ رفيعٌ، وقد كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يجئُ من اللَّيل فيُسلِّم تسليماً لا يُوقظ نائماً، ويسمع اليقظان. رواه مسلم في صحيحه ضمن حديث طويل1.
ويُسَنُّ أن يَبدأ بالسَّلام قبل الكلام لحديث "مَن بدَأَ بالكَلام قَبل السَّلام فلا تُجيبوه" رواه ابن السنٍِي في عمل اليوم والليلة2.
وكلما زاد المسلم من صيغ السلام المأثورة زاد أجرُه؛ بكلِّ واحدة عشرُ حسنات، روى أبو داود والترمذي عن عمران بن حصين رضي الله عنه:" أنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: عَشْرٌ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: عِشُرُونَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: ثَلَاثُونَ "3.
ولا يزيد المسلمُ على هذا كأن يقول: "ومغفرته ومرضاته"؛ لأنَّ السَّلامَ المسنون انتهى إلى "وبركاته"، ولو كان في الزيادة خيرٌ لدلَّنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى مالك في الموطأ عن محمد بن عمرو بن عطاء أنَّه قال: "كنتُ جالساً عند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فدخل عليه رجلٌ من أهل اليمن، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئاً مع ذلك أيضاً،
1 صحيح مسلم (رقم:2055) .
2 عمل اليوم والليلة (رقم:210)، وحسَّنه الألباني في الصحيحة (رقم:816) .
3 سنن أبي داود (رقم:5195)، وسنن الترمذي (رقم:2689) ، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب (رقم:2710) .
قال ابن عباس، وهو يومئذ قد ذهب بصرُه: من هذا قالوا: هذا اليمانيُّ الذي يغشاك، فعرَّفوه إيَّاه، فقال ابن عباس: إنَّ السَّلامَ انتهى إلى البَرَكَة"1.
ومن أحكام السلام أن لا يُقْصَر على المعرفة، بل يُسلِّمُ المسلمُ على مَن عرف ومن لَم يعرف، وقد مرَّ معنا حديثُ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في هذا، وجاء في السُّنَّة أنَّ من أشراط الساعة قصْرَ السلام على المعرفة، ففي المسند بسند جيِّد عن الأسود بن يزيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من أشراطِ السَّاعة إذا كانت التَّحيَّةُ على المعرفة"2، وفي رواية:"أن يُسلِّمَ الرَّجل على الرَّجل لا يُسلِّمُ عليه إلَاّ للمعرفة".
ومن أحكام السلام ألَاّ يُبدَأ اليهودُ والنصارى بالسلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبدَؤُوا اليهود ولا النصارى بالسَّلام" 3، وإذا بدؤوا هم بالسلام فإنَّه يُكتفى بالردِّ عليهم بأن يُقال "وعليكم" لِمَا في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا سَلَّمَ عَليكم أهلُ الكتاب فإنَّما يقولُ أحدُهم السَّامُ عليكم، فقل: وعَلَيكم"4.
وأمَّا أهلُ البدع والأهواء ففي حُكم السلام عليهم تفصيلٌ يُعلم بمطالعة الأدلة ومعرفة هدي سلف الأمَّة رحمهم الله، فإذا كان المبتدعُ كافراً ببدعته وحكم المحقِّقون من أهل العلم بخروجه من الملَّة، فإنَّه لا يُسلَّمُ عليه؛ إذ حكمُ السلام عليه كحكم السلام على الكفار سواء.
1 موطأ مالك (رقم:2758) .
2 المسند (1/387)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في الصحيحة (رقم:648) .
3 صحيح مسلم (رقم:2167) .
4 صحيح البخاري (رقم:6257)، وصحيح مسلم (رقم:2164) .
أمَّا إذا لَم يبلغ ببدعته حدَّ الكفر، فالسلامُ عليه جائزٌ ابتداءً وردًّا ما دام أنَّ الإسلامَ وهو موجبُ استحقاقه للسلام موجودٌ فيه، وهكذا الشأن في العُصاة من أهل الإسلام.
وإنَّما يُشرع تركُ السلام على هؤلاء في بعض الأحوال إذا كان في تركه تحصيلُ مصلحة راجحة أو دفع مفسدةٍ متحقَّقة، كأن يَترك السلام عليهم تأديباً لهم أو زَجراً لغيرهم، أو صيانة لنفسه من التأثُّر بهم أو غير ذلك من المقاصد الشرعية.
وأمَّا التهاجرُ والتقاطعُ وتركُ السلام بلا سبب شرعيٍّ فهو أمر لا يُحبُّه الله من عباده، ونسأل الله أن يجمع المسلمين على الحقِّ والهدى، وأن يُؤلِّفَ بين قلوبهم على البِرِّ والتقوى، وأن يهدينا جميعاً سواءَ السبيل.
171 / مَا يُقَالُ عِنْدَ العُطَاسِ، وما يُفعل عند التثاؤب
الحديث هنا عِمَّا يُقال عند العُطاس وما يُفعل عند التثاؤب، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:" إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذا قَالَ: هَاء، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ"1.
والحكمةُ في الحمد عند العُطاس أنَّ العاطس ـ كما يقول ابن القيِّم ـ: قد حصل له بالعطاس نعمةٌ ومنفعةٌ بخروج الأبخرة المحتقنة في دِماغه، التي لو بقيتْ فيه أحدثت له أدواءً عسيرةً، ولهذا شُرع له حمدُ الله على هذه النِّعمة مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي حصلت للبدن، فلله الحمدُ كما ينبغي لكريم وجهه وعزّ جلالُه2.
وقد تقدَّم في الحديث أنَّ اللهَ يُحبُّ العطاسَ وذلك لما فيه من النَّفع والخيرِ للإنسان ولِما يترتَّبُ عليه من حمدٍ وثناءٍ ودعاءٍ.
وأمَّا التثاؤُبُ فإنَّ اللهَ لا يحبُّه لأنَّه من الشيطان ولأنَّه في الغالب لا يكون إلَاّ مع ثِقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل، والمسلمُ مأمورٌ بكظمه ما استطاع، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"التَّثاؤُب من الشَّيْطان، فإذا تَثَاءَبَ أحدُكم فلْيَرُدَّه ما استطَاعَ، فإنَّ أحدَكم إذا قال: ها، ضَحِكَ منه الشيطان" وفي لفظ لمسلم: "فإذا تَثاءَبَ
1 صحيح البخاري (رقم:6223) .
2 انظر: زاد المعاد (2/438 ـ 439) .
أحدُكم فَلْيَكْظِِمْ ما اسْتَطَاع"1.
وقولُه: "فليكظِم ما استطاع" هذا يكون بمحاولة منع حصولُ التثاؤب، فإن لَم يتمكَّن من ذلك يحاول إغلاقَ فمه عند حصوله، فإن لَم يتمكَّن من ذلك وضع يده أو طرف لباسه على فمه.
ولا يليقُ بالمسلم أن يتثاءب مفتوحَ الفم دون وضع يدِه أو شيءٍ من لباسِه على فيه، فإنَّ هذا إضافةٌ إلى ما فيه من قبحٍ في الهيئة والمنظر فإنَّه ذريعةٌ وسبيلٌ لدخول الشيطان. فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تَثَاءَبَ أحدُكم فليُمْسِك بيَده على فِيهِ، فإنَّ الشيطانَ يَدْخُلُ"2، والتعوُّذ بالله من الشيطان عند التثاؤُب لَم يثبت فيه دليلٌ، لكن إن تذكَّر المسلم عند التثاؤُب أنَّ ذلك من الشيطان وتعوَّذ بالله منه فلا حرج في ذلك ما لَم يتَّخذْه سنَّةً.
وأمَّا فيما يتعلَّقُ بالعُطاس فقد جاءت السنَّةُ بجملةٍ من الآداب والأحكام العظيمة التي يحسُن بالمسلم مراعاتُها والعنايةُ بها وهي من جمال هذه الشريعة وكمالها، ووفائها بكلِّ شؤون الإنسان وجميع أحواله.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ"3، أَيْ: شَأْنُكُمْ.
1 صحيح البخاري (رقم:3289)، وصحيح مسلم (رقم:2994) .
2 صحيح مسلم (رقم:2995) .
3 صحيح البخاري (رقم:6224) .
فانظر أخي المسلم رعاك الله إلى هذا الجمال والكمال الذي دعت إليه الشريعةُ عند العُطاس؛ حمدٌ وثناءٌ وتراحمٌ ودعاءٌ، العاطسُ يحمَد اللهَ، ومَن يسمعه يدعو له بالرحمة، ثم هو يُبادل الدعاءَ بالدعاء، فيدعو لِمَن شَمَّته بالهداية وصلاح الحال، فما أقواها من لُحمة، وما أجمله من ترابط ووصال.
بل جعل الإسلامُ تشميتَ العاطس حقًّا من الحقوق المتبادلة بين المسلمين، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ: إذا لقيتَه فسَلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس وحمد اللهَ فشَمِّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتَّبعه"1.
والتشميتُ هو الدعاءُ بالخير، قيل: هو مشتقٌّ من الشوامت وهي القوائم، كأنَّه دعا له بالثبات والقيام بالطاعة، وقيل: معناه أبعدَك الله عن الشماتة، وجنَّبك ما يشمت عليك به.
ثمَّ إنَّ هذا التشميت إنَّما يستحقُّه مَن يحمَد اللهَ عند العُطاس، وأمَّا من لَم يحمد فإنَّه لا يُشَمَّت، ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال:"عَطَسَ عند النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رجلان، فشمَّت أحدَهما ولَم يُشمِّت الآخَر، فقال الذي لَم يُشمِّته: عَطسَ فلانٌ فشَمَّتَه، وعطستُ أنا فلَم تُشَمِّتْنِِي، فقال: إنَّ هذا حَمِِدَ اللهَ، وإنَّكَ لَم تَحْمَد الله"2.
وروى مسلم عن أبي بُردة قال: دخلتُ على أبي موسى الأشعريِّ، وهو في بيت بنت الفضل بن عباس، فعطستُ فلم يُشَمِّتنِي، وعطستْ فشمتَّها، فرجعتُ
1 سبق تخريجه.
2 صحيح البخاري (رقم:6225)، وصحيح مسلم (رقم:2991) .
إلى أمِّي فأخبرتُها، فلمَّا جاءها قالت: عطس عندك ابنِي فلم تشمِّته، وعطستْ فشمَّتها، فقال: إنَّ ابنَك عطس، فلَم يحمد الله فلم أشمِّته، وعطستْ فحمدَت الله فشمَّتُها، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إِذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ"1.
والتشميتُ ثلاثُ مرَّات، وما زاد فهو زُكامٌ يُدعى لصاحبه بالشِّفاء والعافية، روى مسلمٌ في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنَّه سمع النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وعَطس رجلٌ عنده، فقال له:"يَرحَمُك الله"، ثمَّ عطس أخرى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الرَّجلُ مزكومٌ"2، ورواه الترمذي وفيه: ثمَّ عطس الثانية والثالثةَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا رَجلٌ مزكومٌ"3.
وروى أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً وموقوفاً: "شَمٍِّت أخاك ثلاثاً ثلاثاً، فما زاد فهو زُكام"4.
قال ابن القيم رحمه الله: "وقوله في هذا الحديث: "الرَّجل مزكوم" تنبيهٌ على الدعاء له بالعافية؛ لأنَّ الزَّكْمَةَ علةٌ، وفيه اعتذارٌ من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيهٌ له على هذه العلَّة ليتداركها ولا يُهملها فيصعب أمرُها، فكلامه صلى الله عليه وسلم كلُّه حكمةٌ ورحمةٌ وعلمٌ وهُدى"5.
ومن السُّنَّة خَفْضُ الصوتِ بالعطاس حتى لا يزعج الناسَ، روى أبو
1 صحيح مسلم (رقم:2992) .
2 صحيح مسلم (رقم:2993) .
3 سنن الترمذي (رقم:2743) .
4 سنن أبي داود (رقم:5034)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (رقم:1330) .
5 زاد المعاد (2/441) .
داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وَضَعَ يدَه أو ثوبَه على فيه، وخَفَضَ أو غَضَّ بِهَا صَوتَه"1.
ثمَّ إنَّ العاطسَ والمشمِّتَ عليهم أن يلتزمَا في ذلك بما جاء في السنَّة، والسُّنَّة أن يقول العاطس "الحمد لله"، وله أن يقول:"الحمد لله على كلِّ حال"؛ لثبوت هذه الزيادة في سنن أبي داود، وأن يقول المشمِّت:"يرحمك الله"، وأن يقول له العاطسُ بعد تشميته:"يهديكم الله ويصلحُ بالَكم"، وقد تقدَّم حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه في هذا.
وللعاطس أن يقول بدل هذا: "يرحمنا الله وإيَّاك ويغفر لنا ولكم"؛ لِمَا رواه مالك في موطئه عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما:"كانَ إذا عطس فقيل: يَرحَمُك الله، قال: يَرْحَمُنا الله وإيَّاكم، ويغفرُ لنا ولكم"2.
وقد أنكر السَّلفُ رحمهم الله مَن يزيد على هذا المأثور، فقد روى الترمذي في سننه أنَّ رجلاً عطس عند ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: وأنا أقول: "الحمد لله، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هكذا علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن علَّمنا أن نقول: الحمد لله على كلِّ حال"3.
وفي هذا حرصُ السلف رحمهم الله على لزوم السُّنَّة واقتفاء هدي وآثار خير الأمَّة، ألحقنا الله بهم ووفَّقنا لاتِّباعهم.
1 سنن أبي داود (رقم:5029)، وصحَّحه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (رقم:4755) .
2 الموطأ (رقم:2770) .
3 سنن الترمذي (رقم:2738)، وحسَّنه الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي (رقم:2200) .