الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمات:
مقدمة المؤلف في الطبعة الجديدة:
ظهر هذا الكتاب -بطبعته الأولى- عام 1985، ووجد في القراء سلسلة من المحاضرات الجامعية تعالج أدق المباحث القرآنية بأسلوب علمي بسيط يرضي أذواق الطلاب والباحثين ولا يستعصي فهمه على أوساط المتعلمين، لم يكن عجبا أن تقبلته المكتبات الإسلامية والمعاهد العلمية: الدينية والأدبية، بقبول حسن، وأن عملت على نشره بدافع ديني، أو باعث علمي، أو استجابة لكلا الأمرين على سواء.
وإني، بيني وبين نفسي، لأعرف أن الكتاب -في هاتيك الطبعة الأولى- لم يكن يزيد على دروس جامعية لممت شتاتها مما ألقيته خلال عامين على طلاب "شهادة علوم اللغة العربية" في كلية الآداب بجامعة دمشق، ولم يكن لي مطمع في هذه الدروس النظرية أوسع من أن تكون في أيدي أولئك الطلاب مفاتيح الدروس العلمية في التفسير. من أجل ذلك صرحت في تقديمي الموجز للطبعة الأولى بأني توخيت في عرض هذه "المباحث" السهولة والإيجاز، ولم أقصد إلى الاستقصاء والاستيعاب، كما صرحت بأني لم أقم بأكثر من محاولة لتبسيط العلوم الكثيرة المتعلقة بالقرآن، وتقريبها إلى أذهان الباحثين من طلاب الثقافة العربية الإسلامية.
أما هذه الطبعة فيكاد كل بحث فيها يكون جديدًا، إن لم يكن فيما
ألحق به من زيادات ففي صوغ بعض عبارته بأسلوب منقح أكثر أناقة وإشراقا، فقد نهجت في تبويب هذه "المباحث" نهجا أرجو أن يجده القارئ طريفا مبتكرا، إذ جعلتها على أربعة أبواب تترادف هي وفصولها -على رسلها- ترادفا متسلسلا منطقيا، وتتدرج خلال تعاقبها كل مسألة قرآنية لا يسع جهلها أحدا من العرب والمسلمين.
أفردت الباب الأول، بفصوله الثلاثة، للقرآن والوحي، فأسهبت في تفسير ظاهرة الوحي لأنها توطئة طبيعية بين يدي هذه الدراسة القرآنية، كما أسهبت في وصف تنجيم القرآن وأسراره، وأنا حريص الحرص كله على التفرقة بين الأعماق والسطحيات في تدرج التعاليم.
وانتقلت في الباب الثاني إلى تاريخ القرآن، فوصفت -في فصوله الثلاثة- جمع القرآن وكتابته، ورددت هنا على كثير من شبهات المستشرقين و"المستعجمين". وناقشت موضوع الأحرف السبعة كما نطقت بها أصح الوثائق التاريخية، وأظنني في بحث هذه الأحرف أثرت قضايا إسلامية خطيرة جديرة بأن يطلع عليها علماء الإسلام ليبلوا خيرها وشرها، وأرجو ألا يكون فيها إلا خير. وحين عرضت، في أحد فصول هذا الباب، لما طرأ على المصاحف العثمانية من وجوه التجويد، والتحسين، أضفت بعض التحقيقات الجديدة التي انتهيت إليها في نشأة الرسم القرآني وتطوره، وربما كانت هذه الزيادات مفيدة للذين يشتغلون بتطور الخط العربي، ويعملون على إصلاح رسمه.
ولم يكن البابان السابقان -على ما ألحق بهما من إضافات في هذه الطبعة- شديدي التفصيل لدى المقارنة بالباب الثالث الذي قصرته، بفصوله الثمانية، على "علوم الكتاب"، إذ إن هذا الباب وحده استغرق أكثر من نصف الكتاب، وكان لزاما أن يجيء الأمر على هذا النحو، لأني سميت كتابي "مباحث في علوم القرآن"، فلم يكن بد من أن تدور فصوله حول العلوم القرآنية الصميمة بروح في البحث جديد.
وقد امتاز هذا الثالث بكثير من التحقيقات الطريفة، والزيادات
الشافية الكافية، التي سيقدرها حق قدرها كل من تيسر له أن يقرأ الكتاب في أولى طبعاته: أهمها أني ألقيت فيه الضوء قويا ساطعا على معضلة الناسخ والمنسوخ، ولم أكن تعرضت لهذه المعضلة قط حين ظهر الكتاب لأول مرة.
وإني أدعو العلماء في مختلف بقاع العالم الإسلامي إلى قراءة هذا البحث خاصة بإمعان شديد، لما أرجوه من الخير الكثير في وعيه وتفهم مراميه، أو لما أرحب به من نقد علمي مخلص لبعض ما جاء فيه.
وأدعو العلماء كذلك إلى قراءة فصلي "أسباب النزول" و"المكي والمدني"، لأستوثق من صواب متجهي أو أتعرف على مواطن خطئي وسهوي، ولا سيما حين أتحدث في أولهما عن المبالغات أو المغالطات التي وقع فيها المصنفون في أسباب النزول؛ وأميل إلى إنكار "السببية" الحقيقية فيما لبعض الآيات من سبب عام؛ وأجنح إلى الجمع بين السبب التاريخي والسياق الأدبي، بالكشف عن التناسب بين الآيات والترابط بين السور، وتعدية الآيات إلى غير أسبابها، وتخطي الزمان والمكان في رسم "النماذج" الإنسانية متجاوزة كل سبب من أسباب النزول، وحين أتقصى، في الفصل الآخر، المراحل القرآنية الست التي تشمل -في كل من مكة والمدينة- ثلاث فترات: ابتدائية ومتوسطة وختامية، متميزة فيها كل فترة عن الأخرى بما أثارت من موضوعات، وما صورت من مشاهد، وما حكت من قصص، وما سرى في ألفاظها وفواصلها من التنغيم والإيقاع.
وكان يسعني أن أسلك "التفسير" في عداد هذا الباب الثالث؛ إذ كانت مسائل هذا العلم- منذ عصر التدوين- أُمَّ المسائل القرآنية، إلا أنني آثرت إفراده بباب اعتناء به وإعظامًا لشأنه، وضممت إليه أقرب البحوث شبها به وهو "الإعجاز" فإني لا أكاد أتصور تفسيرا للقرآن جديرا أن يؤخذ به إلا أن يكون الجانب البياني بارزا فيه لاستجلاء مواطن السحر المعجز في كتاب الله. وأوشك أن أنادي بوجوب الاشتغال بالتفسير البياني في جميع الكليات الشرعية، العالية والثانوية، في العالم الإسلامي كله، وأخص بالذكر كليات
الأزهر الشريف ومعاهده في مصر، وكليتي الشريعة بجامعتي دمشق وبغداد، لأن الجانب الفقهي الذي تعنى به تلك الصروح العلمية، صانها الله من عبث الأيام، لا ينبغي أن يعدو على الجانب الأدبي، فما عرف التأدب بأدب القرآن إلا متمما للتفقه بأحكامه في جميع العصور الإسلامية، ولا معدل عن أن يظل كل منهما يكمل الآخر في عصرنا الأدبي الحديث!.
ولعل هذا هو الذي حملني على أن أقصر الباب الرابع الأخير- في هذه الطبعة- على التفسير والإعجاز، فتتبعت نشأة التفسير وتطوره، وأوضحت كيف يتيسر تفسير القرآن بالقرآن، وربط هذا كله بمفهومنا الفني الحديث للإعجاز محاولا بث الحياة في مصطلحات البلاغة القديمة لدى تصور التشبيه والاستعارة والكناية وأنواع المجاز، ورددت سحر القرآن -بالمقام الأول- إلى إيقاعه الداخلي، وخصصت هذا الإيقاع بفصل جديد ربما وجده القارئ موجزًا وتمنى أن لو كان أكثر إسهابا، ولكنه في نظري كاف لتكوين فكرة صالحة عن استجماع القرآن كل مزايا النثر والشعر بأسلوب فذ عجاب!.
والله أسأل أن يجعل كل حرف كتبته، وكل سطر سطرته، وكل فكرة دعوت إليها في هذه "المباحث" خالصة لوجهه الكريم.
بيروت غرة جمادى الأولى 1385
صبحي الصالح