المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الثالث: إعجاز القرآن ‌ ‌مدخل … الفصل الثالث: إعجاز القرآن تحدى القرآن فصحاء العرب - مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح

[صبحي الصالح]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات:

- ‌مقدمة المؤلف في الطبعة الجديدة:

- ‌مقدمة الكتاب:

- ‌الباب الأول: القرآن والوحي

- ‌الفصل الأول: أسماء القرآن وموارد اشتقاقها

- ‌الفصل الثاني: ظاهرة الوحي

- ‌الفصل الثالث: تنجيم القرآن وأسراره

- ‌الباب الثاني: تاريخ القرآن

- ‌الفصل الأول: جمع القرآن وكتابته

- ‌مدخل

- ‌جمع القرآن كتابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

- ‌ جمع القرآن على عهد عثمان رضي الله عنه:

- ‌الفصل الثاني: المصاحف العثمانية في طور التجويد والتحسين

- ‌الفصل الثالث: الأحرف السبعة

- ‌الباب الثالث: علوم القرآن

- ‌الفصل الأول: لمحة تاريخية عن علوم القرآن

- ‌الفصل الثاني: علم أسباب النزول

- ‌الفصل الثالث: علم المكي والمدني

- ‌الفصل الرابع: لمحة خاطفة عن فواتح السور

- ‌الفصل الخامس: علم القراءات ولمحة عن القراء

- ‌الفصل السادس: علم الناسح والمنسوخ

- ‌الفصل السابع: علم الرسم القرآني

- ‌الفصل الثامن: علم المحكم والمتشابه

- ‌الباب الرابع: التفسير والإعجاز

- ‌الفصل الأول: التفسير "نشأته وتطوره

- ‌الفصل الثاني: القرآن يفسر بعضه بعضا

- ‌منطوق القرآن ومفهومه:

- ‌عام القرآن وخاصه:

- ‌المجمل والمبين:

- ‌النص والظاهر:

- ‌الفصل الثالث: إعجاز القرآن

- ‌مدخل

- ‌تشبيه القرآن واستعارته:

- ‌المجاز والكناية:

- ‌الفصل الرابع: الإعجاز في نغم القرآن

- ‌خاتمة:

- ‌جريدة المراجع على حروف المعجم:

- ‌ باللغة العربية:

- ‌ باللغات الأجنبية:

- ‌مسرد الأعلام:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌ ‌الفصل الثالث: إعجاز القرآن ‌ ‌مدخل … الفصل الثالث: إعجاز القرآن تحدى القرآن فصحاء العرب

‌الفصل الثالث: إعجاز القرآن

‌مدخل

الفصل الثالث: إعجاز القرآن

تحدى القرآن فصحاء العرب بمعارضته، وطاولهم في المعارضة، ولكنهم انهزموا أمام تحديه، وأعلنوا عجزهم عن تقليده؛ لأنه يعلو وما يعلى، وما هو بقول بشر.

ولقد كان الإعجاز القرآني خليقا أن يثير في الحياة الإسلامية مباحث على جانب عظيم من الأهمية يتصدى بها العلماء للكشف على وجوه البلاغة القرآنية، وعن أسلوب القرآن الفذ في التصوير والتعبير. وبذل أولئك العلماء جهودا مشكورة، وقاموا بمحاولات مضنية، لإبراز البلاغة القرآنية في صورة موحية ذات ظلال، ولكنهم وقفوا غالبا عند النص الواحد، فاقتطعوه اقتطاعا من الوحدة القرآنية الكبرى، ودرسوه على حدة دراسة تحليلية جزئية ذهب بمعالم جمالها خلافهم الذي لا يتناهى حول مشكلة اللفظ والمعنى، فكانت النزعة الكلامية تفسد عليهم تذوقهم للنصوص، وإدراكهم مواطن البلاغة والإعجاز.

ولعل الجاحظ "ت255" أول من تكلم على بعض المباحث المتعلقة بالإعجاز في كتابه "نظم القرآن"، ولم يصلنا هذا الكتاب، ولكن للجاحظ نفسه إشارات إلى هذا المصنف في كتابه "الحيوان" إذ يقول: "ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف بها ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز، والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنة: {لا

ص: 313

يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ} وهاتان الكلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا. وقوله عز وجل حين ذكر فاكهة أهل الجنة: {لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ} جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني"1. ولا يبعد أن يكون محمد بن زيد الواسطي "ت603"2 قد استفاد من كتاب الجاحظ وبنى عليه حين صنف كتابه "إعجاز القرآن" الذي لم يصل إلينا كذلك، وإنما وصل إلينا ما ينبيء عنه في "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني3 الذي نعلم أنه شرح كتاب الواسطي شرحين: أحدهما كبير سماه "المعتضد"، والآخر أصغر منه. ولقد كان عبد القاهر ذواقة للأسلوب القرآني، حتى أوشك أن يسبق عصره في بعض لمحاته الموفقة التي نفذ بها إلى إدراك الجمال الفني في كتاب الله. واستمع إليه وهو يفسر هذه الصورة البارعة في قوله تعالى: {اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} فسيعجبك منه بلا ريب حسه المرهف الدقيق وفهمه طريقة القرآن المفضلة في التعبير والتصوير. قال: "إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته. ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى:{اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} 4 لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها. هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبينا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل الثاني، ولما بينه وبينه من

1 تاريخ آداب العرب للرافعي 2/ 152، حاشية 1.

2 راجع كشف الظنون 1/ 120.

3 هوعبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد واضع أصول البلاغة، أشهر كتبه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" توفي سنة 471هـ "إنباه الرواة 2/ 182".

4 سورة مريم 4.

ص: 314

الاتصال والملابسة كقولهم: طاب زيد نفسا، وقر عمرو عينا، وتصبب عرقا، وكرم أصلا، وحسن وجها، وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه، وذلك أنا نعلم أن " اشتعل" للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس فقط كما أن طاب للنفس، كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخي به هذا المذهب، أن تدع هذا الطريق فيه وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحا، فتقول: اشتعل الرأس، والشيب في الرأس، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن، وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن قلت: فما السبب في أن كان "اشتعل" إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول، وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه، وأنه قد استقر به، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا يكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة، ووزان ذلك أن تقول: اشتعل البيت نارا، فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول: اشتعلت النار في البيت، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبًا منه، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة، ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل:{فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} 1 التفجير للعيون في المعنى، وواقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال على الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا مثل الذي حصل هناك، وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء كان يفور من كل مكان فيها، ولو أجري اللفظ على ظاهره

سورة القمر 12.

ص: 315

فقيل: وفجرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض، ولم يفد ذلك، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن فيها1.

وآثرنا أن ننقل هذا النص برمته -على طوله- لكيلا نذهب بتصرفنا فيه جمال فكرته، ولقد بدا لنا عبد القاهر -بعبارته الفياضة هذه- مشغوفا بالتصوير القرآني، ناعما بأخيلته البارعة، مدركا تناسقه الجمالي الأخاذ، وإن كان هنا كسواه من بلغاء عصره واقفا عند لمحة من لمحات القرآن الجزئية، غير مستوف خصائص العامة، ولا طريقته الموحدة في التعبير المتحرك النابض بالحياة.

ثم يأتي بعد الواسطي الرماني2 "ت384" بكتابه في "الإعجاز"، ولم يصدر فيه عن رأي مبتكر، ولا استشفاف أدق لأسلوب القرآن، ثم يضع القاضي أبو بكر الباقلاني "ت403" كتابه المشهور "إعجاز القرآن" الذي جمع فيه كثيرا من المباحث البلاغية القرآنية ولكنه -على سعته وشموله- لا يصور إلا الفكرة السائدة عن الإعجاز في عصره، ممزوجة بالمسائل الكلامية الكثيرة التي تفقد الكتاب سماته في استقصاء الجمال الفني في القرآن.

نخلص من هذا كله إلى أن الباحثين القدامى في البلاغة القرآنية قد شغلوا أنفسهم بمسائل كثيرة هي أبعد ما تكون عن الجو الفني المحض، فلم يتح لهم شغفهم بالتبويب والتقسيم فرصة لإدراك الخصائص العامة المشتركة التي يصدر عنها كتاب الله في تصويره وتعبيره، فيهز النفوس، ويحرك المشاعر، ويفيض الدموع.

على أن النهضة الأدبية العربية في القرن الأخير قد وجهت أنظار الباحثين

1 دلائل الإعجاز ص79-80 وانظر تلخيص البيان للشريف الرضي ص220.

2 وقد طبعت رسالته "النكت في إعجاز القرآن" في دار المعارف بالقاهرة مع كتاب "بيان إعجاز القرآن" للخطابي، ورسالة عبد القاهر الجرجاني المسماة "بالرسالة الشافية" بتحقيق الدكتور محمد خلف الله والأستاذ محمد زغلول سلام.

ص: 316

إلى مقالات جديدة في عناصر الجمال الفني في القرآن، فللسيد رشيد رضا صاحب المنار لمحات موفقة في فهم القرآن، ومثل ذلك لأستاذه الشيخ محمد عبده، والسيد رشيد يذكرها له في تفسيره، ولمصطفى صادق الرافعي كلمات رائعة في هذا المجال في الجزء الثاني من كتابه "تاريخ آداب العرب" وقد خصه بالقرآن والبلاغة النبوية"، ولسيد قطب بعد هذا كله في كتابه "التصوير الفني في القرآن" تخريجات ذكية، واستنباطات سديدة، وأفكار ناضجة، في استلهام الجمال القرآني بأسلوب مشرق جذاب.

ولقد عني مصطفى صادق الرافعي عناية خاصة بالنظم الموسيقي في القرآن، فرأى:"أنه مما لا يتعلق به أحد، ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه، مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة والرخاوة، والتفخيم والترقيق، والتفشي والتكرير"1.

ولا بد لنا من ذكر بعض الأمثلة التي سردها، ليزداد رأيه وضوحا قال: "ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف، ومساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ولا تساغ، وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة.

1 تاريخ آداب العرب، للرافعي 2/ 225.

ص: 317

من ذلك لفظ "النُذُر" جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه. ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفى في طبيعته من قوله تعالى:{لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} 1 فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله، وتذوق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حس السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال {لَقَدْ} وفي الطاء من {بَطْشَتَنَا} وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو {تَمَارَوْا} مع الفصل بالمد كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، لكيون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها، كما تكون الأحماض في الأطعمة"2.

ويرى الرافعي أن القرآن كان "نمطا واحد في القوة والإبداع، وأن مرد ذلك إلى روح التركيب التي تنعطف عليها جوانب الكلام الإلهي، وهذه الروح -على حد تعبيره: "لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن، وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس، ولولاها لم يكن بحيث هو، كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين، إذ تراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها، ثم إلى تأليف هذا النظم، فمن هنا تعلق بعضه على بعض، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت، وإن كان فيما وراء ذلك متعدد الوجوه التي يتصرف فيها من أغراض الكلام ومناحي العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب، كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم وضرب الأمثال إلى نحو مما يدور عليه"3.

1 سورة القمرة 36.

2 تاريخ آداب العرب، للرافعي 2/ 239.

3 تاريخ آداب العرب، للرافعي 2/ 260.

ص: 318

وإنما كان حرص الرافعي على الأصل اللغوي في الإعجاز، والتزامه له وعنايته به، لأنه كان آخذا نفسه بالكشف عن أسرار النظم الموسيقي في القرآن، هذا النظم الذي يشبه السحر والذي ألف العرب على تعاديهم، وكون منهم أمة واحدة تطرب للحن واحد تجتمع عليه قلوبها في الأرض بينما ترتفع به أرواحها في السماء.

وقد نحا سيد قطب في دراسته للقرآن منحى آخر، فلم تكن مفردات القرآن وحدها شاغلة له بموسيقاها، ولا تراكيب القرآن وحدها مستأثرة باهتمامه بتناسقها وترابطها، وإنما كان نظره مركزا في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله، ولقد وجدها في التصوير وراح يتحدث عنها بأسلوب شعري يستهوي النفوس ويهديها بحق إلى جمال القرآن: "التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن: فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة. فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة مجسمة مرئية، فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة، فيها الحياة وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل. فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الأحداث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنم عن الأحاسيس المضمرة.

إنها الحياة هنا، وليست حكاية الحياة.

ص: 319

فإذا ما ذكرنا أنا لأداة التي تصور المعنى الذهني والحالة النفسية، وتشخص النموذج الإنساني أو الحادث المرئي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور، ولا شخوص تعبر، أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن"1.

وفي الفصول التي تلي هذا الفصل من كتابه "التصوير الفني في القرآن" أنشأ سيد قطب يذكر الدليل إثر الدليل على صحة نظرته، وسلامة فكرته، فعقد فصلا للتخييل الحسي والتجسيم، وفصلا للتناسق الفني، وثالثا للقصة في القرآن، ثم عرض بعض النماذج الإنسانية التي تنطق بها الآيات مؤكدا في نهاية المطاف أن الجدل القرآني قائم على ضرب من المنطق الوجداني الذي تشترك فيه "الألفاظ المعبرة، والتعبيرات المصورة، والصور الشاخصة، والمشاهد الناطقة، والقصص الكثيرة"2.

ولعل الغاية التي انتهى إليها سيد قطب من فهم الأسلوب القرآني أن تكون أصدق ترجمة لمفهومنا الحديث لإعجاز القرآن، لأنها تساعد جيلنا الجديد على استرواح الجمال الفني الخالص في كتاب الله، وتمكن الدارسين من استخلاص ذلك بأنفسهم، والاستمتاع به بوجدانهم وشعورهم. ولا ريب أن العرب المعاصرين للقرآن قد سحروا قبل كل شيء بأسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا، حتى إذا فهموه أدركوا جماله ومس قلوبهم بتأثيره، لذلك سنقتصر في بحثنا هذا على الجانب الفني الخالص الذي نجده عنصرا مستقلا بنفسه كافيا لإثبات فكرة الإعجاز وخلود القرآن بأسلوبه الذي يعلو ولا يعلى. أما ما يتساوق مع هذا العنصر الجمالي الفني من الأغراض الدينية والعلمية التي توسع فيها السيد رشيد رضا، كاشتمال القرآن على العلوم الدينية والتشريعية، وتحقيقه مسائل كانت مجهولة للبشر، وعجز الزمان عن

1 سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص33.

2 سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص187.

ص: 320

إبطال شيء منه1 فهي أمور لا سبيل إلى إنكارها بل يقوم عليها من الأدلة والبراهين ما لا يحصى، غير أنها أدخل في معاني الفلسفة القرآنية منها في بلاغة القرآن، وليست هي مادة التحدي لفصحاء العرب، وإنما تحدى القرآن العرب بأن يأتوا بمثل أسلوبه، وأن يعبروا بمثل تعبيره، وأن يبلغوا ذروته التي لا تسامى في التصوير، فما إعجاز هذا الكتاب الكريم إلا سحره. ولقد فعل سحره هذا فعله في القلوب في أوائل الوحي، قبل أن تنزل آياته التشريعية، ونبوءاته الغيبية، ونظراته الكلية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان.

ونحن إذا ألقينا نظرة على كتاب من الكتب التقليدية في "علوم القرآن" -كإتقان السيوطي مثلا- لنستخلص مه ما يتعلق بالأسلوب القرآني فقط باعتباره وجها من وجوه الإعجاز بالنسبة إلى السلف؛ وقعنا على أبواب مختلفة توحي عناوينها بالكثير مما ينطق به مفهومنا الحديث للإعجاز، ولكننا حين نمضي في قراءتها لا نستطيع أن نتملى فيها جمال القرآن، وإنما نكون بها فكرة عن ولوع علمائنا الأقدمين بالتفريع والتبويب واستنباط القواعد البلاغية الكثيرة من الشواهد القليلة، ها هو ذا السيوطي يصهر في "إتقانه" جميع المباحث القرآنية البلاغية التي التقطها من عدد لا يستهان به من المصنفات السابقة، وهو يشير إليها بأمانة وإخلاص، فيدرس تشبيه القرآن واستعارته، وكنايته وتعريضه وحقيقته ومجازه، وحصره واختصاصه، وإيجازه وإطنابه، وخبره وإنشاءه، وجدله وأمثاله وأقسامه، فلا يكاد يفوته فن من فنون القرآن الأدبية، ولا يكاد ينسى جملة مستجادة لأحد المفسرين يبرز بها موطنا من مواطن الجمال القرآني، ونحنى مع ذلك -بإكبارنا العنصر الأسلوبي وإشادتنا به عنصرا أساسيا في الإعجاز- لا نستطيع أن نكتشف في شيء من تلك المباحث التقليدية منبع السحر الأصيل للقرآن. إلا أننا لشديد ثقتنا بأن السحر كامن في صميم النسق القرآني في كل مقطع منه ومشهد، سنستعير بعض عناوين "الإتقان" وبعض الشواهد القرآنية مع تعقيب السيوطي عليها، ثم نتبعها بطريقة فهمنا لها وتملينا مواطن الجمال فيها، ولن يضيرنا أن تكون عناوين أبحاثنا مشتركة، لأن الاصطلاحات الخارجية الشكلية لا تغير شيئا من روحانية القرآن الداخلية العميقة.

1 انظر تفسير المنار، ج1 ص198 إلى 238 "فصل في تحقيق وجوه الإعجاز، بمنتهى الاختصار والإيجاز" وقد جرى على هذا الزرقاني في مناهل العرفان، في بحثه من إعجاز القرآن، ج2 ص227 إلى 278.

ص: 321