المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب ليلة القدر] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٤

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[كِتَابُ الزَّكَاةِ]

- ‌[بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ]

- ‌[بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ]

- ‌[بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ]

- ‌[بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَمِنْ تَحِلُّ لَهُ]

- ‌[بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيَةِ الْإِمْسَاكِ]

- ‌[بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ]

- ‌[بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ]

- ‌[بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ]

- ‌[بَابُ مَنْ لَا يَعُودُ فِي الصَّدَقَةِ]

- ‌[كِتَابُ الصَّوْمِ]

- ‌[بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ]

- ‌[باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم]

- ‌[بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْمِ]

- ‌[بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ]

- ‌[بَابُ الْقَضَاءِ]

- ‌[بَابُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ]

- ‌[باب في توابع لصوم التطوع]

- ‌[بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ]

- ‌[بَابُ الِاعْتِكَافِ]

- ‌[كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ]

- ‌[كِتَابُ الدَّعَوَاتِ]

- ‌[بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ عز وجل وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ]

- ‌[كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى]

- ‌[ثَوَابُ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ]

- ‌[بَابُ رَحْمَةِ اللَّهِ]

- ‌[بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالْمَنَامِ]

- ‌[بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِعَاذَةِ]

الفصل: ‌[باب ليلة القدر]

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

2082 -

عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه، قَالَ:«دَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الْغَدَاءَ يَا بِلَالُ!) قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (نَأْكُلُ رِزْقَنَا، وَفَضْلُ رِزْقِ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ، أَشْعَرْتَ يَا بِلَالُ أَنَّ الصَّائِمَ يُسَبِّحُ عِظَامُهُ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ مَا أَكَلَ عِنْدَهُ؟» ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.

ــ

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)

2082 -

(عَنْ بُرَيْدَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: دَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَغَدَّى) : أَيْ: يَأْكُلُ الْغَدَاءَ، وَهُوَ طَعَامُ أَوَّلِ النَّهَارِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْغَدَاءَ) : بِالنَّصْبِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: أَحْضِرْهُ أَوِ ائْتِهِ (يَا بِلَالُ. قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نَأْكُلُ رِزْقَنَا) : أَيْ: رِزْقَ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّذِي أَعْطَانَا الْآنَ. (وَفَضْلُ رِزْقِ بِلَالٍ) : مُبْتَدَأٌ أَيِ: الرِّزْقُ الْفَاضِلُ عَلَى مَا نَأْكُلُ (فِي الْجَنَّةِ) : أَيْ: جَزَاءٌ لَهُ عَلَى صَوْمِهِ الْمَانِعِ مِنْ أَكْلِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: وَرِزْقُ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ (فَضْلُ) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ رِزْقَهُ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنْ هَذَا الرِّزْقِ زَائِدٌ عَلَيْهِ، وَدَلَّ آخِرُ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ، انْتَهَى. ثُمَّ زَادَ عليه الصلاة والسلام فِي تَرْغِيبِ بِلَالٍ فِي الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ:(أَشْعَرْتَ) : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ: أَمَا عَلِمْتَ ( «يَا بِلَالُ أَنَّ الصَّائِمَ يُسَبِّحُ عِظَامُهُ» ) : لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بِفَضْلِهِ يَكْتُبُ لَهُ ثَوَابَ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ هُوَ نَاشِئٌ عَنْ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَهُوَ صَوْمُهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ إِذَا بُنِيَ الْكَلَامُ عَلَى فَضْلِهِ - تَعَالَى - كَمَا لَا يَخْفَى. (وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِتَأْنِيثِ الْفِعْلَيْنِ (مَا أَكَلَ) : ظَرْفٌ لِ يُسَبِّحُ وَيَسْتَغْفِرُ (عِنْدَهُ) : أَيْ: مَا دَامَ يُؤْكَلُ عِنْدَ الصَّائِمِ جَزَاءً عَلَى صَبْرِهِ حَالَ جُوعِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا مَجْهُولٌ، وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ مُدَلِّسٌ، وَتَصْرِيحُهُ بِالْحَدِيثِ لَا يُفِيدُ مَعَ الْجَهَالَةِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، عَنِ الْمُنْذِرِيِّ.

ص: 1435

[بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ]

ص: 1435

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

2083 -

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

(8)

بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ

أَيْ فَضِيلَتُهَا: وَبَيَانُ أَرْجَى أَوْقَاتِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا يَكْتُبُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَقْدَارِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ الَّتِي تَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4]، وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ - سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 4 - 5] وَمَعْنَاهُ يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ مَا سَيَكُونُ فِيهَا، وَيَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ وَظِيفَتِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ وَتَقْدِيرُهُ لَهُ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهَا لِعِظَمِ قَدْرِهَا وَشَرَفِ أَمْرِهَا، وَأَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى وُجُودِهَا وَدَوَامِهَا إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ تَكُونُ مُنْتَقِلَةً فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ، وَفِي سَنَةٍ أُخْرَى فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: إِنَّمَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لَا تَنْتَقِلُ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا قِيلَ: هِيَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالْأَوْتَارِ مِنَ الْعَشْرِ اهـ. وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالسَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِحْدَى لَيَالِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَهِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ لَيْلَةُ نِصْفِهِ، أَوْ لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: لَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَهَلْ هِيَ خَاصَّةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَالْأَصَحُّ نَعَمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَيُؤَيِّدُهُ سَبَبُ نُزُولِ سُورَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ حَيْثُ كَانَتْ تَسْلِيَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَصِيرَةِ الْعُمْرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ الْقَدْرُ بِتَسْكِينِ الدَّالِ، وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ قَرِينُ الْقَضَاءِ فَتْحَ الدَّالِ، لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ سَبَقَ الزَّمَانَ، وَإِنَّمَا أُرِيدُ بِهِ تَفْصِيلُ مَا قَدْ جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ وَتَبْيِينِهِ وَتَحْدِيدِهِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْقَابِلِ، لِيَحْصُلَ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فِيهَا مِقْدَارًا بِمِقْدَارٍ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

2083 -

(عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَحَرَّوْا) أَيِ: اطْلُبُوا (لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ) أَيْ فِي لَيَالِي الْوِتْرِ (مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) : فِي النِّهَايَةِ: أَيْ: تَعَمَّدُوا طَلَبَهَا فِيهَا، وَاجْتَهِدُوا فِيهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1436

2084 -

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَرَى رُؤْيَاكُمْ، قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

2084 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُرُوا) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ، وَأَصْلُهُ أُرِيُوا أَيْ: أَرَاهُمُ اللَّهُ (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) : أَيْ: تَعْيِينَهَا (فِي الْمَنَامِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: خُيِّلَ لَهُمْ فِي الْمَنَامِ ذَلِكَ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ فِي أَنَّهُ مِنَ الرُّؤْيَا، فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إِلَى التَّجْرِيدِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُ فِي الْمَنَامِ، فَتَنَبَّهْ، فَإِنَّهُ وَجْهٌ نَبِيهٌ. (فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) : أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ (فَبَعْضُهُمْ رَآهَا فِي لَيْلَةِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ، وَبَعْضُهُمْ فِي لَيْلَةِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ، وَكَذَلِكَ رَأَوْهَا جَمِيعُهُمْ) اهـ.

وَلَعَلَّ أَخْذَ الْإِيتَارِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَأَرَادَ بِالسَّبْعِ السَّبْعَ الْمُحَقِّقَ، وَإِلَّا فَأَوَّلُ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ إِنَّمَا هُوَ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ، أَوِ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ، بِنَاءً عَلَى دَوْرِ أَوَّلِ الشَّهْرِ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مَبْنِيٌّ عَلَى دَوْرِ آخِرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ السَّبْعَ الَّتِي تَلِي آخِرَ الشَّهْرِ، أَوْ أَرَادَ السَّبْعَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ قِيلَ: وَهَذَا أَوْلَى لِيَدْخُلَ فِيهَا الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَالثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ اهـ.

وَفِيهِ أَنَّ إِطْلَاقَ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ عَلَى السَّبْعِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ غَيْرُ مُنْطَبِقٍ، فَإِنَّ الْحَادِيَةَ وَالْعِشْرِينَ آخِرُ السَّبْعِ الثَّالِثِ مِنَ الشَّهْرِ، وَأَوَّلُ السَّبْعِ الرَّابِعِ إِنَّمَا هُوَ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ، وَأَوَّلُ أَوْتَارِهَا الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ، فَتَأَمَّلْ خَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السَّبْعُ إِنَّمَا يُذْكَرُ فِي لَيَالِي الشَّهْرِ فِي أَوَّلِ الْعَدَدِ، ثُمَّ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ ثُمَّ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ اهـ. فَلَعَلَّ جَمِيعَ الْأَوَاخِرِ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ السَّبْعِ، وَالتَّحَرِّي لِمُجَرَّدِ طَلَبِهَا، وَالِاجْتِهَادِ فِيهَا بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرَى رُؤْيَاكُمْ، قَدْ تَوَاطَأَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: قَدْ تَوَاطَتْ بِلَا هَمْزَةٍ، وَكُتِبَتِ الْهَمْزَةُ فِي نُسْخَةٍ بِالْحُمْرَةِ بَيْنَ الطَّاءِ وَالتَّاءِ، قِيلَ: أَصْلُهُ تَوَاطَأَتْ بِالْهَمْزَةِ فَقُلِبَتْ أَلِفًا، وَحُذِفَتْ. وَقَدْ رُوِيَ بِالْهَمْزَةِ أَيْضًا، وَالتَّوَاطُؤُ التَّوَافُقُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ بِطَاءٍ ثُمَّ تَاءٍ وَهُوَ مَهْمُوزٌ، وَكَانَ يِنْبَغِي أَنْ يُكْتُبَ بِالْأَلِفِ بَيْنِ الطَّاءِ وَالتَّاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَهْمُوزًا. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -:{لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: 37] وَقَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمُوَاطَأَةُ الْمُوَافَقَةُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ بِرَجُلِهِ مَوْطِأَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ اهـ. أَيْ: تَوَافَقَتْ (فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) : أَيْ: عَلَيْهَا (فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا) : أَيْ: طَالِبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقَاصِدَهَا، أَوْ مُرِيدًا طَلَبَهَا فِي أَحْرَى الْأَوْقَاتِ بِالطَّلَبِ مِنْ تَحَرَّى الشَّيْءِ إِذَا قَصَدَ حَرَاهُ، أَيْ: جَانِبُهُ أَوْ طَلَبُ الْأَحْرَى. (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: السَّبْعُ الْأَوَاخِرُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا السَّبْعُ الَّتِي تَلِي آخِرَ الشَّهْرِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهَا السَّبْعُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَمْثَلُ لِتَنَاوُلِهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثًا وَعِشْرِينَ. قُلْتُ: وَلِتَحَقُّقِ هَذَا السَّبْعِ يَقِينًا وَابْتِدَاءً، بِخِلَافِ ذَاكَ وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ.

وَقَوْلُهُ: (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: (فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُحَدِّثْ بِمِيقَاتِهَا مَجْزُومًا، فَذَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَا سَمِعَهُ وَرَآهُ هُوَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالَّذِي عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُجِيبُ عَلَى نَحْوِ مَا سُئِلَ عَنْهُ يُقَالُ لَهُ: نَلْتَمِسُهَا فِي لِيَلَةِ كَذَا؟ فَيَقُولُ: الْتَمِسُوهَا فِي لَيْلَةِ كَذَا. فَعَلَى هَذَا تَنَوَّعَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اهـ.

وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَا ذُكِرَ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ مَا يُحْفَظُ حَدِيثٌ وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ؟ ثُمَّ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالذَّاهِبُونَ إِلَى سَبْعٍ وَعِشْرِينَ هُمُ الْأَكْثَرُونَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ عَلِمَ بِالتَّوْقِيتِ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ لِمَا كَانَ فِي حُكْمِ اللَّهِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَعْمِيَتِهَا عَلَى الْعُمُومِ، لِئَلَّا يَتَّكِلُوا وَلِيَزْدَادُوا جِدًّا وَاجْتِهَادًا فِي طَلَبِهَا، وَلِهَذَا السِّرِّ أُرِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أُنْسِيَ اهـ.

ص: 1436

وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لَا يَخْفَى مِنْ تَنَاقُضِ كَلَامِهِ الْأَخِيرِ مَقَالَهُ الْأَوَّلَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ صَاحِبُ النُّبُوَّةِ أُنْسِيَ، فَالْعِلْمُ بِالتَّوْقِيتِ كَيْفَ أَلْغَى هَذَا إِذَا كَانَ الضَّمِيرُ فِي مِنْهُمْ لِلصَّحَابَةِ، وَإِنْ كَانَ لِلْقَوْمِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ، فَفِي إِطْلَاقِ الْعِلْمِ عَلَى مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ الْإِلْهَامِ، وَغَيْرِهِ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 1437

2085 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:( «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

2085 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) . كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] وَلَيْسَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ هَذَا الضَّمِيرُ، أَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَحَذْفُهَا فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ مِنْ تَحْرِيفِ النَّاسِخِ، فَمَحَلُّ بَحْثٍ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةً، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْرِيفًا لَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ النَّسْخُ، وَمُحْيِي السُّنَّةِ عَظِيمُ الْمَرْتَبَةِ، فَالْأَنْسَبُ نِسْبَةُ الْقُصُورِ فِي عَدَمِ الِاطِّلَاعِ إِلَيْنَا، فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي الصَّلَاةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بِلَفْظِ: الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَرَوَى نَصْرٌ عَنْهُ: الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ آخَرَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا بِدُونِ الضَّمِيرِ عَلَى أَنَّ الْجُمْهُورَ جَوَّزُوا النَّقْلَ بِالْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخِلًّا بِالْمَعْنَى. (فِي تَاسِعَةٍ) : بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ (تَبْقَى) : صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْعَدَدِ أَيْ: يُرْجَى بَقَاؤُهَا (وَسَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّاسِعَةَ وَالْعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةَ وَالْعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةَ وَالْعِشْرِينَ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: قَوْلُهُ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ، تَاسِعَةٌ مِنَ الْأَعْدَادِ الْبَاقِيَةِ، وَالرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ سَابِعَةٌ مِنْهَا، وَالسَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ خَامِسَةٌ مِنْهَا. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: تَبْقَى الْأُولَى هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَالثَّانِيَةُ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَالثَّالِثَةُ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، هَكَذَا قَالَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يَصِحُّ مَعْنَاهُ، وَيُوَافِقُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وِتْرًا مِنَ اللَّيَالِي إِذَا كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا، فَإِنْ كَانَ كَامِلًا، فَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي شَفْعٍ، فَتَكُونُ التَّاسِعَةُ الْبَقِيَّةُ لَيْلَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةُ الْبَاقِيَةُ لَيْلَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ الْبَاقِيَةُ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بَعْدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يُصَادِفُ وَاحِدٌ مِنْهُنَّ وِتْرًا، وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي التَّارِيخِ إِذَا جَاوَزُوا نِصْفَ الشَّهْرِ، فَإِنَّمَا يُؤَرِّخُونَ بِالْبَاقِي مِنْهُ لَا بِالْمَاضِي. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1437

2086 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " إِنِّي أَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفْ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي

الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ) . قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ:(فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) وَالْبَاقِي لِلْبُخَارِيِّ.

ــ

2086 -

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ كَذَا فِي النُّسَخِ، وَالظَّاهِرُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَلَعَلَّ إِفْرَادَهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْعَشْرِ (مِنْ رَمَضَانَ) : بَيَانٌ لِلْعِشْرِ (ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) : قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَانَ قِيَاسُهُ الْوُسْطَى، لِأَنَّ الْعَشْرَ مُؤَنَّثٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ، وَوَجْهُ الْأَوْسَطِ أَنَّهُ جَاءَ عَلَى لَفْظِ الْعَشْرِ فَإِنَّ لَفْظَهُ مُذَكَّرٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: الْوُسُطُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ وَاسِطٍ كَبَازِلٍ وَبُذُلٍ، وَبَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْوَاوِ وَفَتْحِ السِّينِ جَمْعُ وُسْطَى كَكُبَرٍ وَكُبْرَى اهـ. فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ الْوُسُطُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ وُسْطَى غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ فُعُلَ بِضَمَّتَيْنِ لَا يَكُونُ جَمْعًا لِفُعْلَى، بَلْ لِنَحْوِ فَاعِلٍ (فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ) : وَهِيَ قُبَّةٌ صَغِيرَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ مِنْ لُبُودٍ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ضُرِبَتْ فِي الْمَسْجِدِ، يُقَالُ لَهَا الْخَرْقَانُ، وَتُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ خَرْكَاهْ. (ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ) : بِسُكُونِ الطَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ: أَخْرَجَهُ مِنَ الْقُبَّةِ (فَقَالَ: إِنِّي اعْتَكَفْتُ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ حِكَايَةَ حَالٍ مَاضِيَةٍ تَصْوِيرًا لِلِاجْتِهَادِ فِي تَحَرِّيهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي نُسْخَةٍ: أَعْتَكِفُ (الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ) : حَالٌ أَيْ: أَطْلُبُ (هَذِهِ اللَّيْلَةَ) : يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ (ثُمَّ أَعْتَكِفُ) : بِالنُّسْخَتَيْنِ (الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَأْنِيثُ الْعَشْرِ، وَتَذْكِيرُهُ أَيْضًا

ص: 1437

لُغَةٌ صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَيَّامِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ، وَيَكْفِي فِي صِحَّتِهَا ثُبُوتُ اسْتِعْمَالِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ أُتِيتُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ أَتَانِي آتٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (فَقِيلَ لِي) : أَيْ: قَالَ لِي الْمَلَكُ (إِنَّهَا) : أَيْ: لَيْلَةَ الْقَدْرِ (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ الْأَوْصَافِ فَوَصَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ وَالْأَوْسَطَ بِالْمُفْرَدِ، وَالْأُخَرَ بِالْجَمْعِ؟ قُلْتُ: تَصَوَّرَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَجَمَعَهُ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْعِشْرِينَ، (فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ) : أَيْ: أَرَادَ الِاعْتِكَافَ (مَعِي) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: مَنْ أَرَادَ مُوَافَقَتِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالِاعْتِكَافِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ وَالْأَوْسَطِ لِئَلَّا يَضِيعَ سَعْيُهُمْ فِي الِاعْتِكَافِ وَالتَّحَرِّي. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ، بَلْ لِإِفْهَامِهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَكِفًا مَعَهُ أَوْلَى، (فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ) : قِيلَ: فَائِدَةُ الْجَمْعِ هُنَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْهَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ بِخِلَافِ الْعَشْرِ الْأَوَّلِ وَالْأَوْسَطِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَمْرُ بِالِاعْتِكَافِ لِلدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: فَلْيَثْبُتْ مِنَ الثُّبُوتِ، وَفِي بَعْضِهَا فَلْيَلْبَثْ مِنَ اللُّبْثِ، وَفِي أَكْثَرِهَا: فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ مِنَ الْمَبِيتِ، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ:" إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ " يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْآخِرَ، وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ الْأَكْثَرُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، فَلَا يُدْرَى أَيَّةُ لَيْلَةٍ هِيَ، وَقَدْ تَتَقَدَّمُ أَوْ تَتَأَخَّرُ، وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ. هَذَا النَّقْلُ عَنْهُمْ فِي الْمَنْظُومَةِ وَالشُّرُوحِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ: وَفِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّهَا تَدُورُ فِي السَّنَةِ تَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَتَكُونُ فِي غَيْرِهِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ رِوَايَةً، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَإِنْ قَالَهُ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ عَتَقَ وَطُلِّقَتْ إِذَا انْسَلَخَ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ لَيْلَةٍ مِنْهُ فَصَاعِدًا لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ الْعَامَ الْقَابِلَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا إِذَا جَاءَ مِثْلُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ رَمَضَانَ الْآتِي قَالَ: وَفِيهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ. قِيلَ: هِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: تِسْعَ عَشْرَةَ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَأَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْمُفِيدَةِ لِكَوْنِهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي ذَلِكَ رَمَضَانَ الَّذِي كَانَ عليه الصلاة والسلام الْتَمَسَهَا فِيهِ، وَالسِّيَاقَاتُ تَدُلُّ عَلَيْهِ لِمَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ وَأَلْفَاظِهَا، كَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاءُ، وَمِنْ عَلَامَاتِهَا أَنَّهَا بَلْجَةٌ أَيْ مُشْرِقَةٌ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. سَاكِنَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا قَارَّةٌ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بِلَا شُعَاعٍ كَأَنَّهَا طُمِسَتْ، كَذَا قَالُوا. وَإِنَّمَا أُخْفِيَتْ لِيُجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا فَيُنَالُ بِذَلِكَ أَجْرُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ، كَمَا أَخْفَى - سُبْحَانَهُ - السَّاعَةَ لِيَكُونُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْ قِيَامِهَا بَغْتَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَقَدْ أُرِيتُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ (هَذِهِ اللَّيْلَةَ) : أَيْ: مُعَيَّنَةً (ثُمَّ أُنْسِيتُهَا) : وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَوْ نُسِّيتَهَا بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، الْمُرَادُ نِسْيَانُ تَعْيِينِهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قِيلَ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي نِسْيَانِهَا أَنْ لَا يَشْتَغِلَ النَّاسُ بِتَعْظِيمِهَا، وَيَتْرُكُوا تَعْظِيمَ سَائِرِ اللَّيَالِي. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمُرَادُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا لَيْلَةُ كَذَا، ثُمَّ أُنْسِيَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْمُخْبِرُ بِذَلِكَ جِبْرِيلُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ اطَّلَعَ عَلَيْهَا فَرَآهَا فَأَمْرٌ مُحْتَمَلٌ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ مُحْتَمَلًا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَفَّالَ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى مَنْ يَقُولُ لَهُ فِي النَّوْمِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَعَلَّهُ كَذَا، وَعَلَامَتُهَا كَذَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ نَفْسَهَا لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُنْسَى أَيْ فِي صَبِيحَتِهَا. (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) : أَيْ: فِي الْمَنَامِ، وَمِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ اتِّحَادُ فَاعِلِهَا وَمَفْعُولِهَا (أَسْجُدُ) : بِالرَّفْعِ حَالٌ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أَنْ أَسْجُدَ أَيْ سَاجِدًا (فِي مَاءٍ وَطِينٍ) : أَيْ: عَلَى أَرْضٍ رَطْبَةٍ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ فِي مَاءٍ وَتُرَابٍ، وَسُمِّيَ طِينًا لِمُخَالَطَتِهِ بِهِ مَآلًا، وَلِلْإِيمَانِ إِلَى غَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ أَوْ لَا. وَمِنْهُ مَا رُوِيَ: كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ

ص: 1438

الطِّينِ، مَعَ مَا فِي الْآيَةِ: خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وَفِي حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ ( «خَمَّرْتُ طِينَةَ آدَمَ بِيَدَيَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» )(مِنْ صَبِيحَتِهَا) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: فِي صَبِيحَتِهَا أَيْ: فِي صَبِيحَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَنُسِّيتُ أَيَّةَ لَيْلَةٍ كَانَتْ. (فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) : أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ (وَالْتَمِسُوهَا مِنْ كُلِّ وِتْرٍ) : أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْعَشْرِ فَإِنَّهُ أَرْجَى لَيَالِيهَا.

(قَالَ) : أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ (فَمَطَرَتْ) : بِفَتْحَتَيْنِ (السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) : أَيِ: الَّتِي أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ بَيْتٌ سَقْفُهُ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ، أَيْ: بُنِيَ عَلَى صَوْغِ عَرِيشٍ، وَهُوَ مَا يُسْتَظَلُّ بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: عَلَى مِثْلِ الْعَرِيشِ، لِأَنَّ عُمُدَهُ كَانَتْ جُذُوعَ النَّخْلِ، فَلَا يَحْمِلُ ثِقَلًا عَلَى السَّقْفِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهَا، فَالْعَرْشُ هُوَ نَفْسُ سَقْفِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُظَلًّا بِالْجَرِيدِ، وَالْخُوصِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ شَيْءٍ آخَرَ يُكِنُّ مِنَ الْمَطَرِ الْكَثِيرِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: فَالْعَرْشُ هُوَ نَفْسُ سَقْفِهِ، مُخَالِفٌ لِمَا فِي النِّهَايَةِ عِيدَانٌ تُنْصَبُ وَيُظَلَّلُ عَلَيْهَا. وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَرِيشُ الْبَيْتُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ كَالْعَرْشِ، انْتَهَى. وَالْبَيْتُ جُدْرَانٌ أَرْبَعَةٌ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ خَشَبٍ. (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) : أَيْ: قَطَرَ سَقْفُهُ وَنَزَلَ مَاءُ الْمَطَرِ مِنْ سَقْفِهِ (فَبَصُرَتْ) : أَيْ: رَأَتْ (عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : قِيلَ: يُقَالُ بَصُرَ بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ: عَلِمَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ لَا بِمَعْنَى عَلِمْتُ، لِأَنَّهُ قَالَ: فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ، وَلَمْ يُورَدْ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ بَصُرَ بِمَعْنَى رَأَى فَلَعَلَّهُ عَلَى حَذْفِ الزَّوَائِدِ اهـ.

يَعْنِي: أَنَّ الْبَصَرَ هُنَا بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ، كَمَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا} [طه: 96] أَيْ: عَلِمْتُ أَوْ رَأَيْتُ. (وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ مِثْلُ قَوْلِكَ: أَخَذْتُ بِيَدَيْ وَنَظَرْتُ بِعَيْنِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي أَمْرٍ يَعِزُّ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِظْهَارًا لِلتَّعَجُّبِ مِنْ حُصُولِ تِلْكَ الْحَالِ الْغَرِيبَةِ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْقَعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَفْعُولًا وَعَلَى جَبْهَتِهِ حَالًا مِنْهُ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: رَأَيْتُ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ الْحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُصَلِّي أَنْ لَا يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يَمْنَعُ مُبَاشَرَةَ بَشَرَةِ الْجَبْهَةِ لِلْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَصَانَهَا عَنِ الطِّينِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ كَيْفَ يَصُونُهَا عَنْهُ، وَسُجُودُهَا عَلَيْهِ جُعِلَ عَلَامَةً لَهُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ جَعَلَهُ عَلَّامَةً لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ صِيَانَةِ الْجَبْهَةِ بِكُورِ عِمَامَةٍ أَوْ كُمٍّ أَوْ ذَيْلٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْبَغَوِيِّ، وَإِلَّا فَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِي أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ.

قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: وَفِيهِ أَنَّ مَا رَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ قَدْ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ يَرَى مِثْلَهُ فِي الْيَقَظَةِ (مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) : يَعْنِي اللَّيْلَةَ الَّتِي رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، كَذَا قِيلَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مِنْ) . بِمَعْنَى (فِي) وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: فَبَصُرَتْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: فَقِيلَ لِي: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالْبَاقِي لِلْبُخَارِيِّ) : أَيْ: لَفْظًا.

ص: 1439

2087 -

وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: ( «لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2087 -

(وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) : مُصَغَّرًا كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الطِّيبِيِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلِذَا قَالَ: وَلَوْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ لَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدِيثٍ آخَرَ، بَلْ رِوَايَةٌ أُخْرَى، وَالِاخْتِلَافُ فِي زِيَادَةِ لَيْلَةٍ، وَاخْتِلَافُ الْعَدَدِ بِأَنَّهُ سَبْعٌ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرُونَ. (قَالَ: لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) : بِجَرِّ لَيْلَةٍ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ عليه الصلاة والسلام بِقِيَامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَيْلَةٌ مَرْفُوعَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : أَيْ: تِلْكَ الرِّوَايَةُ.

ص: 1439

2088 -

وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: «سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ رحمه الله أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ، لَا شُعَاعَ لَهَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2088 -

(وَعَنْ زِرِّ) بِكَسْرِ الزَّاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (بْنِ حُبَيْشٍ) مُصَغَّرًا (قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) أَيْ أَرَدْتُ سُؤَالَهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ (فَقُلْتُ) وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَقُلْتُ بَدَلٌ مِنْ سَأَلْتُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُودِ الْفَاءِ، عَلَى خِلَافٍ فِي جَوَازِ بَدَلِ الْفِعْلِ، ثُمَّ مِنَ الْقَرِيبِ أَنَّهُ قَالَ: وَعَجِيبٌ مِنْ قَوْلِ شَارِحِ الْمَعْنَى أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ فَقُلْتُ عَلَى حَدِّ {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النحل: 98] إِذْ لَا حَاجَةَ لَمَّا قَدَّرَهُ، وَلَيْسَتِ الْآيَةُ نَظِيرَةً لِمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ خَطَأٌ فَاحِشٌ مِنْهُ، وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ قَوْلَهُ - تَعَالَى - {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الأعراف: 204] وَاللَّهُ أَعْلَمُ (إِنَّ أَخَاكَ) أَيْ فِي الدِّينِ وَالصُّحْبَةِ (ابْنَ مَسْعُودٍ) بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ) أَيْ مَنْ يَقُمْ لِلطَّاعَةِ فِي بَعْضِ سَاعَاتِ كُلِّ لَيَالِي السَّنَةِ (يُصِبْ) أَيْ يُدْرِكْ (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أَيْ يَقِينًا لِلْإِبْهَامِ فِي تَبْيِينِهَا، وَلِلِاخْتِلَافِ فِي تَعْيِينِهَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ عَنْ إِمَامِنَا، إِذْ قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِرَمَضَانَ فَضْلًا عَنْ عَشْرِهِ الْأَخِيرِ، فَضْلًا عَنْ أَوْتَارِهِ، فَضْلًا عَنْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ (فَقَالَ) أَيْ أُبَيٌّ رحمه الله دُعَاءٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ (أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ) أَيْ لَا يَعْتَمِدُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الصَّحِيحُ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ الَّذِي مَبْنَى الْفَتْوَى عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُوا إِلَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَيَتْرُكُوا قِيَامَ سَائِرِ اللَّيَالِي، فَيَفُوتُ حِكْمَةُ الْإِبْهَامِ الَّذِي نَسِيَ سَبَبَهَا صلى الله عليه وسلم (أَمَا) التَّخْفِيفُ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) بِالْكَسْرِ أَيِ ابْنَ مَسْعُودٍ أَوَّلًا (قَدْ عَلِمَ) بِطَرِيقِ الظَّنِّ، وَلَفْظُهُ أَمَا إِنَّهُ سَاقِطٌ مِنْ نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ (أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ) أَيْ مُجْمَلًا (وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) أَيْ غَالِبًا (وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) أَيْ عَلَى الْأَغْلَبِ (ثُمَّ حَلَفَ) أَيْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ (لَا يَسْتَثْنِي) حَالٌ أَيْ حَلَفَ حَلِفًا حَازِمًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ عُقَيْبَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْحَالِفُ: لَأَفْعَلَنَّ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ، وَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ جَزْمُ الْحَالِفِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، يُقَالُ حَلَفَ فُلَانٌ يَمِينًا لَيْسَ فِيهَا ثَنْيٌ وَلَا ثَنْوٌ وَلَا ثَنْيَةٌ وَلَا اسْتِثْنَاءٌ كُلُّهَا وَاحِدٌ وَأَصْلُهَا مِنَ الثَّنْيِ وَهُوَ الْكَفُّ وَالرَّدُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ غَيْرَهُ، فَقَدْ رَدَّ انْعِقَادَ ذَلِكَ الْيَمِينِ، فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ جَزَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِلَيْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَحَمَلَ كَلَامَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْعُمُومِ مَعَ إِرَادَةِ الْخُصُوصِ، فَهَلْ هُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فَإِنَّ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ تَنَافِيًا؟ قُلْتُ: لَا، إِذَا ذَهَبَ إِلَى التَّعْرِيضِ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عليه الصلاة والسلام فِي سَارَّةَ أُخْتِي تَعْرِيضًا بِأَنَّهَا أُخْتُهُ فِي الدِّينِ اهـ وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ التَّعْرِيضِ فَتَعْرِضُ لِمَا عَرَضْنَا (إِنَّهَا) مَفْعُولُ حَلَفَ أَيْ إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ (لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ) أَيْ لَهُ (بِأَيِّ شَيْءٍ) مِنَ الْأَدِلَّةِ (تَقُولُ ذَلِكَ) أَيِ الْقَوْلَ (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟) كُنْيَةٌ لِكَعْبٍ (قَالَ: بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالْآيَةِ) أَوْ لِلشَّكِّ أَيْ بِالْأَمَارَةِ (الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ أَيْ أَنَّ الشَّمْسَ (تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ) أَيْ يَوْمَ إِذٍ تَكُونُ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَّهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ الْبَيْضَاءُ فَضَمِيرُ أَنَّهَا لِلْقِصَّةِ (لَا شُعَاعَ لَهَا) وَهَذَا دَلِيلٌ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ عَلَى مَا قُلْنَا إِنَّ عِلْمَهُ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ حَيْثُ بَنَى اجْتِهَادَهُ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لَا شُعَاعَ لَهَا، وَقَدْ رَأَيْتُهَا صَبِيحَةَ لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ طَلَعَتْ كَذَلِكَ، إِذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا إِلَّا بِانْضِمَامِهِ إِلَى كَلَامِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالشُّعَاعُ هُوَ مَا يُرَى مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ عِنْدَ حُدُورِهَا مِثْلُ الْجِبَالِ وَالْقُضْبَانُ مُقْبِلَةٌ إِلَيْكَ كُلَّمَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا، قِيلَ: مَعْنَى لَا شُعَاعَ لَهَا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِهَا وَتَرَدُّدِهَا فِي لَيْلَتِهَا وَنُزُولِهَا إِلَى الْأَرْضِ وَصُعُودِهَا تَسْتُرُ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَجْسَامِهَا اللَّطِيفَةِ ضَوْءَ الشَّمْسِ اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْأَجْسَامَ اللَّطِيفَةَ لَا تَسْتُرُ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْكَثِيفَةِ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: غَلَبَ نُورُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ضَوْءَ الشَّمْسِ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ الزَّمَانِيَّةِ مُبَالَغَةً فِي إِظْهَارِ أَنْوَارِهَا الرَّبَّانِيَّةِ لَكَانَ وَجْهًا وَجِيهًا وَتَنْبِيهًا نَبِيهًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَائِدَةُ كَوْنِ هَذَا عَلَّامَةً مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ اللَّيْلَةِ لِأَنَّهُ يُسَنُّ إِحْيَاءُ يَوْمِهَا كَمَا يُسَنُّ إِحْيَاءُ لَيْلِهَا اهـ وَفِي قَوْلِهِ: يُسَنُّ إِحْيَاءُ يَوْمِهَا نَظَرٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَثَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فَائِدَةَ الْعَلَامَةِ أَنْ يَشْكُرَ عَلَى حُصُولِ تِلْكَ النِّعْمَةِ إِنْ قَامَ بِخِدْمَةِ اللَّيْلَةِ، وَإِلَّا فَيَتَأَسَّفُ عَلَى مَا قَالَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَيَتَدَارَكُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ عَلَامَةً فِي أَوَّلِ لَيْلِهَا إِبْقَاءً لَهَا عَلَى إِبْهَامِهَا، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1440

2089 -

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2089 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» ) أَيْ يُبَالِغُ فِي طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِيهَا، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي زِيَادَةِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ (مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِيهِ أَوْ لِلِاغْتِنَامِ فِي أَوْقَاتِهِ وَالِاهْتِمَامِ فِي طَاعَتِهِ وَحُسْنِ الِاخْتِتَامِ فِي بَرَكَاتِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1441

2090 -

وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

2090 -

(وَعَنْهَا) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أَيِ الْأُخَرُ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ التَّصْرِيحُ بِالْأَخِيرِ (شَدَّ مِئْزَرَهُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ إِزَارِهِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَصْدِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى فِعْلٍ شَاقٍّ مُهِمٍّ كَتَشْمِيرِ الثَّوْبِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ زِيَادَةُ: وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّدِّ الْمُبَالَغَةُ فِي الْجِدِّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ: مَعْنَى شَدَّ الْمِئْزَرَ الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَاتِ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَيْرِهِ، وَمَعْنَاهُ التَّشْمِيرُ فِي الْعِبَادَةِ، يُقَالُ: شَدَدْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِئْزَرِي أَيْ تَشَمَّرْتُ لَهُ وَتَفَرَّغْتُ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اعْتِزَالِ النِّسَاءِ وَتَرْكِ النِّكَاحِ، وَدَوَاعِيهِ وَأَسْبَابِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّشْمِيرِ لِلْعِبَادَةِ وَالِاعْتِزَالِ مِنَ النِّسَاءِ مَعًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ أَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تُنَافِي إِرَادَةَ الْحَقِيقَةِ، كَمَا إِذَا قُلْتَ: فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ، وَأَرَدْتَ طُولَ نِجَادِهِ مَعَ طُولِ قَامَتِهِ، كَذَلِكَ صلى الله عليه وسلم لَا يُسْتَعْبَدُ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَدَّ مِئْزَرَهُ ظَاهَرًا، وَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا، وَإِلَيْهِ يَرْمُزُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

دَنَيْتُ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا

جُهْدَ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا حَوْلَهُ الْأُزُرَا

اهـ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ اللَّفْظَ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ الْمُمْكِنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْطُ ذَلِكَ إِرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَهُمَا مَعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا، وَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ شَدِّ الْإِزَارِ حَقِيقَةً بَعِيدٌ عَنِ الْمُرَادِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَأَحْيَا لَيْلَهُ) أَيْ غَالِبَهُ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيِ اسْتَغْرَقَ بِالسَّهَرِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ فَمَعْنَاهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِكَرَاهَةِ لَيْلَةٍ أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ عَشْرٍ اهـ وَلَا يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ مَبْنَاهُ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّمَا حَمَلْنَا اللَّيْلَ عَلَى غَالِبِهِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَا سَهَرَ جَمِيعَ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ إِحْيَاءِ لَيَالِيِ الْعِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قُلْتُ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى إِحْيَاءِ أَكْثَرِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي إِحْيَاءِ اللَّيْلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهَا رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ الْعَابِدِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ إِذَا اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ عَنِ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] وَثَانِيهُمَا أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ اللَّيْلِ فَإِنَّ لَيْلَهُ لَمَّا صَارَ بِمَنْزِلَةِ نَهَارِهِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ كَانَ أَحْيَاهُ وَزَيَّنَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: 50] فَمَنِ اجْتَهَدَ فِيهِ وَأَحْيَاهُ كُلَّهُ وَفَّرَ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَامَ فِي بَعْضِهِ أَخَذَ نَصِيبَهُ بِقَدْرِ مَا قَامَ فِيهَا، وَإِلَيْهِ لَمَّحَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِقَوْلِهِ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ حَظَّهُ مِنْهَا اهـ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا، " «وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا، وَهُوَ يُحْتَمَلُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِانْضِمَامِ الْعِشَاءِ كَإِحْيَاءِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصُّبْحُ مَزِيَّةً عَلَى الْعِشَاءِ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِيهِ أَصْعَبُ وَأَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ أَمَرَ بِإِيقَاظِهِمْ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ لِلْعِبَادَةِ وَطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه: 132] وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 1441

(الْفَصْلُ الثَّانِي)

2091 -

«عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعَفُ عَنِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

ــ

(الْفَصْلُ الثَّانِي)

2091 -

(عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبَرَنِي (إِنْ عَلِمْتُ) جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ (أَيُّ لَيْلَةٍ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَالْجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ لَعَلِمْتُ تَعْلِيقًا، قِيلَ: الْقِيَاسُ أَيَّةُ لَيْلَةٍ فَذُكِرَ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ كَمَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " أَيُّ أَيَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ "، بِاعْتِبَارِ الْكَلَامِ وَاللَّفْظِ (مَا أَقُولُ) مُتَعَلِّقٌ بِأَرَأَيْتَ (فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَا أَقُولُ فِيهَا جَوَابُ الشَّرْطِ، وَكَانَ حَقُّ الْجَوَابِ أَنْ يُؤْتَى بِالْفَاءِ، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ، أَقُولُ: شَرْطُ صِحَّةِ الْحَدِيثِ الضَّبْطُ وَالْحِفْظُ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى السَّقْطِ وَالْغَلَطِ، وَالْمَدَارُ عَلَى الرِّوَايَةِ لَا عَلَى الْكِتَابَةِ، أَمَا تَرَى نَظِيرَهُ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ:" أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ ". . . الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا " وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا " نَعَمْ حَذْفُ الْفَاءِ قَلِيلٌ وَالْأَكْثَرُ وَجُودُهَا فِي اللُّغَةِ وَالْكُلُّ جَائِزٌ (قَالَ: قُولِي: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفْوٌ ") أَيْ كَثِيرُ الْعَفْوِ " تُحِبُّ الْعَفْوَ " أَيْ ظُهُورَ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا:" مَا سَأَلَ اللَّهَ الْعِبَادُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَيُعَافِيَهُمْ "" فَاعْفُ عَنِّي " فَإِنِّي كَثِيرُ التَّقْصِيرِ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ الْكَثِيرِ، فَهَذَا دُعَاءٌ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، حَازَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِذَا خَلَقْتَ الْمُذْنِبِينَ، أَوْ تُحِبُّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ غَيْرِكَ أَيْضًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .

ص: 1442

2092 -

وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «الْتَمِسُوهَا - يَعْنَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ فِي خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

ــ

2092 -

(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " الْتَمِسُوهَا " يَعْنَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ) تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ مِنَ الرَّاوِي " فِي تِسْعٍ " أَيْ تِسْعِ لَيَالٍ " يَبْقَيْنَ " بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ وَهِيَ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ " أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ " وَهِيَ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ " أَوْ فِي خَمْسٍ يَبْقَيْنَ " وَهِيَ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ " أَوْ ثَلَاثٍ " أَيْ يَبْقَيْنَ وَهِيَ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ " أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ " مِنْ رَمَضَانَ أَيْ مِنْ سَلْخِ الشَّهْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ التِّسْعُ أَوِ السَّلْخُ، رَجَّحْنَا الْأَوَّلَ بِقَرِينَةِ الْأَوْتَارِ، وَقَالَ مِيرَكُ: قِيلَ: فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ، (وَآخِرِ لَيْلَةٍ) مَحْمُولٌ عَلَى التَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ اهـ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا نَقَصَ الشَّهْرُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

ص: 1442

2093 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ: " هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُبْعَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

ــ

2093 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أَهِيَ فِي كُلِّ السَّنَةِ أَوْ فِي رَمَضَانَ، أَوْ أَهَيِ كُلَّ رَمَضَانَ، أَوْ فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ وَيُؤَيِّدُهُ (قَالَ:" هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بَلْ كُلُّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِامْرَأَتِهِ فِي نِصْفِ رَمَضَانَ أَوْ أَقَلِّ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، لَا تُطَلَّقُ حَتَّى يَأْتِيَ رَمَضَانُ السَّنَةَ الْمُقْبِلَةَ فَتُطَلَّقُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي عُلِّقَ فِيهَا الطَّلَاقُ اهـ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُصَوِّرَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ، أَوْ يَزِيدُ بَعْدَ قَوْلِهِ (أَوْ أَقَلَّ، قَوْلَهُ: أَوْ أَكْثَرَ) ثُمَّ هَذَا التَّفْرِيعُ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ: وَلَيْسَ أَصْلُ الْحَدِيثِ نَصًّا فِي الْمَقْصُودِ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِلِاخْتِلَافِ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ، وَوَقْفِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مِنَ الْأَعْوَامِ فَتَخْتَصُّ بِهِ فَلَا تَتَعَدَّى إِلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، وَثَانِيهُمَا أَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي كُلِّ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَلَا تَخْتَصُّ بِالْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ، لِأَنَّ الْبَعْضَ فِي مُقَابَلَةِ الْكُلِّ فَلَا يُنَافِي وُقُوعَهَا فِي سَائِرِ الْأَشْهُرِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَيَتَفَرَّعَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَا إِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِدُخُولِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا دُوَنَهَا إِلَى السَّلْخِ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إِلَّا فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي عُلِّقَ الطَّلَاقُ فِيهِ بِخِلَافِ غُرَّةِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي السَّلْخِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ مَرْفُوعًا (وَقَالَ) أَيْ أَبُو دَاوُدَ (رَوَاهُ سُفْيَانُ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَوِ الثَّوْرِيُّ (وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ) .

ص: 1442

2094 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: " انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ "، فَقِيلَ لِابْنِهِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

2094 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بِالتَّصْغِيرِ مُخَفَّفًا (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ) أَيْ سَاكِنًا (فِيهَا) قَالَ مِيرَكُ: الْمُرَادُ بِالْبَادِيَةِ دَارُ إِقَامَةٍ بِهَا، فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَيْ إِنَّ لِي دَارًا بِبَادِيَةٍ أَوْ بَيْتًا أَوْ خَيْمَةً هُنَاكَ وَاسْمُ تِلْكَ الْبَادِيَةِ الْوَطَاءَةُ (وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أَعْتَكِفَ، وَفِيهِ أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ بِدُونِ الصَّوْمِ، وَهُوَ إِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ فِي اللَّيْلِ وَيَخْرُجُ فِي الصُّبْحِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ إِدْرَاكَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (فَمُرْنِي) أَمَرَ مِنْ أَمْرٍ مُخَفَّفًا (بِلَيْلَةٍ) زَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: مِنْ هَذَا الشَّهْرِ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ (أَنْزِلُهَا) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، وَقِيلَ: بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، أَيْ أَنْزِلْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ النُّزُولِ بِمَعْنَى الْحُلُولِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَنْزِلْ فِيهَا قَاصِدًا أَوْ مُنْتَهِيًا (إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ حِيَازَةَ فَضِيلَتَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (فَقَالَ: " انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَزِمَ تَعْيِينُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، إِذَا ثَبَتَ أَنَّ نُزُولَهُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ إِلَّا بِالْقَوْلِ بِانْتِقَالِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ، أَوْ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، أَوْ فِي كُلِّ عَشْرٍ، أَوْ يَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، أَوْ يُقَالُ: نُزُولُهُ كَانَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَالتَّخْصِيصُ بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ لِمُنَاسَبَةِ مَكَانِ السَّائِلِ أَوْ حَالِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قِيلَ لَابْنِهِ) أَيْ ضَمْرَةَ (كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟) أَيْ فِي نُزُولِهِ (قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ) أَيْ يَوْمَ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ (فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ) أَيْ مِنَ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ اغْتِنَامًا لِلْخَيْرَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ أَوْ لِحَاجَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَّةٍ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِالْحَاجَةِ الضَّرُورَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ فَلَا يَسْتَقِيمُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِالْحَاجَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَنْتَظِمُ ثُمَّ قَالَ مُسْتَشْعِرًا لِلِاعْتِرَاضِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ: وَقَوْلُهُ لِحَاجَةٍ يُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ وَيَبْقَى وَضَوْءُهُ مِنَ الْعَصْرِ، وَأَنْ يُرِيدَ بِهَا مَا عَدَا حَاجَةَ الْإِنْسَانِ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ إِلَّا فِي حَاجَةٍ أَيْ مَعْهُودَةٍ، إِذِ التَّنْكِيرُ قَدْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ وَهِيَ أَحَدُ ذَيْنِكَ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ (لِحَاجَةٍ) فِي الْأُولَى الْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ ذَيْنِكَ، وَإِلَّا لِحَاجَةٍ فِي الثَّانِيَةِ الْمُرَادُ بِهَا هُمَا، بِخِلَافِهِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ ; فَإِنَّ بَيْنَهُمَا تَنَافِيًا، وَضَرُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَنَافِيَتَيْنِ يُعَيِّنُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِي دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اهـ وَهُوَ تَطْوِيلٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ بِالتَّنْكِيرِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي تَعْلِيلِهِ بِمَعْنَى اللَّامِ، فَلَا تَنَافِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ وُجُودٍ إِلَّا وَعَدَمِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَالْمَصَابِيحِ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا فِي حَاجَةٍ، وَالتَّنْكِيرُ فِي حَاجَةٍ لِلتَّنْوِيعِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلِاعْتِكَافِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ، فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَعَلَى الثَّانِي فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا فِي حَاجَةٍ يَضْطَرُّ إِلَيْهَا الْمُعْتَكِفُ اهـ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاعْتِكَافُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ عَلَى الِاعْتِكَافِ النَّفْلِيِّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ (حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: بَادِيَتَهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَحَدِيثُهُ يَصِحُّ إِذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ، وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.

ص: 1443

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)

2095 -

عَنْ عُبَادَةَ بْن ِ الصَّامِتِ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: " خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)

2095 -

(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَنَازَعَ وَتَخَاصَمَ (رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قِيلَ: هُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَيْ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي لِلْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَأَمَرَهُ صلى الله عليه وسلم بِوَضْعِ شَطْرِ دَيْنِهِ عَنْهُ فَوَضَعَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (فَقَالَ:" «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تَعْيِينًا عَنْ خَاطِرِي فَنَسِيتُ تَعْيِينَهَا لِاشْتِغَالِي بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَهَا رُفِعَتْ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ، إِذْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي " فَالْتَمِسُوهَا "، بَلْ مَعْنَاهُ: فَرُفِعَتْ مَعْرِفَتُهَا الَّتِي يُسْتَنَدُ إِلَيْهَا إِخْبَارُ " وَعَسَى أَنْ يَكُونَ " أَيِ الْإِبْهَامُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ الرَّفْعُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ رَفْعُهَا، وَلَكِنْ فِيهِ إِبْهَامٌ " خَيْرًا لَكُمْ " حَيْثُ يَحُثُّكُمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي جَمِيعِ لَيَالِي الْأَيَّامِ، وَيُخَلِّصُكُمْ عَنِ الْغُرُورِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُسَنُّ كَتْمُهَا لِمَنْ رَآهَا، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ لِنَبِيِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهَا، وَالْخَبَرُ كُلُّهُ فِيمَا قَدَّرَهُ لَهُ، فَيُسْتَحَبُّ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي هَذَا الْأَخْذِ وَقْفَةٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَيْنِهَا، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: إِنَّهَا تَكُونُ فِي لَيْلَةِ كَذَا، ثُمَّ أُنْسِيَ هَذَا، فَالَّذِي أُنْسِيَهُ لَيْسَ لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يَنْسَى، بَلْ عَلِمَ عَيْنَهَا كَمَا تَقَرَّرَ اهـ وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَيْنِهَا جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ الِاطِّلَاعُ أَوَّلًا وَآخِرًا؟ ثُمَّ إِنَّمَا يَكُونُ الِاسْتِنْبَاطُ وَالْأَخْذُ بِالْمُقَايَسَةِ عِنْدَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْنِهَا، بَلْ فِي نِسْيَانِ مَعْرِفَتِهَا، وَإِلَّا فَالْمُتَابَعَةُ عَلَى تَقْدِيرِ الِاطِّلَاعِ لِأَمْرِهِ بِالْإِخْفَاءِ، فَمِنْ أَيْنَ لِغَيْرِهِ الِاطِّلَاعُ الْمَجْزُومُ بِهَا؟ فَإِنَّ طَرِيقَ الْكَشْفِ ظَنِّيٌّ، وَوَجْهُ الْعَلَامَاتِ الظَّاهِرَةِ فِيهَا غَيْرُ قَطْعِيٍّ، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، كَذَلِكَ فَيَسْتَوِي حِينَئِذٍ إِخْبَارُهُ وَإِخْفَاؤُهُ، وَمَعَ هَذَا كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ يُسَنُّ كَتْمُهَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. " فَالْتَمِسُوهَا " أَيْ فَبَالِغُوا فِي الْتِمَاسِهَا لَعَلَّكُمْ تَجِدُونَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا فَلَا يُنَافِي رَفْعَ عِلْمِ عَيْنِهَا اهـ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِالْتِمَاسِ وُقُوعِهَا كَمَا لَا يَخْفَى إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا بِالْتِمَاسِهَا، وَلَا يَتَخَلَّفُ وُقُوعُهَا عَنْ عَدَمِ الْتِمَاسِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم " الْتَمِسُوهَا " يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ عَيْنِهَا، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يُنَافِي رَفْعَ عِلْمِ عَيْنِهَا، فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ تَكَرَّرَ الزَّلَلُ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ تَبِعَ الطِّيبِيَّ فَوَقَعَ فِيمَا وَقَعَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: رُفِعَتْ مَعْرِفَةُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ، أَقُولُ: لَعَلَّ مُقَدِّرَ الْمُضَافِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رَفْعَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَسْبُوقٌ بِوُقُوعِهَا وَحُصُولِهَا، فَإِذَا حَصَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِرَفْعِهَا بِمَعْنًى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِرَفْعِهَا أَنَّهَا شُرِّعَتْ أَنْ تَقَعَ فَلَمَّا تَلَاحَا ارْتَفَعَتْ، فَنَزَلَ الشُّرُوعُ مَنْزِلَةَ الْوُقُوعِ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فَالْتَمِسُوهَا أَيِ الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا لَا مَعْرِفَتَهَا اهـ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلَعَلَّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ ارْتِفَاعُ عَيْنِهَا، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْحَقُّ نَقْلًا وَعَقْلًا، إِذِ الْمُلَاحَاةُ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِنِسْيَانِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِارْتِفَاعِ وُقُوعِ شَيْءٍ، وَأَيْضًا إِذَا شَرَعَ فِي الْوُقُوعِ ثُمَّ ارْتَفَعَ لَا يَكُونُ مِمَّا يُنْسَى، مَعَ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْوُقُوعِ مِمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ مِنَ الْمَعْنَى، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ " فَالْتَمِسُوهَا " أَيِ الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا لَا مَعْرِفَتَهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى أَصْلِهِ، فَتَدَبَّرْ " فِي التَّاسِعَةِ " أَيِ الْبَاقِيَةِ، وَهِيَ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرُونَ " وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ " عَلَى مَا تَقَدَّمَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1444