المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب الاستغفار والتوبة] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٤

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[كِتَابُ الزَّكَاةِ]

- ‌[بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ]

- ‌[بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ]

- ‌[بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ]

- ‌[بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَمِنْ تَحِلُّ لَهُ]

- ‌[بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيَةِ الْإِمْسَاكِ]

- ‌[بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ]

- ‌[بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ]

- ‌[بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ]

- ‌[بَابُ مَنْ لَا يَعُودُ فِي الصَّدَقَةِ]

- ‌[كِتَابُ الصَّوْمِ]

- ‌[بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ]

- ‌[باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم]

- ‌[بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْمِ]

- ‌[بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ]

- ‌[بَابُ الْقَضَاءِ]

- ‌[بَابُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ]

- ‌[باب في توابع لصوم التطوع]

- ‌[بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ]

- ‌[بَابُ الِاعْتِكَافِ]

- ‌[كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ]

- ‌[كِتَابُ الدَّعَوَاتِ]

- ‌[بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ عز وجل وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ]

- ‌[كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى]

- ‌[ثَوَابُ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ]

- ‌[بَابُ رَحْمَةِ اللَّهِ]

- ‌[بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالْمَنَامِ]

- ‌[بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ]

- ‌[بَابُ الِاسْتِعَاذَةِ]

الفصل: ‌[باب الاستغفار والتوبة]

2322 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّهُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ هِيَ صَلَاةُ الْخَلَائِقِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ. رَوَاهُ رَزِينٌ.

ــ

2322 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ) أَيْ: مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (سُبْحَانَ اللَّهِ هِيَ صَلَاةُ الْخَلَائِقِ) أَيْ: عِبَادَتُهَا وَانْقِيَادُهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ عز وجل:{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41] وَالتَّسْبِيحُ إِمَّا بِالْقَالِ أَوْ بِالْحَالِ، حَيْثُ يَدُلُّ عَلَى الصَّانِعِ وَعَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ) أَيْ: عُمْدَتُهُ وَرَأْسُهُ كَمَا سَبَقَ، (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ) أَيْ: كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الْمُوجِبَةُ خَلَاصَ قَائِلِهَا مِنَ النَّارِ، أَوْ كَلِمَةٌ لَا تَنْفَعُ إِلَّا مَقْرُونَةً بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ، (وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَأُ) : بِالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْكَلِمَةِ، وَتُذَكَّرُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ أَيْ: يَمْلَأُ ثَوَابُهَا أَوْ عَظَمَتُهُ (مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) : إِذْ لَا كَبِيرَ فِيهِمَا إِلَّا حَقِيرٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: وَتَصَوَّرَ مَبْنَاهُ وَتَحَقَّقَ بِمَعْنَاهُ (قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: أَسْلَمَ) أَيْ: إِسْلَامًا كَامِلًا (وَاسْتَسْلَمَ) أَيِ: انْقَادَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (رَوَاهُ رَزِينٌ) .

ص: 1609

[بَابُ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ]

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

2323 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " وَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

(بَابُ الِاسْتِغْفَارِ)

أَيْ: طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَهُوَ قَدْ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ وَقَدْ لَا يَتَضَمَّنُ، وَلِذَا قَالَ:(وَالتَّوْبَةُ) : أَوِ: الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّوْبَةُ بِالْجَنَانِ، وَهِيَ الرُّجُوعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، وَمِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ، ثُمَّ هِيَ أَهَمُّ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَأَوَّلُ مَقَامَاتِ سَالِكِي الْآخِرَةِ، وَالْمَغْفِرَةُ مِنْهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ سَتْرُهُ لِذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا، بِأَنْ لَا يُطْلِعَ عَلَيْهِ أَحَدًا، وَفِي الْآخِرَةِ بِأَنْ لَا يُعَاقِبَهُ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالتَّوْبَةُ فِي الشَّرْعِ تَرْكُ الذَّنْبِ لِقُبْحِهِ، وَالنَّدَمُ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ، وَالْعَزِيمَةُ عَلَى تَرْكِ الْمُعَاوَدَةِ وَتَدَارُكِ مَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَدَارَكَ مِنَ الْأَعْمَالِ بِالْإِعَادَةِ. هَذَا كَلَامُ الرَّاغِبِ، وَزَادَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنْ كَانَ الذَّنْبُ مُتَعَلِّقًا بِبَنِي آدَمَ، فَلَهَا شَرْطٌ آخَرُ، وَهُوَ رَدُّ الْمَظْلَمَةِ إِلَى صَاحِبِهَا أَوْ تَحْصِيلُ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ كَقَضَاءِ صَلَاةٍ فَلَا يُسَامَحُ بِصَرْفِ وَقْتٍ فِي نَفْلٍ وَفَرْضِ كِفَايَةٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْفِسْقِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَتَى تَنَفَّلَ مَثَلًا كَانَ بَاقِيًا فِي الْفِسْقِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَالْبَقَاءُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ فِسْقٌ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. قُلْتُ: كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] قَالَ: يَتَسَامَحُ فِي صَرْفِ الْوَقْتِ إِلَى كَسْبِ مَا يَقُومُ بِمُؤَنِهِ وَمُؤَنِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ لَا فِي أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ مِنْهُ رضي الله عنه وَكُنْتُ أَعْتَقِدُ بِمَضْمُونِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

2323 -

(عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " وَاللَّهِ) : قَسَمٌ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ (إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أَيْ: مِنْ تَقْصِيرِي فِي الطَّاعَةِ، أَوْ مِنْ رُؤْيَةِ نَفْسِي فِي الْعِبَادَةِ، وَلِذَا كَانَ يُعَقِّبُ صَلَاتَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ عَلَى طَرِيقِ التَّرْجِيعِ وَالتَّكْرَارِ (وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) أَيْ: أَرْجِعُ إِلَى أَحْكَامِهِ بَعْدَ إِحْكَامِ شَرَائِعِهِ وَإِعْلَامِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفَارُ إِيمَاءً إِلَى التَّفْرِقَةِ وَالتَّوْبَةُ إِلَيْهِ إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ، أَوِ الِاسْتِغْفَارُ اشْتِغَالٌ بِالْخَلْقِ، وَالتَّوْبَةُ الْتِفَاتٌ إِلَى الْحَقِّ، وَهُوَ مَرْتَبَةٌ لِجَمْعِ الْجَمْعِ، أَوِ الِاسْتِغْفَارُ مُرَاقَبَةٌ وَالتَّوْبَةُ مُشَاهَدَةٌ، أَوِ الِاسْتِغْفَارُ فَنَاءٌ وَالتَّوْبَةُ بَقَاءٌ. (فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ

ص: 1609

سَبْعِينَ مَرَّةً) : يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ لِلرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا جَمِيعًا التَّكْثِيرُ.

قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَوْبَتُهُ صلى الله عليه وسلم كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وَاسْتِغْفَارُهُ لَيْسَ لِذَنْبٍ، لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، بَلْ لِاعْتِقَادِ قُصُورِهِ فِي الْعُبُودِيَّةِ عَمَّا يَلِيقُ بِحَضْرَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَحَثٌّ لِلْأُمَّةِ عَلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَعَ كَوْنِهِ مَعْصُومًا، وَكَوْنِهِ خَيْرَ الْمَخْلُوقَاتِ إِذَا اسْتَغْفَرَ وَتَابَ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَكَيْفَ بِالْمُذْنِبِينَ، وَالِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ بِالْمَقَالِ وَالْفِعَالِ جَمِيعًا، وَالْمَغْفِرَةُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَصُونَ الْعَبْدَ مِنْ أَنْ يَمَسَّهُ عَذَابٌ.

قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَرُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ الْآخَرَ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ. أَمَّا الْمَرْفُوعُ، فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا الْبَاقِي مِنْهُمَا فَالِاسْتِغْفَارُ قَالَ تَعَالَى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] أَقُولُ: إِذَا كَانَ الِاسْتِغْفَارُ يَنْفَعُ الْكُفَّارَ، فَكَيْفَ لَا يُفِيدُ الْمُؤْمِنِينَ الْأَبْرَارَ، وَقِيلَ: اسْتِغْفَارُهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذُنُوبِ الْأُمَّةِ فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 1610

2324 -

وَعَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2324 -

(عَنِ الْأَغَرِّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (الْمُزَنِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ مُزَيْنَةَ مُصَغَّرًا، وَقِيلَ الْجُهَنِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَيُغَانُ) : بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: يُطْبِقُ وَيَغْشَى، أَوْ يَسْتُرُ وَيُغَطِّي (عَلَى قَلْبِي) أَيْ: عِنْدَ إِرَادَةِ رَبِّي (وَإِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أَيْ: لِذَلِكَ الْغَيْنِ عَنْ نَظَرِ الْعَيْنِ بِحِجَابِ الْبَيْنِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْأَيْنِ (فِي الْيَوْمِ) أَيِ: الْوَقْتِ الَّذِي أَرَادَ أَوِ الْوَقْتِ الَّذِي يَغِيبُ الْمُرِيدُ فِي الْمُرَادِ، وَهُوَ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ الصُّوفِيَّةُ بِقَوْلِهِمُ: الصُّوفِيُّ ابْنُ الْوَقْتِ أَوْ أَبُو الْوَقْتِ، وَقَدْ رُئِيَ لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ جِبْرِيلُ، وَالنَّبِيِّ الْمُرْسَلِ نَفْسُهُ الْجَلِيلُ (مِائَةَ مَرَّةٍ) : أُرِيدَ بِهِ الْكَثْرَةُ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ بَسْطَ الزَّمَانِ وَطَيَّ اللِّسَانِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: تُطْبِقُ إِطْبَاقَ الْغَيْنِ وَهُوَ الْغَيْمُ، يُقَالُ: غَيِنَتِ السَّمَاءُ تَغَانُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْغَيْنُ هُوَ الْغَيْمُ، يُقَالُ: غَيَّنَ عَلَيْهِ كَذَا أَيْ: غَطَّى عَلَيْهِ، وَعَلَى قَلْبِي: مَرْفُوعٌ عَلَى نِيَابَةِ الْفِعْلِ، يَعْنِي لَيَغْشَى عَلَى قَلْبِهِ، مَا لَا يَخْلُو بَشَرٌ عَنْهُ مِنْ سَهْوٍ وَالْتِفَاتٍ إِلَى حُظُوظِ النَّفْسِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَنْكُوحٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ كَحِجَابٍ وَغَيْمٍ يُطْبِقُ عَلَى قَلْبِهِ، فَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى حَيْلُولَةً مَا، فَيَسْتَغْفِرُ تَصْفِيَةً لِلْقَلْبِ وَإِزَاحَةً لِلْغَاشِيَةِ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَنْبًا، لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ أَحْوَالِهِ نَقْصٌ وَهُبُوطٌ إِلَى حَضِيضِ الْبَشَرِيَّةِ يُشَابِهُ الذَّنْبَ فَيُنَاسِبُهُ الِاسْتِغْفَارُ. قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ فَتَرَاتٌ وَغَفَلَاتٌ فِي الذِّكْرِ الَّذِي شَأْنُهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَتَرَ أَوْ غَفَلَ عَنْهُ عَدَّهُ ذَنْبًا وَاسْتَغْفَرَ، وَقِيلَ هَمُّهُ بِسَبَبِ أُمَّتِهِ وَمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فَيَسْتَغْفِرُ لَهُ، وَقِيلَ: اشْتِغَالُهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ أُمَّتِهِ وَمُحَارَبَةِ أَعْدَائِهِ وَتَأْلِيفِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُعَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَحْجُبُهُ عَنْ عِظَمِ مَقَامِهِ، وَهُوَ حُضُورُهُ فِي حَضِيرَةِ الْقُدُسِ فَيَعُدُّهُ ذَنْبًا وَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ، وَقِيلَ: كَمَا أَنَّ إِطْبَاقَ الْجَفْنِ عَلَى الْبَاصِرَةِ مِصْقَلَةٌ لَهَا وَحِفْظٌ عَنِ الْغُبَارِ وَالدُّخَانِ وَمَا يَضُرُّهَا، كَذَلِكَ مَا كَانَ يَرِدُ عَلَى قَلْبِهِ وِقَايَةً لَهُ وَحِفْظًا لَهُ عَنْ غُبَارِ الْأَغْيَارِ وَصِقَالَةً لَهُ، فَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَالًا، وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ النُّقْصَانِ كَإِطْبَاقِ الْجَفْنِ، وَبَعْدَ الصَّقْلِ كَانَ يَرَى قُصُورَاتٍ لَازِمَةً لِلْبَشَرِيَّةِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ: لَمَّا كَانَ أَتَمَّ الْقُلُوبِ صَفَاءً وَأَكْثَرَهَا ضِيَاءً، وَكَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ النُّزُولِ إِلَى الرُّخَصِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَى حُظُوظِ النَّفْسِ مِنْ مُعَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهَا، وَكَانَ إِذَا أَعْطَى شَيْئًا نَفْسَهُ أَسْرَعَ كُدُورَتُهُ إِلَى الْقَلْبِ لِكَمَالِ رِقَّتِهِ وَفَرْطِ نُورَانِيَّتِهِ، فَكَانَ إِذَا أَحَسَّ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَلُومُ نَفْسَهُ بِتَرْكِ كَمَالِ الْحُضُورِ وَيَعُدُّهُ تَقْصِيرًا وَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ فَسَّرَ فِي مَقَالِهِ بِمُقْتَضَى حَالِهِ وَفَهْمِ مَعَانِيهِ وَتَحْقِيقِ مَعَانِيهِ، فَكُلُّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُحَقِّقِينَ أَنْ لَا يُقَاسَ الْمُلُوكُ بِالْحَدَّادِينَ، فَكَذَا لَا يُقَاسُ أَحْوَالُ الْقَلْبِ السَّلِيمِ بِمَا يَجْرِي عَلَى الْقَلْبِ السَّقِيمِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُنَزِّهَ قَلْبَهُ عَنِ الذُّنُوبِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَيُئَوِّلَ الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ فِي حَقِّهِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ تَأْوِيلًا حَسَنًا، وَتَفْصِيلُ أَحْوَالِهِ وَبَيَانُ انْتِقَالِهِ مِنْ نُقْصَانِهِ إِلَى كَمَالِهِ يُوكَلُ إِلَى خَالِقِ الْقُلُوبِ وَعَلَّامِ الْغُيُوبِ، وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: عَنْ قَلْبِ مَنْ تَرْوُونَ هَذَا؟ فَقَالُوا: عَنْ قَلْبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَنْ قَلْبِ غَيْرِهِ لَكُنْتُ أُفَسِّرُهُ لَكَ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلِلَّهِ دَرُّهُ فِي انْتِهَاجِهِ مَنْهَجَ الْأَدَبِ وَإِحْلَالِ الْقَلْبِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مَوْقِعَ وَحْيِهِ، وَمَنْزِلَةَ تَنْزِيلِهِ، وَبَعْدُ فَإِنَّ قَلْبَهُ مَشْرَبٌ سُدَّ عَنْ أَهْلِ اللِّسَانِ مَوَارِدُهُ، وَفُتِحَ لِأَهْلِ السُّلُوكِ مَسَالِكُهُ. اهـ. فَالْمُخْتَارُ مَا قَالَ بَعْضُ الْأَخْيَارِ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ هَذَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُخَاضُ فِي مَعْنَاهُ، وَمُجْمَلُ الْكَلَامِ مَا قَالَهُ الْقُطْبُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ رحمه الله: هُوَ غَيْنُ أَنْوَارٍ لَا غَيْنُ أَغْيَارٍ، وَأَقُولُ: هُوَ غَيْنُ الْعَيْنِ لَا غَيْنُ الْغَيْنِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1610

2325 -

وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2325 -

(وَعَنْهُ) أَيْ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ» ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] وَفِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ دَلِيلٌ وَشَاهِدٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ فِي مَقَامِهِ وَحَالِهِ يَحْتَاجُ إِلَى الرُّجُوعِ لِتَرْقِيَةِ كَمَالِهِ، وَأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُقَصِّرٌ فِي الْقِيَامِ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ كَمَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ. قَالَ تَعَالَى:{كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} [عبس: 23] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ) أَيْ: أَرْجِعُ رُجُوعًا يَلِيقُ بِهِ إِلَى شُهُودِهِ أَوْ سُؤَالِهِ أَوْ إِظْهَارِ الِافْتِقَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ (فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) : فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِأَنْ تَرْجِعُوا إِلَيْهِ فِي سَاعَةٍ أَلْفَ مَرَّةٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1611

2326 -

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللَّهِ تبارك وتعالى أَنَّهُ قَالَ: " «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ; فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ; فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ ; فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ; مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ; مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ. وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2326 -

(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِي) أَيْ: بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، يَقَظَةً أَوْ مَنَامًا، بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى (عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ) أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَظَهَرَ فِي هَذَا الْخَيْرِ بَعْضُ أَثَرِهِ، (وَتَعَالَى) أَيْ: عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ فِي الرِّوَايَةِ وَغَيْرِهَا (أَنَّهُ) : ضُبِطَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، فَتَأَمَّلْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (قَالَ: " يَا عِبَادِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِطَابُ لِلثَّقَلَيْنِ لِتَعَاقُبِ التَّقْوَى وَالْفُجُورِ فِيهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْمَلَائِكَةَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُمْ مُدْرَجًا فِي الْجِنِّ لِشُمُولِ الِاجْتِنَانِ لَهُمْ، وَتَوَجُّهُ هَذَا الْخِطَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صُدُورِ الْفُجُورِ، وَلَا عَلَى إِمْكَانِهِ. اهـ. وَكَذَا الْجُوعُ وَالْعُرْيُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْخِطَابِ التَّغْلِيبِيِّ ( «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» ) أَيْ: تَقَدَّسْتُ عَنْهُ وَتَعَالَيْتُ، فَهُوَ فِي حَقِّي كَالْمُحَرَّمِ فِي حَقِّ النَّاسِ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ظُلْمٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ، أَوْ أَنَّهُ التَّعَدِّي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، لِأَنَّ فِعْلَهُ إِمَّا عَدْلٌ، وَإِمَّا فَضْلٌ. (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَحْرِيمًا غَلِيظًا جِدًّا، فَهُوَ آكَدُ مِنْ حُرْمَتِهِ عَلَيْكُمْ، فَلِذَا عَدَلَ إِلَيْهِ. اهـ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعُدُولَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْمُشَارَكَةَ فِي مَعْنَى التَّحْرِيمِ السَّابِقِ، (فَلَا تَظَالَمُوا) : بِفَتْحِ التَّاءِ حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا أَيْ: لَا يَظْلِمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَإِنِّي أَنْتَقِمُ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ:" «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى جل جلاله لَأَنْتَصِرَنَّ لِلْمَظْلُومِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» ". وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42] فَهُوَ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ (يَا عِبَادِي) : كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَخَامَتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ. قَالَهُ

ص: 1611

ابْنُ حَجَرٍ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِيمَاءٌ إِلَى مُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى مُرَاعَاةِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ (كُلُّكُمْ ضَالٌّ) أَيْ: عَنْ كُلِّ كَمَالٍ وَسَعَادَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّةٍ (إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ) : قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ وَصْفُهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا فِي الضَّلَالَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا بِمَا فِي طِبَاعِهِمْ لَضَلُّوا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:" «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ» "، وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام:" كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ التَّوْحِيدُ، وَالْمُرَادَ بِالضَّلَالَةِ جَهَالَةُ تَفْصِيلِ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَحُدُودِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَوَجَدَكَ ضَالًّا} [الضحى: 7] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَاشِقًا (فَاسْتَهْدُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا الْهِدَايَةَ مِنِّي أَيَّ نَوْعٍ مِنْهَا (أَهْدِكُمْ) : إِذْ لَا هَادِيَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنَانِ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ شَرَعَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ تَكْمِيلًا لِلْمَرْتَبَتَيْنِ، مُقْتَصِرًا عَلَى الْأَمْرَيْنِ الْأَهَمَّيْنِ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَكْلُ وَاللُّبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْجَنَّةِ:{إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 118 - 119] وَلَعَلَّ تَرْكَ الظَّمَأِ اكْتِفَاءٌ بِدَلَالَةِ الْمُقَابَلَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] أَيْ: وَالْبَرْدَ، وَتَرْكُ الْمَأْوَى لِشُمُولِ الْكُسْوَةِ الَّتِي هِيَ السُّتْرَةُ لَهُ إِيمَاءٌ أَوْ إِشَارَةٌ (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ) أَيْ: مُحْتَاجٌ إِلَى الطَّعَامِ (إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ) أَيْ: مَنْ أَطْعَمْتُهُ وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ الرِّزْقَ وَأَغْنَيْتُهُ، فَلَا يَشْكُلُ أَنَّ الْإِطْعَامَ عَامٌّ لِلْجَمِيعِ، فَكَيْفَ يَسْتَثْنِي (فَاسْتَطْعِمُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا الطَّعَامَ مِنْ جَنَابِي وَتَيْسِيرَ الْقُوتِ وَالْقُوَّةَ مِنْ بَابِي، (أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ) أَيْ: مُحْتَاجٌ إِلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَإِلَى التَّنَعُّمِ بِأَنْوَاعِ لِبَاسِهِ وَزِينَتِهِ (إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا مِنِّي الْكُسْوَةَ (أَكْسُكُمْ) : بِضَمِّ السِّينِ أَيْ: أُيَسِّرْ لَكُمْ حَالَاتِكُمْ، وَأُزِيلُ عَنْكُمْ مَسَاوِئَ كَشْفِ سَوْآتِكُمْ.

قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ وَكَسَوْتُهُ، إِذْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَحْرُومًا مِنْهُمَا قُلْتُ: الْإِطْعَامُ وَالْكُسْوَةُ لَمَّا كَانَا مُعَبِّرَيْنِ عَنِ النَّفْعِ التَّامِّ وَالْبَسْطِ فِي الرِّزْقِ وَعَدَمُهُمَا عَنِ التَّقْتِيرِ وَالتَّضْيِيقِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ} [الرعد: 26] سَهَّلَ التَّخَيُّلَ عَنِ الْجَوَابِ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إِثْبَاتِ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نَفْيَ الشِّبَعِ وَالْكُسْوَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْمُسْتَثْنَى إِثْبَاتُ الشِّبَعِ وَالْكُسْوَةِ مُطْلَقًا، بَلِ الْمُرَادُ بَسْطُهُمَا وَتَكْثِيرُهُمَا، وَيُوَضِّحُهُ الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي، أَنَّهُ وَضَعَ قَوْلَهُ: كُلُّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُهُ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبَهَاءِ، وَهُوَ عَيْنُ مَا أَخَذَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْهُ، ثُمَّ أَغْرَبَ وَقَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْتُهُ أَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ شَارِحٌ فَتَأَمَّلْهُ.

(يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهِمَا، وَقِيلَ يَجُوزُ ضَمُّهُمَا تَخْفِيفًا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ. فِي الْقَامُوسِ: خَطَأَ فِي ذَنْبِهِ وَأَخْطَأَ: سَلَكَ سَبِيلَ الْخَطَأِ عَامِدًا أَوْ غَيْرَهُ، أَوِ الْخَاطِئُ مُتَعَمِّدُهُ، وَأَخْطَيْتُ لُغَةٌ أَوْ لُثْغَةٌ، هِيَ تَحَوُّلُ اللِّسَانِ مِنْ حَرْفٍ إِلَى حَرْفٍ، وَالْمَعْنَى تُذْنِبُونَ بِالْفِعْلِ، بِاعْتِبَارِ أَكْثَرِهِمْ، وَبِالْقُوَّةِ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: غَيْرُ الْمَعْصُومِينَ إِذْ لَيْسُوا مُرَادِينَ بِهَذَا فَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لِعُمُومِ عِبَادِي الشَّامِلِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، نَعَمْ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ غَيْرُ اسْتِغْفَارِ الْمُذْنِبِينَ. (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أَيْ: فِي هَذَيْنِ الزَّمَانَيْنِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ النَّهَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60] لِغَلَبَةِ الذَّنْبِ فِيهِ. (وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) أَيْ: بِالتَّوْبَةِ أَوْ مَا عَدَا الشِّرْكَ إِنْ شَاءَ جَمْعًا بَيْنَ آيَتِي الزُّمَرِ وَالنِّسَاءِ، أَوْ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالْأَذْكَارِ وَنَحْوِهِمَا. (فَاسْتَغْفِرُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا الْمَغْفِرَةَ مِنِّي (أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي) : بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِّهِ (فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي) : حَذْفُ نُونِ الْإِعْرَابِ مِنْهُمَا فِي نَصْبِهِمَا عَلَى جَوَابِ النَّفْيِ، أَيْ: لَا يَصِحُّ مِنْكُمْ ضُرِّي وَلَا نَفْعِي، فَإِنَّكُمْ لَوِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى عِبَادَتِي أَقْصَى مَا يُمْكِنُ مَا نَفَعْتُمُونِي فِي مُلْكِي، وَلَوِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى عِصْيَانِي أَقْصَى مَا يُمْكِنُ لَمْ تَضُرُّونِي، بَلْ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ

ص: 1612

أَسَأْتُمْ فَلَهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ:(يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْمَوْجُودِينَ (وَآخِرَكُمْ) : مِمَّنْ سَيُوجَدُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: مِنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُكُمْ (وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ تَفْصِيلٌ وَتَبْيِينٌ (كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ) أَيْ: لَوْ كُنْتُمْ عَلَى غَايَةِ التَّقْوَى بِأَنْ تَكُونُوا جَمِيعًا عَلَى تَقْوَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ.

وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ: عَلَى تَقْوَى أَتْقَى أَحْوَالِ قَلْبِ رَجُلٍ، أَيْ: كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ لِيَسْتَقِيمَ أَنْ يَقَعَ أَتْقَى خَبَرًا لِكَانَ، ثُمَّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ كُلَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ هُوَ أَتْقَى النَّاسِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمْعِ بِمَنْزِلَتِهِ لِأَنَّ هَذَا أَبْلَغُ كَقَوْلِكَ: رَكِبُوا فَرَسَهُمْ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7] فِي وَجْهِ إِضَافَةِ أَفْعَلَ إِلَى نَكِرَةٍ مُفْرَدَةٍ تَدُلُّ أَنَّكَ لَوْ تَقَصَّيْتَ قَلْبَ رَجُلٍ مِنْ كُلِّ الْخَلَائِقِ لَمْ تَجِدْ أَتْقَى قَلْبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ. اهـ.

وَلِهَذَا فُسِّرَ بِقَلْبِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم وَقَلْبُ الْأَشْقَى بِقَلْبِ إِبْلِيسَ. (مَا زَادَ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ (فِي مُلْكِي شَيْئًا) : إِمَّا مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مَصْدَرٌ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى (لَنْ يَبْلُغُوا) فَفِي (فَتَنْفَعُونِي) نَشْرٌ مُشَوَّشٌ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَلِمُقَارَبَةِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمُتَوَسِّطِينَ وَيُسَمَّى تَرَقِّيًا وَتَدَلِّيًا وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ} [آل عمران: 106] الْآيَةَ. (يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ) أَيْ: فُجُورِ أَفْجَرِ، أَوْ عَلَى أَفْجَرِ أَحْوَالِهِمْ (قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ) : بِالتَّخْفِيفِ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ (مِنْ مُلْكِي شَيْئًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ. إِنْ قُلْنَا: إِنَّ (نَقَصَ) مُتَعَدٍّ، وَمَفْعُولًا مُطْلَقًا إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَازِمٌ أَيْ نَقَصَ نُقْصَانًا قَلِيلًا، وَالتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّحْقِيرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بَدَلَهُ:(جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: لَنْ يَبْلُغُوا ضُرِّي فَيَضُرُّونِي، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ:(نَقَصَ) مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ فِي الْأَفْصَحِ، وَ (شِيئًا) مَفْعُولُهُ الثَّانِي نَحْوُ: لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا. اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَفْعُولٌ آخَرُ حَتَّى يَكُونَ (شَيْئًا) مَفْعُولَهُ الثَّانِي، وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَهُوَ خَطَأٌ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ فَاعِلُ نَقَصَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَعَيَّنَ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، مَعَ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُ بِالْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ (شَيْئًا) فِيهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَيْ: شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ نَصْبَهُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ: شَيْئًا مِنْ شُرُوطِ الْعَهْدِ، وَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ كَوْنُ (يَنْقُصُوكُمْ) مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، أَيْ: لَمْ يَنْقُصُوا مِنْكُمْ أَيْ مِنْ عُهُودِكُمْ شَيْئًا. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْجُمْهُورُ بِالصَّادِ، وَقُرِئَ بِالضَّادِ أَيْ: عُهُودُكُمْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَ (شَيْئًا) فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا) أَيْ: وَقَفُوا أَوِ اسْتَمَرُّوا (فِي صَعِيدٍ) أَيْ: مَقَامٍ (وَاحِدٍ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الصَّعِيدُ يُطْلَقُ عَلَى التُّرَابِ وَعَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. قُلْتُ: فَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ أَيْضًا مُطَابَقَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ بَعْضَهُمَا يُفَسِّرُ بَعْضًا (فَسَأَلُونِي) أَيْ: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: قَيَّدَ السُّؤَالَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ تَزَاحُمَ السُّؤَالِ وَازْدِحَامَهُمْ مِمَّا يُدْهِشُ الْمَسْئُولَ وَيُهِمُّ وَيَعْسُرُ عَلَيْهِ إِنْجَاحُ مَآرِبِهِمْ وَإِسْعَافُ مَطَالِبِهِمْ، (فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ) أَيْ: فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَفِي مَكَانٍ وَاحِدٍ (مَا نَقَصَ ذَلِكَ) أَيِ: الْإِعْطَاءُ (مِمَّا عِنْدِي) : قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} [الحجر: 21](إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ) أَيْ: كَالنَّقْصِ أَوِ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْقُصُهُ (الْمِخْيَطُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ أَيِ: الْإِبْرَةُ (إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِلْإِدْخَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَا يَنْقُصُهُ الْمِخْيَطُ مَحْسُوسًا وَلَا مُعْتَدًّا بِهِ عِنْدَ الْعَقْلِ، بَلْ كَانَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ كَانَ أَقْرَبَ الْمَحْسُوسَاتِ وَأَشْبَهَهَا بِإِعْطَاءِ حَوَائِجِ الْخَلْقِ كَافَّةً، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْئًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ يُقَالُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، يَعْنِي لَوْ فُرِضَ النَّقْصُ فِي مُلْكِ اللَّهِ لَكَانَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ (يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ) أَيِ: الْقِصَّةُ (أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا) أَيْ: أَحْفَظُهَا وَأَكْتُبُهَا (عَلَيْكُمْ) : كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِلَفْظِ: عَلَيْكُمْ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ

ص: 1613

ابْنِ حَجَرٍ: لَكُمْ. وَقَالَ وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَيْكُمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ جَزَاءُ أَعْمَالِكُمْ، تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمُبْهَمِ، وَقِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ، وَعَلَى أَفْجَرَ قَلْبِ رَجُلٍ، وَهُوَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَالطَّالِحَةُ، أَيْ: لَيْسَ نَفْعُ أَعْمَالِكُمْ رَاجِعًا إِلَيَّ بَلْ إِلَيْكُمْ (ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا) : التَّوْفِيَةُ إِعْطَاءُ حَقٍّ وَاحِدٍ عَلَى التَّمَامِ أَيْ: أُعْطِيكُمْ جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ وَافِيًا تَامًّا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌ. (فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا) أَيْ: تَوْفِيقَ خَيْرٍ مِنْ رَبِّهِ وَعَمَلَ خَيْرٍ مِنْ نَفْسِهِ (فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ) أَيْ: عَلَى تَوْفِيقِهِ إِيَّاهُ لِلْخَيْرِ لِأَنَّهُ الْهَادِي (وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ) أَيْ: شَرًّا أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) : لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى ضَلَالِهِ الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: كُلُّكُمْ ضَالٌّ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وَالشَّرَّ مِنَ النَّفْسِ. وَهَذَا غَرِيبٌ وَعَجِيبٌ مِنْهُ إِذْ تَقَرَّرَ فِي الْمُعْتَقَدِ، وَتَحَرَّرَ فِي الْمُعْتَمَدِ، أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ مِنَ اللَّهِ خَلْقًا، وَمِنَ الْعَبْدِ كَسْبًا، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، نَعَمْ يُنْسَبُ الشَّرُّ إِلَى النَّفْسِ أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ:{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ". وَكَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ تَعْظِيمًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1614

2327 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فَأَتَى رَاهِبًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: أَلَهَ تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا ; فَقَتَلَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

2327 -

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ) أَيْ: مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا) أَيْ: ظُلْمًا (ثُمَّ خَرَجَ) أَيْ: مِنْ بَيْنِهِمْ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْهُمْ مُتَرَدِّدًا (يَسْأَلُ) أَيْ: يَسْتَفْتِي النَّاسَ عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ (فَأَتَى رَاهِبًا) أَيْ: عَابِدًا زَاهِدًا مُعْتَزِلًا عَنِ الْخَلْقِ مُقْبِلًا عَلَى الْحَقِّ غَالِبًا عَلَيْهِ الْخَوْفُ. قَالَ: وَمَنْ لَازِمِهِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) أَيِ: الْقَاتِلُ (أَلَهَ) أَيْ: لِهَذَا الْفِعْلِ أَوْ لِهَذَا الْفَاعِلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ لَهُ: أَيْ: بَعْدَ أَنْ قَصَّ الْقِصَّةَ غَيْرَ مُسْنِدِهَا لِنَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَتَلَ إِلَخْ. أَلَهَ أَيِ الْقَاتِلِ الْمَذْكُورِ (تَوْبَةٌ؟) أَيْ: صَحِيحَةٌ. قِيلَ: لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ الْهَمْزَةُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ قَوْلَهُ: لَهُ تَوْبَةٌ حُذِفَ مِنْهُ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِيهِ تَجْرِيدٌ لِأَنَّ حَقَّ الْقِيَاسِ أَنْ يَقُولَ: أَلِي تَوْبَةٌ؟ وَرَوَى هَلْ لِي تَوْبَةٌ؟ وَفِي نُسْخَةٍ كَمَا فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ: أَلِي تَوْبَةٌ؟ (قَالَ) أَيِ: الرَّاهِبُ فِي جَوَابِهِ (لَا) أَيْ: لَا تَوْبَةَ لَهُ، أَوْ لَكَ ; إِمَّا جَهْلًا مِنْهُ بِعِلْمِ التَّوْبَةِ، وَإِمَّا لِغَلَبَةِ الْخَشْيَةِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِتَصَوُّرِ عَدَمِ إِمْكَانِ إِرْضَاءِ خُصُومِهِ عَنْهُ. (فَقَتَلَهُ) : لَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ أَوْهَمَهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَإِنْ رَضِيَ مُسْتَحِقُّوهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا: لَا، فَقَدْ خَالَفْنَا نُصُوصًا، أَوْ نَعَمْ خَالَفْنَا أَيْضًا أَصْلَ الشَّرْعِ، فَإِنَّ حُقُوقَ بَنِي آدَمَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، بَلْ تَوْبَتُهَا أَدَاؤُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا أَوِ الِاسْتِحْلَالُ مِنْهَا. فَالْجَوَابُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا رَضِيَ عَنْهُ وَقَبِلَ تَوْبَتَهُ يُرْضِي خَصْمَهُ. (وَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ (يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا) : بِاسْمِهَا (وَكَذَا) : بِوَصْفِهَا أَيِ: الْقَرْيَةُ الْفُلَانِيَّةُ الَّتِي أَهْلُهَا صُلَحَاءُ وَتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ فَقَصَدَ تِلْكَ الْقَرْيَةَ. (فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ) أَيْ: أَمَارَاتُهُ وَسَكَرَاتُهُ، فَالْفَاءُ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: فَقَصَدَهَا وَسَارَ نَحْوَهَا وَقَرُبَ مِنْ وَسَطِ طَرِيقِهَا (فَنَاءَ) أَيْ: نَهَضَ وَمَالَ (بِصَدْرِهِ) : لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَجَعَلَهُ (نَحْوَهَا) أَيْ: نَحْوَ الْقَرْيَةِ الْفُلَانِيَّةِ (فَاخْتَصَمَتْ) أَيْ: تَخَاصَمَتْ (فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ) : يَعْنِي: قَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: نَحْنُ نَذْهَبُ بِهِ إِلَى الرَّحْمَةِ لِأَنَّهُ تَائِبٌ لِتَوَجُّهِهِ إِلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ لِلتَّوْبَةِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: نَحْنُ نَذْهَبُ بِهِ إِلَى الْعَذَابِ لِأَنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ وَلَمْ يَتُبْ بَعْدُ. (فَأَوْحَى اللَّهُ) أَيْ: أَلْهَمَ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ الْقَرْيَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا لِلتَّوْبَةِ وَأَمَرَهَا (أَنْ تَقَرَّبِي) : بِفَتْحِ التَّاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ: تَقَرَّبِي إِلَى الْمَيِّتِ (وَإِلَى هَذِهِ) أَيِ: الْقَرْيَةِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا. قَالَهُ الطِّيبِيُّ: أَوِ الْقَرْيَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا

ص: 1614

الرَّاهِبَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، (أَنْ تَبَاعَدِي) : بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: عَنِ الْمَيِّتِ، فَهَذَا فَضْلٌ فِي صُورَةِ عَدْلٌ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَمَنْ قَالَ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَدْ خَالَفَ الرِّوَايَةَ وَالدِّرَايَةَ. (فَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قِيسُوا) : الْخِطَابُ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُتَخَاصِمِينَ أَيْ قَدِّرُوا (مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ، فَإِلَى أَيِّ قَرْيَةٍ أَقْرَبَ فَإِلْحَاقُهُ بِأَهْلِهَا أَوْجَبُ. (فَوُجِدَ) أَيِ: الْمَيِّتُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (إِلَى هَذِهِ) أَيِ: الْقَرْيَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَرْيَةُ الصَّالِحِينَ (أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ) : دَلَّ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِطَالِبِ التَّوْبَةِ، فَضْلًا عَنِ التَّائِبِ، رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى تَوْبَةً نَصُوحًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عَبْدِهِ أَرْضَى عَنْهُ خُصُومَهُ، وَرَدَّ مَظَالِمَهُ، فَفِي الْحَدِيثِ تَرْغِيبٌ فِي التَّوْبَةِ، وَمَنْعُ النَّاسِ عَنِ الْيَأْسِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَفِيهِ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ: «فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلَقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ ; فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» . اهـ. وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ.

ص: 1615

2328 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ــ

2328 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ: إِيجَادُهَا وَإِمْدَادُهَا بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا) أَيْ: أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ، أَوْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ) أَيْ: آخَرِينَ مِنْ جِنْسِكِمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ (يُذْنِبُونَ) أَيْ: يُمْكِنُ وُقُوعُ الذَّنْبِ مِنْهُمْ وَيَقَعُ بِالْفِعْلِ عَنْ بَعْضِهِمْ (فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ) أَيْ: فَيَتُوبُونَ، أَوْ يَطْلُبُونَ الْمَغْفِرَةَ مُطْلَقًا (فَيَغْفِرُ لَهُمْ) : لِاقْتِضَاءِ صِفَةِ الْغَفَّارِ وَالْغَفُورِ ذَلِكَ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى اسْتِيلَاءِ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ الْحَدِيثُ تَسْلِيَةً لِلْمُنْهَمِكِينَ فِي الذُّنُوبِ، كَمَا يَتَوَهَّمُهُ أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - إِنَّمَا بُعِثُوا لِيَرْدَعُوا النَّاسَ عَنْ غِشْيَانِ الذُّنُوبِ، بَلْ بَيَانٌ لِعَفْوِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَجَاوُزِهِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ لِيَرْغَبُوا فِي التَّوْبَةِ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ كَمَا أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْسِنِينَ أَحَبَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنِ الْمُسِيئِينَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَسْمَائِهِ: الْغَفَّارُ، الْحَلِيمُ، التَّوَّابُ، الْعَفُوُّ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ الْعِبَادَ شَأْنًا وَاحِدًا، كَالْمَلَائِكَةِ مَجْبُولِينَ عَلَى التَّنَزُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ، بَلْ يَخْلُقُ فِيهِمْ مَنْ يَكُونُ بِطَبْعِهِ مَيَّالًا إِلَى الْهَوَى مُتَلَبِّسًا بِمَا يَقْتَضِيهِ، ثُمَّ يُكَلِّفُهُ التَّوَقِّي عَنْهُ، وَيُحَذِّرُهُ عَنْ مُدَانَاتِهِ، وَيُعَرِّفُهُ التَّوْبَةَ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ، فَإِنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَالتَّوْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِ أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَجْبُولِينَ عَلَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الذَّنْبُ، فَيَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْغَفَّارَ يَسْتَدْعِي مَغْفُورًا، كَمَا أَنَّ الرَّزَّاقَ يَسْتَدْعِي مَرْزُوقًا.

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَصْدِيرُ الْحَدِيثِ بِالْقَسَمِ رَدٌّ لَمْ يُنْكِرْ صُدُورَ الذَّنْبِ عَنِ الْعِبَادِ وَيَعُدُّهُ نَقْصًا فِيهِمْ مُطْلَقًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِنَ الْعِبَادِ صُدُورَهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ، فَنَظَرُوا إِلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ مَفْسَدَةٌ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى سِرِّهِ أَنَّهُ مُسْتَجْلِبٌ لِلتَّوْبَةِ الَّتِي هِيَ تُوقِعُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَلَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، الْحَدِيثَ. وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي هَذَا إِظْهَارُ صِفَةِ الْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالْغُفْرَانِ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ لَانْثَلَمَ طَرَفٌ مِنْ ظُهُورِ صِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا هُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ يَتَجَلَّى لَهُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْقَهْرِ وَاللُّطْفِ وَالْإِنْعَامِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَمَّا نَظَرُوا إِلَى الْقَهْرِ وَالْجَلَالِ قَالُوا:{أَتُجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] .

ص: 1615

(وَاللَّهُ تَعَالَى حِينَ نَظَرَ إِلَى صِفَةِ اللُّطْفِ وَالْإِكْرَامِ قَالَ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يُلْمِحُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: " لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ " وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: " وَلَمْ يُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ". اهـ. فَهُوَ نَظِيرُ مَا وَرَدَ: " كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1616

2329 -

وَعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ،. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2329 -

(وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ) : قِيلَ: بَسْطُ الْيَدِ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّلَبِ، لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ شَيْئًا مِنْ أَحَدٍ بَسَطَ إِلَيْهِ كَفَّهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْبَسْطُ كِنَايَةٌ عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ وَعَرْضِهَا، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ إِلَى أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ إِلَخْ. فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا، إِذْ قَبُولُ التَّوْبَةِ بِاللَّيْلِ لَيْسَ عِلَّةً لِتَوْبَةِ النَّهَارِ وَعَكْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَبُولِهِ التَّوْبَةَ قَبْلَ وُجُودِهَا، فَالْمَعْنَى يَدْعُو الْمُذْنِبِينَ إِلَى التَّوْبَةِ (بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ) أَيْ لَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ، يُمْهِلُهُمْ لِيَتُوبُوا (وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ) وَقِيلَ: الْبَسْطُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَسُّعِ فِي الْجُودِ وَالْعَطَاءِ وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الْمَنْعِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَكَثْرَةِ تَجَاوُزِهِ عَنِ الذُّنُوبِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَمْثِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مَطْلُوبَةٌ عِنْدَهُ مَحْبُوبَةٌ لَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَتَقَاضَاهَا مِنَ الْمُسِيءِ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) : فَحِينَئِذٍ يُغْلَقُ بَابُهَا. قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام: 158] الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَشْبَاهِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: هَذَا مَخْصُوصٌ لِمَنْ شَاهَدَ طُلُوعَهَا، فَمَنْ وُلِدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ بَلَغَ وَكَانَ كَافِرًا وَآمَنَ، أَوْ مُذْنِبًا فَتَابَ يُقْبَلُ إِيمَانُهُ وَتَوْبَتُهُ لِعَدَمِ الْمُشَاهَدَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1616

2330 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -: " «إِنَّ الْعَبَدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ ; تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

2330 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ) أَيْ: أَقَرَّ بِكَوْنِهِ مُذْنِبًا وَعَرَفَ ذَنْبَهُ (ثُمَّ تَابَ) : أَتَى بِأَرْكَانِ التَّوْبَةِ مِنَ النَّدَمِ وَالْخَلْعِ وَالْعَزْمِ وَالتَّدَارُكِ (تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: قَبِلَ تَوْبَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَحَقِيقَتُهُ، أَنَّ اللَّهَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 1616

2331 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2331 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا حَدٌّ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ. قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام: 158] وَلِقَبُولِهَا حَدٌّ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ أَنْ يُغَرْغِرَ وَيَرَى بَأْسَ اللَّهِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1616

2332 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، كَانَتْ رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ; أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2332 -

(عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَلَّهُ) : بِفَتْحِ لَامِ الِابْتِدَاءِ أَوِ الْقَسَمِ (أَشَدُّ فَرَحًا) أَيْ: رِضًا يَعْنِي: أَرْضَى (بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ) أَيْ: مِنْ فَرَحِ أَحَدِكُمْ وَسُرُورِهِ وَرِضَاهُ، يَعْنِي

ص: 1616

تَقَعُ التَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقَبُولِ وَالرِّضَا مَوْقِعًا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ مَا يُوجِبُ فَرْطَ الْفَرَحِ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ كَمَالُ الرِّضَا، لِأَنَّ الْفَرَحَ الْمُتَعَارَفَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَهِمُوا مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ مَا يُرَغِّبُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَيَكْشِفُ عَنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَمْ يُفَتِّشُوا عَنْ مَعَانِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ السَّلِيمَةُ، وَقَلَّمَا يَزِيغُ عَنْهُ قَدَمُ الرَّاسِخِ. (كَانَ رَاحِلَتُهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: كَانَتْ رَاحِلَتُهُ (بِأَرْضِ فَلَاةٍ) : بِالْإِضَافَةِ وَبِنُونٍ أَيْ: مَفَازَةٌ (فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ) أَيْ: نَفَرَتْ (وَعَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى ظَهْرِهَا (طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) : خُصَّا لِأَنَّهُمَا سَبَبَا حَيَاتِهِ (فَأَيِسَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ وِجْدَانِ الرَّاحِلَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا (فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا) : حَالَ كَوْنِهِ (وَقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ) أَيْ: مِنْ حُصُولِهَا وَوُصُولِهَا (فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ) أَيْ: فِي هَذَا الْحَالِ مُنْكَسِرُ الْبَالِ (وَإِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ) أَيْ: إِذَا الرَّجُلُ حَاضِرٌ بِتِلْكَ الرَّاحِلَةِ حَالَ كَوْنِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَلَا تَعَبٍ (فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا) أَيْ: زِمَامِهَا فَرِحًا بِهَا فَرَحًا لَا نِهَايَةَ لَهُ، ( «ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ» ) : أَيْ: بِسَبْقِ اللِّسَانِ عَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ وَهُوَ: أَنَا عَبْدُكَ وَأَنْتَ رَبِّي (مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) كَرَّرَهُ لِبَيَانِ عُذْرِهِ وَسَبَبِ صُدُورِهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ رُبَّمَا يَقْتُلُ صَاحِبَهُ وَيُدْهِشُ عَقْلَهُ، حَتَّى مَنَعَ صَاحِبَهُ مِنْ إِدْرَاكِ الْبَدِيهِيَّاتِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1617

2333 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْهُ ; فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْهُ ; فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، قَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي ; فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

2333 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ عَبْدًا) أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى أَذْنَبَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خَبَرُ إِنَّ إِذَا كَانَ اسْمُهَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً (رَبِّ) أَيْ: يَا رَبِّ (أَذْنَبْتُ) أَيْ: ذَنْبًا (فَاغْفِرْهُ) أَيِ: الذَّنْبَ. الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ جَعَلَ اعْتِرَافَهُ بِالذَّنْبِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ حَيْثُ أَوْجَبَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِلتَّائِبِينَ الْمُعْتَرِفِينَ بِالسَّيِّئَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْوَعْدِ، وَيَصِحُّ الْأَخْذُ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ سَأَلَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ (فَقَالَ رَبُّهُ) أَيْ: لِلْمَلَائِكَةِ (أَعَلِمَ عَبْدِي) : بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَفِعْلٍ مَاضٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: قِيلَ: إِمَّا اسْتِخْبَارٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ لِلْمُبَاهَاةِ، وَإِمَّا اسْتِفْهَامٌ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّعْجِيبِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْخِطَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَعَلِمْتَ عَبْدِي إِلَى الْغَيْبَةِ شُكْرًا لِصَنِيعِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَإِحْمَادًا لَهُ عَلَى فِعْلِهِ (أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ) أَيْ: إِذَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ (وَيَأْخُذُ بِهِ؟) أَيْ: يُؤَاخِذُ وَيُعَاقِبُ فَاعِلَهُ إِذَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) أَيْ: ذَنْبُهُ (ثُمَّ مَكَثَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا (مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: لَبِثَ مُطِيعًا مُدَّةَ مَشِيئَةِ اللَّهِ (ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا) أَيْ: آخَرَ فَاغْفِرْهُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ التَّوْبَةِ وَبِدُونِهَا (فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا) أَيْ: عَظِيمًا (يَغْفِرُ الذَّنْبَ) أَيِ: الْعَظِيمَ أَوْ جِنْسَ الذَّنْبِ تَارَةً (وَيَأْخُذُ بِهِ؟) أَيْ: أُخْرَى (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) أَيْ: لِتَوْبَتِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ (ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: مِنَ الزَّمَانِ (ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا) : تُفِيدُ (ثُمَّ) تَرَاخِيَ الذُّنُوبِ، وَالثَّانِيَةُ يُؤَكِّدُهَا، هَذَا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الْمُذْنِبِ وَأَنَّ طَاعَتَهُ تَغْلِبُ مَعْصِيَتَهُ وَأَنَّهُ سَرِيعُ الرُّجُوعِ إِلَى طَلَبِ مَغْفِرَتِهِ (فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ) أَيْ: مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ (فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ) أَيْ: بِالِاسْتِغْفَارِ.

ص: 1617

(وَيَأْخُذُ بِهِ؟) أَيْ: عَلَى الْإِصْرَارِ (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) أَيْ: لِأَنَّهُ عَبْدِي بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ ذَنْبٍ: رَبِّي (فَلْيَفْعَلْ) : وَفِي نُسْخَةٍ، وَهِيَ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ: فَلْيَعْمَلْ (مَا شَاءَ) أَيْ: إِذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْحَالِ بِهَذَا الْمِنْوَالِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مَا شَاءَ مِنَ الذَّنْبِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْعِبَادِ، ثُمَّ لْيَتُبْ وَهُوَ تَقْيِيدٌ بِلَا دَلِيلٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، ثُمَّ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلتَّلَطُّفِ وَإِظْهَارِ الْعِنَايَةِ وَالشَّفَقَةِ أَيْ: إِنْ فَعَلْتَ أَضْعَافَ مَا كُنْتَ تَفْعَلُ، وَاسْتَغْفَرْتَ مِنْهُ غَفَرْتُ لَكَ، فَإِنِّي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:" «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ". وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ هُنَا: أَيْ مَا دُمْتَ تَتُوبُ وَتَسْتَغْفِرُ عَنْهَا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ. اهـ. لِأَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ شَرْطًا هُوَ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ مَا دُمْتَ تُذْنِبُ ثُمَّ تَتُوبُ فَسَوْفَ أَغْفِرُ لَكَ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي مَقَامِ السُّخْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] مُرَادًا هُنَا، وَفِي مَقَامِ الْحَفَاوَةِ يَعْنِي مَقَامَ التَّلَطُّفُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَقِّ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ:" «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ". وَكَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُحِبُّهُ وَيُؤْذِيكَ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَلَسْتُ بِتَارِكٍ لَكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْحَثُّ عَلَى الْفِعْلِ بَلْ إِظْهَارِ الْحَفَاوَةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَائِدَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الذَّنْبِ وَإِنْ كَانَ أَقْبَحَ مِنَ ابْتِدَائِهِ، لِأَنَّهُ أَضَافَ إِلَى مُلَابَسَةِ الذَّنْبِ نَقْضَ التَّوْبَةِ، لَكِنَّ الْعَوْدَ إِلَى التَّوْبَةِ أَحْسَنُ مِنَ ابْتِدَائِهَا، لِأَنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهَا مُلَازِمَةَ الطَّلَبِ مِنَ الْكَرِيمِ وَالْإِلْحَاحِ فِي سُؤَالِهِ، وَالِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ لَا غَافِرَ لِلذَّنْبِ سِوَاهُ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الذُّنُوبَ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ مِائَةَ مَرَّةٍ بَلْ أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ وَتَابَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وَلَوْ تَابَ مِنَ الْجَمِيعِ تَوْبَةً وَاحِدَةً صَحَّتْ تَوْبَتُهُ. قُلْتُ: هَذَا الْأَخِيرُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا خَالَفَ مَنْ خَالَفَ إِذَا تَابَ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ، أَوْ إِذَا نَقَضَ التَّوْبَةَ، وَالصَّحِيحٌ صِحَّتُهَا. وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: الِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ أَوْ بِهِمَا. الْأَوَّلُ فِيهِ نَفْعٌ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ، وَلِأَنَّهُ يَعْتَادُ فِعْلَ الْخَيْرِ، وَالثَّانِي نَافِعٌ جِدًّا، وَالثَّالِثُ أَبْلَغُ مِنْهُ، لَكِنَّهُمَا لَا يُمَحِّصَانِ الذَّنْبَ حَتَّى تُوجَدَ التَّوْبَةُ، فَإِنَّ الْعَاصِيَ الْمُصِرَّ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وُجُودَ التَّوْبَةِ مِنْهُ. قُلْتُ: قَوْلُهُ لَا يُمَحِّصَانِ الذَّنْبَ حَتَّى تُوجَدَ التَّوْبَةُ، مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُمَحِّصَانِهِ قَطْعًا وَجَزْمًا، لَا أَنَّهُ لَا يُمَحِّصَانِهِ أَصْلًا، لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ دُعَاءٌ، وَقَدْ يَسْتَجِيبُ اللَّهُ دُعَاءَ عَبْدِهِ فَيُمَحِّصُ ذَنْبَهُ، وَلِأَنَّ التَّمْحِيصَ قَدْ يَكُونُ بِفَضْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ بِطَاعَةٍ مِنَ الْعَبْدِ، أَوْ بِبَلِيَّةٍ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ غَيْرُ مَعْنَى التَّوْبَةِ هُوَ بِحَسَبِ وَضْعِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ غَلَبَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ لَفْظَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مَعْنَاهُ التَّوْبَةُ، فَمَنْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَقَدَهُ فَهُوَ يُرِيدُ التَّوْبَةَ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالِاسْتِغْفَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 3] وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ. اهـ.

وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الشُّرَّاحِ هُنَا حَمَلُوا الِاسْتِغْفَارَ عَلَى التَّوْبَةِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِذَلِكَ سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ، وَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ، بَلْ فِي الْحَدِيثِ تَعْرِيضٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلِيُّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

ص: 1618

2334 -

وَعَنْ جُنْدُبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ: " «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنِّي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» ". أَوْ كَمَا قَالَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

2334 -

(وَعَنْ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ) أَيْ: حَكَى لِأَصْحَابِهِ (أَنَّ رَجُلًا) : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ) : قَالَهُ اسْتِكْثَارًا، أَوِ اسْتِكْبَارًا لِذَنْبِهِ، أَوْ تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ، كَمَا يَصْدُرُ عَنْ بَعْضِ جَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ (وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: وَحَدَّثَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَبِكَسْرِهَا. أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ:

ص: 1618

يَتَحَكَّمُ عَلَيَّ وَيَحْلِفُ بِاسْمِي (أَنِّي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ) أَيْ: رَغْمًا لِأَنْفِكَ (وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ: أَبْطَلْتُ قَسَمَكَ وَجَعَلْتُ حَلِفَكَ كَاذِبًا، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ:" «مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذِّبْهُ» " فَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ ذَا الْكَبِيرَةِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِحْلَالِ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، كَالْكُفْرِ يُحْبِطُ عَمَلَهُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: أَنْتَ الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْخِطَابِ أَوَّلًا شِكَايَةً لِصَنِيعِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِعْرَاضًا عَنْهُ عَلَى عَكْسِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْجَزْمُ بِالْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلَّا لِمَنْ وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ، كَالْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ مِنْ هَذَا كُفْرٌ فَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ، ظَاهِرٌ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَكَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى التَّغْلِيظِ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَبْعُدُ كَوْنُهُ كُفْرًا، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَقَوْلُهُ ظَاهِرٌ أَيْ: عَلَى مَذْهَبِنَا، لِأَنَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُشْتَرَطُ لِلْإِحْبَاطِ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ، لَا يَعْرِفُ فِي مَذْهَبِهِ الْمُعْتَزِلِيِّ أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ تُحْبِطُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّغْلِيظِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (أَوْ كَمَا قَالَ) : شَكَّ الرَّاوِي أَيْ: قَالَ الرَّسُولُ أَوْ غَيْرُهُ مَا ذَكَرْتُهُ، أَوْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّقْلِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ نَقْلُ اللَّفْظِ أَيْضًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 1619

2335 -

وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعَتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» ". قَالَ: " وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

2335 -

(وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتُعِيرَ لَفْظُ السَّيِّدِ مِنَ الرَّئِيسِ الْمُقَدَّمِ الَّذِي يُعْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ لِهَذَا الَّذِي هُوَ جَامِعٌ لِمَعَانِي التَّوْبَةِ كُلِّهَا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ التَّوْبَةَ غَايَةُ الِاعْتِذَارِ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِغْفَارِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَةُ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ، مَعَ أَنَّ جَامِعِيَّتَهُ لِمَعَانِي التَّوْبَةِ مَمْنُوعَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى، إِذَ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الِاعْتِرَافُ بِالذَّنْبِ النَّاشِئُ عَنِ النَّدَامَةِ، وَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ لِلَّهِ وَالْعِبَادِ، فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَصْلًا (أَنْ تَقُولَ) أَيْ: أَيُّهَا الرَّاوِي، أَيْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا (اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي) : أَيْ: وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أَيْ: لِلْعِبَادِ (خَلَقْتَنِي) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلتَّرْبِيَةِ (وَأَنَا عَبْدُكَ) أَيْ: مَخْلُوقُكَ وَمَمْلُوكُكَ، وَهُوَ حَالٌ كَقَوْلِهِ:(وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ) أَيْ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِ الْمِيثَاقِ، وَأَنَا مُوقِنٌ بِوَعْدِكَ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالتَّلَاقِ (مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ: بِقَدْرِ طَاقَتِي، وَقِيلَ: أَيْ عَلَى مَا عَاهَدْتُكَ وَوَعَدْتُكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِكَ، وَالْإِخْلَاصُ مِنْ طَاعَتِكَ، وَأَنَا مُقِيمٌ عَلَى مَا عَهِدْتَ إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكَ وَمُتَمَسِّكٌ بِهِ وَمُنْجِزٌ وَعْدَكَ فِي الْمَثُوبَةِ وَالْأَجْرِ عَلَيْهِ، وَاشْتِرَاطُ الِاسْتِطَاعَةِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ عَنْ كُنْهِ الْوَاجِبِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، أَيْ: لَا أَقْدِرُ أَنْ أَعْبُدَكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، لَكِنْ أَشْهَدُ بِقَدْرِ طَاقَتِي. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَاسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ: مَا اسْتَطَعْتُ مَوْضِعَ الْقَدْرِ السَّابِقِ لِأَمْرِهِ أَيْ: إِنْ كَانَ قَدْ جَرَى الْقَضَاءُ عَلَى أَنْ أَنْقُضَ الْعَهْدَ يَوْمًا، فَإِنِّي لَا أَمِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الِاعْتِذَارِ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي دَفْعِ مَا قَضَيْتُ. (أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ) أَيْ: مِنْ أَجْلِ شَرِّ صُنْعِي بِأَنْ لَا تُعَامِلَنِي بِعَمَلِي (أَبُوءُ لَكَ) أَيْ: أَلْتَزِمُ وَأَرْجِعُ وَأُقِرُّ (بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: الذَّنْبِ الْعَظِيمِ الْمُوجِبِ لِلْقَطِيعَةِ لَوْلَا وَاسِعُ عَفْوِكَ وَجَامِعُ فَضْلِكَ. اهـ. وَهُوَ ذُهُولٌ وَغَفْلَةٌ مِنْهُ أَنَّ هَذَا لَفْظُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ مَعْصُومٌ حَتَّى عَنِ الزَّلَّةِ. وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ طَعَنَ فِي عِبَارَةِ الطِّيبِيِّ، مَعَ كَمَالِ حُسْنِهَا حَيْثُ قَالَ: اعْتَرَفَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ لِيَشْمَلَ كُلَّ الْإِنْعَامِ، ثُمَّ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِأَدَاءِ شُكْرِهَا، وَعَدَّهُ ذَنْبًا مُبَالَغَةً فِي هَضْمِ النَّفْسِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ (فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) أَيْ: مَا عَدَا الشِّرْكَ (إِلَّا أَنْتَ ". قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ قَالَهَا) أَيْ: هَذِهِ الْكَلِمَاتِ (مِنَ النَّهَارِ) أَيْ: فِي بَعْضِ

ص: 1619

أَجْزَائِهِ (مُوقِنًا بِهَا) : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُعْتَقِدًا لِجَمِيعِ مَدْلُولِهَا إِجْمَالًا أَوْ تَفْصِيلًا (فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ) : احْتِيجَ إِلَيْهِ مَعَ كَوْنِ الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ، لِأَنَّ تَعْقِيبَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ كَتَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ قَوْلَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ) أَيْ تَغْرُبَ شَمْسُهُ، فَهُوَ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ وَتَأْكِيدٍ (فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَيْ: يَمُوتُ مُؤْمِنًا فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَا مَحَالَةَ، أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ ( «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ) . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْحِصْنِ: سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ إِذَا جَلَسَ فِي صَلَاتِهِ.

ص: 1620

الْفَصْلُ الثَّانِي

2336 -

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

2336 -

(عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي) : " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أَيْ: مَا دُمْتَ تَدْعُونِي وَتَرْجُونِي يَعْنِي فِي مُدَّةِ دُعَائِكَ وَرَجَائِكَ (غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ) أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ مُسْتَمِرًّا عَلَى مَا وَجَدْتُهُ فِيكَ مِنَ الذَّنْبِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الشِّرْكُ لِخَبَرِهِ تَعَالَى وَلِمَا سَيَأْتِي، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَلَوْ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:(وَلَا أُبَالِي) أَيْ: وَالْحَالُ أَنِّي لَا أَتَعَظَّمُ مَغْفِرَتَكَ عَلَيَّ وَإِنْ كَانَ ذَنْبًا كَبِيرًا أَوْ كَثِيرًا، فَإِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ أَوْ غَلَبَتْ غَضَبِي. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَلَا أُبَالِي مَعْنَى: لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ (ابْنَ آدَمَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: يَا ابْنَ آدَمَ أَيْ هَذَا الْجِنْسَ فَيَشْمَلُ آدَمَ، (لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ: سَحَابَهَا، وَقِيلَ: مَا عَلَا مِنْهَا أَيْ: ظَهَرَ لَكَ مِنْهَا إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ إِلَى السَّمَاءِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَنَانُ: السَّحَابُ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى السَّمَاءِ تَصْوِيرٌ لِارْتِفَاعِهِ، وَأَنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغَ السَّمَاءِ، وَيُرْوَى أَعْنَانَ السَّمَاءِ أَيْ: نَوَاحِيَهَا جَمْعُ عَنَنٍ، وَقِيلَ: إِضَافَتُهُ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 26] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: السَّمَاءُ تُطْلَقُ عَلَى الْجِرْمِ الْمَعْهُودِ، وَعَلَى كُلِّ مَا ارْتَفَعَ كَالسَّحَابِ، فَالْإِضَافَةُ حِينَئِذٍ بَيَانِيَّةٌ أَيْ: سَحَابٌ هُوَ السَّمَاءُ. فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ بِمَعْنَى " مِنَ " الْبَيَانِيَّةِ إِنَّمَا تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُضَافِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ، وَعَلَى غَيْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ أَيْضًا صَادِقًا عَلَى غَيْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ كَخَاتَمِ فِضَّةٍ، وَالْمَعْنَى: لَوْ تَجَسَّمَتْ ذُنُوبُكَ وَمَلَأَتْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. (ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ) أَيْ: إِنْ شِئْتُ (وَلَا أُبَالِي) أَيْ: مِنْ أَحَدٍ وَفِيهِ مَعَ تَكْرِيرِهِ رَدٌّ بَلِيغٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ (ابْنَ آدَمَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: يَا ابْنَ آدَمَ (إِنَّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ) : بِضَمِّ الْقَاف ِ وَيُكْسَرُ أَيْ: بِمِثْلِهَا (خَطَايَا) : تَمْيِيزُ قُرَابِ أَيْ: بِتَقْدِيرِ تَجَسُّمِهَا (ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ لِعَدَمِ الشِّرْكِ وَقْتَ اللُّقِيِّ (لَأَتَيْتُكَ) : وَفِي رِوَايَةٍ. لَآتِيكَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ (بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) : تَمْيِيزٌ أَيْضًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: (ثُمَّ) هَذِهِ لِلتَّرَاخِي فِي الْأَخْبَارِ، وَإِنَّ عَدَمَ الشِّرْكِ مَطْلُوبٌ أَوْلَى، وَلِذَلِكَ قَالَ: لَقِيتَنِي وَقُيِّدَ بِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ يَكْفِي أَنْ يُقَالَ: خَطَايَا لَا تُشْرِكُ بِي.

أَقُولُ: فَائِدَةُ التَّقَيُّدِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ عَلَى التَّوْحِيدِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ.

ص: 1620

2337 -

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

ــ

2337 -

(وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ) .

(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

ص: 1621

2338 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا» ". رَوَاهُ فِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ ".

ــ

2338 -

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: دَلَّ عَلَى أَنَّ اعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِذَلِكَ سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ:" أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ": فِي قَوْلِهِ: " ذُو قُدْرَةٍ " تَعْرِيضٌ " بِالْوَعِيدِيَّةِ " لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّعْرِيضِ قَوْلُهُ:(وَلَا أُبَالِي) : وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا) : فَهُوَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَكَمَالِ الْفَضْلِ، وَلَعَلَّهَا اقْتِضَاءُ الْأَسْمَاءِ الْجَلَالِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الْجَبَرُوتِيَّةِ مِنَ الْقَهَّارِ وَالْمُنْتَقِمِ وَشَدِيدِ الْعِقَابِ وَأَمْثَالِهَا، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ الْمَظَاهِرِ لِآثَارِ السُّخْطِ وَالْغَضَبِ، كَمَا أَنَّ لِلْأَسْمَاءِ الْجَمَالِيَّةِ وَالنُّعُوتِ " الرَّحَمُوتِيَّةِ " مَظَاهِرُ، " وَلِلْغَفَّارِيَّةِ وَالْغَفُورِيَّةِ " مَظَاهِرُ مِمَّنْ يُذْنِبُ وَيَسْتَغْفِرُ فَيُغْفَرُ، وَلِحُصُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْفَضْلِ وَالْعَدْلِ. . . رُوِيَ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ عَادَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: أَتُرَى اللَّهَ يَغْفِرُ لِمِثْلِي؟ فَقَالَ حَمَّادٌ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ مُحَاسَبَةِ اللَّهِ إِيَّايَ وَبَيْنَ مُحَاسَبَةِ أَبَوَيَّ لَاخْتَرْتُ مُحَاسَبَةَ اللَّهِ عَلَى مُحَاسَبَةِ أَبَوَيَّ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِي مِنْ أَبَوَيَّ. اهـ. وَهُوَ جَوَابٌ فِي ضِمْنِ فَصْلِ الْخِطَابِ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ) : بِإِسْنَادِهِ.

ص: 1621

2339 -

وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.

ــ

2339 -

(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " وَمَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ) أَيْ: عِنْدَ صُدُورِ مَعْصِيَةٍ وَظُهُورِ بَلِيَّةٍ، أَوْ مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ فِي كُلِّ نَفَسٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم:" «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ، (جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ) أَيْ: شَدَّةٍ وَمِحْنَةٍ (فَرَجًا) أَيْ: طَرِيقًا وَسَبَبًا يُخْرِجُ إِلَى سِعَةٍ وَمِنْحَةٍ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ وَكَذَا، (وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ) أَيْ: لَا: هَمٌّ يُهِمُّهُ (فَرَجًا) أَيْ: خَلَاصًا (وَرَزَقَهُ) أَيْ: حَلَالًا طَيِّبًا (مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) أَيْ: لَا يَظُنُّ وَلَا يَرْجُو وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْمَعْلُومَ شُؤْمٌ، وَلَعَلَّهُ لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، ولَا يَنْبَغِي التَّعَلُّقُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى الْحَيِّ الْمُطْلَقِ، وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2 - 3] فَتَأَمَّلْ فِي الْآيَةِ فَإِنَّ فِيهَا كُنُوزًا مِنَ الْأَنْوَارِ وَرُمُوزًا مِنَ الْأَسْرَارِ، وَالْحَدِيثُ إِمَّا تَسْلِيَةٌ لِلْمُذْنِبِينَ، فَنَزَلُوا مَنْزِلَةَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ أَرَادَ بِالْمُسْتَغْفِرِينَ التَّائِبِينَ، فَهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ لِأَنَّ الْمُلَازِمَيْنِ لِلِاسْتِغْفَارِ لَمَّا حَصَلَ لَهُمْ مَغْفِرَةُ الْغَفَّارِ، فَكَأَنَّهُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْ " دَاوَمَ الِاسْتِغْفَارَ " وَأَقَامَ بِحَقِّهِ كَانَ مُتَّقِيًا وَنَاظِرًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 10 - 11] الْآيَةَ. رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَيْهِ الْجَدْبَ فَقَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَشَكَا إِلَيْهِ آخَرُ الْفَقْرَ، وَآخَرُ قِلَّةَ النَّسْلِ، وَآخَرُ قِلَّةَ رِيعِ أَرْضِهِ، فَأَمَرَهُمْ كُلَّهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ ; فَقِيلَ لَهُ: شَكَوْا إِلَيْكَ أَنْوَاعًا، فَأَمَرْتَهُمْ كُلَّهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَتَلَا الْآيَةَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.

ص: 1621

2340 -

وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنَّ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.

ــ

2340 -

(وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا أَصَرَّ) : " مَا " نَافِيَةٌ أَيْ: مَا دَامَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (مَنِ اسْتَغْفَرَ) أَيْ: مِنْ كُلِّ سَيِّئَةٍ (وَإِنْ عَادَ) : أَيْ: وَلَوْ رَجَعَ إِلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ أَوْ غَيْرِهِ (فِي الْيَوْمِ) : أَوِ اللَّيْلَةِ (سَبْعِينَ مَرَّةً) : ظَاهِرُهُ التَّكْثِيرُ وَالتَّكْرِيرُ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: الْمُصِرُّ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتَغْفِرْ وَلَمْ يَنْدَمْ عَلَى الذَّنْبِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ إِكْثَارُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْإِصْرَارُ: الثَّبَاتُ وَالدَّوَامُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، يَعْنِي مَنْ عَمِلَ مَعْصِيَةً ثُمَّ اسْتَغْفَرَ فَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُصِرًّا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِغْفَارُ يَرْفَعُ الذُّنُوبَ، وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، فَقَدْ قِيلَ: حَدُّ الْإِصْرَارِ أَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ تَكْرَارًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ، وَحِينَئِذٍ فَنَفْيُ الْإِصْرَارِ ظَاهِرٌ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ لَفْظُهُ مَعَ الذِّلَّةِ وَالِاسْتِصْغَارِ، لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَمْحُو الذَّنْبَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ وَيَشْعُرُ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ كَإِشْعَارِ الْكَبِيرَةِ، وَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَتْ صَغَائِرُ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِهِ أَصْغَرُ الْكَبَائِرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) .

ص: 1622

2341 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

2341 -

(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ) أَيْ: كَثِيرُ الْخَطَأِ، أَفْرَدَ نَظَرًا إِلَى لَفْظِ الْكُلِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: خَطَّاءُونَ نَظَرًا إِلَى مَعْنَى الْكُلِّ. قِيلَ: أَرَادَ الْكُلَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلٌّ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَإِمَّا مَخْصُوصُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ صَغَائِرَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى، أَوْ مِنْ قَبِيلِ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، أَوْ يُقَالُ: الزَّلَّاتُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ بَعْضِهِمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَصْدٌ إِلَى الْعِصْيَانِ. ( «وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ) أَيِ: الرَّجَّاعُونَ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ بِالْإِنَابَةِ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، أَوْ بِالْأَوْبَةِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ.

ص: 1622

2342 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنِ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ــ

2342 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ) أَيْ: ذَنْبًا وَاحِدًا (كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ) أَيْ: حَدَثَتْ فَهِيَ تَامَّةٌ، وَالنُّكْتَةُ: الْأَثَرُ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى السَّيِّئَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِالذَّنْبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ كَانَتْ نُكْتَةٌ أَيِ: الذَّنْبُ بِتَأْوِيلِ السَّيِّئَةِ، وَرُوِيَ بِرَفْعِ نُكْتَةٍ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ فَيُقَدَّرُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ. (فِي قَلْبِهِ) أَيْ: كَقَطْرَةِ مِدَادٍ تَقْطُرُ فِي الْقِرْطَاسِ، وَيَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْمَعْصِيَةِ وَقَدْرِهَا، وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ حَيْثُ قِيلَ: شَبَّهَ الْقَلْبَ بِثَوْبٍ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ وَالْبَيَاضِ، وَالْمَعْصِيَةَ بِشَيْءٍ فِي غَايَةِ السَّوَادِ أَصَابَ ذَلِكَ الْأَبْيَضَ، فَبِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ يَذْهَبُ ذَلِكَ الْجَمَالُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ إِذَا أَصَابَ الْمَعْصِيَةَ صَارَ كَأَنَّهُ حَصَلَ ذَلِكَ السَّوَادُ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ، (فَإِنْ تَابَ) أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ (وَاسْتَغْفَرَ) أَيْ: أَنَابَ إِلَى الرَّبِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَفْظَ الِاسْتِغْفَارِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ كَمَالٌ فِيهَا (صُقِلَ قَلْبُهُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: نَظُفَ وَصَفِيَ مِرْآةُ قَلْبِهِ لِتَجَلِّيَاتِ رَبِّهِ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْقَلَةِ تَمْحُو وَسَخَ الْقَلْبِ وَسَوَادَهُ حَقِيقِيًّا أَوْ تَمْثِيلِيًّا. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ بِلَا شَكٍّ. (وَإِنْ زَادَ) أَيْ: فِي

ص: 1622

الذَّنْبِ أَيْ: بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الذُّنُوبِ (زَادَتْ) أَيِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ أَوْ يَظْهَرُ لِكُلِّ ذَنْبٍ نُكْتَةٍ (حَتَّى تَعْلُوَ) أَيِ: النُّكَتُ (قَلْبَهُ) أَيْ: تُطْفِئُ نُورَ قَلْبِهِ فَتُعْمِي بَصِيرَتَهُ، فَلَا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْحِكَمِ الرَّائِعَةِ، وَتَزُولُ عَنْهُ الشَّفَقَةُ وَالرَّحْمَةُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأُمَّةِ، وَيَثْبُتُ فِي قَلْبِهِ آثَارُ الظُّلْمَةِ وَالْفِتْنَةِ وَالْجَرَاءَةِ عَلَى الْأَذِيَّةِ وَالْمَعْصِيَةِ (فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: فِي كِتَابِهِ (كَلَّا) أَيْ: حَقًّا (بَلْ رَانَ) أَيْ: غَلَبَ وَاسْتَوْلَى (عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أَيْ: مِنَ الذُّنُوبِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا خَيْرٌ قَطُّ. قِيلَ: الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ. أَيْ: فَذَلِكُمُ الْأَثَرُ الْمُسْتَقْبَحُ الْمُسْتَعْلِي، وَإِدْخَالُ اللَّامِ عَلَى رَانَ، وَهُوَ فِعْلٌ إِمَّا لِقَصْدِ حِكَايَةِ اللَّفْظِ وَإِجْرَائِهِ مَجْرَى الِاسْمِ، وَإِمَّا لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْمَصْدَرِ، وَالرَّانُ: بِمَعْنَى الرَّيْنِ وَهُوَ الطَّبْعُ وَالتَّغْطِيَةُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّانُ وَالرَّيْنُ سَوَاءٌ كَالْعَابِ وَالْعَيْبِ، وَالْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ يُشْبِهُهُمْ فِي اسْوِدَادِ الْقَلْبِ، وَيَزْدَادُ ذَلِكَ بِازْدِيَادِ الذَّنْبِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذِهِ الْآيَةُ مَذْكُورَةٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، لَكِنْ ذَكَرَهَا صلى الله عليه وسلم تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْ يَحْتَرِزُوا عَنْ كَثْرَةِ الذَّنْبِ كَيْلَا تَسْوَدَّ قُلُوبُهُمْ كَمَا اسْوَدَّتْ قُلُوبُ الْكُفَّارِ، وَلِذَا قِيلَ: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

ص: 1623

2343 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَابْنُ مَاجَهْ.

ــ

2343 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ) : ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِالْكَافِرِ (مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) أَيْ: مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ إِلَى الْحُلْقُومِ، يَعْنِي: مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْمَوْتِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18] قِيلَ: وَأَمَّا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ حُضُورَهُ بِمُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَحُكْمٌ أَغْلَبِيٌّ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَرَاهُ، وَكَثِيرًا يَرَاهُ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: وَرُدَّ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَرَاهُ فَمُدَّعِي الْعَدَمَ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ. اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَالْمَانِعُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الدَّلِيلُ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مَا لَمْ يُعَايِنِ الرَّجُلُ مَلَكَ الْمَوْتِ، وَمَوْقُوفُهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّ مِثْلَهُ مَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، أَوْ كَلَامُهُ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ بِظَاهِرِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 85] وَتُشِيرُ الْآيَةُ الْمَاضِيَةُ بِأَنَّ الْحُضُورَ حَقِيقَةً لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمَلَكِ، وَأَمَّا لِلْمَوْتِ فَمَجَازٌ، وَالنِّسْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَوْلَى مِنَ الْمَجَازِيَّةِ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] فَالتَّقْدِيرُ حَضَرَ أَحَدَهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَخْصِيصُ غَيْرِهِ بِدَعْوَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَرَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، قِيلَ: جَعَلَ ابْتِدَاءَ قَبْضِ الرُّوحِ مِنَ الرِّجْلِ لِيَبْقَى الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ ذَاكِرًا، وَلِيَتُوبَ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا، وَلِيَسْتَحِلَ مِنَ النَّاسِ عَنِ الْمَظَالِمِ، وَلِيُوَصِّيَ بِالْخَيْرِ، وَلِيَكُونَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: الْغَرْغَرَةُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَشْرُوبُ فِي الْفَمِ، وَيُرَدَّدَ إِلَى أَصْلِ الْحَلْقِ وَلَا يُبْتَلَعَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّوْبَةِ الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِ الذَّنْبِ الْمَتُوبِ مِنْهُ وَعَدَمِ الْمُعَاوَدَةِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ تَمَكُّنِ التَّائِبِ مِنْهُ وَبَقَاءِ أَوَاَنِ الِاخْتِيَارِ، فَإِذَا تَيَقَّنَ الْمَوْتَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، وَهَذَا فِي التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، لَكِنَّ لَوِ اسْتَحَلَّ مِنْ مَظْلَمَةٍ صَحَّ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ أَوْ نَصَّبَ وَلِيًّا عَلَى طِفْلِهِ أَوْ عَلَى خَيْرٍ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ. اهـ. وَجَعْلُهُ عَدَمَ الْمُعَاوَدَةِ شَرْطُ التَّوْبَةِ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ الْمَسْطُورِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: لَوْ أَوْصَى إِلَخْ. فَإِنَّهُ تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْأَحْكَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 1623

2344 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ عز وجل: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ــ

2344 -

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الشَّيْطَانَ) أَيْ: إِبْلِيسَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ: (قَالَ: بِعِزَّتِكَ يَا رَبِّ) ! أَيْ: أُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ الَّتِي لَا تُرَامُ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ وَجَلَالِكَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ رَئِيسُ الضَّلَالِ وَمَظْهَرُ " الْجَلَالِ "، كَمَا أَنَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم مَظْهَرُ الْعِنَايَةِ وَالْجَمَالِ، وَسَيِّدُ أَهْلِ الْهِدَايَةِ وَالْكَمَالِ (لَا أَبْرَحُ) أَيْ: لَا أَزَالُ (أُغْوِي عِبَادَكَ) : بَنِي آدَمَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: أُضِلُّهُمْ. (مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ عز وجل: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي) أَيْ: عُلُوِّ مَرْتَبَتِي وَرِفْعَةِ مَكَانِي (لَا أَزَالُ) : وَفِي رِوَايَةٍ: لَا أَبْرَحُ، وَالْأُولَى أَوْلَى لِلتَّفَنُّنِ وَلِلتَّبْيِينِ (أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي) .

قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى:{لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ - قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ - لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82 - 85] فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُخْلَصِينَ هُمُ النَّاجُونَ فَحَسْبُ، وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخْلَصِينَ هُمْ أَيْضًا نَاجُونَ. قُلْتُ: قَيْدُ قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّنْ تَبِعَكَ أَخْرَجَ الْعَاصِينَ الْمُسْتَغْفِرِينَ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي اتَّبَعَكَ: اسْتَمَرَّ عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى اللَّهِ وَلَمْ يَسْتَغْفِرِ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى التَّوْبَةِ. وَالْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُقَالَ فِي دَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ الَّذِي مِنْ أَصْلِهِ لِأَهْلِ الِاعْتِزَالِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخْلَصِينَ الْمُوَحِّدُونَ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمُ اللَّهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي إِيرَادِ لَفْظِ الْمُخْلَصِينَ تَحْصِينُ الْخَوْفِ فِي قُلُوبِ الْمُخْلَصِينَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ مَعَ الْكَافِرِينَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَكَذَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ.

ص: 1624

2345 -

وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا، عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ، لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 158] » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

ــ

2345 -

(وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ، نَزَلَ الْكُوفَةَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا) أَيْ: حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا (عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا) أَيْ: فَكَيْفَ طُولُهُ، وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي تَوْسِعَتِهِ (لِلتَّوْبَةِ) أَيْ: مَفْتُوحَةٌ لِأَصْحَابِ التَّوْبَةِ، أَوْ عَلَامَةٌ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ وَقَبُولِهَا (لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ) أَيْ: مِنْ جَانِبِ الْبَابِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَفَائِدَةُ إِغْلَاقِهِ إِعْلَامُ الْمَلَائِكَةِ بِسَدِّ بَابِ التَّوْبَةِ وَأَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا.

قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ فِي فُسْحَةٍ وَوُسْعَةٍ عَنْهَا مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ سُدَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ إِيمَانٌ وَلَا تَوْبَةٌ، لِأَنَّهُمْ إِذَا عَايَنُوا ذَلِكَ وَاضْطَرُّوا إِلَى الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَنْفَعُ الْمُحْتَضِرَ، وَلَمَّا كَانَ سُدَّ الْبَابُ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ جُعِلَ فَتْحُ الْبَابِ مَنْ قِبَلِهِ أَيْضًا، وَقَوْلُ: مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا مُبَالَغَةٌ فِي التَّوْسِعَةِ، أَوْ تَقْدِيرٌ لِعَرْضِ الْبَابِ بِمِقْدَارِ مَا يَسُدُّهُ جِرْمُ الشَّمْسِ الطَّالِعُ مِنَ الْمَغْرِبِ. (وَذَلِكَ) أَيْ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ (قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ: مَعْنَى قَوْلِهِ:

ص: 1624

{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] أَيْ: بَعْضُ عَلَامَاتٍ يُظْهِرُهَا رَبُّكَ إِذَا قَرُبَتِ الْقِيَامَةُ {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام: 158] أَيْ: حِينَئِذٍ حَالَ كَوْنِهَا {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 158] أَيْ: مِنْ قَبْلِ إِتْيَانِ بَعْضِ آيَاتِهِ وَهُوَ الطُّلُوعُ الْمَذْكُورُ، وَتَتِمَّةُ الْآيَةِ:{أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] عَطْفًا عَلَى آمَنَتْ أَيْ: أَوْ لَمْ تَكُنِ النَّفْسُ كَسَبَتْ فِي حَالِ إِيمَانِهَا تَوْبَةً مِنْ قَبْلُ، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ، وَيَكُونُ مُعَايَنَةُ طُلُوعِ الشَّمْسِ نَظِيرَ مُعَايَنَةِ حُضُورِ الْمَوْتِ فِي عَدَمِ نَفْعِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ عِنْدَ حُصُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ اسْتِدْلَالُ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُجَرَّدَ عَنِ الْأَعْمَالِ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا فِي الْمَآلِ، فَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ لِلْكَشَّافِ:{لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 158] صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (نَفْسًا) وَقَوْلُهُ: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] عَطْفٌ عَلَى (آمَنَتْ) وَالْمَعْنَى أَنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ إِذَا جَاءَتْ وَهِيَ آيَاتٌ لِمَجِيئِهِ ذَهَبَ أَوَانُ التَّكْلِيفِ عِنْدَهَا، فَلَمْ يَنْفَعِ الْإِيمَانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَتِهِ مِنْ قَبْلِ ظُهُورِ الْآيَاتِ، أَوْ مُقَدِّمَةِ إِيمَانِهَا غَيْرَ كَاسِبَةٍ خَيْرًا فِي إِيمَانِهَا، فَلَمْ يُفَرِّقْ كَمَا تَرَى بَيْنَ النَّفْسِ الْكَافِرَةِ، إِذَا آمَنَتْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْإِيمَانِ، وَبَيْنَ النَّفْسِ الَّتِي آمَنَتْ فِي وَقْتِهَا وَلَمْ تَكْسِبْ خَيْرًا، لِيُعْلَمَ أَنَّ قَوْلَهُ:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 82] جَمْعٌ بَيْنَ قَرِينَتَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَنْفَكَّ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، حَتَّى يَفُوزَ صَاحِبُهَا وَيُسْعَدَ، وَإِلَّا فَالشَّقَاوَةُ وَالْهَلَاكُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالَ لَمْ يُفِدْ قَوْلُهُ: (فِي إِيمَانِهَا) لِمَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَطْفِ عَلَى (آمَنَتْ) حُصُولُ الْكَسْبِ فِي الْإِيمَانِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ بِأَنْ يُقَالَ: لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا حِينَئِذٍ أَوْ كَسْبُهَا فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا مِنْ قَبْلُ، وَالْإِيجَازُ مِنْ حِلْيَةِ التَّنْزِيلِ. اهـ. وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ: ابْنُ عَطِيَّةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ هِشَامٍ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ تَقْرِيرِي وَتَحْرِيرِي أَيْضًا الْحَدِيثُ الْآتِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 1625

2346 -

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

2346 -

(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا تَنْقَطِعُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (الْهِجْرَةُ) أَيْ: مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ (حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ) أَيْ: صِحَّتُهَا بِأَنْ يُغَرْغِرَ صَاحِبُهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِالْهِجْرَةِ هُنَا الِانْتِقَالَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَمِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ. قُلْتُ: الْأَخِيرُ تَعْمِيمٌ يَشْمَلُ الْكُلَّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُرِدِ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهَا انْقَطَعَتْ، وَلَا الْهِجْرَةَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا وَرَدَ: وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا لِأَنَّهَا نَفْسُ التَّوْبَةِ. قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَعْمَالَ الْكَمَالِ لَا تَنْقَطِعُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَالَ: بَلِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَانٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً، وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مَعَ كَوْنِ خُرُوجِهِ عَنْهُ مِنَ الْإِمْكَانِ مَعْصِيَةً خَاصَّةً، وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُلَائِمُ الْغَايَةَ لِقَوْلِهِ: حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ. لِأَنَّهُ نَزَلَ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لَمْ تَنْقَطِعْ وُجُوبًا حَتَّى يَنْقَطِعَ قَبُولُهَا. (وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ) أَيْ: صِحَّتُهَا أَوْ قَبُولُهَا (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) .

ص: 1625

2347 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْآخَرُ يَقُولُ: مُذْنِبٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَيَقُولُ: خَلِّنِي وَرَبِّي. حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ. فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّيَ، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظِرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ــ

2347 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَيْ: مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (مُتَحَابَّيْنِ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا أَوْ لِأَمْرٍ مَا، لَا فِي اللَّهِ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي وَالْجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الضَّمِّ. قَالَ تَعَالَى:{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] وَيُمْكِنُ أَنَّهُمَا كَانَا مُتَحَابَّيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ وَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، ثُمَّ تَمَّ عَقْدُ الْأُخُوَّةِ وَالْعَمَلِ بِالنَّصِيحَةِ، وَهُوَ أَوْلَى عِنْدَ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ قَطْعِ الْحَصْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 216] حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْكُمْ مُقَدِّرًا، وَمِمَّا تَعْمَلُونَ عِلَّةٌ لِلْبَرَاءَةِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ، وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الِابْتِدَاءِ خِلَافُ ظَاهِرِ الْإِطْلَاقِ. (أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ) أَيْ: مُبَالِغٌ (فِي الْعِبَادَةِ، وَالْآخَرُ يَقُولُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ: الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم (مُذْنِبٌ) أَيْ: هُوَ مُذْنِبٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلْمُظْهِرِ أَيْ: يَقُولُ الْآخَرُ: أَنَا مُذْنِبٌ أَيْ مُعْتَرِفٌ بِالذَّنْبِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ:(يَقُولُ) فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حِسِّهِ الْمُقَابَلَةِ بِأَنْ يُقَالَ أَيْ مُجْتَهِدٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، حَيْثُ قَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَعْنَى وَالْآخَرُ مُنْهَمِكٌ فِي الذَّنْبِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ كَثِيرًا مَا يُعَبَّرُ بِهِ فِي الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ الْمَقَامِ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَخْلَ لِلْقَوْلِ حِينَئِذٍ فِي الْمَقَامِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَفْهَامِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ قَوْلِهِ: وَالْآخَرُ مُذْنِبٌ بِإِدْخَالِ (يَقُولُ) بَيْنَهُمَا، لِأَنْ يُنْسَبُ الْقَوْلُ إِلَيْهِ مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ مَعَهُ، لِعِلْمِهِ عليه الصلاة والسلام بِأَنَّهُ سَعِيدٌ عِنْدَ رَبِّهِ فِي غُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ بِعَيْنِهَا قَالَ: مُجْتَهِدٌ وَلَمْ يَقُلْ صَالِحٌ أَوْ عَابِدٌ. (فَجَعَلَ) أَيْ: طَفِقَ وَشَرَعَ الْمُجْتَهِدُ (يَقُولُ) أَيْ: لِلْمُذْنِبِ (أَقْصِرْ) : أَمْرٌ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ أَيْ أَمْسِكْ وَامْتَنِعْ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَقْصِرْ أَقْصِرْ (عَمَّا أَنْتَ فِيهِ) أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ (فَيَقُولُ:) أَيِ: الْآخَرُ (خَلِّنِي وَرَبِّي) أَيِ: اتْرُكْنِي مَعَهُ، فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَتَكَرَّرَ هَذَا الْكَلَامُ وَالْجَوَابُ (حَتَّى وَجَدَهُ) أَيِ: الْمُجْتَهِدُ الْمُذْنِبَ (يَوْمًا) أَيْ: وَقْتًا مَا (عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ) أَيِ: الْمُجْتَهِدُ ذَلِكَ الذَّنْبَ (فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ بِالِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ أَيْ أَرْسَلَكَ اللَّهُ (عَلَيَّ رَقِيبًا؟) أَيْ: حَافِظًا (فَقَالَ) أَيِ الْمُجْتَهِدُ مِنْ كَمَالِ غُرُورِهِ وَعُجْبِهِ، وَحَقَارَةِ صَاحِبِهِ لِارْتِكَابِ عَظِيمِ ذَنَبِهِ ( «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ» ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عُقُوبَةٍ، فَهُوَ مُبَالَغَةٌ غَايَةَ الْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ عَدَمَ الْغُفْرَانِ لَازِمٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُذْنِبَ قَدْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ فَيُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ. (فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا، فَقَبَضَ) أَيْ: أَرْوَاحَهُمَا (عِنْدَهُ) أَيْ: فِي مَحَلِّ حُكْمِهِ، وَهُوَ الْبَرْزَخُ أَوْ تَحْتَ عَرْشِهِ (فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي) أَيْ: جَزَاءً لِحُسْنِ ظَنِّكَ بِي (وَقَالَ لِلْآخَرِ) : وَفِي الْعُدُولِ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالْمُجْتَهِدِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى، وَهِيَ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي الْعِبَادَةِ ضَاعَ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِصِفَاتِ رَبِّهِ، فَانْقَلَبَ الْأَمْرُ وَصَارَ فِي الذَّنْبِ كَالْآخَرِ، وَالْمُذْنِبُ بِحُسَنِ عَقِيدَتِهِ وَاعْتِرَافِهِ بِالتَّقْصِيرِ فِي مَعْصِيَتِهِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْمُجْتَهِدِ (أَتَسْتَطِيعُ) : الْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ أَيْ: أَتَقْدِرُ (أَنْ تَحْظُرَ) : بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: تَمْنَعُ وَتَحْرِمُ (عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟) أَيِ: الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، وَخُصَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْعُقْبَى (فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ) : اعْتَرَفَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ الِاعْتِرَافُ (قَالَ) أَيِ: الرَّبُّ (اذْهَبُوا بِهِ) : خِطَابًا لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالنَّارِ، أَوْ لِذَلِكَ الْمَلَكِ، وَالْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِكِبَرِهِ كَأَنَّهُ جُمِعَ (إِلَى النَّارِ) : حَتَّى يَذُوقَ الْعَذَابَ جَزَاءً عَلَى غُرُورِهِ وَعُجْبِهِ

ص: 1626

بِالْعُجَابِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كُفْرِهِ، لِيَكُونَ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: إِدْخَالُهُ النَّارَ كَانَ مُجَازَاةً لَهُ عَلَى قَسَمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِلْمُذْنِبِ ذَنْبَهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ النَّاسَ آيِسِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَحَكَمَ بِأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ غَفُورٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَالِغٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَصَدَرَ هَذَا الْكَلَامُ عَنْهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ، وَلَوْ كَانَ لِلَّهُ لَسُومِحَ بِهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَغْرُورًا بِاجْتِهَادِهِ مُحْتَقِرًا لِلْمُذْنِبِ لِأَجْلِ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَنْبِهِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ، وَلِذَا قِيلَ: مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَاسْتِصْغَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْجَبَتْ عُجْبًا وَاسْتِكْبَارًا.

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا يَا رَبِّ " أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَحَلِفَهُ فَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ لِأَنَّهُ آيَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْهَا كُفْرٌ لِمَنِ اسْتَحَلَّهُ كَهَذَا الرَّجُلِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَلِفُهُ السَّابِقُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْحُكْمِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَعَلَى صَاحِبِهِ بِأَنَّهُ يَئِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ يَأْسِ الْمُجْتَهِدِ وَاسْتِحْلَالِهِ وَكُفْرِهِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، مَعَ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ يَكُونُ عَلَى مُعْتَقَدِ الْمُعْتَزِلِيِّ مِنْ عَدَمِ تَجْوِيزِ غُفْرَانِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ، وَعَلَيْهِ ظَوَاهِرُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْآيَاتِ فِي الْوَعِيدِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. نَعَمْ فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ بَلِيغٌ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ، حَيْثُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ لِلْمُذْنِبِ وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعِ الْمُذْنِبِ وَتَوْبَتِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

وَرَوَى الْبَغَوِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي الْمَعَالِمِ، عَنْ ضَمْضَمَ بْنِ جَوْسٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَنَادَانِي شَيْخٌ فَقَالَ لِي: يَا يَمَامِيٌّ تَعَالَ. وَمَا أَعْرِفُهُ، فَقَالَ: لَا تَقُولَنَّ لِرَجُلٍ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَمَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ. قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَقُولُهَا أَحَدُنَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ إِذَا غَضِبَ أَوْ لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِخَادِمَتِهِ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " إِنَّ رَجُلَيْنِ " الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ بِدُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. اهـ. وَتَعْلِيلُ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا صَيَّرَتْهُ إِلَى النَّارِ الْمُؤَبَّدَةِ عَلَيْهِ خَطَأٌ ظَاهِرٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.

ص: 1627

2348 -

«وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا " وَلَا يُبَالِي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ " " يَقُولُ " بَدَلَ: " يَقْرَأُ ".

ــ

2348 -

(وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنِ السَّكَنِ ( «قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ: يَا عِبَادِيَ» : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا {الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر: 53] أَيْ: بِالْمَعَاصِي لَا تَقْنَطُوا: بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا أَيْ لَا تَيْأَسُوا {مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ} [الزمر: 53] : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] أَيْ: ذُنُوبَ الْكُفَّارِ بِالتَّوْبَةِ، وَذُنُوبَ الْأَبْرَارِ بِهَا وَبِالْمَشِيئَةِ (وَلَا يُبَالِي) أَيْ: مِنْ أَحَدٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْوَعِيدِيَّةِ، وَهُوَ يَحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْآيَةِ فَنُسِخَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً مِنْ عِنْدِهِ عليه الصلاة والسلام كَالتَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ» هَذِهِ الْآيَةُ. اهـ. فَالْخِطَابُ لِلْكَفَّارِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ بِالْإِيمَانِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " يَقُولُ) أَيْ: يَا عِبَادِي إِلَخْ (بَدَل َ " يَقْرَأُ) أَيِ: السَّابِقَ فِي رِوَايَةِ الْأَوَّلِينَ، فَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ.

ص: 1627

2349 -

«- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِ اللَّهِ: {إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

ــ

2349 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32] أَيْ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ} [النجم: 32] قِيلَ: مِنْ كُلِّ ذَنَبٍ فِيهِ حَدٌّ، وَالْفَوَاحِشُ مَا فِيهِ وَعِيدٌ أَوْ مُخْتَصٌّ بِالزِّنَا أَوِ الْبُخْلِ {إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32] بِفُتْحَتَيْنِ أَيِ الصَّغَائِرَ: فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْتَنِبُوهَا لِأَنَّ اللَّمَمَ غَيْرُ مَعْصُومِينَ مِنْهُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنَّهَا

ص: 1627

تُغْفَرُ لَهُمْ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْبَةِ. اهـ. وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلتَّوْبَةِ بِاللَّمَمِ، وَأَيْضًا آخِرُ الْحَدِيثِ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ اللَّمَمَ مَا قَلَّ وَمَا صَغُرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: أَلَمَّ بِالْمَكَانِ: إِذَا قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ:(اللَّمَمَ) صِفَةً، وَ (إِلَّا) بِمَعْنَى غَيْرِ، فَقِيلَ: هُوَ النَّظْرَةُ وَالْغَمْزَةُ وَالْقُبْلَةُ، الْخَطْرَةُ مِنَ الذَّنْبِ، وَقِيلَ: كُلُّ ذَنْبٍ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ فِيهِ حَدًّا وَلَا عَذَابًا. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيِ: اسْتِشْهَادًا بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْلُو مِنَ اللَّمَمِ: ( «إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا» ) : بِأَلِفٍ بَعْدَ مِيمٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ كَثِيرًا كَبِيرًا (وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا) : فِعْلٌ مَاضٍ مُفْرَدٌ، وَالْأَلِفُ لِلْإِطْلَاقِ أَيْ: لَمْ يُلِمَّ بِمَعْصِيَةٍ يُقَالُ: لَمَّ؛ أَيْ: نَزَلَ، وَأَلَمَّ إِذَا فَعَلَ اللَّمَمَ، وَمَعْنَى بَيْتِ أُمَيَّةَ أَنَّ: إِنْ تَغْفِرْ ذُنُوبَ عِبَادِكَ، فَقَدْ غَفَرْتَ ذُنُوبًا كَثِيرَةً، فَإِنَّ عِبَادَكَ كُلَّهُمْ خَطَّاءُونَ، وَأَشَارَ تَعَالَى إِلَيْهِ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ:{إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32] وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69] إِنْشَاؤُهُ لَا إِنْشَادُهُ لِأَنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: هُوَ شَاعِرٌ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مُتَمَثِّلًا بِشِعْرِ أُمَيَّةَ، لَا قَصْدًا لِأَنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ إِنْشَاءُ الشِّعْرِ، وَكَذَا رِوَايَتُهُ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ غَفْلَةً عَنْ كَلَامِ أَئِمَّتِهِ، فَمَحَلُّ ذَلِكَ إِنْ قَالَهُ عَلَى قَصْدِ الرِّوَايَةِ. اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَيَتَمَثَّلُ بِقَوْلِهِ:

وَيَأْتِيكَ بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

وَقَدْ قَالَ: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: "

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ

" نَعَمْ وَرَدَ أَنَّهُ أَصَابَ حَجَرٌ أُصْبُعَهُ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ فَقَالَ:

هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ وَهُوَ إِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنْ شِعْرِ غَيْرِهِ وَتَمَثَّلَ بِهِ، لَكِنْ لَمَّا تَتَبَّعُوا وَلَمْ يَجِدُوا قَائِلَهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرَّجَزِ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الشِّعْرَ، إِذْ لَمْ يَقْصِدْ صُدُورَهُ عَنْ نِيَّةٍ لَهُ وَرَوِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ كَلَامٍ يَقَعُ أَحْيَانًا وَقَدْ وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَيْتُ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ أَنْشَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَيْ: مِنْ شَأْنِكَ اللَّهُمَّ أَنْ تَغْفِرَ غُفْرَانًا كَثِيرًا لِلذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، وَأَمَّا الْجَرَائِمُ الصَّغِيرَةُ، فَلَا تُنْسَبُ إِلَيْكَ لِأَنَّهَا لَا يَخْلُو عَنْهَا أَحَدٌ، وَإِنَّهَا مُكَفَّرَةٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ انْتَهَى. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّكْفِيرَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَ (إِنْ) لَيْسَ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّعْلِيلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ لَا تَهِنُوا، فَالْمَعْنَى لِأَجْلِ أَنَّكَ غَفَّارٌ اغْفِرْ جَمًّا كَمَا تَقُولُ لِلسُّلْطَانِ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَأَعْطِ الْجَزِيلَ. انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (إِنْ) بِمَعْنَى: (إِذْ) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] فَسَقَطَ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُؤَدَّى وَاحِدٌ، فَإِنَّ (إِذْ) لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ} [الزخرف: 39] فَلِكُلِّ سَاقِطٍ لَاقِطٌ. انْتَهَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ تَقْرِيرِ صِحَّةِ الظَّرْفِيَّةِ فِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لَا يَمْتَنِعُ إِرَادَةُ التَّعْلِيلِ أَيْضًا، فَلَا وَجْهَ لِلسُّقُوطِ مَعَ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ فِي الْبَيْتِ لِعَدَمِ تَقْيِيدِ " غَفَّارِيَّتِهِ " تَعَالَى بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَلِذَا قَالَ بِنَفْسِهِ نَاقِضًا لِكَلَامِهِ تَابِعًا لِلطِّيبِيِّ فِي مَرَامِهِ: فَالْمَعْنَى لِأَجْلِ أَنَّكَ غَفَّارٌ إِلَخْ. ثُمَّ قَالَ: وَالْبَيْتُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَحَاسِنَ. مِنْهَا: اتِّحَادُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَغَفْلَةٌ مَا عَنْ تَقْيِيدِهِ بِجَمًّا، وَكَانَ أُمَيَّةُ هَذَا مُتَعَبِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمُتَدَيِّنًا وَمُؤْمِنًا بِالْبَعْثِ، أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمَّا كَانَ فِي شِعْرِهِ يَنْطِقُ بِالْحَقَائِقِ قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي حَقِّهِ:" «كَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ» ".

(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) .

ص: 1628

2350 -

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ ; فَاسْأَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ. وَكُلُّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ ; فَاسْأَلُونِي أُرْزَقْكُمْ، وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ ; فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ، وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ، وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي ; مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ ; مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً، ثُمَّ رَفَعَهَا ; ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ، فَيَكُونُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

ــ

2350 -

(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي) : خِطَابٌ عَامٌّ يَشْمَلُ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَفِيهِ تَأْنِيسٌ تَامٌّ (كُلٌّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ) : كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64]، {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7] ، {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] (فَاسْأَلُونِي) : بِالْهَمْزِ وَحَذْفِهِ (الْهُدَى) أَيِ: اطْلُبُوا الْهِدَايَةَ مِنِّي لَا مِنْ غَيْرِي وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ (أَهْدِكُمْ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فِي طَلَبِ الْهِدَايَةِ هَدَاهُ اللَّهُ (وَكُلُّكُمْ فُقَرَاءُ) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ) : وَهُوَ أَيْضًا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ لَمْحَةً لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ كُلَّ لَحْظَةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38](فَاسْأَلُونِي أُرْزَقْكُمْ) أَيْ: حَلَالًا طَيِّبًا إِذِ الرِّزْقُ الْمَضْمُونُ يُنَالُ بِلَا سُؤَالٍ (وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ) أَيْ: يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الذَّنْبُ (إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ) أَيْ: مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ أَيْ: عَصَمْتُ وَحَفِظْتُ، وَإِنَّمَا قَالَ:(عَافَيْتُ) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ مَرَضٌ ذَاتِيٌّ وَصِحَّتُهُ عِصْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظُهُ مِنْهُ، أَوْ كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ بِالْفِعْلِ وَذَنْبُ كُلٍّ بِحَسَبِ مَقَامِهِ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالْأَوْبَةِ، ( «فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ» ) أَيْ: جَمِيعَ ذُنُوبِهِ وَلَوْ بِلَا تَوْبَةٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِثْنَاءِ الشِّرْكِ لِأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ إِلَّا مِنَ الْمُؤْمِنِ (وَلَا أُبَالِي) : فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلِيِّ (وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ) : يُرَادُ بِهِ الْإِحَاطَةُ وَالشُّمُولُ (وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ) : تَأْكِيدٌ لِإِرَادَةِ الِاسْتِيعَابِ كَقَوْلِهِ: (وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ) أَيْ: شَبَابَكُمْ وَشُيُوخَكُمْ، أَوْ عَالِمَكُمْ وَجَاهِلَكُمْ، أَوْ مُطِيعَكُمْ وَعَاصِيَكُمْ.

وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ فَقَالَ: أَرَادَ بِالرَّطْبِ النَّبَاتَ وَالشَّجَرَ، وَبِالْيَابِسِ الْمَدَرَ وَالْحَجَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْبَحْرُ وَالْبَرُّ أَيْ: أَهْلُهُمَا، أَوْ لَوْ صَارَ كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ مِنَ الشَّجَرِ وَالْحَجَرِ وَالْحِيتَانِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ آدَمِيًّا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا عِبَارَتَانِ عَنِ الِاسْتِيعَابِ التَّامِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] وَالْإِضَافَةُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِيعَابُ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلشُّمُولِ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، وَتَقْرِيرًا بَعْدَ تَقْرِيرٍ. انْتَهَى. وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِدْخَالِ الْمَلَائِكَةِ وَعِصْمَتِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي) : وَهُوَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم (مَا زَادَ ذَلِكَ) أَيِ: الِاجْتِمَاعُ (فِي مُلْكِي) وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ مُلْكِي (جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) أَيْ: قَدْرِهِ، وَفِيهِ إِظْهَارُ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَكَمَالِ الْغِنَى وَالِاسْتِغْنَاءِ ( «وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ، وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي» ) وَهُوَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ (مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) : فَإِنَّ قَبُولَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ نَقْصٌ لِقَبُولِ الْحَدَثَانِ ( «وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ، وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ، وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ) أَيْ: مَحِلٍّ (وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ» ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: مُشْتَهَاهُ، وَجَمْعُهَا الْمُنَى وَالْأَمَانِي يَعْنِي كُلَّ حَاجَةٍ تَخْطُرُ بِبَالِهِ (فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ) أَيْ: مَقَاصِدَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ

ص: 1629

(مَا نَقَصَ ذَلِكَ) أَيِ: الْإِعْطَاءُ أَوْ قَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ (مِنْ مُلْكِي) أَيْ: شَيْئًا أَوْ نَقْصًا (إِلَّا كَمَا) أَيْ: إِلَّا مِثْلَ نَقْصٍ فَرْضِيٍّ (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَدْخَلَ (فِيهِ إِبْرَةً ثُمَّ رَفَعَهَا) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21] وَهُوَ نَظِيرُ مَا فِي حَدِيثِ الْخَضِرِ لَمَّا رَكِبَ هُوَ وَمُوسَى السَّفِينَةَ، فَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى طَرَفِهَا ثُمَّ نَقَرَ مِنَ الْبَحْرِ نَقْرَةً فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، وَاتَّفَقَ الشُّرَّاحُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْفَرْضِ وَالتَّنْزِيلِ، أَيْ: لَوْ فُرِضَ النَّقْصُ، لَكَانَ مِقْدَارُهُ مِقْدَارَ الْمُمَثَّلِ بِهِ، فَإِنْ وُجِدَ هُنَا نَقْصٌ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ مُتَنَاهٍ، لَكِنَّهُ نَقْصٌ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَسَّ لِقِلَّتِهِ الْبَالِغَةِ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْقِلَّةِ، وَأَقُولُ، وَبِحَوْلِهِ أَجُولُ: إِنَّ النَّقْصَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ إِلَّا صُورَةً وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ انْتِقَالُ شَيْءٍ قَلِيلٍ مِنَ الْجِنْسِ الْكَثِيرِ إِلَى طَرَفٍ آخَرَ، فَلَا نَقْصَ فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ زِيَادَةَ إِفَادَةِ حَيَاةِ ذَلِكَ الْعُصْفُورِ بِتِلْكَ الْقَطْرَةِ، وَحُصُولُ وُصُولِ بَعْضِ الْعُلُومِ مِنَ الشَّرْعِيِّ وَاللَّدُنِّيِّ إِلَى مُوسَى وَالْخَضِرِ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَتَمَّ الْكَلَامُ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ هَذَا نَوْعًا مِنَ الْبَدِيعِ، وَيُسَمَّى بَابَ تَأْكِيدِ الْحُكْمِ بِمَا يُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا} [البروج: 8] وَفِي قَوْلِهِ: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا} [مريم: 62] وَفِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ

بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (ذَلِكَ) أَيْ: عَدَمُ نَقْصِ الْمُلْكِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: قَضَاءُ الْحَوَائِجِ (بِأَنِّي جَوَادٌ) أَيْ: كَثِيرُ الْجُودِ (مَاجِدٌ) أَيْ: وَاسِعُ الْعَطَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَاجِدُ أَبْلَغُ مِنَ الْجَوَادِ لِأَنَّ الْمَجْدَ سِعَةُ الْكَرَمِ فَهُوَ تَرَقٍّ (أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ) أَيْ: لَا مَا يُرِيدُ الْخَلْقُ، وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ:(يُرِيدُ وَأُرِيدُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ)، وَقِيلَ لِأَبِي يَزِيدَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ لَا أُرِيدَ، قَالَ نَدِيمٌ الْبَارِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: هَذَا أَيْضًا إِرَادَةٌ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. ( «عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ» ) : يَعْنِي لَا يَنْقُصُ مِنْ خَزَائِنِي شَيْءٌ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ الْأَمْرُ ( «إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ» ) أَيْ: إِيجَادَهُ (أَنْ أَقُولَ لَهُ) : إِمَّا تَحْقِيقٌ أَوْ تَمْثِيلٌ (كُنْ فَيَكُونُ) : بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ أَمْرِي، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: عَطَائِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ. قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي مَا أُرِيدُ إِيصَالَهُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَطَاءٍ أَوْ عَذَابٍ لَا أَفْتَقِرُ إِلَى كَدٍّ وَمُزَاوَلَةِ عَمَلٍ، بَلْ يَكْفِي لِحُصُولِهِ وَوُصُولِهِ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِهِ. الْكَشَّافُ: كُنْ مِنْ (كَانَ) التَّامَّةِ أَيِ: احْدُثْ فَيَحْدُثُ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَا قَضَاهُ مِنَ الْأُمُورِ وَأَرَادَ كَوْنَهُ، فَإِنَّمَا يَكُونُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ وَلَا تَوَقُّفٍ، كَالْمَأْمُورِ الْمُطِيعِ الَّذِي يُؤْمَرُ فَيَمْتَثِلُ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ الْإِبَاءُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 1630

2351 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه «عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَرَأَ: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56] قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَمَنِ اتَّقَانِي فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

2351 -

(وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَرَأَ) أَيْ: قَوْلَهُ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56] قَالَ أَيِ النَّبِيُّ (فَقَالَ رَبُّكُمْ) أَيْ: حَدِيثًا قُدُسِيًّا، أَوْ مَعْنًى تَفْسِيرِيًّا (أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى) : بِإِضَافَةِ أَهْلٍ، وَصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أَنَا حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ، بِأَنْ يُتَّقَى مِنَ الشِّرْكِ لِي (فَمَنِ اتَّقَانِي) : زَادَ التِّرْمِذِيُّ، فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إِلَهًا (فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ) أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى فَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: أَغْفِرُ لَهُ مَا فَرَّطَ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مِنْ جَنْبِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَمِنْ ثَمَّ مَا وَرَدَ: إِنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ مُكَفِّرٌ لِارْتِكَابِ الصَّغَائِرِ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لِقَوْلِهِ:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] وَقَوْلِهِ مَا وَرَدَ إِلَخْ. مَعْلُولٌ لِأَنَّهُ مَا وَرَدَ، بَلْ كَمَا نَبَّهْنَا سَابِقًا أَنَّهُ مَذْهَبٌ مُعْتَزِلِيٌّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .

ص: 1630

2352 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ " مِائَةَ مَرَّةٍ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.

ــ

2352 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ) : مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (كُنَّا لَنَعُدُّ) : اللَّامُ فَارِقَةٌ (لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : مُتَعَلِّقٌ بِنَعُدُّ (فِي الْمَجْلِسِ) أَيِ: الْوَاحِدِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْحِصْنِ (يَقُولُ) : بِالرَّفْعِ، وَيُنْصَبُ بِتَقْدِيرِ إِنَّ أَيْ قَوْلُهُ:(رَبِّ اغْفِرْ لِي) : كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَحْضُرُ الْوَغَى (وَتُبْ عَلَيَّ) أَيِ: ارْجِعْ عَلَيَّ بِالرَّحْمَةِ، أَوْ وَفِّقْنِي لِلتَّوْبَةِ، أَوْ " اقْبَلْ " تَوْبَتِي (إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ) : صِيغَتَا مُبَالَغَةٍ (مِائَةَ مَرَّةٍ) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِنَعُدُّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ " إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ، وَابْنَ حِبَّانَ بِلَفْظِ ": " الرَّحِيمُ " بَدَلِ " الْغَفُورُ ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.

ص: 1631

2353 -

وَعَنْ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:" «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: هِلَالُ بْنُ يَسَارٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

ــ

2353 -

(وَعَنْ بِلَالٍ) : بِالْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ يَسَارٍ) : بِالتَّحْتِيَّةِ (ابْنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ) : بَيَانٌ لِزَيْدٍ، وَفِي نُسْخَةٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: لَيْسَ زَيْدٌ هَذَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَالِدَ أُسَامَةَ، بَلْ هُوَ أَبُو يَسَارٍ. رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ يَسَارٌ هَذَا الْحَدِيثَ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ: زَيْدٌ وَالِدُ يَسَارٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ، وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَكَانَ عَبْدًا نُوبِيًّا (قَالَ) أَيْ: بِلَالٌ (حَدَّثَنِي أَبِي) أَيْ: يَسَارٌ (عَنْ جَدِّي) أَيْ: زَيْدٍ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ» ) : رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْوَصْفِ لِلَفْظِ اللَّهِ، وَبِالرَّفْعِ لِكَوْنِهِمَا بَدَلَيْنِ، أَوْ بَيَانَيْنِ لِقَوْلِهِ هُوَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِي الْحَيِّ الْقَيُّومِ النَّصْبُ صِفَةً لِلَّهِ أَوْ مَدْحًا، وَالرَّفْعُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ، أَوْ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. (وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) : يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَلَفَّظَ بِذَلِكَ إِلَّا إِنْ كَانَ صَادِقًا، وَإِلَّا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَاذِبًا مُنَافِقًا، وَلِذَا رُوِيَ: إِنَّ الْمُسْتَغْفِرَ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ. (غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " قَدْ فَرَّ " وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الْحِصْنِ أَيْ: هَرَبَ (مِنَ الزَّحْفِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الزَّحْفُ الْجَيْشُ الْكَثِيرُ الَّذِي يُرَى لِكَثْرَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: مِنْ زَحْفِ الصَّبِيِّ إِذَا دَبَّ عَلَى " اسْتِهِ " قَلِيلًا قَلِيلًا. قَالَ الْمُظْهِرُ: هُوَ اجْتِمَاعُ الْجَيْشِ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ أَيْ: مِنْ حَرْبِ الْكُفَّارِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ بِأَنْ لَا يَزِيدَ الْكُفَّارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَوَى التَّحَرُّفَ وَالتَّحَيُّزَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ. اهـ. وَهُوَ إِجْمَاعٌ بِلَا نِزَاعٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ) : بَدَّلَ بِلَالَ بْنَ يَسَارٍ (هِلَالُ بْنُ يَسَارٍ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْإِعْرَابِ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَعْنِي طَرِيقَ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ.

قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ بِلَالًا سَمِعَ أَبَاهُ يَسَارًا، وَهُوَ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ زَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي يَسَارٍ وَالِدِ بِلَالٍ أَنَّهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَوْ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُهَا ثَلَاثًا. اهـ.

ص: 1631

وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْحِصْنِ بِزِيَادَةِ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدٍ الْمَذْكُورِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ صَاحِبُ السِّلَاحِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ فِيهِ: ثَلَاثُ مَرَّاتٍ. اهـ. أَقُولُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» "، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

ص: 1632

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

2354 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنِ اللَّهَ عز وجل لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

2354 -

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ عز وجل يَرْفَعُ الدَّرَجَةَ) أَيِ: الدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ بِلَا عَمَلٍ (لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ) أَيِ: الْمُسْلِمِ (فِي الْجَنَّةِ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَرْفَعُ (فَيَقُولُ) أَيِ: الْعَبْدُ (يَا رَبِّ أَنَّى لِي) أَيْ: كَيْفَ حَصَلَ، أَوْ مِنْ أَيْنَ حَصَلَ لِي (هَذِهِ؟) أَيِ الدَّرَجَةُ (فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ) : حَصَلَ بِاسْتِغْفَارِ (وَلَدِكَ لَكَ) : الْوَلَدُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

ص: 1632

2355 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَا الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ إِلَّا كَالْغَرِيقِ الْمُتَغَوِّثِ، يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ مِنْ أَبٍ، أَوْ أُمٍّ، أَوْ أَخٍ، أَوْ صَدِيقٍ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، وَإِنَّ هَدِيَّةَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ» ".

ــ

2355 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ) أَيْ: فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الشِّدَّةِ (إِلَّا كَالْغَرِيقِ) أَيِ: الْمُشْرِفِ عَلَى الْغَرَقِ (الْمُتَغَوِّثِ) أَيِ: الْمُسْتَغِيثِ الْمُسْتَعِينِ الْمُسْتَجِيرِ، الرَّافِعِ صَوْتَهُ بِأَقْصَى مَا عِنْدَهُ بِالنِّدَاءِ لِمَنْ يُخَلِّصُهُ، الْمُتَعَلِّقِ بِكُلِّ شَيْءٍ رَجَاءً لِخَلَاصِهِ، وَفِي الْمَثَلِ: الْغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ حَشِيشٍ. (يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ) أَيْ: مِنْ وَرَائِهِ (مِنْ أَبٍ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ أَبٍ (أَوْ أُمٍّ، أَوْ أَخٍ، أَوْ صَدِيقٍ) أَيْ: صَاحِبٍ أَوْ مُحِبٍّ أَوْ رَفِيقٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْوَلَدُ، (فَإِذَا لَحِقَتْهُ) أَيْ: وَصَلَتْهُ الدَّعْوَةُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنْ دُعِيَ لَهُ بِهَا " فَإِنَّهُ " تَصِلُ إِلَيْهِ. بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ إِجْمَاعًا (كَانَ) أَيْ: لُحُوقُهَا إِيَّاهُ (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) أَيْ: مِنْ مُسْتَلَذَّاتِهَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لَوْ عَادَ إِلَيْهَا (وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ) أَيْ: مِمَّنْ هُوَ تَحْتَ الْأَرْضِ (مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ) أَيْ: مِمَّنْ هُوَ حَيٌّ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَمِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ أَوِ ابْتِدَائِيَّةٌ (أَمْثَالَ الْجِبَالِ) أَيْ: مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ لَوْ تَجَسَّمَتْ، (وَإِنَّ هَدِيَّةَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ " (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

ص: 1632

2356 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا» ".

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي " عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ".

ــ

2356 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " طُوبَى) أَيِ: الْحَالَةُ الطَّيِّبَةُ، وَالْعِيشَةُ الرَّاضِيَةُ، أَوِ الشَّجَرَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ (لِمَنْ وَجَدَ) أَيْ: صَادَفَ (فِي صَحِيفَتِهِ) أَيْ: فِي الْآخِرَةِ (اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا) أَيْ: مَقْبُولًا لِأَنَّ اسْتِغْفَارَنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ كَمَا قَالَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ طُوبَى لِمَنِ اسْتَغْفَرَ كَثِيرًا؟ وَمَا فَائِدَةُ الْعُدُولِ؟ قُلْتُ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْهُ، فَيَدُلُّ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ جَزْمًا عَلَى الْإِخْلَاصِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخْلِصًا فِيهِ كَانَ هَبَاءً مَنْثُورًا، فَلَمْ يَجِدْ فِي صَحِيفَتِهِ إِلَّا مَا

ص: 1632

يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَوَبَالًا لَهُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . أَيْ: بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَالْمَعْنَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ. (وَرَوَى النَّسَائِيُّ) : كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَعْطِفَ وَيَقُولَ: وَالنَّسَائِيُّ، أَوْ يَقُولُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ (فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: تَرْجَمَةُ كِتَابٍ صَنَّفَهُ فِي الْأَعْمَالِ الْيَوْمِيَّةِ وَاللَّيْلِيَّةِ. اهـ. وَرَوَى الْبَزَّارُ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ فِي يَوْمٍ صَحِيفَةً فَيَرَى - أَيِ اللَّهُ - فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ وَفِي آخِرِهَا اسْتِغْفَارًا إِلَّا قَالَ تبارك وتعالى: غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الصَّحِيفَةِ ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَرْفُوعًا: "«مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَسُرَّهُ صَحِيفَتُهُ، فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ» " أَيْ: لَعَلَّهُ يَقْبَلُ وَاحِدًا مِنْهَا.

ص: 1633

2357 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي:" الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ".

ــ

2357 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا) أَيِ: الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ (اسْتَبْشَرُوا) أَيْ: فَرِحُوا بِالتَّوْفِيقِ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58](وَإِذَا أَسَاءُوا) أَحَدُهُمَا: قَصَّرُوا فِي " أَحَدِهِمَا "(اسْتَغْفَرُوا) : كَانَ ظَاهِرُ الْمُقَابَلَةِ أَنْ يُقَالَ: وَإِذَا أَسَاءُوا حَزِنُوا، فَعَدَلَ عَنِ الدَّاءِ إِلَى الدَّوَاءِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُزْنِ لَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَإِنَّمَا يُفِيدُ إِذَا أَنْجَزَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ الْمُزِيلِ لِلْإِصْرَارِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: الدَّعَوَاتِ) .

ص: 1633

2358 -

وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْآخِرُ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا - أَيْ بِيَدِهِ - فَذَبَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ:«سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ، نَزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ، مَهْلَكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، فَطَلَبَهَا حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ ; فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ، عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» "، رَوَى مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ فَحَسْبُ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْمَوْقُوفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا.

ــ

2358 -

(وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ: قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَثِقَاتِهِمْ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ) : نَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي (أَحَدَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: يَرْوِي عَنْهُ (وَالْآخَرَ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ: مَرْوِيٌّ مِنْ قَوْلِهِ. (قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ذُنُوبُهُ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ أَيْ: كَالْجِبَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: كَذُبَابٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْ: عَظِيمَةً ثَقِيلَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ) : وَهُوَ تَشْبِيهُ تَمْثِيلٍ شَبَّهَ حَالَهُ بِالْقِيَامِ إِلَى ذُنُوبِهِ، وَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا مُهْلِكَةٌ لَهُ بِحَالِهِ إِذَا كَانَ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُهُ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي غَايَةِ الْخَوْفِ " وَالِاحْتِرَازِ " مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا يُنَافِيهِ " الِاعْتِدَالُ " الْمَطْلُوبُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فِي الْمَحْبُوبِ، لِأَنَّ رَجَاءَ الْمُؤْمِنِ وَحُسْنَ ظَنِّهِ فِي رَبِّهِ فِي غَايَةٍ وَنِهَايَةٍ. (وَإِنَّ الْفَاجِرَ) أَيِ: الْمُنَافِقَ أَوِ الْفَاسِقَ يَتَسَاهَلُ حَيْثُ (يَرَى ذُنُوبَهُ) أَيْ: سَهْلَةً خَفِيفَةً (كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ) أَيْ: أَشَارَ إِلَيْهِ أَوْ فَعَلَ بِهِ (هَكَذَا - أَيْ بِيَدِهِ -) : تَفْسِيرٌ لِلْإِشَارَةِ أَيْ: دَفَعَ الذُّبَابَ بِيَدِهِ (فَذَبَّهُ عَنْهُ،) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ: دَفَعَ الذُّبَابَ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِهِ سُمِّيَ الذُّبَابُ ذُبَابًا لِأَنَّهُ كُلَّمَا ذُبَّ آبَ أَيْ: كُلَّمَا دُفِعَ رَجَعَ. (ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لَلَّهُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ (أَفْرَحُ) أَيْ: أَرْضَى (بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ) أَيْ: مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا صَوَّرَ حَالَ الْمُذْنِبِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الْفَظِيعَةِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمَلْجَأَ هُوَ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. يَعْنِي فَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنَ الْمَوْقُوفِ وَالْمَرْفُوعِ. (مِنْ رَجُلٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَفْرَحَ (نَزَلَ بِأَرْضٍ دَوِّيَّةٍ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ نِسْبَةٌ لِلدَّوِّ أَيِ: الْهَلَاكِ وَفِي رِوَايَةٍ (دَاوِيَةٍ) بِقَلْبِ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ أَلِفًا، وَالدَّوَّةُ الْمَفَازَةُ الْخَالِيَةُ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ جَمِيعًا، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْضًا، هِيَ الْأَرْضُ الْقَفْرُ وَالْمَفَازَةُ الْخَالِيَةُ، فَالدَّوِّيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الدَّوِّ، وَأَمَّا الدَّاوِيَّةُ فَبِإِبْدَالِ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ أَلِفًا كَالطَّائِيِّ. أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ مُسَامَحَةٌ إِذْ يُنَافِيهَا الْإِبْدَالُ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الزِّيَادَةَ اللُّغَوِيَّةَ لَا الصَّرْفِيَّةَ الْوَزْنِيَّةَ.

ص: 1633

وَقَوْلُهُ: كَالطَّائِيِّ نَظِيرٌ لَا مَثِيلٌ، فَفِي الْقَامُوسِ الطَّاءَةُ كَالطَّاعَةِ، الْإِبْعَادُ فِي الْمَرْعَى، وَمِنْهُ طَيِّئٌ أَبُو الْقَبِيلَةِ، أَوْ مِنْ طَاءَ يَطُوءُ إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ، وَالنِّسْبَةُ طَائِيٌّ، وَالْقِيَاسُ كَطَيِيِّ حَذَفُوا الْيَاءَ الثَّانِيَةَ فَبَقَى طَيِّئٌ، فَقَلَبُوا الْيَاءَ السَّاكِنَةَ أَلِفًا، وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ (مَهْلَكَةٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَكَسْرِهَا، مَوْضِعُ خَوْفِ الْهَلَاكِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ: تُهْلِكُ مَنْ يَحْصُلُ بِهَا وَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ (مَعَهُ رَاحِلَتُهُ) أَيْ: دَابَّتُهُ الَّتِي يَرْحَلُ بِهَا (عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) أَيْ: مَحْمُولَانِ عَلَيْهَا، (فَوَضَعَ رَأْسَهُ) أَيْ: لِلِاسْتِرَاحَةِ (فَنَامَ نَوْمَةً) أَيْ: خَفِيفَةً (فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، فَطَلَبَهَا) أَيِ: اسْتَمَرَّ عَلَى طَلَبِهَا (حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ) أَيِ: الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْجُوعَ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ (أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ، أَوْ قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ، أَوْ تَنْوِيعٌ أَيِ: اشْتَدَّ الْحَرُّ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ. اهـ. كَلَامُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ " أَوْ ". بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَيْ: وَمَا شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذِ الْقَوْلُ بِالتَّنْوِيعِ يُوهِمُ أَنَّ الْحَرَّ وَالْعَطَشَ خَارِجَانِ مِمَّا شَاءَ اللَّهُ وَحَاشَا اللَّهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ قَالَ إِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ وَالْبَلَاءِ غَيْرَ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ. اهـ. فَمُخْتَصَرُهُ مُخِلٌّ. (قَالَ) : جَوَابُ إِذَا، أَيْ: قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ مُتَلَفِّظًا بِذَلِكَ أَوْ مُضْمِرَهُ (أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ) : لِاحْتِمَالِ أَنْ تَعُودَ الرَّاحِلَةُ إِلَيْهِ لِإِلْفِهَا لَهُ أَوْ لَا. (فَأَنَامُ) أَيِ: اضْطَجِعَ لِأَسْتَرِيحَ مِمَّا حَصَلَ لِي وَلَا أَزَالُ مُضْطَجِعًا (حَتَّى أَمُوتَ) أَيْ: أَوْ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ رَاحِلَتِي، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ اسْتِبْعَادًا لِجَانِبِ الْحَيَاةِ وَيَأْسًا عَنْ رُجُوعِ الرَّاحِلَةِ. (فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ) : عَلَى هَيْئَةِ الْمُحْتَضِرِ (لِيَمُوتَ) أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ (فَاسْتَيْقَظَ) أَيْ: فَنَامَ فَاسْتَنْبَهَ (فَإِذَا) : لِمُفَاجَأَةٍ (رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ) أَيْ: حَاضِرَةٌ أَوْ وَاقِفَةٌ (عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ) : الَّذِي هُوَ أَهَمُّ أَنْوَاعِ أَسْبَابِهِ (فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا) أَيْ: مِنْ فَرَحِ هَذَا الرَّجُلِ (بِرَاحِلَتِهِ وَشَرَابِهِ) : فَهَذَا " فَذْلَكَةُ " الْقِصَّةِ أُعِيدَتْ لِتَأْكِيدِ الْقَضِيَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: 222] وَإِنَّهُمْ بِمَكَانٍ عَظِيمٍ عِنْدَ رَبٍّ كَرِيمٍ رَءُوفٍ رَحِيمٍ. قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - نَوَّرَ اللَّهُ مَرْقَدَهُ الْعَالِي -: بَلَغَنَا عَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ رحمه الله وَكَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الْعَامِلِينَ بِهِ أَنَّهُ قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ سبحانه وتعالى ثَلَاثِينَ سَنَةً أَنْ يَرْزُقَنِي تَوْبَةً نَصُوحَةً فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي، ثُمَّ تَعَجَّبْتُ فِي نَفْسِي وَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! حَاجَةٌ دَعَوْتُ اللَّهَ فِيهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً فَمَا قُضِيَتْ لِي إِلَى الْآنِ، فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لِي: أَتَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَتَدْرِي مَاذَا تَسْأَلُ؟ إِنَّمَا تَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُحِبَّكَ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى يَقُولُ:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] أَهَذِهِ حَاجَةٌ هَيِّنَةٌ. اهـ. وَخَطَرَ بِالْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا بِالْحَالِ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَاتٍ لَطِيفَةً فِي طَيِّ عِبَارَاتٍ مُنِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ رُوحُ إِنْسَانٍ نَزَلَ مِنْ جِهَةِ الرُّوحَانِيَّةِ الْعُلْيَا إِلَى جِهَةِ الْبَدَنِيَّةِ السُّفْلَى فِي أَرْضِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَهِيَ الْمَفَازَةُ الْمُهْلِكَةُ الرَّدِيَّةُ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ مِنْ قَالَبِ الْبَدَنِ الَّذِي هُوَ مَرْحَلُ الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ أَيْ: تَعَبُ تَحْصِيلِهِمَا وَكَدُّ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا، فَنَامَ نَوْمَةً غَفْلَةً عَمَّا خُلِقَ لَهُ، فَاسْتَيْقَظَ مِنْ غَفْلَتِهِ وَاسْتَنْبَهَ مِنْ رَقْدَتِهِ، وَهَذِهِ الْيَقَظَةُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، وَأَوَّلُ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ أَيْ: مَرْكِبُهُ وَدَابَّتُهُ الْبَدَنِيَّةُ إِلَى مَرْعَى الشَّهَوَاتِ النَّفْسِيَّةِ، فَطَلَبَهَا الرُّوحُ غَايَةَ الطَّلَبِ، لِيَرُدَّهَا مِنَ التَّعَبِ إِلَى الْمَطْلَبِ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ حَرُّ الشَّوْقِ وَعَطَشُ الذَّوْقِ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَهْوَالِ الْمُسْتَقِلَّةِ كَالْجِبَالِ. قَالَ الرُّوحُ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْ مَرْكِبِ الْبَدَنِ، أَنْ يَرْجِعَ إِلَى طَرِيقِ الْوَطَنِ. (أَرْجِعُ) إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ مِنْ مَحَلِّ (الِاجْتِمَاعِ) ، فَأَنَامُ عَلَى طَرِيقِ الْإِتِّبَاعِ، لِأَنَّ الرُّوحَ الْمُجَرَّدَ لَا يَأْتِي مِنْهُ الْعَمَلُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى الْجَسَدِ حَتَّى أَمُوتَ وَأَهْلِكَ بِالْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ، لِأَجْلِ مَعْصِيَةِ الْبَدَنِ الْمُرْقَدِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ يَفُوتُ، فَاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمَةِ الْغَفْلَةِ، وَتَعْبِيَةِ الْبَدَنِ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ حَاضِرَةٌ رَاجِعَةٌ إِلَى رَبِّهِ نَاظِرَةٌ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ حَاصِلَانِ، وَلِمَطْلُوبِهِمَا وَاصِلَانِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ بِطَاعَةٍ، وَلَا يَزِيدَانِ بِمَعْصِيَةٍ، فَطُوبَى لَهُ ثُمَّ طُوبَى. (رَوَى مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ) أَيِ: الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ الْمُرَكَّبِ مِنَ الْمَوْقُوفِ وَالْمَرْفُوعِ (فَحَسْبُ) أَيْ: فَقَطْ (وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْمَوْقُوفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا) : وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِلَخْ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَالْمَوْقُوفَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ.

ص: 1634

2359 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ» ".

ــ

2359 -

(وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ) أَيِ: الْكَامِلَ فِي الْعُبُودِيَّةِ (الْمُؤْمِنَ) أَيِ: الْمُصَدِّقَ وَالْمُقِرَّ بِأَوْصَافِ الْعُبُودِيَّةِ (الْمُفَتَّنَ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيِ: الْمُبْتَلَى كَثِيرًا بِالسَّيِّئَاتِ، أَوْ بِالْغَفَلَاتِ، أَوْ بِالْحَجْبِ عَنِ الْحَضَرَاتِ، لِئَلَّا يُبْتَلَى بِالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ، وَأَكْثَرِ الْعُيُوبِ. (التَّوَّابَ) أَيْ: كَثِيرَ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَتَارَةً بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَأُخْرَى بِالْأَوْبَةِ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، وَأُخْرَى مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُفَتَّنُ الْمُمْتَحَنُ يَمْتَحِنُهُ اللَّهُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ يَتُوبُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ، وَهَكَذَا هُوَ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ مَعَ وُقُوعِ الْعَوْدَةِ.

ص: 1635

2360 -

وَعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْآيَةِ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا} [الزمر: 53] الْآيَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " أَلَا وَمَنْ أَشْرَكَ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .

ــ

2360 -

(وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا) أَيْ: جَمِيعَ مَا فِيهَا بِأَنْ أَتَصَدَّقَ بِخَيْرَاتِهَا، أَوْ أَتَلَذَّذَ بِلَذَّاتِهَا (بِهَذِهِ الْآيَةِ) أَيْ: بَدَلَهَا فَإِنَّ الْآيَةَ مُشْعِرَةٌ بِحُصُولِ الْمَغْفِرَةِ التَّامَّةِ وَالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ (يَا عِبَادِيَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا (الَّذِينَ أَسْرَفُوا) أَيْ: بِالْمَعَاصِي (عَلَى أَنْفُسِهِمْ) : لِأَنَّ وَبَالَهَا عَلَيْهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ (لَا تَقْنَطُوا) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا (الْآيَةَ) : بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ قَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا وَحْشِيٌّ قَاتِلُ حَمْزَةَ رحمه الله دُونَ سَائِرِ الْآيَاتِ. اهـ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ إِلَى وَحْشِيٍّ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كَيْفَ تَدْعُونِي إِلَى دِينِكَ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ أَوْ زَنَى أَوْ أَشْرَكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ، وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ هَذَا كُلَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان: 70] فَقَالَ وَحْشِيٌّ: هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ لَعَلِّي لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهَلْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] فَقَالَ وَحْشِيٌّ: أَرَانِي بَعْدُ فِي شُبْهَةٍ، فَلَا أَدْرِي يُغْفَرُ لِي أَمْ لَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] قَالَ وَحْشِيٌّ: نَعَمْ هَذَا. فَجَاءَ وَأَسْلَمَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَذَا لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» . (فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَنْ أَشْرَكَ؟) أَيْ: أَهْوَ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ أَمْ خَارِجٌ عَنْهَا؟ (فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) : أَيْ: أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَانْتِظَارًا لِأَمْرِهِ، أَوْ تَفْكِيرًا وَتَأَمُّلًا فِي أَدَاءِ جَوَابِهِ، (ثُمَّ قَالَ) : إِمَّا بِالْوَحْيِ أَوْ بِالِاجْتِهَادِ (أَلَا) : بِالتَّخْفِيفِ (وَمَنْ أَشْرَكَ) أَيْ: بِالتَّوْبَةِ. كَذَا قِيلَ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ إِذْ هَذَا مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَجَابَ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ، فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنِ الْقُنُوطِ، وَالْوَاوُ فِي (وَمَنْ) مَانِعَةٌ مِنْ حَمْلِ الْأَعْلَى عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَمُوجِبَةٌ لِحَمْلِهَا عَلَى التَّنْبِيهِ. اهـ.

وَفِي كَلَامِهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ إِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّائِبِ مِنَ الشِّرْكِ، فَهَذَا مِنَ الْوَاضِحَاتِ عِنْدَهُمْ، فَكَيْفَ يَسْأَلُونَ عَنْهُ؟ وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى غَيْرِ التَّائِبِ فَبِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ فِي السُّؤَالِ: فَمَنْ أَشْرَكَ مِنَ الْمَوْجُودِينَ مَا حُكْمُهُ؟ فَقَالَ: أَلَا وَمَنْ أَشْرَكَ فَحُكْمُهُ مُبْهَمٌ الْآنَ، إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ أَوْ يُعَذِّبُهُ بِالطُّغْيَانِ. وَأَشَارَ بِعَدَمِ الْحُكْمِ إِمَّا إِلَى إِبْهَامِهِ، وَإِمَّا بِعَدَمِ الْجَوَابِ إِلَى إِعْظَامِهِ.

ص: 1635

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ السُّؤَالُ عَلَى قَوْلِهِ: يَا عِبَادِيَ يَعْنِي الْمُشْرِكَ أَدَاخَلٌ فِي هَذَا الْمَفْهُومِ وَيُنَادَى بِيَا عِبَادِي؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، أَوْ عَلَى الَّذِينَ أَسْرَفُوا أَيْ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ أَوْ عَلَى لَا تَقْنَطُوا فَيُنْهَوْنَ عَنِ الْقُنُوطِ. فَقِيلَ: نَعَمْ أَوْ عَلَى قَوْلِهِ: {إِنِ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] فَقِيلَ: نَعَمْ. اهـ.

فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ: الْأَوَّلُ وَالرَّابِعُ مِنْهَا يَحْتَاجُ كُلٌّ إِلَى تَأْوِيلٍ أَيْضًا، وَالثَّانِي غَيْرُ لَائِقٍ بِالسُّؤَالِ، وَالثَّالِثُ هُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ " الِاحْتِمَالِ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : ظَرْفٌ لِقَالَ، وَالتَّكْرَارُ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى اخْتِلَافِ الْحَالَاتِ.

ص: 1636

2361 -

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عز وجل لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْحِجَابُ؟ قَالَ: " أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ» ". رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَخِيرَ فِي كِتَابِ:" الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ ".

ــ

2361 -

(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى) : وَفِي نُسْخَةٍ: عز وجل (لَيَغْفِرُ) : بِلَامٍ مَفْتُوحَةٍ لِلتَّأْكِيدِ (لِعَبْدِهِ) أَيْ: مَا شَاءَ مِنَ الذُّنُوبِ (مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ) أَيِ: الْإِثْنَيْنِيَّةُ. قَالَ تَعَالَى: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51](قَالَ: وَأَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ) : وَفِي مَعْنَى الشِّرْكِ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ. (رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ) أَيْ: جَمِيعَهَا (أَحْمَدُ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَخِيرَ) أَيِ: الْحَدِيثَ الْأَخِيرَ (فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .

ص: 1636

2362 -

وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يَعْدِلُ بِهِ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلَ جِبَالٍ ذُنُوبٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ: " الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ ".

ــ

2362 -

(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ) أَيْ: مَنْ مَاتَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الدُّنْيَا، وَغَفَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ إِذِ الْإِشْرَاكُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَكُلُّ النَّاسِ فِيهَا مُؤْمِنُونَ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَعِ الْكُفَّارَ إِيمَانُهُمْ. اهـ. وَفِيهِ إِيهَامٌ، وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ لَمْ يَنْفَعِ الْكُفَّارَ إِيمَانُهُمْ. (لَا يَعْدِلُ بِهِ) أَيْ: لَا يُسَاوِي بِاللَّهِ (شَيْئًا فِي الدُّنْيَا) أَيْ: لَا يَتَجَاوَزُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَنَصَبَ شَيْئًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ (ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: بَعْدَ الْمَوْتِ (مِثْلَ جِبَالٍ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَاسْمُهُ قَوْلُهُ: (ذُنُوبٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) أَيْ: إِيَّاهَا يَعْنِي: جَمِيعَهَا إِنْ شَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48](رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .

ص: 1636

2363 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي:" شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّهْرَانَيُّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " رَوَى عَنْهُ مَوْقُوفًا. قَالَ:" النَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَالتَّائِبُ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ".

ــ

2363 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) أَيْ: تَوْبَةٌ صَحِيحَةٌ (كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) أَيْ: فِي عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ، بَلْ قَدْ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذُنُوبَ التَّائِبِ تُبَدَّلُ حَسَنَاتٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ رَابِعَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهَا كَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْفُضَيْلِ، وَتَقُولُ: إِنْ ذُنُوبِي بَلَغَتْ مِنَ الْكَثْرَةِ مَا لَمْ تَبْلُغْهُ طَاعَاتُكُمْ، فَتَوْبَتِي مِنْهَا بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ فَصِرْتُ أَكْثَرَ حَسَنَاتٍ مِنْكُمْ. اهـ. وَفِيهِ: أَنَّ هَذِهِ حَسَنَاتٌ تَقْدِيرِيَّةٌ، فَأَيْنَ هِيَ مِنْ حَسَنَاتٍ تَحْقِيقِيَّةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الزِّيَادَةُ الْمُضَاعَفَةُ، وَعِنْدِي أَنَّ حَسَنَةً وَاحِدَةً مِنَ السُّفْيَانَيْنِ

ص: 1636