الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1928 -
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ: الصَّدَقَةُ مَاذَا هِيَ؟ قَالَ: أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ، وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَزِيدُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
1928 -
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (الصَّدَقَةُ) بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ جُمْلَةُ (مَاذَا هِيَ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ ثَوَابُهَا؟ (قَالَ: أَضْعَافٌ) أَيْ هِيَ يَعْنِي ثَوَابَهَا أَضْعَافٌ مِنْ عَشَرَةٍ (مُضَاعَفَةٌ) أَيْ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ (وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَزِيدُ) أَيِ الزِّيَادَةُ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: " {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] " قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ خَبَرٌ بِالتَّأْوِيلِ أَيِ الصَّدَقَةُ أَقُولُ فِيهَا مَاذَا هِيَ، وَالسُّؤَالُ عَنْ حَقِيقَةِ الصَّدَقَةِ لَا يُطَابِقُ الْجَوَابَ بِقَوْلِ: أَضْعَافٌ، لَكِنَّهُ وَارِدٌ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ أَيْ: لَا تَسْأَلْ عَنْ حَقِيقَتِهَا فَإِنَّهَا مَعْلُومَةٌ وَاسْأَلْ عَنْ ثَوَابِهَا لِيُرَغِّبَكَ فِيهَا اهـ. وَفِيهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَكَلُّفِهِ أَنَّ الْمَعْلُومَ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى يُنْهَى عَنْ سُؤَالِهِ وَيُعْدَلَ عَنْ جَوَابٍ آخَرَ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُمْ أَرَأَيْتَ زَيْدًا مَاذَا صَنَعَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بَلْ يَجِبُ نَصْبُ زَيْدٍ، وَمَعْنَى أَرَأَيْتَ أَخْبِرْ وَهُوَ مَنْقُولٌ مَنْ رَأَيْتَ بِمَعْنَى أَبْصَرْتَ أَوْ عَرَفْتَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَبْصَرْتَهُ، وَشَاهَدْتَ الْعَجِيبَةَ أَوْ عَرَفْتَهَا أَخْبِرْنِي عَنْهَا، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الِاسْتِخْبَارِ عَنْ حَالَةٍ عَجِيبَةٍ وَقَدْ يُؤْتَى بَعْدَهُ بِالْمَنْصُوبِ الَّذِي كَانَ مَفْعُولًا بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ يُحْذَفُ نَحْوُ:{أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ} [الأنعام: 47] ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِفْهَامٍ ظَاهِرٍ أَوْ مُقَدَّرٍ وَلَيْسَ لِجُمْلَةِ مَا صَنَعَ مَحَلٌّ مِنَ الْإِعْرَابِ كَمَا تُوُهِّمَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، بَلْ هِيَ لِبَيَانِ الْحَالِ الْمُسْتَخْبَرِ عَنْهَا لِمَا قَالَ: رَأَيْتَ زَيْدًا؟ قَالَ الْمُخَاطَبُ: عَنْ أَيِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ تَسْأَلُ؟ فَقَالَ: مَا صَنَعَ، كَمَا فِي الرِّضَى فَعَلَى هَذَا يَجِبُ نَصْبُ الصَّدَقَةِ فِي قَوْلِهِ أَرَأَيْتَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِرَفْعِهَا يَتَعَيَّنُ تَوْجِيهُهَا بِأَنْ يُقَالَ: هِيَ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولَيْنِ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9 - 10] : فَإِنْ قُلْتَ مَا مُتَعَلِّقُ أَرَأَيْتَ؟ قُلْتُ: " الَّذِي يَنْهَى " مَعَ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وَهُمَا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولَيْنِ، قَالَ أَبُو حِبَّانَ: وَمَا قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هَاهُنَا لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ أَيْ فِي الْأَنْعَامِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ادَّعَى أَنْ جُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الْوَاحِدِ، وَالْمَوْصُولُ هُوَ الْآخَرُ، وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً اسْتِفْهَامِيَّةً كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - " {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى - وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى - أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ} [النجم: 33 - 35] " وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، فَتَخْرُجُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ الْقَانُونِ إِلَخْ، وَقَالَ فِي الْإِعْلَانِ: أَرَأَيْتَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي لَا يُعَلَّقُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَثِيرًا مَا يُعَلَّقُ، اهـ. فَكَلَامُ الرَّضِيِّ بِمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ نَصْبِ زَيْدٍ، وَلِذَا قَالَ فِي الْإِعْلَانِ: اخْتَلَفُوا فِي الْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْمَنْصُوبِ بِأَرَأَيْتَكَ نَحْوَ أَرَأَيْتَكَ زَيْدًا مَا صَنَعَ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ زَيْدًا مَفْعُولٌ أَوَّلٌ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ سَادَّةٌ مَسَدَّ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَلَا يَجُورُ التَّعْلِيقُ فِي هَذِهِ وَإِنْ جَازَ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَخَوَاتِهَا نَحْوَ عَلِمْتَ زَيْدًا مَنْ هُوَ، وَقَالَ السَّفَاقِسِيُّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:{أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء: 62] هَنَا وُجُوهٌ أَحَدُهَا لِلزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الَّتِي بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى جُمْلَةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ يَكُونُ الْخَبَرُ فِيهَا اسْتِفْهَامًا، فَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فَمُقَدَّرٌ، اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ كَمَا لَا يَخْفَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
[بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
1929 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَكِيمٍ وَحْدَهُ.
ــ
(بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
1929 -
(عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ بَعْدَهُ زَايٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» ") قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كَانَتْ عَفْوًا قَدْ فَضَلَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى كَانَ صَدَقَتُهُ مُسْتَنَدَهُ إِلَى ظَهْرٍ قَوِيٍّ مِنَ الْمَالِ، أَوْ أَرَادَ غِنًى يُعْتَمَدُ وَيُسْتَظْهَرُ بِهِ عَلَى النَّوَائِبِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الظَّهْرُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: ظَهْرُ غِنًى عِبَارَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ الْمُتَصَدِّقِ عَنْ غِنًى مَا، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هُوَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، أَيْ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ، وَتَنْكِيرُ غِنًى لِيُفِيدَ أَنْ لَا بُدَّ لِلْمُتَصَدِّقِ مِنْ غِنًى مَا، إِمَّا غِنَى النَّفْسِ وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ عَمَّا بُذِلَ بِسَخَاوَةِ النَّفْسِ ثِقَةً بِاللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه وَإِمَّا غِنَى الْمَالِ الْحَاصِلِ فِي يَدِهِ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ الْيَسَارَيْنِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» "، وَإِلَّا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَيَتْرُكَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ فِي الْجُوعِ وَالشِّدَّةِ، وَلِذَا خَتَمَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ ( «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ) أَيْ بِمَنْ تَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ عَنْهُمَا (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَكِيمٍ وَحْدَهُ) فَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
1930 -
وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
1930 -
(وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ» ) أَيِ الزَّوْجَةِ وَالْأَقَارِبِ (وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا) أَيْ يَعْتَدُّهَا مِمَّا يَدَّخِرُ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ يَطْلُبُ الْحِسْبَةَ وَهِيَ الثَّوَابُ (كَانَتْ لَهُ) أَيْ نَفَقَتُهُ (صَدَقَةً) أَيْ عَظِيمَةً أَوْ مَقْبُولَةً أَوْ نَوْعًا مِنَ الصَّدَقَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
1931 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ. أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
1931 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: دِينَارٌ) مُبْتَدَأٌ صِفَتُهُ (أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي الْجِهَادِ، أَوْ فِي الْحَجِّ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ (وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ) أَيْ فِي فَكِّهَا أَوْ إِعْتَاقِهَا " «وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: دِينَارٌ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ ( «أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» ) قِيلَ: لِأَنَّهُ فَرْضٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
1932 -
وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
1932 -
(وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَفْضَلُ دِينَارٍ ") يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ (" «يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ» ") أَيْ دَابَّةٍ مَرْبُوطَةٍ (" فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") مِنْ نَحْوِ الْجِهَادِ (" وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ ") أَيْ حَالَ كَوْنِهِمْ مُجَاهِدِينَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يَعْنِي: الْإِنْفَاقُ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ أَفْضَلُ مِنِ الْإِنْفَاقِ عَلَى غَيْرِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّرْتِيبِ، لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ الصَّادِرُ مِنَ الْحَكِيمِ لَا يَخْلُو عَنْ حُكْمِهِ، فَالْأَفْضَلُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مُخَصِّصٌ، وَلِذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم:«ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ، {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] » (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
1933 -
ــ
1933 -
(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ أَجْرٌ) بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنْ أَنْفِقَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ فِي إِنْفَاقِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِنِ الشَّرْطِيَّةِ (عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبُو سَلَمَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوْلَادٌ: عُمَرُ وَمُحَمَّدٌ وَزَيْنَبُ وَدُرَّةُ (إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (فَقَالَ: " «أَنَفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
1934 -
«وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ "، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ.
قَالَتْ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَاجَتِي وَحَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَنْ أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" مَنْ هُمَا؟ " ; قَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ " قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" لَهُمَا "، " أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ "، " وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
ــ
1934 -
(وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ") أَيْ جَمَاعَتَهُنَّ (" وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ ") بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ الْحَلْيِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَهُوَ مَا يُزَيَّنُ بِهِ مِنْ مَصُوغِ الْمَعْدِنِيَّاتِ، أَوِ الْحِجَارَةِ (قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ) أَيْ قَلِيلُهَا (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ) أَيْ بِإِعْطَائِهَا أَوْ بِالتَّصَدُّقِ (فَأْتِهِ) أَيْ فَاحْضُرْهُ (فَاسْأَلْهُ) وَفِي نُسْخَةٍ فَسَلْهُ أَيْ هَلْ يُجْزِئُنِي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَوْلَادِكَ أَمْ لَا؟ (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) أَيِ التَّصَدُّقُ عَلَيْكَ (يُجْزِئُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ: أَيْ يُغْنِي وَيَقْضِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهَا أَيْ يَكْفِي (عَنِّي) أَيْ تَصَدَّقْتُ عَلَيْكُمْ وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْكُمْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُجْزِئْنِي (صَرَفْتُهَا) أَيْ عَنْكُمْ (إِلَى غَيْرِكُمْ) أَيْ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ
(قَالَتْ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ) وَلَعَلَّ امْتِنَاعَهُ لِأَنَّ سُؤْلَهُ يُنْبِئُ عَنِ الطَّمَعِ (قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ) أَيْ فَذَهَبُتُ (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) أَيْ وَاقِفَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ (بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) الْمَفْهُومُ مِنْ حَدِيثِ الْبَزَّارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَابِ بَابُ الْمَسْجِدِ (حَاجَتِي وَحَاجَتُهَا) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ عَيْنُهَا، أَوْ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ (قَالَتْ) أَيْ زَيْنَبُ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَعْطَى اللَّهُ رَسُولَهُ هَيْبَةً وَعَظَمَةً يَهَابُهُ النَّاسُ، وَيُعَظِّمُونَهُ، وَلِذَا مَا كَانَ أَحَدٌ يَجْتَرِئُ عَلَى الدُّخُولِ عَلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ دَلَّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ أَصْحَابُهُ فِي مَجْلِسِهِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ، وَذَلِكَ عِزَّةٌ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لَا كِبْرٌ وَسُوءُ خُلُقٍ، وَإِنَّ تِلْكَ الْعِزَّةَ أَلْبَسَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - إِيَّاهُ صلى الله عليه وسلم لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ (قَالَتْ) أَيْ زَيْنَبُ ( «فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَنْ أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا» ) بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ حَجْرٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، يُقَالُ: فُلَانٌ فِي حَجْرِ فُلَانٍ أَيْ فِي كَنَفِهِ وَمَنْعِهِ وَالْمَعْنَى فِي تَرْبِيَتِهِمَا (وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ) إِرَادَةَ الْإِخْفَاءِ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ الرِّيَاءِ، أَوْ رِعَايَةً لِلْأَفْضَلِ، وَهَذَا أَيْضًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا لِعَدَمِ دُخُولِهَا (قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ هُمَا؟ " ; قَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" أَيُّ الزَّيَانِبِ ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَيَّةُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] اهـ بَلْ قِيلَ: التَّأْنِيثُ أَفْصَحُ (قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ) هَذَا يُؤَيِّدُ اصْطِلَاحَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، لَا ابْنُ عُمَرَ، وَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَا ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مَعَ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ أَجِلَّاءُ، لَكِنَّهُ أَجَلُّ فَالْمُطْلَقُ يَصْرِفُ الْأَكْمَلَ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّهُ أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، قِيلَ: وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ بِلَالٌ عَنْهُمَا مَعَ أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِخْبَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ إِجَابَتَهُ فَرْضٌ دُونَ غَيْرِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَهُمَا ") أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (" أَجْرَانِ أَجْرٌ الْقَرَابَةِ ") أَيِ الصِّلَةِ (" وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) قَالَ الشُّمُنِّيُّ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ.
اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ إِلَى امْرَأَتِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا تَدْفَعُ الْمَرْأَةُ زَكَاتَهَا إِلَى زَوْجِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَنَافِعِ عَادَةً، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَدْفَعُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَهُمَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالنَّسَائِيِّ عَنْ زَيْنَبَ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ فَقَالَ فِيهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ وَجَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «جَاءَتْهُ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَعِنْدِي حَلْيٌ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ» "، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا مُعَارَضَةَ لَازِمَةٌ بَيْنَ هَذِهِ وَالْأُولَى فِي شَيْءٍ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَقَوْلُهُ " وَلَدُكِ " يَجُوزُ كَوْنُهُ مَجَازًا عَنِ الرَّبَائِبِ وَهُمُ الْأَيْتَامُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَكَوْنُهُ حَقِيقَةً فَالْمَعْنَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا تَمَلَّكَهَا أَنْفَقَهَا عَلَيْهِمْ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَدَقَةِ نَافِلَةٍ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَ عليه الصلاة والسلام يَتَخَوَّلُ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: وَهَلْ يُجْزِئُ ; وَإِنْ كَانَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الْحَادِثِ لَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إِلَّا فِي الْوَاجِبِ ; لَكِنْ كَانَ فِي أَلْفَاظِهِمْ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ النَّقْلِ لِأَنَّهُ لُغَةً الْكِفَايَةُ، فَالْمَعْنَى: هَلْ يَكْفِي التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ فِي تَحْقِيقِ مُسَمَّى الصَّدَقَةِ وَتَحْقِيقِ مَقْصُودِهَا مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -؟ .
1935 -
ــ
1935 -
(وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً) أَيْ جَارِيَةً مَوْلُودَةً فِي مِلْكِهَا مَمْلُوكَةً (فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ مِنْ غَيْرِ إِعْلَامِهِ (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) أَيِ الْإِعْتَاقَ (لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا " بِكَسْرِ التَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ حَتَّى تَوَلَّدَتْ يَاءٌ " أَخْوَالَكِ " جَمْعُ الْخَالِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى خَادِمٍ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ " كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ " لِأَنَّهُ كَانَ صَدَقَةً وَصِلَةً، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
1936 -
«وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: " إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
1936 -
( «وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي» ) أَيْ أَوَّلًا أَوْ زِيَادَةً " قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا " أَيْ لَا جِدَارًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ أَكْثَرُ اخْتِلَاطًا وَأَظْهَرُ اطِّلَاعًا فَيَكُونُ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَظُهُورِ الْمَوَدَّةِ أَوْلَى، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَارَ الْأَقْرَبَ بِمَزِيدِ الْإِحْسَانِ أَنْسَبُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ انْحِصَارَ الْإِهْدَاءِ إِلَى الْأَقْرَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِمَا فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ
:
1937 -
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
1937 -
(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً» ") أَيْ فِيهَا لَحْمٌ أَوْ لَا " فَأَكْثِرْ مَاءَهَا " أَيْ عَلَى الْمُعْتَادِ لِنَفْسِكَ " وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ " جَمْعُ الْجَارِ يَعْنِي تَفَقَّدْهُمْ بِزِيَادَةِ طَعَامِكَ وَتَجَدُّدِ عَهْدِكَ بِذَلِكَ تَحْفَظْ بِهِ حَقَّ الْجِوَارِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِكْثَارِ الْمَاءِ فِي مَرَقَةِ الطَّعَامِ حِرْصًا عَلَى إِيصَالِ نَصِيبٍ مِنْهُ إِلَى الْجَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَذِيذًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
الْفَصْلُ الثَّانِي
1938 -
«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
1938 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " جُهْدُ الْمُقِلِّ ") بِضَمِّ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ، أَيْ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُ الْقَلِيلِ الْمَالِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَضِيلَةَ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ وَقُوَّةِ التَّوَكُّلِ وَضَعْفِ الْيَقِينِ اهـ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُقِلِّ الْغَنِيُّ الْقَلْبِ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ " «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» "، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ عَلَى الْجُوعِ أَنْ يُعْطِيَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْغِنَى فِي قَوْلِهِ " «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» " مَنْ لَا يَصْبِرُ عَلَى الْجُوعِ وَالشِّدَّةِ، تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ يَصْبِرُ فَالْإِعْطَاءُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَمَنْ لَا يَصْبِرُ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُمْسِكَ قُوتَهُ ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ اهـ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ تَصَدُّقَ الْفَقِيرِ الْغَنِيِّ الْقَلْبِ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا أَفْضَلُ مِنْ تَصَدُّقِ الْغَنِيِّ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا، فَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ أَفْضَلِيَّةِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَأَنَّ عِبَادَةَ الْأَوَّلِ مَعَ قِلَّتِهَا أَفْضَلُ مِنَ الثَّانِي مَعَ كَثْرَتِهَا، فَكَيْفَ بِتَسَاوِيهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعًا:" «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانِ أَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ " وَابْدَأْ " أَيْ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّقُ أَوِ الْمُقِلُّ " بِمَنْ تَعُولُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
1939 -
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
1939 -
(وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ) وَكَذَا فِي النُّسَخِ مُصَغَّرًا، وَقَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ سَلْمَانُ مُكَبَّرًا بِلَا يَاءٍ، وَسُلَيْمَانُ سَهْوٌ مِنَ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. انْتَهَى، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ: هُوَ سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّيُّ، عِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مِنَ الرُّوَاةِ ضَبِّيٌّ غَيْرُهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ ذُكِرَ بَعْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّهْوَ مِنِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ لَذَكَرَهُ فِي عِدَادِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ» ") أَيْ وَاحِدَةٌ " وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ " أَيْ مُتَعَدِّدٌ " صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ " يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ خَيْرَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ وَاحِدٍ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .
1940 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ "، قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ "، قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ "، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ "، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْتَ أَعْلَمُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
1940 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: عِنْدِي دِينَارٌ) أَيْ وَأُرِيدُ أَنْ أُنْفِقَهُ (قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ " قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ "، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ " قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا قَدَّمَ الْوَلَدَ عَلَى الزَّوْجَةِ لِشِدَّةِ افْتِقَارِهِ إِلَى النَّفَقَةِ بِخِلَافِهَا فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا لَأَمْكَنَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ عَنِ اللُّزُومِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا ( «قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ "، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: " أَنْتَ أَعْلَمُ» ") بِحَالِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ مِنْ أَقَارِبِكَ وَجِيرَانِكَ وَأَصْحَابِكَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .
1941 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ ; رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ ; رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ ; رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
1941 -
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ ") يَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهَامَ وَالتَّنْبِيهَ فِي الْإِعْلَامِ " بِخَيْرِ النَّاسِ " أَيْ بِمَنْ هُوَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، إِذْ لَيْسَ الْغَازِي أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ بِشَرِّ النَّاسِ إِذِ الْكَافِرُ شَرٌّ مِنْهُ؛ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمُ الْمَقْصُودُونَ مِنْهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَلَا شَكَّ أَنَّ قَاتِلَ النَّاسِ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَعَلَّ نُكْتَةَ الْإِطْلَاقِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَثِّ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالتَّحْذِيرُ عَنِ الثَّانِي " رَجُلٌ " بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ " مُمْسِكٌ " صِفَةُ رَجُلٍ أَيْ آخِذٌ " بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أَيْ مُتَهَيِّئٌ لِلْقِتَالِ مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ " أَيْ يَتْبَعُهُ وَيَقْرُبُهُ فِي الْخَيْرِيَّةِ " رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ " بِالْوَجْهَيْنِ، أَيْ مُتَبَاعِدٌ عَنِ النَّاسِ مُنْفَرِدٌ عَنْهُمْ، إِلَى مَوْضِعٍ خَالٍ مِنَ الْبَوَادِي أَوِ الصَّحَارِي " فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ " أَيْ مَثَلًا، وَهُوَ تَصْغِيرُ غَنَمٍ بِمَعْنَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ " «يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ ; رَجُلٌ يُسْأَلُ» " مِنْهُ، عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُطْلَبُ " بِاللَّهِ " أَيْ بِالْقَسَمِ بِهِ بِأَنْ يَقُولَ الْفَقِيرُ لِشَخْصٍ: أَعْطِنِي بِاللَّهِ " وَلَا يُعْطِي " عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيِ الرَّجُلُ الْمَسْئُولُ مِنْهُ " بِهِ " أَيْ بِاللَّهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَسْأَلُ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَلَا يُعْطَى بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يَسْأَلُ مَالَكَ لِنَفْسِهِ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطَى بِاللَّهِ إِذَا سَأَلَ بِهِ اهـ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَتَأَمَّلْ. نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلَانِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ وَيُقَدَّرُ الْمَوْصُولُ فِي الثَّانِي، فَيَكُونُ الْمَعْنَى شَرُّ النَّاسِ مَنْ يَسْأَلُ بِاللَّهِ أَيْ بِالْيَمِينِ وَالْإِلْحَاحِ لِأَنَّهُ إِيقَاعٌ لِلنَّاسِ فِي الْحَرَجِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُعْطَى بِسَبَبِ الْحَيَاءِ فَيَكُونُ أَخْذُهُ حَرَامًا، وَمَنْ لَا يُعْطِي بِاللَّهِ أَيْ بِالْقَسَمِ وَالْحَلِفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَسْئُولِ، حَيْثُ تَرَكَ تَعْظِيمَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَعَدَلَ عَنِ التَّرَحُّمِ عَلَى الْفَقِيرِ الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ الِاضْطِرَارُ وَالِافْتِقَارُ الْمُلْجِئُ إِلَى الْيَمِينِ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَسْئُولُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .
1942 -
وَعَنْ أُمِّ بُجَيْدٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: " «رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ.
ــ
1942 -
(وَعَنْ أُمِّ بُجَيْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ؛ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْقَامُوسُ وَالْعَسْقَلَانِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِالنُّونِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، ثُمَّ هِيَ حَوَّاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ السَّكَنِ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، كَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «رُدُّوا السَّائِلَ» ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " «لَا تَرُدُّوا السَّائِلَ» "، أَيْ لَا تَجْعَلُوهُ مَحْرُومًا، بَلْ أَعْطُوهُ شَيْئًا " وَلَوْ بِظِلْفٍ " بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ " مُحْرَقٍ " مِنِ الْإِحْرَاقِ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي رَدِّ السَّائِلِ بِأَدْنَى مَا يَتَيَسَّرُ، وَلَمْ يُرِدْ صُدُورَ هَذَا الْفِعْلِ مِنَ الْمَسْئُولِ مِنْهُ، فَإِنَّ الظِّلْفَ الْمُحْرَقَ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ زَمَنَ الْقَحْطِ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ، عَنِ الْحَوَّاءِ بِنْتِ السَّكَنِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ.
1943 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْكُمْ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى تُرَوْا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
1943 -
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنِ اسْتَعَاذَ ") أَيْ مَنْ سَأَلَ مِنْكُمُ الْإِعَاذَةَ مُسْتَغِيثًا " بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ " قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَنِ اسْتَعَاذَ بِكُمْ وَطَلَبَ مِنْكُمْ دَفْعَ شَرِّكُمْ أَوْ شَرِّ غَيْرِكُمْ عَنْهُ، قَائِلًا: بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَنْ تَدْفَعَ عَنِّي شَرَّكَ، فَأَجِيبُوهُ وَادْفَعُوا عَنْهُ الشَّرَّ، تَعْظِيمًا لِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَالتَّقْدِيرُ مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْكُمْ مُتَوَسِّلًا بِاللَّهِ مُسْتَعْطِفًا بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ صِلَةَ اسْتَعَاذَ، أَيْ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُ، بَلْ أَعِيذُوهُ وَادْفَعُوا عَنْهُ، فَوُضِعَ أَعِيذُوا مَوْضِعَ ادْفَعُوا وَلَا تَتَعَرَّضُوا مُبَالَغَةً " «وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ» " أَيْ تَعْظِيمٌ لِاسْمِ اللَّهِ وَشَفَقَةٌ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ " وَمَنْ دَعَاكُمْ " أَيْ إِلَى دَعْوَةٍ " فَأَجِيبُوهُ " أَيْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ " «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا» " أَيْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ إِحْسَانًا قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا " فَكَافِئُوهُ " مِنَ الْمُكَافَأَةِ أَيْ أَحْسِنُوا إِلَيْهِ مِثْلَ مَا أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ - وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 60 - 77] " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ " أَيْ بِالْمَالِ، وَالْأَصْلُ تُكَافِئُونَ فَسَقَطَ النُّونُ بِلَا نَاصِبٍ وَجَازِمٍ إِمَّا تَخْفِيفًا أَوْ سَهْوًا مِنَ النَّاسِخِينَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى الْحِفْظِ مُعَوَّلٌ، وَنَظِيرُهُ: كَمَا تَكُونُو يُوَلَّ عَلَيْكُمْ، عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمَيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي بَكَرَةَ " فَادْعُوا لَهُ " أَيْ لِلْمُحْسِنِ يَعْنِي فَكَافِئُوهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ " حَتَّى تُرَوْا " بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ تَظُنُّوا وَبِفَتْحِهَا أَيْ تَعْلَمُوا أَوْ تَحْسَبُوا " أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ " أَيْ كَرِّرُوا الدُّعَاءَ حَتَّى تَظُنُّوا قَدْ أَدَّيْتُمْ حَقَّهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ " «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» "، قُلْتُ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أُسَامَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِأَحَدٍ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ أَدَّى الْعِوَضَ، وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ كَثِيرًا، وَكَانَتْ عَادَةُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها إِذَا دَعَا لَهَا السَّائِلُ تُجِيبُهُ بِمِثْلِ مَا يَدْعُو لَهَا ثُمَّ تُعْطِيهِ مِنَ الْمَالِ، فَقِيلَ لَهَا: تُعْطِينَ السَّائِلَ الْمَالَ وَتَدْعِينَ بِمِثْلِ مَا يَدْعُو لَكِ، فَقَالَتْ: لَوْ لَمْ أَدْعُ لَهُ لَكَانَ حَقُّهُ بِالدُّعَاءِ لِي عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حَقِّي عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ، فَأَدْعُو لَهُ بِمِثْلِ مَا يَدْعُو لِي حَتَّى أُكَافِئَ دُعَاءَهُ لِتَخْلُصَ لِيَ الصَّدَقَةُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .
1944 -
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
1944 -
(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ» ") أَيْ بِذَاتِهِ " إِلَّا الْجَنَّةُ " بِالرَّفْعِ أَيْ لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ شَيْءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ تُدْخِلَنَا جَنَّةَ النَّعِيمِ، وَلَا يُسْأَلُ رُوِيَ غَائِبًا نَفْيًا وَنَهْيًا وَمَجْهُولًا، وَرَفْعَ الْجَنَّةِ، وَنَهْيًا مُخَاطِبًا مَعْلُومًا مُفْرَدًا، وَنَصْبَ الْجَنَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا تَسْأَلُوا مِنَ النَّاسِ شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ، مِثْلَ أَنْ تَقُولُوا: أَعْطِنِي شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ أَوْ بِاللَّهِ، فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْئَلَ بِهِ مَتَاعُ الدُّنْيَا، بَلِ اسْأَلُوا بِهِ الْجَنَّةَ، أَوْ لَا تَسْأَلُوا اللَّهَ مَتَاعَ الدُّنْيَا بَلْ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ، وَالْوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذَّاتِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
1945 -
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
1945 -
(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) أَيْ زَوْجُ أُمِّهِ (أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا) تَمْيِيزٌ (مِنْ نَخْلٍ) بَيَانٌ (وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ) بِالرَّفْعِ (إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، كَذَا ضَبَطَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَجَاءَ فِي ضَبْطِهِ أَوْجُهٌ كَثِيرَةٌ جَمَعَهَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ، فَقَالَ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، فَهَذِهِ ثَمَانِ لُغَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: بَرِيحَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: بَارِيحَا مِثْلَهُ، لَكِنْ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ اهـ وَفِي الْمُغْرِبِ: الْبَرَاحُ الْمَكَانُ الَّذِي لَا سُتْرَةَ فِيهِ، مِنْ شَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنَّهَا زَالَتْ، وَبَيْرَحَا فَيْعَلَى مِنْهُ، وَهِيَ بُسْتَانٌ لِأَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ بِالْمَدِينَةِ، وَعَنْ شَيْخِنَا أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ مُحَدِّثِي مَكَّةَ يَرْوُونَهَا بَيْرَحَا، وَحَاءُ اسْمُ رَجُلٍ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْبِئْرُ، وَالصَّوَابُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى، وَفَى الْمُقَدِّمَةِ اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَيُقَالُ بِلَفْظِ الْبِئْرِ وَالْإِضَافَةِ لِمِثْلِ حَرْفِ الْهِجَاءِ، فَعَلَى هَذَا فَحَرَكَاتُ الْإِعْرَابِ فِي الرَّاءِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو ذَرٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ الصُّورِيُّ: هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ فِي كُلِّ حَالٍ: فَخَلَصْنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، وَحُكِيَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ فِيهَا فَتَصِيرُ ثَمَانِيَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بَيْرَحَا وَبَيْرَحَاءُ، بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبَيْرَحَا بِالْقَصْرِ، قِيلَ: فَيْعَلَا مِنَ الْبَرَاحِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الظَّاهِرَةُ اهـ فَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْمَنْقُولِ أَنَّ الْوَجْهَ الْمُعْتَمَدَ مَا ضَبَطْنَاهُ أَوَّلًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ، ثُمَّ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِرَفْعِ أَحَبَّ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ، وَالْخَبَرُ بَيْرَحَاءَ، وَنَصْبُهُ لَفْظِيٌّ أَوْ تَقْدِيرِيٌّ، وَفِي بَعْضِهَا بِنَصْبِ أَحَبَّ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَرُ وَبِئْرُحَاءُ اسْمٌ مُؤَخَّرٌ (وَكَانَتْ) أَيِ الْبُقْعَةُ أَوِ الْبِئْرُ (مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) أَيْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا) أَيِ الْبُقْعَةَ الَّتِي هِيَ الْبُسْتَانُ أَوْ بُسْتَانُ الْبِئْرِ (وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أَيْ فِي الْبُقْعَةِ أَوْ فِي الْبِئْرِ (طَيِّبٍ) أَيْ حُلْوٌ الْمَاءُ أَوْ حَلَالٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ (قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} [آل عمران: 92] أَيِ الْجَنَّةَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقِيلَ: التَّقْوَى، وَقِيلَ: الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: الْخَيْرُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَنْ تَكُونُوا أَبْرَارًا {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] أَيْ مِنْ أَحَبِّ أَمْوَالِكُمْ إِلَيْكُمْ ( «قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَرْجُو بِرَّهَا» ) أَيْ خَيْرَهَا (وَذُخْرَهَا) أَيْ نَتِيجَتَهَا الْمُدَّخَرَةَ، وَفَائِدَتَهَا الْمُدَّخَرَةَ، يَعْنِي لَا أُرِيدُ ثَمَرَتَهَا الْعَاجِلَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْفَانِيَةَ، بَلْ أَطْلُبُ مَثُوبَتَهَا الْآجِلَةَ الْأُخْرَوِيَّةَ الْبَاقِيَةَ (عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا) أَيِ اصْرِفْهَا (يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ) أَيْ فِي مَصْرِفٍ عَلَّمَكَ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَفِي الْمَعَالِمِ بِلَفْظِ حَيْثُ شِئْتَ ( «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" بَخٍ بَخٍ» ") بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ، وَكَرَّرَ لِلْمُبَالَغَةِ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: هِيَ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَعَجِّبُ مِنَ الشَّيْءِ، وَتُقَالُ عِنْدَ الْمَدْحِ وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ، فَإِنْ وُصِلَتْ خُفِضَتْ وَنُوِّنَتْ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ فِيهَا لُغَاتٌ: إِسْكَانُ الْخَاءِ وَكَسْرُهَا مُنَوَّنًا وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَبِضَمِّهَا مُنَوَّنًا، وَبِتَشْدِيدِهَا مَضْمُومًا، وَمُنَوَّنًا، وَاخْتَارَ الْخَطَّابِيُّ إِذَا كُرِّرَ تَنْوِينَ الْأُولَى وَتَسْكِينَ الثَّانِيَةِ " ذَلِكَ " أَيْ مَا ذَكَرْتُهُ أَوِ التَّذْكِيرُ لِأَجْلِ الْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلٌ، " مَالٌ رَابِحٌ " بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ ذِي رِبْحٍ كَلَابِنٍ وَتَامِرٍ، وَقِيلَ: فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَرْبُوحٌ، وَيُرْوَى بِالْيَاءِ أَيْ رَائِحٌ عَلَيْكَ نَفْعُهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَوْلُهُ بِالْيَاءِ يَعْنِي بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَلَا يُقْرَأُ إِلَّا بِالْهَمْزَةِ الْمُبْدَلِ عَنْهَا، كَقَائِلٍ وَبَائِعٍ، وَعَائِشَةَ، وَفِي الْمَعَالِمِ:«بَخٍ ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ» " وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا " أَيْ صَدَقَةً " فِي الْأَقْرَبِينَ " أَيْ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ (قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) أَيْ أَنَا بِأَمْرِكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) يُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ وَالتَّفْسِيرُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ عَطِيَّةُ أَنْزَلَهُ اللَّهُ الدَّرَجَةَ الْعَلِيَّةَ: حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَسَّمَهُ بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ " «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُسِرَّهُ لَمْ أُعْلِنْهُ» ".