المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌11 - (باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه - جـ ٣

[محمد بن علي بن آدم الأثيوبي]

فهرس الكتاب

- ‌11 - (باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌12 - (فَضْلُ عُمَرَ رضي الله عنه

- ‌13 - (فضل عثمان رضي الله عنه

- ‌14 - (فَضْلُ عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ رضي الله عنه

- ‌15 - (فَضْلُ الزُّبَيْر رضي الله عنه

- ‌16 - (فَضْلُ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللهِ رضي الله عنه

- ‌17 - (فَضْلُ سَعْدٍ بن أبي وَقَّاص رضي الله عنه

- ‌18 - (فَضَائِلُ الْعَشرَةَ رضي الله عنهم

- ‌19 - (فَضْلُ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ رضي الله عنه

- ‌20 - (فَضْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ رضي الله عنه

- ‌21 - (فَضْلُ الْعَبَّاس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه

- ‌22 - (فَضْلُ الْحَسَنِ وَالْحُسيْنِ ابْنَي عَلِيٍّ بْنِ أَبي طَالِبٍ رضي الله عنهم

- ‌23 - (فضْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ رضي الله عنه

- ‌24 - (فَضْلُ سَلْمَان، وأبي ذَرٍّ وَالْمِقْدَادِ) رضي الله عنهم

- ‌25 - (فَضَائلُ بِلَالٍ) رضي الله عنه

- ‌26 - (فَضَائلُ خَبَّابٍ) رضي الله عنه

- ‌27 - (فَضَائِل زَيِدٍ بْنِ ثَابِتٍ) رضي الله عنه

- ‌28 - (فَضْلُ أَبِي ذَرٍّ) رضي الله عنه

- ‌29 - (فَضْلُ سَعْدٍ بْنِ مُعَاذٍ) رضي الله عنه

- ‌30 - (فَضْلُ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ الله الْبَجَلِيِّ) رضي الله عنه

- ‌31 - (فَضْلُ أَهْلِ بَدْرٍ) رضي الله عنه

- ‌31 (*) - (فَضَائِلُ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم

- ‌32 - (فَضْلُ الأَنْصَارِ رضي الله عنهم

- ‌33 - (فَضْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما

- ‌34 - (بَابٌ في الْخَوَارِجِ)

الفصل: ‌11 - (باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

‌11 - (باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

-)

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه مناسبة هذا الباب للباب السابق، أنه لما كان منكرو القدر من أخسّ الناس حيث شبههم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمجوس، كان من أثبته، وآمن به من أشرف الناس، وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فناسب ذكر فضائلهم بعد باب القدر، والله تعالى أعلم بالصواب.

مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:

(المسألة الأولى): في بيان معنى الفضائل، واشتقاقها:

(اعلم): أن "الفضائل": جمع فضيلة، وهي خلاف النقيصة، كالفضل خلاف النقص. قاله في "المصباح" (1). وقال في "القاموس": الفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل (2).

وفي "كلّيّات" أبي البقاء العكبريّ: الفضائل: هي المزايا غير المتعدّية -أي كالعبادة-، والفواضل هي المزايا المتعدّية (3) -أي كالكرم-، والأيادي الجسيمة، أو الجميلة، والمراد بالتعدية التعلّق كالإنعام: أي إعطاء النعمة، وإيصالها إلى الغير، لا الانتقال. انتهى (4).

وقال الراغب الأصفهانيّ في "مفراداته": الفضل: الزيادة عن الاقتصاد، وذلك

(1)"المصباح المنير" 2/ 476.

(2)

القاموس" ص 939.

(3)

ذكر الخضريّ في "حاشيته على شرح السمرقنديّة" في الاستعارة: ما نصّه: الفواضل جمع فاضلة، وهي الصفة التي لا تتحقّق إلا بتعدّي أثرها للغير، كالكرم، والفضائل جمع فضيلة، وهي التي تتحقّق وإن لم يتعدّ أثرها للغير، كالعلم والعبادة، وهذا مجرّد اصطلاح، وإلا ففضيلة فَعيلة بمعنى فاضلة، وكلّ من الاسمين من الفضل، وهو الزيادة، فكل صفة تستحقّ لغة أنَّ تسمّى فضيلة وفاضلة؛ لأنها زائدة على محلّها الذي قامت به. انتهى.

(4)

"الكلّيّات" ص 684.

ص: 5

ضربان: محمود، كفضل العلم والحلم، ومذموم، كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضائل في المحمود أكثر استعمالا، والفُضُول في المذموم. والفضل إذا استُعمل لزيادة أحد الشيئين على الآخر فعلى ثلاثة أضرُب:

فضل من حيث الجنس، كفضل جنس الحيوان على جنس النبات. وفضل من حيثُ النوعُ، كفضل الإنسان على غيره من الحيوان، وعلى هذا النحو قوله تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] إلى قوله: {تفصيلًا} وفضل من حيث الذاتُ، كفضل رجل على رجل آخر، فالأولان جوهريان، لا سبيل للناقص فيهما أن يُزيل نقصه، وأن يستفيد الفضل، كالفرس والحمار لا يمكنهما أن يكتسبا الفضيلة التي خُصّ بها الإنسان، والفضل الثالث قد يكون عَرَضيّا، فيوجد السبيل على اكتسابه، ومن هذا النوع التفضيل المذكور في قوله عز وجل:{وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ في الرِّزْقِ} [النحل: 71] وقوله: {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [الإسراء: 12]، يعني المال وما يُكتسب. انتهى كلام الراغب باختصار (1).

وقال أبو العبّاس القرطبيّ: "الفضائل" جمع فَضِيلة، كرغائب جمع رَغِيبة، وكبائر جمع كبيرة، وهو كثير، وأصلها الخَصْلة التي بها يَحْصُل للإنسان شَرَفٌ وعُلُوُّ مَنْزِلة وقدر، ثم ذلك الشرف، وذلك الفضل إما عند الْخَلْق، وإما عند الخالق، فأما الأول، فلا يُلتفت إليه إن لم يُوصل إلى الشرف المعتبر عند الخالق، فإذًا الشرف المعتبر، والفضل المطلوب على التحقيق إنما هو الشرف الذي عند الله تعالى انتهى (2)، وهو تحقيق نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية): في تعريف الصحابيّ:

أصحّ ما قيل: في تعريفه -كما في "الإصابة"-: أنه من لقِي النبيّ صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به،

(1)"مفردات ألفاظ القرآن" ص 639.

(2)

"المفهم" 6/ 237.

ص: 6

ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له، أو قصرت، ومن روى عنه، أو لم يرو، ومن غزا معه، أو لم يغز، ومن رآه رؤيةً، ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارضٍ، كالعمى.

وخرج بقيد "الإيمان" من لقيه كافرًا، ولو أسلم بعد ذلك، إذا لم يجتمع به مرّةً أخرى.

وخرج بقيد "به" من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم، وآمن بأنه سيُبعث، أو لا يدخل؟ محلّ احتمال، ومن هؤلاء بَحِيرا الراهب، ونظراؤه.

ويدخل في قوله: "مؤمنًا به" كلّ مكلّف من الجنّ والإنس، فحينئذ يتعيّن ذكر من حُفِظَ ذكرُه من الجنّ الذين آمنوا به بالشرط المذكور. وأما إنكار ابن الأثير على أبي موسى تخريجه لبعض الجنّ الذين عُرفوا في "كتاب الصحابة"، فليس بمنكر؛ لما ذُكر آنفًا.

وقد قال ابن حزم في "كتاب الأقضية" من "المُحَلَّى": من ادّعى الإجماع فقد كذب على الأمّة، فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفرًا من الجنّ آمنوا، وسمعوا القرآن من النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهم صحابة فضلاء، فمن أين للمدّعي إجماع أولئك؟.

قال الحافظ رحمه الله: وهذا الذي ذكره في مسألة الإجماع لا نوافقه عليه؛ وإنما أردت نقل كلامه في كونهم صحابةً. انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لا نوافقه عليه" محلّ نظر، وما المانع من الموافقة، مع كون الظاهر معه؟ فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.

وهل تدخل الملائكة؟ محلّ نظر؟ فقد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إليهم أم لا؟، وقد نقل الإمام فخر الدين في "أسرار التَّنْزيل" الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مُرسلًا إلى الملائكة، ونوزع في هذا النقل، بل رجّح الشيخ تقيّ الدين السبكيّ أنه كان مُرسلًا إليهم، واحتجّ بأشياء يطول شرحها.

ص: 7

قال الحافظ: وفي صحّة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظرٌ لا يخفى.

وخرج بقوله: "ومات على الإسلام" من لقيه مؤمنًا به، ثم ارتدّ، ومات على ردّته -والعياذ بالله- وقد وُجد من ذلك عدد يسير، كعُبيد الله بن جَحْش الذي كان زوج أم حبيبة، فإنه أسلم معها، وهاجر إلى الحبشة، فتنصّر هناك، ومات على نصرانيّته.

وكعبد الله بن خَطَل الذي قُتل، وهو متعلّق بأستار الكعبة. وكربيعة بن أميّة بن خلف. ويدخل فيه من ارتدّ، وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم مرّةً أُخرى أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمد.

والشقّ الأول لا خلاف في دخوله، وأبدى بعضهم في الشقّ الثاني احتمالًا، وهو مردود؛ لإطباق أهل الحديث على عدّ الأشعث بن قيس في الصحابة، وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد، وهو ممن ارتدّ، ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما.

وهذا التعريف مبنيّ على الأصحّ المختار عند المحقّقين، كالبخاريّ، وشيخه أحمد ابن حنبل، ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذّةٌ، كقول من قال: لا يُعَدّ صحابيّا إلا من وُصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حُفظت روايته، أو ضُبط أنه غزا معه، أو استُشهد بين يديه. وكذا من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلُم، أو المجالسة ولو قصرت.

وأطلق جماعة أن من رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهو صحابيّ، وهو محمول على من بلغ سنّ التمييز؛ إذ من لم يميّز لا تصحّ نسبة الرؤية إليه، نعم يصدُق أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآه، فيكون صحابيّا من هذه الحيثيّة، وأما من حيث الرواية فيكون تابعيّا.

وهل يدخل من رآه ميتًا قبل أن يُدفن كما وقع ذلك لأبي ذُؤيب الْهُذَليّ الشاعر؟ إن صحّ محلّ نظر، والراجح عدم الدخول.

ومما جاء عن الأئمة من الأقوال المجملة في الصفة التي يُعرف بها كون الرجل صحابيّا، وإن لم يَرِد التنصيص على ذلك ما أورده ابن أبي شيبة في "مصنّفه" من طريق

ص: 8

لا بأس به، أنهم كانوا في الفتوح لا يؤمّرون إلا الصحابة. وقول ابن عبد البرّ: لم يَبْقَ بمكة، ولا بالطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم، وشهد مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حجة الوداع. ومثل ذلك قول بعضهم في الأوس والخزرج: إنه لم يبق منهم في آخر عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا من دخل في الإسلام، وما مات النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد منهم يُظهر الكفر (1).

وإلى ما تقدّم أشار السيوطيّ رحمه الله في "ألفية الحديث" بقوله:

حَدُّ الصّحَابِي مُطْلَقًا لَاقِي الرَّسُولْ

وَإِنْ بِلَا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ

كَذَاكَ الاتْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ

وَقِيلَ مَعْ طُولٍ وَمَعْ رِوَايَةِ

وَقِيلَ مَعْ طُولِ وَقِيلَ الْغَزْوِ أَوْ

عَام وَقِيلَ مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ (2)

وَشَرْطُهُ الموْتُ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ

تخَلَّلَ الرِّدَّةُ وَالجنُّ رَأَوْا

دُخُولهُمْ دُونَ مَلَائِكٍ وَمَا

نَشْرِط بُلُوغًا في الأَصَحِّ فِيهِما

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة): في ذكر ما يُعرف به كون الشخص صحابيّا:

(اعلم): أن ذلك يثبُت بأشياء:

[أولها]: أن يتواتر أنه صحابيّ.

[والثاني]: الاستفاضة والشهرة.

[والثالث]: أن يُروى عن آحاد الصحابة أن فلانًا له صحبة مثلًا، وكذا عن آحاد التابعين، بناءً على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح.

[والرابع]: أن يقول هو: أنا صحابيّ بشرط ثبوت عدالته، ومعاصرته.

أما الشرط الأول -وهو العدالة- فجزم به الآمديّ وغيره؛ لأن قوله قبل أن تثبت عدالته: أنا صحابيّ، أو ما يقوم مقام ذلك يلزم من قبول قوله إثبات عدالته؛ لأن

(1) راجع "الإصابة" 1/ 158 - 160.

(2)

حذف مدخول "لو": أي ولو لم يلق.

ص: 9

الصحابة كلهم عدول، فيصير بمنزلة قول القائل: أنا عدلٌ، وذلك لا يُقبل.

وأما الشرط الثاني -وهو المعاصرة- فيُعتبر بمضيّ مائة وعشر سنين من هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لأصحابه: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد". متّفقٌ عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وزاد مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن ذلك كان قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهر، ولفظه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: "أُقسم بالله، ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة، وهي حيّة يومئذ".

ولهذه النكتة لم يُصدّق أحدٌ من الأئمة أحدًا ادّعى الصحبة بعد الغاية المذكورة، وقد ادّعاها جماعة، فكُذِّبوا، وكان آخرهم رَتَن الهنديّ؛ لظهور كذبهم في دعواهم على ما ذُكر.

ثم من لم يُعرَف حاله إلا من جهة نفسه، فمقتضى كلام الآمديّ الذي سبق ومن تبعه ألا تثبُت صحبته، ونقل أبو الحسن بن القطّان فيه الخلاف، ورجّح عدم الثبوت. وأما ابن عبد البر فجزم بالقبول؛ بناءً على أن الظاهر سلامته من الجرح، وقوّى ذلك بتصرّف أئمة الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم، ولا ريب في انحطاط رتبة من هذا سبيله عمن مضى.

ومن صور هذا الضرب أن يقول التابعيّ: أخبرني فلان مثلًا أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول، سواء أسماه أم لا. أما إذا قال: أخبرني رجل مثلًا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بكذا فثبوت الصحبة بذلك بعيد؛ لاحتمال الإرسال، ويحتمل التفرقة بين أن يكون القائل من كبار التابعين، فيُرَجّح القبول، أو صغارهم فيرجّح الردّ، ومع ذلك فلم يَتَوقّف من صنّف في الصحابة في إخراج من هذا سبيله في كتبهم. والله تعالى أعلم.

ضابط يُستفاد من معرفته صحبة جمع كثير يُكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار:

[الأول]: أخرج ابن أبي شيبة قال: كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصحابة،

ص: 10

فمن تتبّع الأخبار الواردة في الردّة والفتوح وَجَد من ذلك شيئًا كثيرًا، وهم من القسم الأول.

[الثاني]: أخرج الحاكم من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فدعا له، وهذا يؤخذ منه شيء كثيرٌ أيضًا، وهم من القسم الثاني.

[الثالث]: أخرج ابن عبد البرّ قال: لم يبق بمكة والطائف أحدٌ في سنة عشر إلا أسلم، وشهد حجة الوداع، هذا وهم في نفس الأمر عددٌ لا يُحصون، لكن يُعرف الواحد منهم بوجود ما يقتضي أنه كان في ذلك الوقت موجودًا، فيلحق بالقسم الأول أو الثاني؛ لحصول رؤيتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن لم يرهم هو. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة): في ذكر عدالة الصحابة رضي الله عنهم:

(اعلم): أنه اتّفق أهل السنّة على أن جميع الصحابة رضي الله عنهم عُدولٌ، ولم يُخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. وقد ذكر الخطيب في "الكفاية" فصلًا نفيسًا في ذلك، فقال: عدالة الصحابة رضي الله عنهم ثابتة معلومة بتعديل الله سبحانه وتعالى لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وقوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، وقوله عز وجل:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 18]، وقوله عز وجل:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]، وقوله عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]، وقوله عز وجل:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} إلى قوله: {إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ} [الحشر: 8 - 10]، في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع

ص: 11

ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يَحتاج أحدٌ منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يَرِد من الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المُهَج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والنصيحة في الدين، وقوّة الإيمان واليقين القطعَ على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم.

هذا مذهب كافّة العلماء، ومن يُعتَمَد قوله.

ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازيّ، قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زِندِيق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنما أدّى إلينا ذلك كلَّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يَجرحوا شهودنا؛ ليُبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى، وهو زنادقة. انتهى.

والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، من أدلّها على المقصود ما رواه الترمذيّ، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن مغفّل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتّخذوهم غَرَضًا، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه"(1).

وقال أبو محمد بن حزم: الصحابة كلّهم من أهل الجنّة قطعًا؛ قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]، فثبت أن الجميع

(1)"جامع الترمذي" 5/ 653 رقم (3862) وأحمد في "مسنده" 5/ 54 و57 وابن حبان في "صحيحه" رقم (2284).

ص: 12

من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحدٌ منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية السابقة.

[فإن قيل]: التقييد بالإنفاق والقتال يُخرج من لم يتّصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة، وهي قوله تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} الآية [التوبة: 100] يخرج من لم يتّصف بذلك، وهي من أصرح ما ورد في المقصود، ولهذا قال المازريّ في "شرح البرهان": لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول كلَّ من رآه صلى الله عليه وسلم يومًا ما، أو زاره لامًا، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كَثَب، وإنما نعني به الذين لازموه وعزّروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون، انتهى.

[والجواب عن ذلك] أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد من اتّصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوّة، وأما كلام المازريّ فلم يُوافَق عليه، بل اعترضه جماعة من الفضلاء. وقال الشيخ صلاح الدين العلائيّ: هو قول غريب، يُخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حُجْر، ومالك ابن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، وغيرهم، ممن وفد عليه صلى الله عليه وسلم، ولم يُقم عنده إلا قليلًا وانصرف، وكذلك من لم يُعرف إلا برواية الحديث الواحد، ولم يُعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم هو الذي صرّح به الجمهور، وهو المعتبر. والله سبحانه وتعالى أعلم.

وقد كان تعظيم الصحابة رضي الله عنهم ولو كان اجتماعهم به صلى الله عليه وسلم قليلًا مقرّرًا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم، فمن ذلك ما أخرجه الحافظ في مقدمة "الإصابة" بسند رجاله ثقات، من طريق زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس، عن نُبيح الْعَنَزيّ، قال: كنا عند أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، وهو متكىء، فذكرنا عليّا ومعاوية، فتناول رجل معاوية، فاستوى أبو سعيد الخدريّ جالسًا، ثم قال: كنا ننزل رِفاقًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا في رفقة فيها أبو بكر، فنزلنا على أهل أبيات، وفيهم امرأة حُبلى، ومعنا رجل من أهل البادية، فقال للمرأة الحامل: أيسرّك أن تلدي غلامًا؟ قالت: نعم، قال: إن أعيطتني

ص: 13

شاةً ولدت غلامًا، فأعطته، فسجع لها أسجاعًا، ثم عمد إلى الشاة، فذبحها، وطبخها، وجلسنا نأكل منها، ومعنا أبو بكر، فلما علِم بالقصّة قام، فتقيّأ كل شيء أكل، قال: ثم رأيت ذلك البدويّ أُتي به عمر بن الخطاب، وقد هجا الأنصار، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ما نال منها لكفيتموه، ولكن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: وقد توقّف عمر رضي الله عنه عن معاتبته فضلًا عن معاقبته؛ لكونه علِمَ أنه لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحابة رضي الله عنهم لا يعدله شيء، كما ثبت في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه".

وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم

" الحديث.

وقال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أنتم توفون سبعين أمّة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله" عز وجل (1).

وروى البزّار في "مسنده" بسند رجاله موثّقون من حديث سعيد بن المسيّب، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اختار أصحابي على الثقلين، سوى النبيين والمرسلين".

وقال عبد الله بن هاشم الطوسيّ: حدّثنا وكيع، قال: سمعت سفيان يقول في قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. والأخبار في هذا كثيرة جدّا، فلنتقصر على هذا القدر، ففيه مَقْنَع لمن وُفّق للهداية، وأما أهل الضلال والغواية لا يستفيدون من التطويل، ولو تُليت

(1) أخرجه أحمد في "مسنده" 4/ 447 و 5/ 3 والحاكم في "المستدرك" 1/ 4 / 84 وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ.

ص: 14

عليهم التوارة والإنجيل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): في ذكر المكثرين من الفتوى من الصحابة رضي الله عنهم:

(اعلم): أن أكثرهم فتوى سبعة: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وعائشة رضي الله عنهم.

قال ابن حزم رحمه الله: يمكن أن يُجمع من فُتيا كل واحد من هؤلاء مجلّد ضخم.

ثم ذكر المتوسّطين فيما رُوي عنهم من الفتيا رضي الله عنهم، وهم:

أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقّاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حُصَين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويُمكن أن يُجمَع من فُتيا كل واحد منهم جزء صغير.

قال: والباقون منهم رضي الله عنهم مُقلّون في الفتيا جدًّا، لا يُروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك فقط، يُمكن أن يُجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد التقصّي والبحث، ثم سردهم، وهم أكثر من مائة وعشرين (1).

وقد ذكر المكثرين السيوطيّ رحمه الله في "ألفية الحديث" بقوله:

وَالْبَحْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوَى وَعُمَرْ

وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الهادِي الأبرْ

ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلي

وَبَعْدَهُمْ عِشْرُونَ لَا تُقَلِّل

وَبَعْدَهُمْ مَنْ قَلَّ فِيهَا جِدَّا

عِشْرُونَ بَعْدَ مِائَةٍ قَدْ عُدَّا

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ألحقت بهذه الأبيات نظم العشرين الذين ذكرهم ابن حزم، فقلت:

صِدَيقهُمْ عَثمانُ سَعْدٌ أَنسُ

سَلمانُ جَابِرٌ مُعَاذُ الأَكْيَسُ (2)

(1) راجع كلامه في كتابه "إحكام الأحكام" جـ 2/ 89 - 90.

(2)

"الأكيس" معناه: الفطن، وهو صفة لمعاذ، وترك تنوين معاذ للوزن.

ص: 15

وَالأَشْعَرِيُّ وَالزُّبَيْرُ طَلْحَةُ

أَبُو هُرَيْرَةَ يَلي عُبَادَةُ

وَنَجْلُ عَمْرٍو وَابْنُ عَوْفٍ وَكَذَا

نَجْلُ حُصَيْنٍ وَنُفَيْعٌ حَبَّذَا

سَعْدٌ مُعَاوِيَةُ أُمُّ سَلَمَهْ

وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُمْ حَلِيفُوا المكْرَمَهْ

فَهَؤُلَاءِ مَرْجِعُ الأنامِ

في عَصْرِهِمْ لمُعْضِلِ الأَحْكَام

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة السادسة): في ذكر الصحابة الذين حفظوا القرآن الكريم:

(اعلم): أن الذين حفظوا القرآن كله نيّف وثلاثون شخصًا:

فمنهم: الخلفاء الراشدون الأربعة، والعبادة الأربعة، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبو زيد الأنصاريّ قيس بن السكن، وسعيد بن المنذر، وقيس بن أبي صعصعة، ومُجَمِّع بن جارية، وعبادة بن الصامت، وتميم الداريّ، وعقبة بن عامر، وسَلَمة بن مُخَلَّد، وأبو موسى الأشعريّ، وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث (1)، وغيرهم.

وقد نظمت هؤلاء، فقلت:

قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ كُلًّا عِدَّهْ

فَوْقَ الثَّلَاثِينَ فَنِعْمَ الْعُدَّهْ

الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ طَلْحَةُ

وَنَجْلُ مَسْعُودٍ سَعْدٌ حُذَيْفَةُ

أبو هُرَيْرَةَ وَزَيْدٌ حَفْصةُ

وَنَجْلُ سَائِبٍ كَذَا عَائِشَةُ

عُوَيْمِرٌ قَيْسٌ وَأُمُّ سلَمَهْ

قَيْسٌ مُعَاذٌ وَسَعِيدٌ سَلَمَهْ

وَسَاَلمٌ والأَشْعَرِي عُبَادَةُ

مُجَمِّعٌ مَعَ سَعِيدٍ عُقْبَةُ

تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَالْعَبَادِلَهْ

كذَا أُبَيٌّ ذُو المزَايَا الْفَاضِلَهْ

(1) ذكر السيوطيّ رحمه الله أنه ظفر بامرأة من الصحابيات، جمعت القرآن لم يَعُدّها أحد ممن تكلم في ذلك، وهي أم ورقة هذه، قال: وكانت تسمى الشهيدة، وقصّتها مشهورة. انتهى.

ص: 16

شَهِيدَةُ الدَّارِ لَدَى مَنْ حَقَّقَهْ

أَيْضًا لهَا ذَا الْفَضْلُ أُمُّ وَرَقَهْ

فَهُمْ ثَلَاثُونَ مَعَ الثَّلَاثَةِ

أَكرِمْ بِهِمْ قَومًا خِيَارَ الأُمَّةِ

وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا قَدْ وَرَدْ

فَاتْبَعْ طَرِيقَهُمْ فَإِنَّهُ الرَّشَدْ

[فإن قيل]: يعارض هذا ما ثبت في "صحيح البخاري" عن أنس رضي الله عنه أنه قال: مات النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد رضي الله عنهم، فكيف الجمع؟.

[قلت]: أجيب عنه بأن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس، فلا ينفي ذلك عن المهاجرين وغيرهم، بدليل ما أخرجه ابن جرير عن أنس رضي الله عنه، قال: افتخر الحيّان الأوس والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة: من اهتزّ له العرش، سعد بن معاذ، ومن عُدِلت شهادته بشهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة، حنظلة بن أبي عامر، ومن حَمَته الدَّبَر، عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن، لم يجمعه غيرهم، فذكروهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة السابعة): في ذكر العبادة من الصحابة رضي الله عنهم:

(اعلم): أنه من اشتهر بلقب العبادلة من الصحابة أربعة فقط:

وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وليس ابن مسعود منهم، قاله أحمد بن حنبل، قال البيهقي: لأنه تقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة. وقيل: هم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير، وعليه اقتصر الجوهري في "الصحاح". وأما ما حكاه النوويّ في "تهذيبه" عنه أنه ذكر ابن مسعود، وأسقط ابن العاص فَوَهَمٌ، نعم وقع للرافعي في "الديات"، وللزمخشري في "المفصل" أن العبادلة ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغُلِّطَا في ذلك من حيث الاصطلاح، وكذا سائر من يُسَمَّى عبد الله من الصحابة، لا يطلق عليهم العبادلة، وهم نحو مائتين وعشرين نفسًا، كذا قال ابن الصلاح أخذًا من "الاستيعاب"، وزاد عليه ابن فتحون

ص: 17

جماعة يبلغون بهم نحو ثلاثمائة رجل.

وقد نظمتهم بقولي:

وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ

فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍو نَافِلَهْ

مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلِ عُمَرَا

وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا ذَكَرَا

فَبَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكَا

أَوَ نَجْلَ مَسْعُودٍ بِهِمْ قَدْ أَشْرَكا

وَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيح فَاتَّبعْ

سَبِلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلًا تَنْتَفِعْ

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثامنة): في ذكر عدد الصحابة رضي الله عنهم:

(اعلم): أنه لا سبيل إلى معرفة عدد الصحابة رضي الله عنهم، قال الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله في جواب من قال له: أليس يقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟: ومن قال ذا، قلقل الله أنيابه؟، هذا قول الزنادقة، ومن يُحصِي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة، ممن رآه، وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا؟ وأين سمعوا؟ أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كُلٌّ روى وسمع منه بعرفة. أخرجه أبو بكر الخطيب. قال الحافظ العراقي: وقريب منه ما أسنده أبو موسى المديني عن أبي زرعة قال: توفي النبي صلى الله عليه وسلم ومن رآه، وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة.

وهذا لا تحديد فيه، وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك، مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى؟، وقد روى البخاري في "صحيحه" أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن تبوك: وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ -بمعنى الديوان-. قال العراقي: ورَوَى الساجي في "المناقب" بسند جيد عن الرافعي قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ستون ألفًا، ثلاثون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفًا في قبائل العرب، وغير ذلك، قال: ومع هذا فجميع من صنف في الصحابة لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف، مع كونهم يذكرون من تُوفي في حياته صلى الله عليه وسلم، ومن عاصره،

ص: 18

أو أدركه صغيرًا.

وذكر الحافظ السخاويّ رحمه الله: أن جميع من ذُكر في تجريد الذهبيّ ربما زاد على ثمانية آلاف. ونقل عياض عن الإمام مالك أنه مات بالمدينة منهم نحو عشرة آلاف نفس. وروى الوليد بن مسلم أنه قال: بالشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن قتادة: نزل الكوفة من الصحابة ألف وخمسمائة، منهم أربعة وعشرون بدريّون. وروي أنه نزل حمص من الصحابة خمسمائة رجل. قال السخاويّ: فكلّ حكى على قدر تتبّعه، ومبلغ علمه، وأشار بذلك إلى وقت خاصّ وحال، فإذن لا تضادّ بين كلامهم. انتهى كلام السخاويّ باختصار (1).

وإلى ما ذُكر من عدم حصر عددهم أشار السيوطي رحمه الله في "ألفية الحديث" بقوله:

وَالْعَدُّ لَا يَحْصُرُهُمْ تُوُفِّي

عَمَّا يَزِيدُ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة التاسعة): في ذكر عدد طبقات الصحابة رضي الله عنهم:

(اعلم): أنه اختُلِف في عدد طبقاتهم باعتبار السبق إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود الشاهد الفاضلة، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات، وجعلهم الحاكم اثنتى عشرة طبقة:

(الأولى): قوم أسلموا بمكة، كالخلفاء الأربعة.

(الثانية): أصحاب دار الندوة. (الثالثة): مهاجرة الحبشة. (الرابعة): أصحاب العقبة الأولى. (الخامسة): أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. (السادسة): أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء قبل أن يدخل المدينة. (السابعة): أهل بدر. (الثامنة): الذين هاجروا بين بدر والحديبية. (التاسعة): أهل بيعة الرضوان.

(1)"فتح المغيث" 4/ 110 - 111.

ص: 19

(العاشرة): من هاجر بين الحديبية وفتح مكة، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص.

(الحادي عشرة): مسلمة الفتح. (الثانية عشرة): صبيان وأطفال رأوه يوم الفتح في حجة الوداع وغيرها.

وإلى هذا أشار في "ألفية الحديث" بقوله:

وَهُمْ طِبَاقٌ قِيلَ خَمْسٌ وَذُكِرْ

عَشْرٌ مَعَ اثْنَيْنِ وَزَائِدٌ أُثِرْ

فَالأَوَّلُونَ أَسْلَمُوا بِمَكَّةِ

يَلِيهِمُ أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ

ثُمَّ المهَاجِرُونَ لِلْحَبَشَةِ

ثُمَّ اثْنَتَانِ انْسُبْ إِلَى الْعَقَبَةِ

فَأَوَّلُ المُهَاجِرِينَ لِقُبَا

فَأَهْلُ بَدْرٍ وَيَلي مَنْ غَرَبَا

مِنْ بَعْدِهَا فَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ثُمْ

مَنْ بَعْدَ صُلْح هَاجَرُوا وَبَعْدُ ضُمْ

مُسْلِمَةَ الْفَتْح فَصِبْيَانٌ رَأَوْا

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة العاشرة): في ذكر ترتيبهم في الفضل:

(اعلم): أن أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنهما، بإجماع أهل السنة، وممن حَكَى الإجماع على ذلك أبو العباس القرطبي، قال: ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع، ولا أهل البدع، وكذلك حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين على ذلك، رواه عنه البيهقي في "الاعتقاد". وحكى المازري عن الخطابية تفضيل عمر، وعن الشيعة تفضيل علي، وعن الراوندية تفضيل العباس، وعن بعضهم الإمساك عن التفضيل. وحكى الخطابي عن بعض مشايخه أنه قال: أبو بكر خير، وعلي أفضل، وهذا تهافت من القول. وحكى القاضي عياض أن ابن عبد البر وطائفة ذهبوا إلى أن من مات منهم في حياته صلى الله عليه وسلم أفضل ممن بقي بعده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"أنا شهيد على هؤلاء"، قال النوويّ: وهذا الإطلاق غير مرضيّ ولا مقبول.

ص: 20

ثم عثمان، ثم علي، هذا قول جمهور أهل السنة، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، وكافة أهل الحديث والفقه، والأشعري، والباقلاني، وكثير من المتكلمين؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما:"كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نَعْدِل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان". رواه البخاريّ، ورواه الطبراني في "الكبير" بلفظ أصرح، قال:"كنا نقول، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ: أفضل هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر، وعمر، وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يُنكره".

وحكى الخطابي عن أهل السنة من الكوفة تقديم علي على عثمان، وبه قال أبو بكر ابن خزيمة، وهو رواية عن سفيان الثوري، ولكن آخر قوليه ما سبق. وحُكِي عن مالك التوقف بينهما، حكاه المازري عن "المدونة". وقال القاضي عياض: رجع مالك عن التوقف إلى تفضيل عثمان.

قال القرطبي: وهو الأصح -إن شاء الله تعالى-. وتوقف أيضا إمام الحرمين. ثم التفضيل عنده وعند الباقلاني وصاحب المفهم ظني. وقال الأشعري: قطعي.

وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله بعد أن ذكر معنى الفضائل، وأن الفضائل المعتبرة هي التي عند الله تعالى: ما نصّه: وإذا تقرّر هذا فإذا قلنا: إن أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم فاضل، فمعناه أن له منزلة عند الله تعالى، وهذا لا يُتوصل إليه بالعقل قطعًا، فلا بدّ أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يُتلقَّى من الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا أخبرنا الرسول بشيء من ذلك تلقّيناه بالقبول، فإن كان قطعيّا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيّا كان ذلك كسبيل المجتهدات، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالخبر، فلا يَقطَع أحد بأن من صدرت منه أفعال دِينيّة، وخصال محمودة بأن ذلك قد بلّغه عند الله مَنْزِلة الفضل والشرف، فإن ذلك أمرٌ غيبٌ، والأعمال بالخواتيم، والخاتمة مجهولةٌ، والوقوف على المجهول مجهول، لكنّا إذا رأينا من أعانه الله على الخير، ويسّر له أسباب الخير رجونا له حصول تلك المنزلة عند الله تمسّكًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله" قالوا: كيف يستعمله؟ قال: "يوفقه لعمل صالح قبل موته"، زاد في

ص: 21

رواية: "ثم يقبضه عليه". (1)، وبما جاء في الشريعة من ذلك، ومن كان كذلك، فالظنّ أنه لا يخيب، ولا يُقطَعُ على المُغَيَّب.

وإذا تقرّر هذا فالمقطوع بفضله، وأفضليّته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل السنّة، وهو الذي يُقطع به من الكتاب والسنّة أبو بكر الصدّيق، ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البِدَع، فإنهم بين مكفَّر تُضرَب عنقه، وبين مُبَدَّع مُفَسَّق لا تُقبَل كلمته، وتُدحض حجته.

وقد اختَلَف أئمة أهل السنّة في عليّ وعثمان رضي الله عنهما، فالجمهور منهم على تقديم عثمان، وقد رُوي عن مالك أنه توقّف في ذلك، ورُوي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور، وهو الأصحّ -إن شاء الله- والمسألة اجتهاديّة، لا قطعيّةٌ، ومُستندها الكليّ أن هؤلاء الأربعة هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيّه صلى الله عليه وسلم، ولإقامة دينه، فمراتبهم عنده على حسب ترتيبهم في الخلافة إلى ما يَنضاف إلى ذلك بما يشهد لكلّ واحد منهم من شهادات النبيّ صلى الله عليه وسلم له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا. قال: وهذا الباب بحرٌ لا يُدرك قَعْره، ولا يُنزَف غَمْرُه، وفيما ذكرناه كفايةٌ، والله تعالى وليّ التوفيق للهداية. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (2)، وهو كلام نفيس، وبحث أنيس.

وقال أبو منصور عبد القاهر التميمي البغدادي: أصحابنا مُجمِعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة المشهود لهم بالجنة: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، ثم أهل بدر، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، روى ابن ماجه عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما تعدون أهل

(1) حديث صحيح، رواه أحمد برقم (11595) والترمذيّ (2142).

(2)

"المفهم" 6/ 237 - 239 "كتاب النبوات -باب فضائل أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه".

ص: 22

بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة"، رواه البخاري وروه ابن ماجه بلفظ: "ما تَعُدُّون مَنْ شَهِد بدرًا فيكم؟ قال: خيارنا، قال: كذلك عندنا هم خيار الملائكة" (1).

ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية، قال صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة"، صححه الترمذي.

وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم من صلى إلى القبلتين، في قول سعيد بن المسيب، وطائفة منهم ابن الحنفية، وابن سيرين، وقتادة. وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان. وفي قول محمد بن كعب القرظي، وعطاء بن يسار: أهل بدر. رَوَى ذلك سُنَيد عنهما بسند فيه مجهول، وضعيف، وسنيد ضعيف أيضًا. وروى القولين السابقين عمن ذُكر عبدُ بن حميد في "تفسيره"، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور في "سننه" بأسانيد صحيحة. وروى سنيد بسند صحيح إلى الحسن أنهم من أسلم قبل الفتح.

وإلى ما تقدّم أشار في "ألفية الحديث" بقوله:

......................

وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ إِجْمَاعًا حَكَوْا

وَعُمَرٌ بَعْدُ وَعُثْمانُ يِلي

وَبَعْدَهُ أَوْ قَبْلُ قَوْلَانِ عِلي

فَسَائِرُ الْعَشْرَةِ فَالْبَدْرِيَّهْ

فَأُحُدٌ فَالْبَيْعَةُ الزَّكِيَّه

وَالسَّابِقُونَ لهُمُ مَزِيَّهْ

فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ المرْضِيَّهْ

وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ أَوْ هُمُ

بَدْرِيَّةٌ أَوْ قَبْلَ فَتْح أَسْلَمُوا

[تنبيه]: ورد في أحاديث تفضيل أعيان من الصحابة كل واحد في أمر مخصوص، فروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد

(1) حديث صحيح يأتي للمصنّف برقم (160).

ص: 23

ابن ثابت، وأقرؤهم أُبَيّ بن كعب، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" (1). وروى الترمذي حديث:"أفرضكم زيد"، وصححه الحاكم بلفظ:"أفرض أمتي زيد". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الحادية عشرة): في التفضيل بين فاطمة وعائشة رضي الله عنهما:

(اعلم): أنه اختُلِف في التفضيل بينهما على ثلاثة أقوال:

(الأول): تفضيل فاطمة رضي الله عنها. (الثاني): تفضيل عائشة رضي الله عنها.

(الثالث): التوقف، والأصح تفضيل فاطمة، فهي بَضْعَةٌ منه صلى الله عليه وسلم، وقد صححه السبكي في "الحلبيات"، وبالغ في تصحيحه، وفي "الصحيح": في فاطمة رضي الله عنها: "سيدة نساء هذه الأمة". وروى النسائي عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا ملك من الملائكة، استأذن ربه لِيُسَلِّم عليّ، وبشرني أن حسنا وحسينا سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل الجنة". وفي مسند الحرث بن أبي أسامة بسند صحيح، لكنه مرسل:"مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها". ورواه الترمذي موصولًا من حديث عليّ رضي الله عنه بلفظ: "خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة".

قال الحافظ: والمرسل يفسر المتصل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثانية عشرة): في ذكر ما قيل في التفضيل بين زوجاته صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن:

(اعلم): أن أفضل أزواجه صلى الله عليه وسلم خديجة وعائشة رضي الله عنهما، وفي التفضيل بينهما أوجه، حكاها النوويّ في "الروضة"، ثالثها: الوقف، واختار السبكي في "الحلبيات" تفضيل خديجة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم الباقيات سواء.

وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:

وَأَفْضَلُ الأَزْوَاج بِالتَّحْقِيقِ

خَدِيجَةٌ مَعَ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ

(1) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ برقم (4061).

ص: 24

وَفِيهِما ثَالِثُهَا الْوَقْفُ وَفي

عَائِشَةٍ وَابْنَتِهِ الخُلْفُ قُفِي

تَلِيهِهِما حَفْصَةُ فَالْبَوَاقِي

.........................

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف العلماء في أول من أسلم من الصحابة رضي الله عنهم:

(الأول): أنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، قاله ابن عباس، وحسان، والشعبي، والنخعي في، آخرين، ويدل له ما رواه مسلم عن عمرو بن عَبَسَة رضي الله عنه في قصة إسلامه، وقولِهِ للنبي صلى الله عليه وسلم: من معك على هذا؟، قال:"حُرٌّ وعبد"، قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. وروى الحاكم في "المستدرك" من رواية خالد بن سعيد، قال: سئل الشعبي مَن أول من أسلم؟ فقال: أما سمعت قول حسان [من البسيط]:

إِذَا (1) تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ

فَاذْكُرْ أَخَاكَ أبا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا

خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلهَا

بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا

وَالثَّانِيَ التَّالِيَ المُحْمُودَ مَشْهَدُهُ

وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا

وروى الطبراني في "الكبير" عن الشعبي قال: سألت ابن عباس، فذكره. وروى الترمذي من رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال أبو بكر: ألست أولَ من أسلم

الحديث.

وقيل: أول من أسلم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه الطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبسند ضعيف عنه مرفوعًا. ورواه الترمذي عنه من طريق أخرى موقوفًا. وروى الطبراني بسند فيه إسماعيل السُّديّ، عن أبي ذر وسلمان، قالا: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي، فقال: إن هذا أول من آمن بي. ورواه أيضا عن سلمان. وروى أحمد في "مسنده" بسند فيه مجهول وانقطاع، عن علي مرفوعًا. وروى بسند آخر عنه قال: أنا أول من صلى. وروى ذلك أيضًا عن زيد بن أرقم، والمقداد بن الأسود،

(1) كان في النسخة بلفظ "إن" والظاهر أنه تصحيف.

ص: 25

وأبي أيوب، وأنس، ويعلى بن مرة، وعفيف سنان، وخزيمة بن ثابت، وخباب بن الأرتّ، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري. وروى الحاكم في "المستدرك" من رواية مسلم الملائي قال: نبئ النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وأسلم علي يوم الثلاثاء، وادعى الحاكم إجماع أهل التاريخ عليه، ونوزع في ذلك.

وقال كعب بن زهير في قصيدة يمدحه فيها [من الطويل]:

تدريب الراوي جـ: 2 ص: 227

إِنَّ عَلِيًّا لمَيْمُونٌ نَقِيبَتُهُ

بِالصَّالحِاتِ مِنَ الأَعْمَالِ مَشْهُوُرُ

صِهْرُ النَّبيِّ وَخَيْرُ النَّاس مُفْتَخَرًا

فَكُلُّ مَنْ رَامَهُ بِالْفَخْرِ مَفْخُورُ

صلَّى الطُّهُورَ مَعَ الأُمِّيِّ أَوَّلهُمْ

قَبْلَ المعَادِ وَرَبُّ النَّاسِ مَكْفُورُ

وقيل: أولهم زيد بن حارثة. قاله الزهري. وقيل: خديجة أم المؤمنين. قال النوويّ: وهو الصواب عند جماعة من المحققين، ورُوي ذلك عن ابن عباس، والزهري أيضًا، وهو قول قتادة، وابن إسحاق، وادّعَى الثعلبي فيه الإجماع، وأن الخلاف فيمن بعدها. ورواه أحمد في "مسنده"، والطبراني عن ابن عباس. وقال ابن عبد البر: اتّفقوا على أن خديجة أول من آمن، ثم علي بعدها، ثم ذكر أن الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، ثم رَوَى عن محمد بن كعب القُرَظي أن عليا أخفى إسلامه من أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه، ولذلك شُبِّه على الناس. وروى الطبراني في "الكبير" من رواية محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم غداة الاثنين، وصلت خديجة يوم الاثنين من آخر النهار، وصلى علي يوم الثلاثاء.

وقال ابن إسحاق: أول من آمن خديجة، ثم علي، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر، فأظهر إسلامه، ودعا إلى الله، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فكان هؤلاء الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام.

وذكر عمر بن شبة أن خالد بن سعيد بن العاص أسلم قبل علي، وقال غيره: إنه

ص: 26

أولهم إسلامًا. وحكى المسعودي قولًا: إن أولهم خباب بن الأرت، وآخر: إن أولهم بلالٌ. ونقل الماوردي في "أعلام النبوة" عن ابن قتيبة أن أول من آمن أبو بكر بن أسعد الحميري. ونقل ابن سبع في "الخصائص" عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: كنت أولهم إسلامًا.

وقال الحافظ العراقي: ينبغي أن يقال: إن أول من آمن من الرجال ورقة ابن نوفل؛ لحديث "الصحيحين" في بدء الوحي.

قال ابن النوويّ: الأورع أن يقال: أولُ من أسلم من الرجال الأحرارِ أبو بكر، ومن الصبيان عليّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال.

قال البرماوي: ويحكى هذا الجمع عن أبي حنيفة. قال ابن خالويه: أول امرأة أسلمت بعد خديجة لبابة بنت الحارث، زوجة العباس رضي الله عنهم.

وإلى اختيار الجمع المذكور أشار في "ألفية الحديث" بقوله:

وَاخْتَلَفُوا أَوَّلهُمْ إِسْلَامَا

وَقَدْ رَأَوْا جَمْعَهُمُ انْتِظَامَا

أَوَّلُ مَنْ آمَنَ في الرِّجَالِ

صِدِّيقُهُمْ وَزَيْدُ في الموَالِي

وَفي النِّسَا خَدِيجَةٌ وَذِي الصِّغَرْ

عَليُّ وَالرِّقِّ بِلَالٌ اشْتَهَرْ

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة عشرة): في ذكر آخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم:

(اعلم): أن آخرهم موتًا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي رضي الله عنه مات سنة مائة من الهجرة. قاله مسلم في "صحيحه". ورواه الحاكم في "المستدرك" عن خليفة ابن خياط. وقال خليفة في غير رواية الحاكم: إنه تأخر بعد المائة. وقيل: مات سنة اثنتين ومائة. قاله مصعب بن عبد الله الزبيري. وجزم ابن حبان، وابن قانع، وأبو زكريا بن منده، أنه مات سنة سبع ومائة. وقال وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازةً، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطفيل. وصحّح الذهبي أنه سنة عشر.

ص: 27

وأما كونه آخر الصحابة موتًا مطلقًا، فجزم به مسلم، ومصعب الزبيري، وابن منده، والمزي في آخرين، وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما على وجه الأرض رجل رآه غيري. قال العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دُرَيد من أن عِكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك، وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة، فهذا باطل، لا أصل له، والذي أوقع ابنَ دُرَيد في ذلك ابنُ قتيبة، فقد سبقه إلى ذلك، وهو إما باطلٌ، أو مؤول بأنه استكمل المائة بعد الجمل، لا أنه بقي بعدها مائة سنة.

وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتًا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة، وأخذه من قول سهل: لو متُ لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كان خطابه بهذا لأهل المدينة.

وآخرهم موتًا قبله أنس بن مالك رضي الله عنه، مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: تسعين، وهو آخر من مات بها. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا مات بعده، ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا الطفيل. وقال العراقي: بل مات بعده محمود بن الربيع بلا خلاف، في سنة تسع وتسعين، وقد رآه، وحَدَّث عنه، كما في "صحيح البخاري"، وكذا تأخر بعده عبد الله بن بُسْر المازني، في قول من قال: وفاته سنة ست وتسعين.

وآخرهم موتًا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري رضي الله عنه، قاله ابن المديني، والواقدي، وإبراهيم بن المنذر، وابن حبان، وابن قانع، وابن منده، وادعى ابن سعد نفي الخلاف فيه، وكانت وفاته سنة ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين، وقال قتادة: بل مات بمصر. وقال ابن أبي داود: بالإسكندرية.

وقيل: السائب بن يزيد، قاله أبو بكر بن أبي داود، وكانت وفاته سنة ثمانين.

وقيل: جابر بن عبد الله، قاله قتادة وغيره، قال العراقي: وهو قول ضعيف؛ لأن السائب مات بالمدينة بلا خلاف، وقد تأخر بعده، وقيل: بمكة، وكانت وفاته سنة

ص: 28

اثنتين وسبعين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، قال العراقي: وقد تأخر بعد الثلاثة محمود بن الربيع الذي عقل المجة، وتوفي بها سنة تسع وتسعين، فهو إذًا آخر الصحابة موتًا بها.

وآخرهم بمكة تقدم أنه أبو الطفيل، وهو قول ابن المديني، وابن حبان، وغيرهما.

وقيل: جابر بن عبد الله، قاله ابن أبي داود، والمشهور وفاته بالمدينة. وقيل: ابن عمر، قاله قتادة، وأبو الشيخ ابن حبان، ومات سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين.

وآخرهم بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، مات سنة ست وثمانين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان. وقال ابن المديني: أبو جحيفة، والأول أصح، فإنه مات سنة ثلاث وثمانين.

وقد اختُلف في وفاة عَمْرو بن حُريث، فقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، فإن صح الثاني فهو آخر من مات من أهل بيعة الرضوان رضي الله عنهم.

وآخرهم موتًا بالشام عبد الله بن بُسْر المازني، قاله خلائق، ومات سنة ثمان وثمانين، وقيل: ست وتسعين، وهو آخر من مات ممن صلى للقبلتين، وقيل: آخرهم بالشام أبو أمامة الباهلي، قاله الحسن البصري، وابن عيينة، والصحيح الأول، فوفاته سنة ست وثمانين، وقيل: إحدى وثمانين، وحكى الخليلي في "الإرشاد" القولين بلا ترجيح، ثم قال: رَوَى بعضُ أهل الشام أنه أدرك رجلًا بعدهما، يقال له: الهدار، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مجهول. وقيل: آخرهم بالشام واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، قاله أبو زكريا بن منده، وموته بدمشق، وقيل: ببيت المقدس، وقيل: بحمص سنة خمس وثمانين، وقيل: ثلاث، وقيل: ست.

وآخرهم بحمص عبد الله بن بُسر رضي الله عنه، وآخرهم بالجزيرة العُرْس بن عَمِيرة الكِنْديّ رضي الله عنه، وآخرهم بفلسطين أبو أُبَيّ عبد الله بن حَرَام رضي الله عنه، ربيب عبادة بن الصامت، وقيل: مات بدمشق، وقيل: ببيت المقدس.

وآخرهم بمصر عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيدي رضي الله عنه، مات سنة ست وثمانين، وقيل: خمس، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، قاله الطحاوي، وكانت

ص: 29

وفاته بسَفَط القُدُور، وتعرف الآن بسفط أبي تراب، وقيل: باليمامة، وقيل: إنه شهد بدرًا، ولا يصح، فعلى هذا هو آخر البدريين موتًا.

وآخرهم باليمامة الْهِرْماس بن زياد الباهلي رضي الله عنه، سنة اثنتين ومائة، أو مائة، أو بعدها.

وآخرهم بِبَرْقَةَ رُوَيفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وقيل: بإفريقية، وقيل: بأنطابلس، وقيل: بالشام، ومات سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين.

وآخرهم بالبادية سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قاله أبو زكريا بن منده، والصحيح أنه مات بالمدينة، ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: أربع وستين.

وآخرهم موتًا بخراسان بُريدة بن الحصَيب رضي الله عنه، وآخرهم بسجستان العداء بن خالد بن هَوْذة رضي الله عنه، ذكرهما أبو زكريا بن منده، قال العراقي: وفي بُريدة نظر، فإن وفاته سنة ثلاث وسبعين، وقد تأخر بعده أبو بَرْزَة الأسلمي رضي الله عنه، ومات بها سنة أربع وسبعين.

وآخرهم بأصبهان النابغة الجْعْدي رضي الله عنه، قاله أبو الشيخ، وأبو نعيم.

وآخرهم بسمرقند الفضل بن العباس رضي الله عنهما (1). وقيل: آخر من مات بسمرقند قُثَم بن العباس، وبواسط لُبَيّ -مصغّرًا- ابن لَبَا -كعصا-، وآخر البدريين من الأنصار أبو أُسيد مالك بن ربيعة الساعديّ، أو أبو اليَسَر كعب بن عَمْرو، ومن البدريين المهاجرين سعد بن أبي وقّاص، وهو آخر العشرة المبشرين بالجنة أيضًا، وآخر أواجه صلى الله عليه وسلم موتًا ميمونة رضي الله عنها، وقيل: أم سلمة، ورجّحه الحافظ (2).

وإلى ما تقدّم أشار في "ألفية الحديث" بقوله:

........................

وَآخِرُ الصِّحَابِ بِاتِّفَاقِ

مَوْتًا أبو الطُّفَيْلِ وَهْوَ آخِرُ

بِمَكَّةٍ وَقِيلَ فِيهَا جَابِرُ

بِطَيْبَةَ السائِبُ أَوْ سَهْلٌ أنسْ

بِبَصرَةٍ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى حُبِسْ

(1) راجع "التدريب" 2/ 228 - 232.

(2)

راجع "فتح المغيث" للسخاويّ 4/ 142 - 143.

ص: 30

بِكُوفَةٍ وَقِيلَ عَمْرٌو أَوْ أبُو

جُحَيْفة وَالشَّامُ فِيهَا صَوَّبُوا

الْبَاهِلي أَوِ ابْنَ بُسْرٍ وَلَدَى

مِصْرَ ابْنُ جَزْء وَابْنُ الأَكْوَع بَدَا

وَالحبْرُ بِالطَّائِفِ وَالجعْدِيُّ

بِأَصْبَهَانَ وَقَضى الْكِنْدِيُّ

الْعُرْسُ في جَزِيرَةٍ بِبرقَةِ

رُوَيْفِعُ الهرْمَاسُ بِالْيَمامَة

وَقُبِضَ الْفَضْلُ بِسَمْرَقَنْدَا

وَفي سِجِسْتَانَ الأَخِيرُ الْعَدَّا

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(فوائد):

(الأولى): أنه لا يُعرَف أبٌ وابنه شهدا بدرًا إلا مرثد وأبوه أبو مرثد بن الحصين الغنوي. قاله النوويّ. وأغرب من هذا ما أخرجه البغوي في "معجم الصحابة" قال: حدثنا ابن هانئ، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن مَعْنَ بن يزيد بن الأخنس السلميّ شَهِدَ هو وأبوه وجده بدرًا، قال: ولا نعلم أحدًا شهد هو وابنه وابن ابنه بدرًا مُسْلِمين إلا الأخنس.

لكن تعقّب الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله هذا، فقال: هذا لا يصحّ، وإنما الصحيح حديث أبي الجويرية، عن معن، أنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، وأبي، وجدّي. انتهى (1). وإلى هذا أشار في "ألفيّة الحديث" بقوله:

النَّوَوِي مَا عَرَفُوا مَنْ شَهِدَا

بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ إلَّا مَرْثَدَا

وَالبغَوِيُّ زَادَ أَنَّ معنا

وَأبهُ وَجَدَّهُ بِالمعْنَى

(الثانية): قال ابن الجوزي رحمه الله: لا نَعرِف سبعة إخوة شهدوا بدرًا مسلمين إلا بني عفراء: معاذ، ومُعَوّذ، وإياس، وخالد، وغافل، وعوف، قال: ولم يشهدها مؤمن ابن مؤمنين إلا عمار بن ياسر، قال: ومن غريب ذلك امرأة لها أربعة إخوة، وعمان شهدوا بدرًا، أخوان وعمّ من المسلمين، وأخوان وعم من المشركين، وهي أم

(1) راجع "الاستيعاب" 10/ 179 - 180 من هامش "الإصابة".

ص: 31

أبان بنت عتبة بن ربيعة، أخواها المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، والعم المسلم معمر بن الحارث، وأخواها المشركان: الوليد بن عتبة، وأبو عزيز، والعم المشرك شيبة بن ربيعة.

ولا يعرف سبعة إخوة أو تسعة، صحابة مهاجرون، إلا أولاد الحارث بن قيس السهمي، كلهم صحبوا، وهاجروا، وهم: بشر، وتميم، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس.

ولا أربعة أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم متوالدون إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر الصديق

ابن أبي قحافة، وإلا أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم.

وقال الحافظ: حجر وقد ذكروا أن أسامة وُلد له في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا يكون كذلك، إذ حارثة والد زيد صحابي، كما جزم به النذري في "مختصر مسلم"، وحديث إسلامه في "مستدرك الحاكم"، وكذا زيد، وأسامة، قال: وكذا إياس بن سلمة ابن عمرو بن الأكوع الأربعة، ذُكروا في الصحابة، وطلحة بن معاوية بن جاهمة بن العباس بن مِرْداس في أمثلة أخرى لا تصح.

وإلى ما ذُكر أشار في "ألفيّة الحديث" بقوله:

وَأَرْبَعٌ تَوَالَدُوا صَحَابَهْ

حَارِثَةُ الموْلَى أبو قُحَافَه

(الثالثة): ليس في الصحابة من اسمه عبد الرحيم، بل ولا من التابعين، ولا من اسمه إسماعيل، من وجه يصح، إلا واحد بصري، روى عنه أبو بكر بن عُمارة حديث:"لا يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، أخرجه ابن خزيمة (1)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].

(1) راجع "التدريب" 2/ 232 - 234.

ص: 32

(فضل أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه)

أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالّة على فضل أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وقد تقدّم بيان معنى الفضل في الباب السابق.

وأبو بكر رضي الله عنه هو: عبد الله بن أبي قحافة التيميّ، هكذا جزم البخاريّ في "صحيحه" بأن اسم أبي بكر عبد الله، وهو المشهور، ويقال: كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة.

وكان يُسَمَّى أيضا عَتِيقًا، واختُلِف هل هو اسم له أصلي، أو قيل له: ذلك لأنه ليس في نسبه ما يُعاب به، أو لِقِدَمه في الخير، وسبقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك؛ لحسنه، أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما وُلِد استقبلت به البيت، فقالت: اللهم هذا عَتيقك من الموت، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم بَشَّره بأن الله أعتقه من النار.

وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار، وصححه ابن حبان، وزاد فيه:"وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان"، وعثمان اسم أبي قُحَافة لم يُختَلف في ذلك، كما لم يُختلف في كنية الصديق.

ولُقِّب الصديقَ؛ لسبقه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صَبِيحةَ الإسراء. وروى الطبراني من حديث عليّ رضي الله عنه أنه كان يَحلِف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، ورجاله ثقات.

وأما نسبه فهو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سَعْد بن تيم بن مُرّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب، وعدد آبائهما إلى مرة سواء.

وأم أبي بكر: سَلْمَى -وتُكنى أمَّ الخير- بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت، وهاجرت، وذلك معدود من مناقبه؛ لأنه انتظم إسلام أبويه، وجميع أولاده. قاله في "الفتح"(1).

(1)"الفتح" 7/ 12 "كتاب فضائل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم" رقم الحديث 3652.

ص: 33

وُلد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، أخرج بن الْبَرْقيّ من حديث عائشة، تذاكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أكبر. وصحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج في الناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع، واستقر خليفة في الأرض بعده، ولقبه المسلمون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي "المعرفة" لابن منده: كان أبيض نحيفًا خفيف العارضين، معروق الوجه، ناتىء الجبهة، يَخضِب بالحناء والكتم. وقال ابن إسحاق في "السيرة الكبرى": كان أبو بكر رجلًا مؤلفًا لقومه، محببًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم مما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرًا، ذا خُلُق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام مَن وَثِقَ به، فأسلم على يديه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف. وأخرج أبو داود في "الزهد" بسند صحيح عن هشام بن عروة، أخبرني أبي، قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم، قال عروة: وأخبرتني عائشة: أنه مات وما ترك دينارًا ولا درهمًا.

وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه، أسلم أبو بكر، وله أربعون ألفا، فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فُهيرة، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأم عبيس. وأخرج مصعب الزبيريّ من طريق أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه: كان أبو بكر معروفًا بالتجارة، وقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أربعون ألفًا، فكان يُعتق منها، ويَعُول المسلمين حتى قدم المدينة بخمسة آلاف، وكان يفعل فيها كذلك.

ومناقب أبي بكر رضي الله عنه كثيرة جدًّا، وقد أفردها جماعة بالتصنيف، وترجمته في "تاريخ ابن عساكر" قدر مجلدة، ومن أعظم مناقبه رضي الله عنه قول الله تعالى فيه: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ

ص: 34

لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، إذ لا يعترض بأنه لم يتعين، لأنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة عامر بن فُهيرة، وعبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن أُريقط الدليل؛ لأنا نقول: لم يصحبه في الغار سوى أبي بكر؛ لأن عبد الله بن أبي بكر استمر بمكة، وكذا عامر بن فُهيرة، وإن كان ترددهم إليهما مدة لبثهما في الغار استمرت لعبد الله من أجل الإخبار بما وقع بعدهما، وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من الشياه، والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك، كما في نفس الخبر، وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك، وثبت في "الصحيحين" من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر، وهما في الغار:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يَشْرَكه في هذه المنقبة غيره.

ومن أعظم مناقب أبي بكر رضي الله عنه أن ابن الدَّغِنَة سيد القَارَة لمّا رد إليه جواره بمكة وصفه بنظير ما وَصَفت به خديجة النبي صلى الله عليه وسلم لمّا بُعث، فتواردا فيهما على نعت واحد من غير أن يتواطآ على ذلك، وهذا غاية في مدحه؛ لأن صفات النبي صلى الله عليه وسلم منذ نشأ كانت أكمل الصفات.

وقال العسكريّ: كانت تُساق إليه الأشناق في الجاهلية، وهي الديات التي يتحملها ممن يتقرب لذلك من العشيرة، فكان إذا حمل شيئًا من ذلك، فسأل فيه قريشًا مدحوه، وأمضوا إليه حمالته، فإن احتملها غيره لم يصدقوه.

وذكر ابن سعد من طريق الزهري أن أبا بكر والحارث بن كَلَدَة أكلا خَزِيرة أُهديت لأبي بكر، وكان الحارث طبيبًا، فقال لأبي بكر: ارفع يدك والله إن فيها لسم سنة، فلم يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد، وكانت وفاته يوم الإثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشر من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، على الصحيح (1).

(1) راجع "الإصابة" 4/ 144 - 150.

ص: 35

أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (142) حديثًا، اتّفق الشيخان على ستة، وانفرد البخاريّ بأحد عشر، ومسلم بحديث واحد، وله في هذا الكتاب (16) حديثًا.

[فائدة]: السبب في قلة ما روى الصديق رضي الله عنه من الأحاديث مع تقدمه، وسبقه إلى الإسلام، وملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الحديث، واعتناء الناس بسماعه، وتحصيله، وحفظه. ذكره النوويّ في "تهذيبه"(1)، والله تعالى أعلم بالصواب.

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

93 -

(حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُرَّةَ،

عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا إِنِّي أبرَأُ إِلَى كلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ، وَلَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلَيلًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله"، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْني نَفْسَهُ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَبْدُ الله بْنُ مُرَّة) الهَمْدَاني الخارفيّ -بالخاء المعجمة، والراء، والفاء- ثقة [3].

روى عن ابن عمر، والبراء، وأبي الأحوص، ومسروق، وغيرهم.

وروى عنه الأعمش، ومنصور، قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. وقال العجليّ: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة. وأرخه ابن قانع: سنة تسع وتسعين.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم (93) و (1584) و (2122) و (2327) و (2534) و (2558) و (2616) و (2801).

2 -

(أبو الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلة الجُشَميّ الكوفيّ، ثقة [3] 7/ 46.

3 -

(عَبْدُ الله) بن مسعود الصحابيّ المشهور رضي الله عنه 2/ 19، والباقون تقدّموا في

(1) راجع "التدريب" 2/ 218.

ص: 36

الباب الماضي، والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، بل رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ في "مسند عليّ".

3 -

(ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين.

4 -

(ومنها): أن عبد الله بن مرة هذا أول محل ذكره من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف له من الأحاديث ثمانية أحاديث، كما نبّهت عليه آنفًا.

5 -

(ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن أبي الأحوص، ورواية الأخيرين من رواية الأقران.

6 -

(ومنها): أن فيه عبد الله غير منسوب، وهو ابن مسعود رضي الله عنه؛ لأن السند كوفيّ، وقد تقدّمت القاعدة أنه إذا أُطلق عبد الله في الصحابة أنه يُنظر إلى الراوي عنه، فإن كان كوفيّا فهو ابن مسعود، وهكذا

، فلا تنسَ نصيبك منها.

7 -

(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإسلام، وممن لازم النبيّ صلى الله عليه وسلم طول حياته، وقرأ عليه القرآن، وكان من أقرإ الناس، وقد مدحه النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال:"من أحبّ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزِل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". رضي الله عنه. وستأتي مناقبه في باب خاصّ به، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ عَبْدِ الله) بن مسعود رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (أَلا) أداة استفتاح وتنبيه، يُلقى بها للمَخاطب؛ تنبيها له، وإزالة لغفلته (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة (أَبْرَأُ) بفتح الراء، يقال: بَرِىء الرجلُ بالكسر من الأمرِ، كفَرِح، يَبْرَأ بالفتح على القياس، ويَبْرُأُ بالضمّ نادر، بل غريب جدّا، بَرَاءً، كسلامٍ، وبَرَاءَةً، ككرَامةٍ،

ص: 37

وبُرْأ بضم، فسكون: تبرّأ منه.

قاله في "القاموس" و"شرحه"(1)(إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ) متعلّق بـ"أبرأ"، و"الخليل": الصديق، فَعِيل بمعنى مُفاعل، وقد يكون بمعنى مفعول. قاله ابن الأثير (2).

وقال السنديّ: أي أبرأ إلى كلّ من يزعم أني اتّخذته خليلًا، فلا يشمل عمومه الربّ الجليل سبحانه وتعالى حتى يُحتاج إلى الاستثناء. انتهى (3).

(مِنْ خُلَّتِهِ) أي من اتّخاذي إياه خليلًا. قال الفيّوميّ: الخَلّة بالفتح، والضمّ لغةُ: الصداقة، واقتصر ابن الأثير على الضمّ فقط، وقال: الخُلّة بالضمّ: الصداقة، والمحبّة التي تخلّلت القلب، فصارت خلاله: أي في باطنه. قال: وإنما قال ذلك لأن خُلّته كانت مقصورةً على حبّ الله تعالى، فليس فيها لغيره مُتَّسَعٌ، ولا شَرِكة من مَحابّ الدنيا والآخرة، وهذه حال شريفة، لا ينالها أحدٌ بكسب واجتهاد، فإن الطباع غالبة، وإنما يخصّ الله بها من يشاء من عباده، مثل سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ومن جعل الخليل مُشتقا من الْخَلّة، وهي الحاجة والفقر أراد إني أبرأ من الاعتماد، والافتقار إلى أحد غير الله تعالى. انتهى (4).

ووقع في رواية مسلم: "إني أبرأ إلى كل خلّ من خلّه": قال النوويّ رحمه الله: هما بكسر الخاء، فأما الأول فكسره متّفق عليه، وهو الخلّ بمعنى الخليل، وأما قوله:"من خلّه" فبكسر الخاء عند جميع الرواة في جميع النسخ، وكذا نقله القاضي عن جميعهم، قال: والصواب الأوجه فتحها، قال: والخلّة والخلّ، والخلال، والمخاللة، والخلوة: الإخاء والصداقة: أي برئت من صداقته المقتضية المخاللة. هذا كلام القاضي. والكسر صحيح، كما جاءت به الروايات: أبرأ إليه من مخاللتي إياه. وذكر ابن الأثير أنه روي

(1) راجع "القاموس" مع شرحه "تاج العروس" 1/ 44 - 45.

(2)

"النهاية" 2/ 72.

(3)

"شرح السنديّ" 1/ 71.

(4)

"النهاية" 2/ 72.

ص: 38

بكسر الخاء وفتحها وأنهما بمعنى الخلّة بالضمّ التي هي الصداقة. انتهى (1).

[تنبيه]: قال في "الفتح": واختُلِف في المودة، والخلة، والمحبة، والصداقة، هل هي مترادفة، أو مختلفة؟.

قال أهل اللغة: الخلة أرفع رتبة، وهو الذي يُشعِر به حديث الباب، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم:"لو كنت متخذا خليلًا غير ربي"، فإنه يشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم، وقد ثبتت محبته لجماعة من أصحابه، كأبي بكر، وفاطمة، وعائشة، والحسنين، وغيرهم، ولا يَعْكُر على هذا اتصاف إبراهيم عليه السلام بالخلة، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالمحبة، فتكون المحبة أرفع رتبة من الخلة؛ لأنه يُجاب عن ذلك بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد ثبت له الأمران معًا، فيكون رجحانه من الجهتين. والله سبحانه وتعالى أعلم.

وقال الزمخشري: الخليل هو الذي يوافقك في خلالك، ويسايرك في طريقك، أو الذي يَسُدّ خللك، وتسد خلله، أو يداخلك خلال مَنْزِلك. انتهى. وكأنه جوّز أن يكون اشتقاقه مما ذُكِر. وقيل: أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله. وقيل: الخليل من يتخلله سرك. وقيل: من لا يسع قلبه غيرك. وقيل: أصل الخلة الاستصفاء. وقيل: المختص بالمودة. وقيل: اشتقاق الخليل من الْخَلّة -بفتح الخاء- وهي الحاجة، فعلى هذا فهو المحتاج إلى من يُخَالُّهُ، وهذا كله بالنسبة إلى الإنسان، أما خلة الله للعبد فبمعنى نصره له ومعاونته. انتهى (2).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "أما خلة الله للعبد إلخ" فيه أنه تأويل للخلّة بلازمها، وهذا غير صحيح، بل الصواب أن الخلّة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله، كسائر صفاته، من العلم، والسمع، والبصر، والقدرة، والإرادة، والرضى والغضب، والمحبّة، والبغض، ونحوها، فكلها صفة ثابتة له تعالى على الوجه اللائق به،

(1)"شرح مسلم" 15/ 153.

(2)

"الفتح" 7/ 30.

ص: 39

ولا يلزم من ذلك تشبيهه بخلقه؛ لأن صفات الخالق مباينة لصفات الخلق، وإنما تتّفق الأسماء دون الحقائق، كما أننا نثبت له ذاتًا لا كذوات المخلوق، كذلك الصفات؛ إذ هي فرع الذات، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهَوَّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل.

[تنبيه آخر]: قال في "الفتح" أيضًا: وقد تواردت هذه الأحاديث على نفي الخلة من النبي صلى الله عليه وسلم لأحد من الناس، وأما ما رُوي عن أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس، دخلت عليه، وهو يقول:"إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلًا، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا"، أخرجه أبو الحسن الحربي في "فوائده"، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بخمس: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل"، فإن ثبت حديث أُبَيّ (1) أمكن أن يُجمَع بينهما بأنه لمّا بريء من ذلك تواضعًا لربه، وإعظامًا له أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لِمَا رأى من تشوفه إليه، وإكرامًا لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحب الطبري.

وقد رُوي من حديث أَبِي أمامة رضي الله عنه نحو حديث أبي بن كعب رضي الله عنه دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحدي في "تفسيره"، والخبران واهيان. انتهى (2).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا حاجة إلى الجمع المذكور؛ لأن الجمع فرع ثبوت التعارض، ولا تعارض بين ما في الصحيح، والخبر الواهي، فتأمل بالإنصاف، والله سبحانه الهداي إلى سواء السبيل.

(وَلَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا) اسم فاعل من اتّخذ، وهو فعل يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف الجرّ، فيكون بمعنى اختار واصطفى، كما قال تعالى {وَاتَّخَذَ قَومُ مُوسَى مِن

(1) كيف يثبت، وقد قال في آخر كلامه: والخبران واهيان؟، فتبصّر.

(2)

"الفتح" 7/ 29.

ص: 40

بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} الآية [الأعراف: 148]، وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجرّ، فكأنه قال: لو كنت متّخذًا من الناس خليلًا لاتخذت منهم أبا بكر. قاله القرطبيّ (1).

(خَلِيلًا) وفي رواية أحمد: "لو كنت متخذًا خليلًا سوى الله حتى ألقاه".

و"الخليل": فَعِيل بمعنى فاعل، وهو من الخلة بالضم، وهي الصداقة، والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله، قال في "الفتح": وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حب الله تعالى، وأما إطلاقه في حق الله تعالى فعلى سبيل المقابلة.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا فيه ما تقدّم في الخلّة، فتنبّه. والله تعالى أعلم.

وقيل: الخلة أصلها الاستصفاء، وسمي بذلك؛ لأنه يوالى، ويعادي في الله تعالى، وخلة الله له نصره، وجعله إمامًا (2). وقيل: هو مشتق من الخلة -بفتح المعجمة - وهي الحاجة، سمي بذلك لانقطاعه إلى ربه، وقصره حاجته عليه. انتهى (3).

وقال القرطبيّ: الخليل: الصديق المخلص، والْخُلّة بضم الخاء: الصداقة والمودّة.

ويقال فيها أيضًا: خلالة بالضمّ والفتح والكسر، والْخَلّة بفتح الخاء: الفقر والحاجة، والخلّة بكسرها: واحدة خِلَل السيوف، وهي بطائن أغشيتها، والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع خلال.

وقد اختُلف في الخليل اسم إبراهيم عليه السلام من أيّ هذه المعاني والألفاظ أُخِذ؟ فقيل: إنه مأخوذ من الخلّة بمعنى الصداقة، وذلك أنه صَدَق في محبّة الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبّته على كلّ محبوباته، فبذل ماله للضيفان، وولده للقُرْبان، وجسده للنيران. وقيل: من الخلّة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله تعالى في

(1)"المفهم" 6/ 241 - 242.

(2)

فيه ما تقدّم، فتنبّه.

(3)

"الفتح" 6/ 448.

ص: 41

حوائجه، ولجأ إليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل، وهو في الهواء حين رُمي به في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أما إليه فلا. وقيل: من الخلل بمعنى الفرجة بين الشيئين، وذلك لما تخلّل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبّته ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء، فقال [من الخفيف]:

قَدْ تخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوح مِنِّي

وَلذَا سُمِّيَ الخلِيلُ خَلِيلَا

ولذا جمع هذه المعاني، وأحسن من قال في الْخُلّة: إنها صفاء المودّة التي توجب الاختصاص بتخلّل الأسرار، والغنى عن الأغيار. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (1).

(لَاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا) زاد في رواية لمسلم: "ولكنه أخي وصاحبي". ووقع في رواية غيره: "ولكنه أخي في الدين، وصاحبي في الغار"(إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله (2)) وفي رواية مسلم: "وقد اتّخذ الله عز وجل خليلًا". وزاد في رواية غيره: "اتخذ إبراهيم خليلًا".

قال القرطبيّ رحمه الله: هذا يدل على أن الله تعالى بلّغ درجة نبيّنا صلى الله عليه وسلم في الخلّة بإبراهيم عليه السلام غير أنه مكنه فيها ما لم يمكّن إبراهيم فيها، بدليل قول إبراهيم عليه السلام:"إنما كنت خليلًا من وراء وراء"(3) انتهى (4).

وقال أيضًا: ومعنى هذا الحديث: أن أبا بكر رضي الله عنه كان قد تأهّل لأن يتّخذه النبيّ صلى الله عليه وسلم خليلًا، لولا المانع الذي منع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلّله من معرفة الله تعالى، ومحبّته، ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك، لم يتّسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلّق

(1)"المفهم" 1/ 429 "كتاب الإيمان".

(2)

وأشار في هامش الهنديّة إلى أنه وقع في بعض النسخ: "خليل الرحمن".

(3)

أخرجه مسلم برقم (195) و (329).

(4)

"المفهم" 6/ 243 "كتاب النبوات".

ص: 42

القلب به، فهو حبيبٌ، ولذلك أثبت لأبي بكر، وعائشة، رضي الله عنهما أنهما أحبّ الناس إليه، ونفى عنهما الخلّة، وعلى هذا فالخلّة فوق المحبّة. وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك، فذهب الجمهور إلى أن الخلّة أعلى؛ تمسّكًا بما ذكرناه، وهو متمسّكٌ قويٌّ ظاهرٌ. وذهب أبو بكر بن فُورَك إلى أن المحبّة أعلى، واستدلّ على ذلك بأن الاسم الخاصّ بمحمد صلى الله عليه وسلم الحبيب، وبإبراهيم الخليل، ودرجة نبيّنا صلى الله عليه وسلم أرفع، فالمحبّة أرفع. وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة في "كتاب الشفا"(1)، واستوفى فيها البحث، فلتنظر هناك انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (2).

(قَالَ وَكِيع) بن الجرّاح الراوي عن الأعمش، مفسرًا للجملة الأخيرة (يَعْني) أي يقصد صلى الله عليه وسلم بقوله:"صاحبكم"(نَفْسَهُ) صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (11/ 93) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "كتاب الفضائل"(6126) و (الترمذيّ) في "المناقب"(3655) و (الطيالسيّ) في "مسنده"(314) و (عبد الرزاق) في "مصنفه"(20398) و (الحميديّ) في "مسنده"(113) و (ابن سعد) في "الطبقات" 3/ 176 و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" 12/ 5 و (أحمد) في "مسنده" 1/ 377 و 389 و 408 و 412 و 433 و 434 و 437 و 439 و455 و 462. وفي "فضائل الصحابة" (155) و (156) و (157) و (158) و (159) و (160). و (النسائيّ)

(1) راجع "الشفا" 1/ 409 وما بعدها.

(2)

"المفهم" 6/ 242 - 243 "كتاب النبوات".

ص: 43

في "فضائل الصحابة" من "الكبرى"(4) و"ابن حبّان" في "صحيحه"(6855) و (6856) و (أبو يعلى) في "مسنده"(5149) و (5180) و (5249) و (530) و (البغويّ) في "شرح السنّة"(3867). والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وهو واضح.

2 -

(ومنها): بيان مكانة النبيّ صلى الله عليه وسلم عند ربّه، ورفعة منزلته على كلّ الخلق؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر، فقال عز وجل:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ، فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره أنه نال تلك الدرجة، وزاد عليها، وذلك أن إبراهيم عليه السلام حينما يستشفع الناس به إلى ربهم في عرصات القيامة، يتوسّلون إليه بكون الله تعالى اتّخذه خليلًا، فيقول لهم:"إنما كنت خليلًا من وراء وراء"، فيعتذر إليهم، وأما نبيّنا صلى الله عليه وسلم، فيجيبهم بقوله:"أنا لها".

3 -

(ومنها): بيان أن الخُلّة أرفع درجة من المحبّة، حيث تبرّأ صلى الله عليه وسلم إلى كلّ خليل من خُلّته، وقد أثبت محبته لغير واحد، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بَعَثَه على جيش ذات السَّلاسِل، فأتيته، فقلت: أَيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، فقلت: من الرجال؟ فقال: "أبوها"، قلت: ثم مَنْ؟ قال: "ثم عمر بن الخطاب"، فعد رجالًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

94 -

(حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، وعليّ بْنُ مُحَمّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَال رَسُوُل الله صلى الله عليه وسلم: "مَا نَفَعَني مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَني مَالُ أَبِي بَكْرٍ"، فَبَكَى أبو بَكْرٍ، وَقَالَ: هَلْ أَنا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ الله).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان

ص: 44

الواسطيّ الأصل، نزيل الكوفة، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [10]، تقدّم في 1/ 1.

2 -

(عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور في السند الماضي.

3 -

(أبو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [9] تقدّم في 1/ 3.

4 -

(الْأَعْمَشُ) المذكور في السند الماضي.

5 -

(أبو صالح) هو: ذكوان السمان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [3]، تقدم في 1/ 1.

6 -

(أبو هريرة) الصحابيّ الشهير رضي الله عنه تقدّم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق في السند الماضي.

3 -

(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير أبي صالح، وأبي هريرة، فمدنيّان.

4 -

(ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ من روى لحديث الأعمش بعد الثوريّ، والأعمش من أكثر من روى عن أبي صالح.

5 -

(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَا) نافية (نَفَعَني مَالٌ قَطُّ) بفتح القاف والطاء المشدّدة، ويجوز ضمهما، ويجوز تخفيف الطاء، ومعناه الزمن الماضي (مَا) مصدريّة (نَفَعَني مَالُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق رضي الله عنه أي لم ينفعني مال أحد من الناس مثل ما نفعني مال أبي بكر رضي الله عنه (فَبَكَى أبو بَكْرٍ) رضي الله عنه، وسبب بكائه هو ما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وقال:"إن الله خَيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله"، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه، أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيرَ،

ص: 45

وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخُوّة الإسلام ومودته، لا يَبْقَيَنَّ في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر".

ويحتمل أن يكون بكاؤه فرحًا بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا. والله تعالى أعلم.

(وَقَالَ) أبو بكر رضي الله عنه (هَلْ أنا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ الله) قاله رضي الله عنه مراعاة للأدب، وتواضعًا في حضرته صلى الله عليه وسلم، يعني أن نفسه وماله كله للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أولى به من نفسه، فقد قال الله عز وجل:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الآية [الأحزاب: 6]، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده الأعمش، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنعه؟.

[قلت]: إنما صحّحته؛ لما ذكره الإمام الذهبيّ رحمه الله في "ميزان الاعتدال" في ترجمته، قال: وهو يدلّس، وربما دلّس عن ضعيف، ولا يُدْرَى به، فمتى قال: حدّثنا فلا كلام، ومتى قال:"عن" تطرّق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمّان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتّصال، انتهى (1).

وهذا الحديث من هذا النوع، فقد رواه عن أبي صالح السمّان، وهو ممن أكثر عنه، فقد ثبت عنه أنه قال: كتبت عن أبي صالح ألف حديث، كما ذكره الذهبيّ في "السير"(2)، والله تعالى أعلم.

(1)"ميزان الاعتدال" 2/ 224.

(2)

"سير أعلام النبلاء" 6/ 230.

ص: 46

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (11/ 94) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) من طريق يزيد الأوديّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه سيأتي لفظه قريبًا (3661)، و (النسائي) في "فضائل الصحابة" من "الكبرى"(9) وأخرجه (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"(12/ 6 - 7) و (أحمد) في "مسنده"(2/ 253) و (366) وفي "فضائل الصحابة"(25) و (32) و (ابن أبي عاصم) في "السنّة"(1229) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6858)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): ما كان له من الخصوصية التي ليست لغيره رضي الله عنه، وهي مواساته للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك في غير ما حديث، فقد تقدّم فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدريّ: "إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر

" الحديث.

وأخرج الترمذيّ، من طريق يزيد الأوديّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لأحد عندنا يَدٌ إلا وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن صاحبكم خليل الله".

وأخرج الطبرانيّ من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما، مرفوعًا:"ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر، واساني بنفسه، وماله، وأنكحني ابنته". وأخرج ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه رفعه:" إن أعظم الناس علينا مَنّا أبو بكر، زوّجني ابنته، وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالًا أبو بكر، أعتق منه بلالًا، وحملني إلى دار الهجرة".

وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه المتقدّم: ما نصّه: فقد تضمّن هذا الكلام أن لأبي بكر رضي الله عنه من الفضائل والحقوق ما لا

ص: 47

يشاركه فيها مخلوق، وقال في تفسير الحديث: معناه: أن أبا بكر رضي الله عنه له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتنّ بها، وذلك أنه رضي الله عنه بادر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتصديق، والناس كلهم مكذّبون، وبنفقة الأموال العظيمة، والناس يبخلون، وبالملازمة والصاحبة، والناس ينفرون، وهو مع ذلك بانشراح صدره، ورسوخ علمه يعلم أن لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم الفضل والإحسان والمنّة والامتنان، لكن النبيّ صلى الله عليه وسلم بكرم خُلُقه، وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صدر عنه، وشكر الصنيعة لن وُجدت منه؛ عملًا بشكر المنعم؛ ليسنّ، ولِيُعَلِّم، وهذا مثل ما جرى له صلى الله عليه وسلم يوم حنين مع الأنصار رضي الله عنهم حيث جمعهم، فذكّرهم بما له عليهم من المِنَن، ثم اعترف لهم بما لهم من الفضل الجميل الحسن. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (1).

[فائدة]: جاء عن عائشة رضي الله عنها بيان مقدار المال الذي أنفقه أبو بكر رضي الله عنه في سبيل نصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن حبّان من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"أنفق أبو بكر على النبيّ صلى الله عليه وسلم أربعين ألف درهم". وروى الزبير بن بكّار عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: "أنه لمّا مات ما ترك دينارًا ولا درهمًا"(2)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

95 -

(حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الحسَنِ بْنِ عمارَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الحارِثِ، عَنْ عِليٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الجنَّةِ، مِنَ الْأَوَّلينَ وَالْآخِرِينَ، إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالمرْسَلَينَ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عِليُّ مَا دَامَا حَيَّيْنِ").

(1)"المفهم" 6/ 240 - 241.

(2)

راجع "الفتح" 7/ 17 - 18.

ص: 48

رجال هذا الإسناد: سبعة:

1 -

(هشام بن عّمار) السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوق، كبر فتلقن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [10] 1/ 5.

2 -

(سفيان) بن عيينة الإمام الثقة الحجة الثبت [8] 2/ 13.

3 -

(الحسن بن عمارة) بن المُضَرِّب البجليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، كان على قضاء بغداد في خلافة المنصور، متروك [7].

روى عن بريد بن أبي مريم وحبيب بن أبي ثابت، وشبيب بن غَرْقَدة، والحكم بن عتيبة، وابن أبي مليكة، والزهري، وفراس بن يحيى الهمداني، وغيرهم.

وروى عنه السفيانان، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وأبو معاوية، وعبد الرزاف، وخلاد بن يحيى، وغيرهم.

قال النضر بن شميل عن شعبة: أفادني الحسن بن عمارة سبعين حديثًا عن الحكم، فلم يكن لها أصل. وقال ابن عيينة: كان له فضل، وغيره أحفظ منه. وقال الطيالسي: قال شعبة: ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب، قال أبو داود: فقلت لشعبة: ما علامة ذلك؟ قال: روى عن الحكم أشياء فلم نجد لها أصلًا، قلت للحكم: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد؟ قال: لا. وقال الحسن: حدثني الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم ودفنهم. وقلت للحكم: ما تقول في أولاد الزنا؟ قال: يُصلّى عليهم، قلت: من حديث من يُروَى؟ قال قال: يُروَى عن الحسن البصري، وقال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي. وقال الحسن بن عمارة: حدّثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن عليّ سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها، فقال: ما سمعت منها شيئًا. وقال عيسى بن يونس: الحسن بن عمارة شيخ صالح، قال فيه شعبة، وأعانه عليه سفيان. وقال ابن المبارك: جرحه عندي شعبة وسفيان، فبقولهما تركت حديثه.

وقال أيوب بن سُويد الرملي: كان شعبة يقول: إن الحكم لم يحدث عن يحيى بن

ص: 49

الجزار إلا ثلاثة أحاديث، والحسن بن عمارة يحدث عنه أحاديث كثيرة. وقال أبو بكر المروزي عن أحمد: متروك الحديث، وكذا قال أبو طالب عنه، وزاد: قلت له: كان له هَوًى؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، وأحاديثه موضوعة، لا يكتب حديثه، وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال مرة: ضعيف. وقال مرة: ليس حديثه بشيء. وقال عبد الله بن المديني، عن أبيه: ما أحتاج إلى شعبة فيه، أمره أبين من ذلك، قيل له: كان يغلط؟ فقال: أيّ شيء كان يغلط؟ كان يضع. وقال أبو حاتم، ومسلم، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال الساجي: ضعيف متروك، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال جزرة: لا يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: رجل صالح، صدوق، كثير الوهم والخطإ، متروك الحديث.

وقد ردّ الحافظ في "التهذيب" على صاحب الأصل حيث رمز له بأن البخاريّ علّق له، فراجع كلامه (1).

أخرج له الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (95) وحديث (615) "لا يغتسلنّ أحدكم بأرض فلاة، ولا فوق سطح

" الحديث.

4 -

(فراس) -بكسر أوله، وبمهملة- ابن يحيى الهَمْدانيّ الخارفيّ -بمعجمة، وفاء- أبو يحيى الكوفيّ المكْتِب، صدوقٌ ربما وَهِمَ [6].

روى عن الشعبي، وعطية العَوْفي، وأبي صالح السمان، ومُدرِك بن عُمارة.

وروى عنه منصور، وهو من أقرانه، وزكرياء بن أبي زائدة، وشعبة، وشيبان، وسفيان الثوري، والحسن بن عمارة، وأبو عوانة، وشريك، وغيرهم.

قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ ما بحديثه بأس.

وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: ما بلغني عنه شيء، وما أنكرت من حديثه إلا

(1)"تهذيب التهذيب" 1/ 408.

ص: 50

حديث الاستبراء. وقال العجليّ: كوفي ثقة، من أصحاب الشعبي، في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: ثقة. وقال عثمان -يعني ابن أبي شيبة-: صدوق، قيل له: ثبت؟ قال: لا. وقال يعقوب بن شيبة: كان مُكْتِبًا، وفي حديثه لين، وهو ثقة.

وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وكان متقنًا.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا (95) و (1621) و (1891) و (2754) و (3780) و (3895).

5 -

(الشعبيّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الهمداني، أبو عمرو الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [3] تقدّم في 1/ 11.

6 -

(الحارث) بن عبد الله الأعور الْهَمْدَانيّ الخْاَرِفِيّ، أبو زهير الكوفيّ، ويقال: الحارث بن عبيد، ويقال: الحُوتيّ -بضم المهملة، وبالمثناة فوقُ- وحُوت بَطْنٌ من هَمْدَان، صاحب عليّ رضي الله عنه، كذّبه الشعبيّ في رأيه، وفي حديثه ضعف، ورُمي بالرفض [2].

روى عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وبُقَيرة امرأة سلمان.

وروى عنه الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الْبَخْتَريّ الطائي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن مرة، وجماعة.

قال مسلم في "مقدمة صحيحه": ثنا قتيبة، ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: حدثني الحارث الأعور، وكان كذّابًا. وقال منصور، ومغيرة، عن إبراهيم: إن الحارث اتُّهِم. وقال أبو معاوية، عن محمد بن شيبة الضبي، عن أبي إسحاق: زعم الحارث الأعور، وكان كذّابًا. وقال يوسف بن موسى، عن جرير: كان الحارث زَيْفًا. وقال أبو بكر بن عياش: لم يكن الحارث بأرضاهم. وقال الثوري: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث. وقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، غير أن يحيى حدثنا يومًا عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الحارث -يعني

ص: 51

عن علي-: "لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر"، فقال: هذا خطأ من شعبة، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عبد الله، وهو الصواب. وقال أبو خيثمة: كان يحيى بن سعيد، يحدث عن حديث الحارث، ما قال فيه أبو إسحاق: سمعت الحارث. وقال الجوزجاني: سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث، فقال: مثلك يسأل عن ذا، الحارث كذّاب. وقال الدوري، عن ابن معين: الحارث قد سمع من ابن مسعود، وليس به بأس. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. قال عثمان: ليس يتابع ابن معين على هذا. وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولا ممن يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال مجالد: قيل للشعبي: كنت تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم أختلف إليه أتعلم منه الحساب، كان أحسب الناس. وقال أشعث بن سَوّار، عن ابن سيرين: أدركت الكوفة، وهو يُقَدِّمُون خمسة، من بدأ بالحارث ثنى بعَبِيدة، ومن بدأ بعَبيدة ثنى بالحارث. وقال علي بن مجاهد، عن أبي جَنَاب الكلبيّ، عن الشعبي: شهد عندي ثمانية من التابعين الخُيَّر، فالخُيَّر، منهم سُويد بن غَفَلة، والحارث الهمداني، حتى عد ثمانية أنهم سمعوا عليّا يقول، فذكر خبرًا. وقال ابن أبي داود: كان الحارث أفقه الناس، وأحسب الناس، وأفرض الناس، تعلّم الفرائض من علي.

وقال البخاري في "التاريخ" عن أبي إسحاق، أن الحارث أوصى أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد الخطمي. وقال الدارقطني: الحارث ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال ابن حبان: وكان الحارث غاليًا في التشيع، واهيًا في الحديث، مات سنة (65) وكذا ذكر وفاته إسحاق القراب في "تاريخه".

أخرج له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب (17) حديثًا، وعند النسائيّ حديثان أحدهما أورده مقرونًا، والآخر متابعة.

7 -

(عليّ) بن أبي طالب رضي الله عنه، تقدّم في 2/ 20. والله تعالى أعلم.

ص: 52

شرح الحديث:

(عَنْ عَليٍّ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أبو بَكْرٍ) الصدّيق (وَعُمَرُ) الفاروق (سَيِّدَا كهُولِ أَهْلِ الجنَّةِ) جمع كهل -بفتح، فسكون- قال ابن الأثير رحمه الله: الكهل من الرجال من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل. من ثلاثين إلى تمام الخمسين، وقد اكتهل الرجل، وكاهل: إذا بلغ الْكُهُولة، فصار كَهْلًا. وقيل: أراد بالكهل هنا الحليم العاقل: أي إن الله يُدخل أهل الجنة الجنة حُلَماء عُقَلاءَ. انتهى (1).

وقال الفيّوميّ رحمه الله: الكهل من جاوز الثلاثين، ووخَطَه (2) الشيب، وقيل: من بلغ الأربعين، وعن ثعلب في قوله تعالى:(وَكهلًا) قال: ينزل عيسى عليه السلام إلى الأرض كهلًا ابن ثلاثين سنة. انتهى (3).

وقال الطيبيّ: إنما عبّر بـ "كهول" اعتبارًا لما كانوا عليه في الدنيا، وإلا فليس في الجنّة كهل، كقوله تعالى:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2].

[فائدة]: نظمت الأسماء التي يُسمّى بها الإنسان من حين كونه جنينا إلى أن يصير هرمًا، فقلت:

اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ أَنَّ الْوَلَدَا

دَعَوْهُ بِالجنينِ حَتَّى يُولَدَا

ثُمَّ صبِيًّا لِلْفِطَامِ يُدْعَى

ثُمَّ إِلَى سَبع غُلَامًا يُرْعَى

وَيَافِعٌ لِعَشْرَةٍ حَزَوَّرُ

لخَمْسَ عَشْرَةَ أتاكَ الخُبَرُ

وَقُمُدًا لِلْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ عِ

عَنَطْنَطًا إِلَى ثَلَاثِينَ دُعِي

ثُمَّ لأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ

ثُمَّ إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ

إِلَى ثَمانِينَ بِشَيْخ يُعْلَى

ثُمَّ إِذَا زَادَ بِهِمٍّ يُجلَى

(1) النهاية" 4/ 213.

(2)

وخطه الشيب، من باب وعد: خالطه، أو فشا شيبه. اهـ "ق".

(3)

"المصباح المنير" 2/ 543.

ص: 53

أَوْرَدَهُ الحافِظُ في الْفَتْح كَذَا

فَاحْفَظْ حَمَاكَ اللهُ مِنْ كلِّ أذى

(مِنَ الْأَوَّلينَ) أي من صالحي الأمم السابقة، قال القاري: فيكونان أفضل من أصحاب الكهف، ومؤمن آل فرعون، ومن الخضر أيضًا على القول بأنه وليّ. انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن الخضر عليه السلام نبيّ؛ لأنه ظاهر القرآن الكريم، فقد قال الله عز وجل:{آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} الآية [الكهف: 65]، وقال:{فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} الآية [الكهف: 82]، وأصرح من هذا كله قوله:{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} الآية [الكهف: 82]، وقال فيما أخرجه الشيخان من حديثه الطويل: "يا موسى إني على علم من علم الله، علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله لا أعلمه أنا

" الحديث، فهذه النصوص واضحة جليّة في كونه نبيّا فعل تلك الأفعال بأمر من الله، لا من عند نفسه.

فمن فعل شيئًا مما يُخالف الشرع محتجّا بفعل الخضر عليه السلام، زاعمًا أنه وليّ، وليس بنبيّ، فقد ضلّ ضلالا مبينًا، وهؤلاء هم الذين يدّعون التصوف، ويستدلون على فعل ما تهواه أنفسهم مما يزعمون أنه تُكشف لهم حقائق الأشياء، فإذا أُنكر عليهم يحتجون بقصّة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام، فيا خسارتهم، ويا ويلهم {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ} [الطارق: 9، 10]، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.

(وَالْآخِرِينَ) أي من صالحي هذه الأمة (إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالمرْسَلِينَ) صلوات الله تعالى عليهم وسلامه، قال القاري: فخرج عيسى عليه السلام، وكذا الخضر على القول بنبوّته.

قال الجامع: قد قدّمت أن هذا هو الحقّ، والصواب، وما عداه مخالف لظاهر النصوص، فلا يلتفت إليه. والله تعالى أعلم.

وفي رواية أحمد: "سيدا كهول الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين". وأخرجه المخلص الذهبيّ، ولم يقل:"شبابها"، وزاد: قال عليّ:" فما أخبرت به حتى ماتا، ولو

ص: 54

كانا حيين ما حدّثت به" (1).

(لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله (تُخْبِرْهُمَا يَا عَليُّ مَا) مصدريّة ظرفيّة (دَامَا حَيَّيْنِ) أي مدّة دوامهما في الدنيا، قال السنديّ رحمه الله: ذُكر لإفادة التأبيد؛ لئلا يُظَنّ تخصيص النهي بالحال، وإلا فلا يُتصوّر الإخبار بعد الموت، انتهى (2).

وقال القاري: قوله: "لا تخبرهما" ربما سبق إلى الوهم أنه صلى الله عليه وسلم خشِي عليهما العجب والأمن، وذلك وإن كان من طبع البشرية، إلا أن منزلتهما عنده صلى الله عليه وسلم أعلى من ذلك، وإنما معناه: والله لا تخبرهما يا عليّ قبلي لأبشّرهما بنفسي، فيبلغهما السرور مني، انتهى (3).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الخشية التي استبعدها القاري هي الأقرب والأوضح، يؤئد ذلك قول عليّ رضي الله عنه:"فما أخبرت به حتى ماتا إلخ"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث عليّ رضي الله عنه هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده الحسن بن عُمارة، وهو متروك، والحارث، وهو ضعيف عند الجمهور؟.

[قلت]: الحديث له طرق، فقد جاء عن عليّ رضي الله عنه من غير هذا الطريق، وعن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، فمنهم أنس بن مالك، وأبو جُحَيفة، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وابن عمر رضي الله عنه.

فأما حديث عليّ رضي الله عنه من غير طريق المصنّف، فقد أخرجه الدولابيّ في "الكنى"

(1)"المرقاة" 10/ 423.

(2)

"شرح السنديّ"73.

(3)

"المرقاة" 10/ 423.

ص: 55

2/ 99، وابن عديّ 100/ 2 وعبد الغنيّ المقدسيّ في "الإكمال" 1/ 14/ 2، وابن عساكر 9/ 310/ 1 من طرُق عن عاصم بن بَهْدلة عن زرّ بن حُبيش، عنه، وقال المقدسيّ: هذا حديث مشهور، له طرق عن جماعة، وروي عن جماعة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وهذا إسناد حسن من أجل عاصم، فإنه حسن الحديث.

وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد "المسند" 1/ 80 حدّثني وهب بن بقيّة الواسطيّ، ثنا عمر بن يونس اليماميّ، عن عبد الله بن عمر اليماميّ، عن الحسن بن زيد ابن حسن، حدثني أبي، عن أبيه، عن عليّ رضي الله عنه، قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال:"يا عليّ هذان سيّدا كهول أهل الجنة، وشبابها بعد النبيين والمرسلين".

وهذا إسناد حسن، رجال كلهم ثقات معروفون، غير الحسن بن زيد بن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب، روى عنه جماعة، ووثقه ابن سعد، والعجليّ، وابن حبان، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عديّ: أحاديثه عن أبيه أَنْكَرُ مما رَوَى عن عكرمة، وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، وكان فاضلًا، وعبد الله بن عمر اليماميّ، هو عبد الله بن محمد اليماميّ نزيل بغداد المعروف بابن الروميّ، ويقال: اسم أبيه عمر، وهو من رجال مسلم.

[تنبيه]: قال الشيخ الألباني: في "الصحيحة" 2/ 489 بعد ذكر الكلام في الحسن ابن زيد: ما نصّه: وبقية الرجال مترجمون في "التهذيب"، غير عمر بن يونس اليماميّ، فترجمه ابن أبي حاتم 3/ 1/ 142 - 143 إلى آخر كلامه.

وهذا فيه نظر، فإن عمر بن يونس من رجال الجماعة، مترجم في "التهذيب" وغيره، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

وأما حديث أنس رضي الله عنه، فقد أخرجه الترمذيّ في "جامعه"، ونصّه:

3597 -

حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي،

ص: 56

عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-لأبي بكر وعمر- "هذان سيدا كهول أهل الجنة، من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

ورجال هذا السند ثقات، رجال الشيخين، غير محمد بن كثير، وهو الصنعاني المصّيصيّ (1)، قال في "التقريب": صدوقٌ كثير الغلط.

وأما حديث أبي جحيفة رضي الله عنه فسيأتي للمصنّف برقم (100) بإسناد حسن، وسيأتي الكلام عليه هناك، إن شاء الله تعالى.

وأما حديث جابر رضي الله عنه فرواه الطبرانيّ في "الأوسط" عن شيخه المقدام بن داود، وقد قال ابن دقيق العيد: إنه ثقة، وضعفه النسائيّ وغيره، وبقيّة رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" 9/ 53.

وروي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدريّ، ومن حديث ابن عمر رضي الله عنه، لكن الأسانيد إليهما ضعاف، فنكتفي بما سبق، ففيه الكفاية ولله الحمد.

والحاصل أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب؛ لأن بعضها حسن لذاته، وبعضها يُستشهد به (2). والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (11/ 95) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب"(3666) و (الخطيب البغداديّ) في "تاريخه"(10/ 192) وقد تقدّم تمام التخريج في المسألة السابقة، والله تعالى أعلم.

(1) وقع في النسخ المطبوعة من "جامع الترمذيّ" أنه العبديّ، وليس ذلك في النسخة الهنديّة، والظاهر أنه غلط، بل هو المصيصي، كما نصّ عليه في "تحفة الأشراف" 1/ 340.

(2)

راجع "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني رحمه الله 2/ 487 - 493 وراجع أيضًا ما كتبه محقّق "مسند أحمد" 2/ 40 رقم (602).

ص: 57

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل أبي بكر رضي الله عنه، وهو واضح.

2 -

(ومنها): أن فيه بيان فضل الشيخين، وأنهما أفضل الأولين والآخرين، سوى النبيين والمرسلين.

3 -

(ومنها): بيان أنهما من أهل الجنّة، فنقطع لهما بذلك؛ لهذا النصّ والنصوص المتقدّمة في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

96 -

(حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، كما يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ في الأفقِ مِنْ آفَاقِ السماءِ، وَإِنَّ أبا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ، وَأَنْعَما").

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله) بن حَنَش -بفتح المهملة، والنون، بعدها معجمة- ويقال: ابن محمد بن حَنَش، ويَقال: ابن عثمان الأوديّ الكوفيّ، ثقة [10].

روى عن أبيه عبد الله بن حنش الأودي، وأبي بكر بن عياش، ووكيع، وأبي أسامة، وأبي معاوية، وإسماعيل بن محمد الطَّلْحي، وعدة.

وروى وعنه ابن ماجه، وابن وارة، وأحمد بن يحيى بن زهير، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وابن أبي داود، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وبدر بن الهيثم القاضي، وآخرون.

قال أبو زرعة: رأيت محمد بن مسلم يُعَظِّم شأنه، ويُطنِب في ذكره. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة (1). وذكره ابن حبان في "الثقات".

(1) هكذا في "الجرح والتعديل" 6 /الترجمة (1355): صدوق ثقة.

ص: 58

تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (29) حديثًا.

[تنبيه]: عمرو بن عبد الله هذا ثقة باتّفاق، وقد تفرّد به المصنّف، وهذا يبطل قول من قال: إن الرجال الذين انفرد بهم ابن ماجه عن الكتب الخمسة فيهم ضعف، فتنبّه لهذه الفائدة، فإنها نافعة جدًّا. والله تعالى أعلم.

2 -

(عطيّة بن سعد) بن جُنادة الْعَوْفيّ الجدَليّ، أبو الحسن الكوفيّ، صدوقٌ يخطىء كثيرًا، وكان شيعيّا مدلّسًا [3] تقدّم في 4/ 37.

3 -

(أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، تقدّم في 4/ 37. والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى) أي من أهل الجنة.

ولفظ أبي داود: إن الرجل من أهل عليين، لَيُشرِف على أهل الجنة، فتضيء الجنة لوجهه، كأنها كوكب دُرّيّ، وإن أبا بكر وعمر لمنهم، وأنعما".

ولفظ الترمذيّ: "إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، روي من غير وجه، عن عطية، عن أبي سعيد.

(يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ): من بفتح الميم اسم موصول فاعل "يرى"، و"أسفل منهم" منصوب على الظرفيّة متعلّق بفعل محذوف صلة لـ "من": أي يراهم الذين كانت منزلتهم أسفل من منزلتهم (كَما يُرَى) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ في الأُفقِ) بضمّتين، ويجوز تسكين الثاني للتخفيف: أي ناحيتها (مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ) بمدّ الهمزة جمع أُفُق، وفي رواية البغويّ في "شرح السنّة" رقم (3893)"كما ترون الكوكب الدّرّيّ"، وهو بضم الدال، ويكسر، وتشديد التحتانيّة، ويُهمز أيضا: أي

ص: 59

المضيء كالدّرّ، أو الدافع بنوره ظلمة ما حوله. قاله القاري (1).

(وَإِنَّ أبا بكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ) أي من الذين يراهم الأسفلون كما يرون الكوكب الطالع في الأفق (وَأَنْعَما) أي زادا على تلك المرتبة والمنزلة. وقال ابن الأثير رحمه الله: أي زادا وفضلا، يقال: أحسنت إليّ، وأنعمتَ: أي زدتَ عليّ الإنعام. وقيل: صارا إلى النعيم، ودخلا فيه، كما يقال: أشمل: إذا دخل في الشمال، ومعنى قولهم: أنعمتُ على فلان: أي أصرت إليه نعمةً. انتهى (2). وقال القاري: هو عطف على المقدّر في "منهم": أي استقرّا منهم، وأَنْعَمَا. انتهى (3).

وقال السيوطيّ في "حاشية الترمذيّ": في "تاريخ ابن عساكر" في آخر الحديث: "فقلت لأبي سعيد: وما أنعما؟ قال: هما أهل لذلك". وفي رواية أخرى: "وحقّ لهما ذلك". ومثله عن سفيان بن عيينة. انتهى (4)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده عطيّة الْعَوْفيّ، وهو ضعيف؟.

[قلت]: الحديث له طرق، فقد أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 26 و 61 من طريق مُجالد، عن أبي الودّاك جَبْر بن نَوْف، ومجالد ضعيف، وقد أخرج له مسلم مقرونًا بغيره، فهو صالح للمتابعات، ويشهد للحديث ما أخرجه الشيخان من طريق عطاء بن

(1)"المرقاة شرح المشكاة" 10/ 421.

(2)

"النهاية" 5/ 83.

(3)

"المرقاة" 10/ 421.

(4)

راجع "شرح السنديّ" 1/ 73.

ص: 60

يسار، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، وليس فيه:"وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما"، ولفظه:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدُّرّيّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم"، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم؟ قال:"بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين". والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (11/ 96) بهذا السند فقط، و (أبو داود) في "سننه"(3987) و"الترمذيّ) في "جامعه" (3658)، و (الحميديّ) في "مسنده" (755)، و (أحمد) في "مسنده" (3/ 27 و 61 و 72 و 93 و 98)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (887)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (1130) و (1299)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان فضل أبي بكر رضي الله عنه، وهو واضح.

2 -

(ومنها): بيان فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا.

3 -

(ومنها): بيان تفاوت درجات أهل الجنّة تفاوتًا بعيدًا بحيث يكون كما بين السماء والأرض. {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]. اللهم اجعلنا من أهل فضلك العظيم، ولا تحرمنا منه بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. آمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

97 -

(حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الملِكِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ مَوْلًى لِرِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ

ص: 61

رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ، فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ").

رجال هذا الإسناد: تسعة:

1 -

(محمد بن بشّار) العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة [10] 1/ 6.

2 -

(مؤمّل) -بوزن محمد مهموزًا- ابن إسماعيل، العدويّ، مولى آل الخطاب، وقيل: مولى بني بكر، أبو عبد الرحمن البصريّ، نزيل مكّة، صدوقٌ سيّىء الحفظ، من صغار [9].

روى عن عكرمة بن عمار، وأبي هلال الراسبي، ونافع بن عمر الجُمَحي، وشعبة، والحمادين، والسفيانين، وغيرهم.

وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وأبو موسى، وبندار، وأبو كريب، وغيرهم.

قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أيُّ شيء حاله؟ فقال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو عبيد الله -يعني بن موسى- فلم يُفَضِّل. وقال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة، كثير الخطإ. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال غيره: دَفَن كتبه، فكان يحدث من حفظه، فكثر خطؤه. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فعظّمه، ورفع من شأنه، إلا أنه يَهِمُ في الشيء. وقال يعقوب بن سفيان: مؤمل أبو عبد الرحمن شيخ جليل سُنّي، سمعت سليمان بن حرب يحسن الثناء عليه، كان مَشْيَخَتنا يوصون به إلا أن حديثه لا يُشبه حديث أصحابه، وقد يجب على أهل العلم أن يَقِفوا عن حديثه، فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوخه، وهذا أشد، فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنا نجعل له عُذْرًا.

وقال الساجيّ: صدوق كثير الخطإ، وله أوهام يطول ذكرها. وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال ابن قانع: صالح يخطئ. وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطإ. وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا مؤمل بن إسماعيل ثقة.

ص: 62

وقال محمد بن نصر المروزي: المؤمل إذا انفرد بحديث وجب أن يُتوقف، ويُتَثَبَّت فيه؛ لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط.

وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، مات يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ست ومائتين. وهكذا أرّخه البخاري عن ابن أبي بَزّة. قال البخاري: أما ابنه فقال: نحن من صَلِيبة كنانة، قال: وحدّثني من أثق به أنه مولى لبني بكر.

أخرج له البخاري في التعاليق، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف.

وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (97) و (2013) و (2017) و (2919).

3 -

(سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المشهور [7] 5/ 41.

4 -

(عبد الملك بن عمير) بن سُويد بن حارثة القرشيّ، ويقال: اللَّخْميّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر الكوفيّ المعروف بالقِبْطيّ، حليف بني عَدِيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ -بفتح الفاء والراء، ثم مهملة- نسبة إلى فَرَس له سابق، كان يقال له: الْقِبطيّ -بكسر القاف، وسكون الموحّدة- وربّما قيل ذلك أيضًا لعبد الملك، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [3].

رأي عليا وأبا موسى، وروى عن الأشعث بن قيس، وجابر بن سمرة، وجندب ابن عبد الله البجلي، وجرير، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم.

وروى عنه ابنه موسى، وشهر بن حوشب، والأعمش، وسليمان التيمي، وزائدة، ومسعر، والثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.

قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو مائتي حديث. وقال علي بن الحسن الهسِنْجَاني، عن أحمد: عبدُ الملك مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غَلِط في كثير منها. وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد جدًّا. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: سماك أصلح حديثًا منه، وذلك أن عبد الملك يَختَلِف عليه

ص: 63

الحفاظ. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: مُخَلِّط.

وقال العجلي: يقال له: ابن الْقِبْطية، كان على الكوفة، وهو صالح الحديث، روى أكثر من مائة حديث، تغير حفظه قبل موته. وقال ابن أبي حاتم: ثنا صالح بن أحمد، ثنا علي بن المديني، سمعت ابن مهدي يقول: كان الثوري يَعْجَب من حفظ عبد الملك.

قال صالح: فقلت لأبي: هو عبد الملك بن عُمير؟ قال: نعم. قال ابن أبي حاتم، فذكرت ذلك لأبي، فقال: هذا وَهَمٌ، إنما هو عبد الملك بن أبي سليمان، وعبد الملك بن عُمير لم يوصف بالحفظ.

وقال البخاري: سُمِع عبد الملك بن عُمير يقول: إني لأحدث بالحديث فما أترك منه حرفًا، وكان من أفصح الناس. ورواه الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير مثله. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق الهمداني يقول: خذوا العلم من عبد الملك بن عمير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن نمير: كان ثقةً ثبتًا في الحديث.

وقال ابن الْبَرْقِيِّ عن ابن معين: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال بكر ابن المختار عن عبد الملك: صَعِدَ بي أبي إلى المنبر إلى عليّ، فمسح رأسي. وحَكَى ابن أبي خيثمة عن ابن مُرْدَانَبَه: كان الفصحاء بالكوفة أربعة: عبد الملك بن عمير، وذكر الباقين. وقال ابن عيينة: قال رجل لعبد الملك: أين عبد الملك بن عمير القبطي؟ فقال: أما عبد الملك فأنا، وأما القبطي ففرس لنا سابق. وروى عن أبي بكر بن عياش قال: سمعت عبد الملك يقول: هذه السنةُ تُوَفِّي لي مائة وثلاث سنين.

وقال أبو بكر بن أبي الأسود: مات سنة ست وثلاثين ومائة أو نحوها، زاد غيره: في ذي الحجة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، ومات سنة ست وثلاثين ومائة، وله يومئذ مائة وثلاث سنين، وكان مُدَلِّسًا، وكذا ذَكَرَ مولده ووفاته ابنُ سعد.

ص: 64

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (21) حديثًا.

[تنبيه]: اختُلِف في ضبط "القرشي"، فقيل: بالقاف والمعجمة، نسبة إلى قريش، ويدل عليه قول ابن سعد: إنه حليف بني عدي بن كعب، وعليه مشى المزّيّ حيث قال:"القرشي، ويقال: اللَّخْمِيّ"، وأما أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وغير واحد، فضبطوه بالفاء والمهملة؛ لنسبته إلى فرسه، حتى خطأ ابن الأثير من قال غير ذلك، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران؛ لما أسلفناه. والله أعلم (1).

5 -

(مولى ربعي بن حراش) اسمه هلال، مقبول [6].

روى عن مولاه هذا الحديث فقط، وروى عنه عبد الملك بن عمير، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله هذا الحديث فقط.

6 -

(ربعيّ بن حِرَاش) أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ مخضرم [2] تقدّم في 4/ 31.

7 -

(حذيفة بن اليمان) حِسْل، أو حُسيل الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما، تقدّم في 7/ 49، والباقيان تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ) رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ) "ما" استفهاميّة: معناه: لا أدري كم مُدّة بقائي فيكم، أقليلٌ أم كثير؟، والجملة في محل نصب مفعول "أدري" معلّق عنها العامل. (فَاقْتَدوا بِاللَّذَيْنِ) بلامين؛ للإشعار بأنه تثنية "الذي"، وفيه تنبيه على خلافتهما بعده صلى الله عليه وسلم (مِنْ بَعْدِي) أي بعد موتي (وَأَشَارَ) بقوله: "اللذين" (إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما. وزاد في رواية لأحمد، والترمذيّ: "واهتدوا بهدي عمّار، وما حدّثكم ابن مسعود، فصدّقوه".

قال الطحاويّ رحمه الله في "شرح مشكل الآثار" بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه:

(1) راجع "تهذيب التهذيب" 2/ 620 - 621.

ص: 65

فتأمّلنا هذا الحديث، فكان فيه مما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالاقتداء بأبي بكر وعمر، معناه عندنا -والله أعلم- أن يمتثلوا ما هما عليه، وأن يحذوا حذوهما فيما يكون منهما في أمر الدين، وأن لا يخرجوا عنه إلى غيره، ثم تأمّلنا ما أمرهم به من الاهتداء بهدي عمّار، فوجدنا الاهتداء هو التقرّب إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، وكان عمّار من أهلها، فأمرهم أن يهتدوا بما هو عليه منها، وأن يكونوا فيها كهو فيها، وليس ذلك بمخرج لغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلك المنزلة؛ لأن القصد بمثل هذا إلى الواحد من أهله لا ينفي بقيّة أهله أن يكونوا فيه، كما يقول الرجل: موضع فلان من العبادة الموضع الذي ينبغي أن يُتَمَسّك به، وليس في ذلك ما ينفي أن يكون هناك آخرون في العبادة مثله، أو فوقه، ممن يجب أن يكونوا في الاهتداء بهم في ذلك كالاهتداء به فيه. انتهى كلام الطحاويّ رحمه الله (1) وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث حُذيفة بن اليمان رضي الله عنهما هذا صحيح.

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده مولى رِبْعيّ بن حِرَاش، وقال في "التقريب": مقبول؟.

[قلت]: لم ينفرد به مولى رِبْعيّ، بل تابعه في روايته عن رِبْعِيّ عمرو بن هَرِم، وهو ثقة من رجال مسلم، وعبد الملك بن عُمير، وهو من رجال الجماعة، وحماد بن دُلَيل، وقد وثّقه ابن معين، وابن عمار، وأبو حاتم، وغيرهم.

فأما رواية عمرو بن هَرِم، فقد أخرجها الترمذيّ (3663)، وابن سعد 2/ 334 وابن حبّان في "صحيحه"(6902). وأما رواية عبد الملك، فقد أخرجها الحميديّ في

(1) راجع "مشكل الآثار" 2/ 85.

ص: 66

"مسنده"(449)، وأحمد في "مسنده" 5/ 382 والترمذيّ في "جامعه"(3662).

ولفظه: عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن.

وأما رواية حماد بن دُليل، فأخرجها ابن عديّ في "الكامل" 2/ 666.

والحاصل أن الحديث صحيح؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) بهذا الإسناد هنا (11/ 97) فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب"(3662) و (3363) و (3799) و (أحمد) في "مسنده"(5/ 385 و 402)، وقد سبق بقية التخريج في المسألة الماضية، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده (1):

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): بيان فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا.

3 -

(ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة حيث أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أنهما سيليان الخلافة بعده صلى الله عليه وسلم، فحثّ الناس على الاقتداء بهما.

4 -

(ومنها): أن فيه فضل الصحابيين: عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وأنهما في المنزلة الرفيعة التي ينبغي للناس أن يأخذوا عنهما سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعليّة، والقوليّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(1) المراد فوائد ما اشتمل عليه الحديث بسياقاته التي ذُكرت في الشرح، لا خصوص سياق المصنف، فتنبه.

ص: 67

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

98 -

(حدَّثنا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ آدَمَ، حدثنا ابْنُ المبَارَكِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لمَّا وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِه، اكْتَنَفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ، أَوْ قَالَ: يُثْنُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وأَنا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْني إِلَّا رَجُلٌ قَدْ زَحَمَني، وَأَخَذَ بِمَنْكِبِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا عَليُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، ثُمَّ قَالَ: مَا خَلَّفْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيّ أَنْ أَلْقَى الله بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ الله إِنْ كنْتُ لَأَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ الله عز وجل مَعَ صَاحِبَيْكَ، وذَلِكَ أني كنْتُ أُكثِرُ أَنْ أَسْمَعَ رَسُولَ اَلله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "ذَهَبْتُ أَنا وَأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أنا وَأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنا وأبوَ بَكْرٍ وَعُمَرُ"، فَكُنْتُ أَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ).

رجال هذا الإسناد: ستة:

1 -

(عَليُّ بْنُ مُحَمدٍ) الطنافسي الكوفيّ، ثقة عابد [10] تقدّم في 9/ 57.

2 -

(يَحْيىَ بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ، مولى آل أبي معيط، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [9].

روى عن عيسى بن طَهْمان، وفِطْر بن خليفة، وإسرائيل، والثوري، وجرير بن حازم، والحسن بن حي، وزهير بن معاوية، وابن المبارك، وغيرهم.

وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والحسن بن علي الخلال، وأبو كريب، وابنا أبي شيبة، ومحمد بن رافع، ومحمود بن غيلان، وعليّ بن محمد، وغيرهم.

قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائيّ. وقال الآجري: سئل أبو داود عن معاوية بن هشام ويحيى بن آدم، فقال: يحيى بن آدم وَاحِدُ الناس. وقال أبو حاتم: كان يتفقه، وهو ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة كثير الحديث، فقيه البدن، ولم يكن له سن متقدم، سمعت علي بن المديني يقول: يرحم الله تعالى يحيى بن آدم، أَيُّ

ص: 68

علم كان عنده، وجعل يُطْريه. وقال أبو أسامة: ما رأيت يحيى بن آدم إلا ذَكَرتُ الشعبي. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال العجلي: كان ثقةً، جامعًا للعلم، عاقلًا ثبتًا في الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا يتفقه.

وقال ابن سعد وغيره: مات في ربيع الأول سنة ثلاث ومائتين.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (22) حديثًا.

3 -

(ابنُ المبَارَكِ) هو: عبد الله الحجة الثبت الإمام المشهور [8] تقدّم في 1/ 4.

4 -

(عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) النوفليّ المكيّ، ثقة [6].

روى عن ابن أبي مليكة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس، وعمرو بن شعيب، وعبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن أبي سليمان بن جُبير بن مُطْعِم، ومحمد بن المنكدر، وجماعة.

وروى عنه الثوريّ، ووهب بن خالد، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، ويحيى القطان، وأبو أحمد الزبيري، وبشر بن السَّرِيّ، ورَوح بن عبادة، وآخرون.

قال أحمد: مكي قرشي ثقة، من أمثل من يكتبون عنه. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه العجلي، وابن الْبَرْقِيّ، ومحمد بن مسعود بن الْعَجَميّ.

أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (98) و (3107) و (3439) و (3911).

5 -

(ابْنُ أبي مُلَيْكَةَ) هو: عَبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة زُهير بن عبد الله المكيّ، ثقة فيه [3] 7/ 47.

6 -

(ابْنُ عبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر رضي الله عنهما، تقدّم في 3/ 27.

ص: 69

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ في "مسند عليّ".

3 -

(ومنها): أن يحيى بن آدم، وعمر بن سعيد هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنف ليحيى (22) حديثًا، ولعمر أربعة أحاديث فقط، كما بيّنته آنفًا.

4 -

(ومنها): أن صحابيّه أحد العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنِ) عبد الله بن عبيد الله (ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) زهير بن عبد الله بن جُدْعان، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (يَقُولُ: لمَّا وُضِعَ) بالبناء للمفعول (عُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله عنه (عَلَى سَرِيرِهِ) أي بعد موته، وتجهيزه للدفن، والسرير هنا: النعش، وفي رواية للبخاريّ:"إني لواقف مع قوم، وقد وُضع عمر على سريره"(اكْتَنَفَهُ النَّاسُ) أي أحاطوا به من جميع جوانبه، والأكناف النواحي (يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من "الناسُ".

قال السنديّ: معنى "يصلّون": يترحّمون عليه، ويحتمل على بعد صلاة الجنازة. انتهى (1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استبعده السنديّ هو الظاهر عندي، فتأمّل. والله تعالى أعلم.

(أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: يُثْنُونَ) بضم أوله مضارع أثنى: إذا وصفه بخير أو شرّ، والمراد هنا بالخير، تقول: أثنيت عليه خيرًا وبخير، وأثنيت عليه شرّا وبشرّ: إذا

(1)"شرح السنديّ" 1/ 74.

ص: 70

وصفته به، وخصّه بعضهم بالخير فقط، فقال: لا يُستعمل إلا فيه، وقد ردّ عليه في "المصباح المنير"، فراجعه في مادّة "ثنى" (وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ) بالبناء للمفعول: أي قبل أن يرفع الناس جنازته للدفن (وَأنا فِيهِمْ) جملة في محل نصب على الحال (فَلَمْ يَرُعْني) بفتح أوله، وضم ثالثه من باب قال: أي لم يُفزعني، والمراد أنه رآه بغتةً (إِلَّا رَجُلٌ) بالرفع على الفاعليّة لـ "يرُعني"(قَدْ زَحَمَني) أي دفعني، يقال: زحمته زَحْمًا، من باب نَفَع: إذا دفعته، وزاحمته مُزاحمة، وزِحامًا، وأكثر ما يكون في مَضِيق، والزَّحمة مصدرٌ أيضًا، والهاء لتأنيثه. قاله الفيّوميّ (1). (وَأَخَذَ بِمَنْكِبِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، وزانُ مَجْلِس: مجُتَمَع رأس العضد والكتف؛ سمّي بذلك؛ لأنه يُعتمد عليه (2). (فَالْتَفَتُّ) أي صرفت وجهي إلى ذات اليمين أو الشمال؛ لمعرفة ذلك الرجل (فَإِذَا) هي الفُجائيّة: أي ففاجأ التفاتي (عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) أي وجوده رضي الله عنه، يعني أن ذلك الرجل الذي أثنى على عمر رضي الله عنه هو عليّ رضي الله عنه (فتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ) أي دعا له بأن يرحمه الله تعالى، وفي رواية للبخاريّ: فقال: يرحمك الله (ثُمَّ قَالَ) عليّ رضي الله عنه (مَا) نافية (خَلَّفْتُ) بتشديد اللام: أي تركت (أَحَدًا أَحَبَّ إِليَّ) قال في "الفتح": يجوز نصبه ورفعه.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في "الفتح"، ولعل الرواية بالوجهين، وإلا فالظاهر أنه بالنصب؛ لأنه صفة لـ "أحدًا"، وأما الرفع فيؤدي إلى تقدير، أي يُقدّر خبرًا لمحذوف، أي هو، وعدم التقدير أولى من التقدير، فافهم.

قال الحافظ رحمه الله: وفي هذا الكلام أن عليّا رضي الله عنه كان لا يعتقد أن لأحد عملًا في ذلك الوقت أفضل من عمل عمر رضي الله عنه، وقد أخرج ابن أبي شيبة، ومسدّد من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ نحو هذا الكلام، وسنده صحيح (3)، وهو شاهد جيّد

(1)"المصباح المنير" 1/ 252.

(2)

"المصباح المنير" 2/ 624.

(3)

فيه أنه منقطع؛ لأن محمد بن علي لم يلق عليًّا رضي الله عنه، إلا أن يكون في السند ساقط،، فليُحرّر.

ص: 71

لحديث ابن عبّاس؛ لكون مخرجه عن آل عليّ رضي الله عنهم انتهى (1).

(أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل "أحبّ"(أَلْقَى الله بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ) خطاب لعمر رضي الله عنه (وَايْمُ الله) أي يمين الله، وهو مبتدأ خبره محذوف، أي قسمي، أو بالعكس.

[فائدة]: "أيم الله" مختصر من أَيْمُن الله، قال الجوهريّ:"أَيْمُن" اسم وُضع هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجىء في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها. قال: وربّما حذفوا منه النون، قالوا: أَيْمُ الله، وإِيمُ الله أيضًا بكسر الهمزة، وربما حذفوا منه الياء، فقالوا: أَمُ الله، وربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة، فقالوا: مُ اللهِ، ثم يكسرونها؛ لأنها صارت حرفًا وَاحدًا، فيُشبّهونها بالباء، فيقولون: مِ اللهِ، وربما قالوا: مُنُ الله بضم الميم والنون، ومَنَ اللهِ بفتحهما، ومِنِ اللهِ بكسرهما. انتهى مختصرًا من "اللسان"(2).

(إِنْ) مخفّفة من الثقيلة، والأصل "إني"، قال في "الخلاصة":

وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ

وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَل

وَرُبَّمَا اسْتُغْنيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا

مَا نَاطِقٌ أَرَادَه معْتَمِدَا

وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاِسخًا فَلَا

تُلْفِيهِ غَالِبًا بِـ "إِنْ" ذِي مُوصَلَا

(كُنْتُ لَأَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ الله عز وجل اللام هي الموطّئة للقسم المقدّر: أي والله ليجعلنك الله عز وجل (مَعَ صَاحِبَيْكَ) أي النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، ثم يحتمل أن يريد ما وقع، وهو دفنه عندهما، ويحتمل أن يريد بالمعيّة ما يؤول إليه الأمر بعد الموت، من دخوله الجنّة معهما، ونحو ذلك.

(وَذَلِكَ) إشارة إلى ظنه: أي أن سبب ظني المذكور كثرة سماعي من النبيّ صلى الله عليه وسلم

(1)"الفتح" 7/ 62.

(2)

"لسان العرب" 13/ 462.

ص: 72

يقول إلخ (أَنِّي) بفتح الهمزة، وكسرها، فالفتح على تقدير حرف التعليل: أي لأني، والكسر على أن الجملة تعليلية (كنْتُ أُكْثِرُ) بضم أوله، وكسر ثالثه، بصيغة المضارع للمتكلّم (أَنْ أسمعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم)"أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "أُكْثِرُ" أي أكثر سماعي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[تنبيه]: ضبط "أُكْثِرُ" بصيغة المضارع هو الظاهر، وهو الذي وقع في نسخ "صحيح مسلم" مضبوطًا بالقلم، وأما ما وقع في شرح السنديّ من ضبطه بصيغة أفعل التفضيل، وقال في حلّه:"أكثر" بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر من قبيل "أخطب ما يكون الأمير"، والجملة خبر "كنت"، إلخ كلامه، فتكلّف بارد، فتأمله بالإنصاف. والله تعالى أعلم.

ولفظ البخاريّ: "وحسبت أني كثيرًا أسمع النبيّ" صلى الله عليه وسلم، وفي رواية له:"لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال في "الفتح": واللام للتعليل، و"ما" إبهاميّة مؤكّدة، و"كثيرًا" ظرف زمان، وعامله "كان" قُدِّم عليه، وهو كقوله تعالى:{قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} ، ووقع للأكثر "كثيرًا مما كنت أسمع" بزيادة "من"، "ووُجّهت بأن التقدير أني أجد كثيرا مما كنت أسمع". انتهى (1).

وقوله (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول الله": أي حال كونه قائلًا (ذَهَبْتُ أنا وَأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ) أي إلى مكان كذا، هكذا رواية المصنّف رحمه الله بتأكيد المرفوعِ المتّصل بالمنفصل؛ ليصحّ العطف عليه، كما قال في "الخلاصة":

وَإِنْ عَلَى ضمِيرِ رَفْع مُتَّصِلْ

عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ المنْصِلْ

أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يِرِدْ

في النَّظْم فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ

ووقع في "صحيح البخاري" بلا تأكيد ما عدا رواية الأصيليّ، ففيها بالتأكيد، فقال ابن التين: الأحسن عند النحاة أن لا يُعطف على الضمير المرفوع إلا بعد تأكيده،

(1)"الفتح" 7/ 62.

ص: 73

حتى قال بعضهم: إنه قبيح، لكن يرد عليهم قوله تعالى {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام:148]، وأجيب بأنه قد وقع الحائل، وهو قوله:"لا"، وتُعُقّب بأن العطف قد حصل قبل "لا"، قال: ويَرِد عليهم أيضًا هذا الحديث. انتهى.

قال الحافظ: التعقيب مردود، فإنه وُجد فاصل في الجملة، وأما هذا الحديث، فلم تتّفق الرواة على لفظه، فقد جاء في مناقب عمر بلفظ:"ذهبت أنا وأبو بكر وعمر"، فعطف مع التأكيد مع اتّخاد المخرج، فدلّ على أنه من تصرّف الرواة. انتهى (1).

(وَدَخَلْتُ أَنا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) أي المكان الفلانيّ (وَخَرَجْتُ أَنا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) أي من المكان الفلانيّ (فَكُنْتُ أَظُنُّ) وفي رواية مسلم: "فإن كنت لأرجو، أو لأظنّ أن يجعلك الله معهما"(لَيَجْعَلَنَّكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ) أي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر رضي الله عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (11/ 98) بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "كتاب فضائل أصحاب النبيّ" صلى الله عليه وسلم (3677) و (3685) و (مسلم) في "فضائل الصحابة"، و (أحمد) 1/ 112 رقم (898)، و (النسائيّ) في "الكبرى" في "المناقب"(8061)(6137)، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان فضل أبي بكر رضي الله عنه.

2 -

(ومنها): بيان فضل عمر رضي الله عنه أيضًا.

(1)"الفتح" 7/ 51: كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم".

ص: 74

3 -

(ومنها): أن فيه بيان كون عليّ رضي الله عنه يعظّم الشيخين غاية التعظيم، ويعتقد رفعة منزلتهما عند الله سبحانه وتعالى، وعند النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه الردّ على الشيعة والرافضة الذين يفترون عليه ما لا يليق بمقامه السامي.

قال أَبو العبّاس القرطبيّ: في هذا الحديث ردّ من عليّ رضي الله عنه على الشيعة فيما يتقوّلونه عليه من بغضه للشيخين، ونسبته إياهما إلى الجور في الإمامة، وأنهما غصباه، وهذا كلّه كذبٌ وافتراءٌ، عليّ رضي الله عنه منه براء، بل المعلوم من حاله معهما تعظيمه، ومحبّته لهما، واعترافه بالفضل لهما عليه، وعلى غيره، وحديثه هذا يَنُصّ على هذا المعنى، وقد ثبت في "الصحيحين" ثناء عليّ على أبي بكر رضي الله عنهما، واعتذاره عن تخلّفه عن بيعته، وصحّة مبايتعه له، وانقياده له مختارًا طائعًا سرّا وجهرًا، وكذلك فعل مع عمر رضي الله عنه أجمعين، وكلُّ ذلك يُكذّب الشيعةَ والروافضَ في دعواهم، لكن الهوى والتعصّب أعماهم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله، وهو كلام نفيس جدّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه رحمه الله في أول الكتاب قال:

99 -

(حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ:"هَكَذَا نُبْعَثُ".

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(عِليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ) العطّار، ثقة [10] تقدّم في 9/ 59.

2 -

(سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن هشام الأمويّ الجزريّ، ضعيف [8]، تقدم في 9/ 59.

3 -

(إِسماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، ثقة ثبت [6].

روى عن ابن المسيب، ونافع، وعكرمة، وسعيد المقبري.

ص: 75

وروى عنه ابن جريج، والثوري، ومعمر، وابن عيينة، وسعيد بن مسلمة، وغيرهم، وثقه ابن معين، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: مكي ثقة، وقال الزبير بن بكار: كان فقيه أهل مكة، قال ابن سعد: مات سنة (144) وقال ابن حبان: سنة (139) في حبس داود بن علي.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (99) و (943) و (1036) و (1990) و (2442) و (3236) و (3247).

4 -

(نافع) العدويّ، أَبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، ثقة ثبتٌ فقيه مشهورٌ [3].

روى عن مولاه، وأبي هريرة، وأبي لبابة بن عبد المنذر، وأبي سعيد الخدري، ورافع بن خَدِيج، وعائشة، وأم سلمة، وعبد الله وعبيد الله وسالم وزيد أولاد عبد الله ابن عمر، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، ونُبيه بن وهب العبدي، وخلق كثير.

وروى عنه أولاده: أَبو عمر، وعمر، وعبد الله، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وعبد ربه ويحيى ابنا سعيد الأنصاري، ويونس بن عبيد، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وميمون بن مِهْران، وابن عجلان، وأيوب السختياني، وغيرهم.

قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال البخاري: أصح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وقال بشر بن عُمَر عن مالك: كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر، لا أبالي أن لا أسمعه من غيره. وقال عبيد الله بن عمر: لقد مَنَّ الله تعالى علينا بنافع. وقال أيضًا: بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم السنن. وقال حرب ابن إسماعيل: قلت لأحمد: إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: نافع عن ابن عمر أحب إليك أو سالم؟ فلم يُفَضِّل، قلت: فنافع أو عبد الله بن دينار؟، فقال: ثقات، ولم يُفَضِّل. وقال

ص: 76

العجلي: مدني ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة نبيل. وقال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: أثبت أصحاب نافع مالك، ثم أيوب، فذكر جماعة. وقال في موضع آخر: اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجلّ من نافع، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: اختُلِف في نسبته، ولم يصح عندي فيه شيء. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية قال: كنا نريد نافعا مولى بن عمر على اللحن فيأباه، قال أحمد: قال سفيان: فأَيُّ حديث أوثق من حديث نافع.

قال يحيى بن بكير وآخرون: مات سنة سبع عشرة ومائة. وقال أَبو عبيد: مات سنة تسع عشرة. ويقال: سنة عشرين. وقال ابن عيينة، وأحمد بن حنبل: مات سنة تسع عشرة. وقال أَبو عمر الضرير: مات سنة عشرين.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (189) حديثًا.

5 -

(ابن عمر) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما تقدّم في 1/ 4، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي من بعض حُجَره (بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله عنهما، وفي رواية الترمذيّ:"أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم، ودخل المسجد، وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما، فقال: هكذا نُبعث يوم القيامة"(فَقَالَ: هَكَذَا) أي على مثل الصورة المذكورة (نُبْعَثُ) بالبناء للمفعول: أي نُخرَج من القبور إلى موضع النشور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف سعيد بن

ص: 77

مسلمة، كما سبق في ترجمته. قال الترمذيّ بعد إخراجه: هذا حديث غريب، وسعيد بن مسلمة ليس عندهم بالقويّ. انتهى، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (11/ 99) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب"(3669)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:

100 -

(حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الجَنَّةِ، مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) الصَّيْرفّي الطحّان، صدوقٌ، من صغار [10].

روى عن عبد القدوس بن بكر بن خنيس، وفضيل بن عياض، وشاذ بن فياض، وغيرهم.

وروى عنه ابن ماجه، وأسلم بن سهل، ومحمد بن حمزة بن عُمارة، وعبد الله بن أحمد بن عمر بن شَوْذَب.

قال ابن أبي حاتم، روى عنه علي بن الحسين بن الجنيد، فقال: ثنا صالح بن الهيثم الواسطي، شيخ صدوق. انتهى. تفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.

2 -

(عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ) -مصغّرًا- الكوفي أَبو الْجَهْم، لا بأس به [9].

روى عن أبيه، ومالك بن مِغْوَل، وهشام بن عروة، وحجاج بن أرطاة، وحبيب

ص: 78

ابن سليم العبسي، وطلحة بن عمرو المكي.

وروى عنه إبراهيم بن موسى الفراء، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، وصالح ابن الهيثم الواسطي، وأبو الفضل المغيرة بن معمر.

قال أَبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر محمود بن غيلان عن أحمد وابن معين وأبي خيثمة أنهم ضربوا على حديثه.

تفرّد به الترمذيّ، وله عنده حديث واحد، حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: إذا مِتُّ فلا تُؤذِنوا بي، إني أخاف أن يكون نَعْيًا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي. وقال: هذا حديث حسن صحيح.

والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

3 -

(مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) -بكسر اليم، وسكون المعجمة، وفتح الواو- بن عاصم بن غَزِيّة ابن حُرْثة بن جُريج بن بَجِيلة البجلي، أَبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبتٌ، من كبار [7].

روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعون بن أبي جحيفة، وسماك بن حرب، ونافع مولى ابن عمر، والزبير بن عَدِيّ، ومحمد بن سُوقة، والوليد بن العيزار، وغيرهم.

وروى عنه أَبو إسحاق شيخه، وشعبة، ومِسْعَر، والثوري، وزائدة، وابن عيينة، وإسماعيل بن زكريا، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن المبارك، وغيرهم.

قال أَبو طالب عن أحمد: ثقة ثبت في الحديث. وقال يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال أَبو نعيم: ثنا مالك بن مِغْول، وكان ثقة. وقال العجلي: رجل صالح مُبَرِّز في الفضل. وقال الطبراني: من خيار المسلمين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله فوضع خده بالأرض. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، كثير الحديث، فاضلًا خيرًا. وقال البخاري: قال عبد الله بن سعيد: سمعت ابن مهدي يقول: إذا رأيت الكوفي يذكر الكوفي مالك بن مغول بخير، فاطمأن إليه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الكوفة، ومتقنيهم.

ص: 79

قال عمرو بن علي: مات سنة سبع. وقال ابن سعد: سنة ثمان. وقال أَبو نعيم وغيره: سنة تسع وخمسين ومائة، وفيها أرّخه مُطيَّن، وزاد: في ذي الحجة.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث (1) فقط، برقم (100) و (2696) و (3814) و (3857) و (4198).

4 -

(عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله السُّوَائيّ الكوفي، ثقة [4].

روى عن أبيه، ومسلم بن رِيَاح الثقفي، وله صحبة، والمنذر بن جرير البجلي، وعبد الرحمن بن سُمَير ومِخْنَف بن سُلَيم، وغيرهم.

وروى عنه شعبة، والثوري، وقيس بن الربيع، ومالك بن مِغْوَل، وحجاج بن أرطاة، وصدقة بن أبي عِمْران، وأبو العُمَيس، وغيرهم.

قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".

قال خليفة: مات في آخر ولاية خالد على العراق. وقال ابن قانع: مات سنة ست عشرة ومائة.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (100) و (711) و (3904).

5 -

(أبوه) هو: وهب بن عبد الله بن مسلم بن جُنَادة بن حبيب بن سُواءة -بضم السين المهملة، وتخفيف الواو، والمدّ- ابن عامر بن صعصعة، ويقال: اسم أبيه وهب، أَبو جُحَيفة السُّوَائيّ، يقال: له وهب الخير، قَدِم على النبيّ صلى الله عليه وسلم في أواخر عمره، وحفظ عنه، ثم صحب عليّا بعده، وولّاه شرطة الكوفة لمّا ولي الخلافة. وفي "الصحيح" عنه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الحسن بن علي يُشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قَلُوصًا، فمات قبل أن

(1) هذا بالنظر للترقيم المتداول، وإلا فالأحاديث في الحقيقة ستة؛ لأن الرقم (2696) مشتمل على حديثين بسندين، فكان الأولى أن يُجعل برقمين، حي يكونا حديثين، إلا أني اتبعت الذين سبقوني بترقيم الكتاب؛ لشهرة ترقيمهم بين الناس، فافهم.

ص: 80

نقبضها، وكان عليّ يُسمّيه وهب الخير.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عليّ، والبراء بن عازب، وعنه ابنه عون، وسلمة بن كُهيل، والشعبي، والسَّبِيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو عمر المُنَبِّهِيُّ، وعلي بن الأقمر، والحكم بن عتيبة. قال الواقديّ: مات في ولاية بشر بن مروان. وقال غيره: سنة أربع وسبعين. وقال أَبو بكر بن أبي شيبة: مات أَبو جحيفة قبل أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وهو قول ابن حبان. وقال أَبو نعيم: كان على شُرْطة عليّ، واستعمله على خمس المتاع.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث برقم (100) و (207) و (297) و (711) و (879) و (2604) و (2658) و (3262) و (3628) و (3904).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم برقم (95) وهو الحديث الثالث من هذا الباب، وقد سبق شرحه، والمسائل المتعلّقه به هناك، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادة ذلك.

[تنبيه]: أخرج هذا الحديث ابن حبّان في "صحيحه"(6904) من طريق خُنيس بن بكر بن خُنيس، عن مالك بن مغول، وخُنيس ليس من رجال الكتب الستّة، وقد ضعّفه صالح جزرة، كما نقل ذلك الخطيب البغداديّ في "تاريخه" 8/ 432، ووثقه ابن حبان 8/ 133.

وإنما نبّهت على هذا؛ لأن الشيخ الألبانيّ رحمه الله ذكر في "الصحيحة" حديث أبي جُحيفة هذا، وقال: وأما حديث أبي جحيفة فيرويه خُنيس بن بكر بن خنيس، ثم قال: أخرجه ابن حبان (2192) وكذا ابن ماجه 1/ 51 إلى آخر كلامه، فقوله: وكذا ابن ماجه يوهم أنه أيضًا أخرجه من طريق خُنيس، وهذا خطأ؛ لأنه إنما أخرجه من طريق عبد القدوس بن بكر بن خُنيس، لا من طريق خُنيس بن بكر، وقد تنبّه لهذا الدكتور بشّار، في تحقيق هذا الكتاب.

ص: 81

والحاصل أن خنيس بن بكر ليس من رجال ابن ماجه، بل ولا من رجال الكتب الستّة، وقد ضُعِّفَ، كما سبق آنفًا، وأما عبد القدوس، فصدوق، كما قال في "التقريب"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:

101 -

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَالحُسَيْنُ بْنُ الحسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ"، قِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا").

رجال هذا الإسناد: خمسة:

1 -

(أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبّيّ، أَبو عبد الله البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [10] تقدّم في 3/ 28.

2 -

(الحسَيْنُ بْنُ الحسَنِ المَرْوَزِيُّ) هو: الحسين بن الحسن بن حرب السُّلَميّ، أَبو عبد الله المروزيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [10].

روى عن ابن المبارك، وهشيم، ويزيد بن زريع، وابن علية، وابن عيينة، وأبي معاوية، والوليد بن مسلم، والفضل بن موسى السِّيناني، وجعفر بن عون، وغيرهم.

وروى عنه الترمذي، وابن ماجه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي عاصم، وداود بن علي ابن خلف، وعمر بن محمد بن بُجَير، وزكرياء السِّجْزيّ، وابن صاعد، وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، وغيرهم.

قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي بمكة، وسئل عنه، فقال: صدوق. وقال مسلمة: ثقة روى عنه من أهل بلدنا ابن وَضّاح، وحدثنا عنه الدَّيْبُليّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (246).

تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط برقم (101) و (237) و (927) و (2708) و (3371) و (3669) و (3670) و (4034) و (4211).

ص: 82

3 -

(الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيُمانَ) بن طَرْخان التيميّ، أَبو محمد البصريّ، قيل: إنه كان يُلَقَّب بالطفيل، ثقة، من كبار [9].

روى عن أبيه، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبيد الله بن عمر العمري، وكهمس بن الحسن، وأيوب، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وغيرهم.

وروى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابن المبارك، وهو من أقرانه، وعبد الرحمن ابن مهدي، وعبد الرزاق، وعبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، ويونس بن محمد المؤدب، وأحمد ابن عبدة، والحسين بن الحسن المروزيّ، وغيرهم.

قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أَبو حاتم: ثقة صدوق. وقال عَمْرو بن علي، عن معاذ بن معاذ: سمعت قُرّة بن خالد يقول: ما معتمر عندنا دون سليمان التيميّ. وقال ابن خِرَاش صدوق يخطئ من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة. وعن يحيى بن سعيد القطان قال: إذا حدّثكم المعتمر بشيء، فاعرِضوه، فإنه سيىء الحفظ. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: ما كان أحفظ معتمر بن سليمان، قَلّما كنا نسأله عن شيء إلا عنده فيه شيء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة ست أو سبع، ومات سنة سبع أو ثمان وثمانين ومائة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وُلد سنة مائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة، وفيها أرخه غير واحد.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (23) حديثًا.

4 -

(حُمَيْدٌ) بن أبي حميد الطويل، أَبو عبيدة الْخُزَاعيّ مولاهم، وقيل: غير ذلك، البصريّ، واسم أبي حميد تِير، ويقال: تيرويه، ويقال: زاذويه، ويقال: داور، ويقال: طَرْخان، ويقال: مِهْران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: مَخْلَد، ويقال: غير ذلك، ثقة مدلّس، [5].

روى عن أنس بن مالك، وثابت البناني، وموسى بن أنس، وبكر بن عبد الله المزنيّ، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، والحسن البصري، وغيرهم.

ص: 83

وروى عنه ابن أخته حماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو من أقرانه، وحماد بن زيد، والسفيانان، وشعبة، ومالك، وابن إسحاق، والمعتمر بن سليمان، ووهيب بن خالد، والقطان، وزائدة، وغيرهم.

قال البخاري: قال الأصمعي: رأيت حميدًا، ولم يكن بطويل. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال الدارمي: قلت لابن معين: يونس بن عبيد أحب إليك في الحسن أو حميد؟ قال: كلاهما. قال الدارمي: يونس أكبر من حميد بكثير.

وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أَبو حاتم: ثقة لا بأس به، وأكبر أصحاب الحسن قتادة، وحميد. وقال ابن خِراش: ثقة صدوق، وقال مرة: في حديثه شيء، يقال: إن عامة حديثه عن أنس إنما سمعه من ثابت. وقال يحيى بن أبي بكير، عن حماد ابن سلمة: أخذ حميد كتب الحسن فنسخها، ثم ردها عليه. وقال الأصمعي، عن حماد: لم يَدَع حميد لثابت علمًا إلا ووعاه، وسمعه منه. وقال مؤمل عن حماد: عامة ما يروي حميد عن أنس سمعه من ثابت. وقال أَبو عبيدة الحداد عن شعبة: لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثًا، والباقي سمعها من ثابت، أو ثبته فيها ثابت.

وقال علي بن المديني عن أبي داود: سمعت شعبة يقول: سمعت حبيب بن الشهيد يقول لحميد وهو يحدثني: انظر ما تحدث به شعبة، فإنه يرويه عنك، ثم يقول هو: إن حميدًا رجل نَسِيّ، فانظر ما يحدثك به. وقال عيسى بن عامر بن أبي الطيب، عن أبي داود، عن شعبة: كل شيء سمع حميد عن أنس خمسة أحاديث. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان حميد الطويل إذا ذهبتَ تَقِفه على بعض حديث أنس يَشُكّ فيه. وقال يوسف بن موسى، عن يحيى بن يعلى المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. وقال ابن عديّ: له أحاديث كثيرة، وقد حدث عنه الأئمة، وأما ما ذُكر عنه أنه لم يسمع من أنس إلا مقدار ما ذُكر، وسمع الباقي من ثابت عنه، فأكثر ما في بابه أن بعض ما رواه عن أنس يُدَلّسه، وقد سمعه من ثابت. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، إلا أنه ربما دلس عن أنس.

ص: 84

وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو الذي يقال له: حميد بن أبي داود، وكان يدلس، سمع من أنس ثمانية عشر حديثًا، وسمع من ثابت البناني، فدلس عنه. وقال أَبو بكر البرديجي: وأما حديث حميد فلا يُحتجّ منه إلا بما قال: حدثنا أنس. وقال الحافظ أَبو سعيد العلائي: فعلى تقدير أن تكون أحاديث حميد مُدَلَّسةً، فقد تبين الواسطة فيها، وهو ثقة صحيح.

وقال الحافظ: رواية عيسى بن عامر أن حميدًا إنما سمع من أنس خمسة أحاديثَ قول باطلٌ فقد صرح حميد بسماعه من أنس بشيء كثير، وفي "صحيح البخاري" من ذلك جملة، وعيسى بن عامر ما عرفته، وأما ترك زائدة حديثه فذاك لأمر آخر؛ لدخوله في شيء من أمور الخلفاء. انتهى (1).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما قاله الحافظ العلائيّ، فأحاديث حميد كلها صحيحة؛ لأنه على تقدير أنه لم يسمع بعضها عن أنس، فقد عُرف من دلّس عنه، وهو ثابتٌ البنانيّ، وهو ثقة جليل، فتبيّن أن تدليسه لا يضرّ.

وبهذا يتبيّن أن قول ابن حبّان أنه لا يوجد في الدنيا من يُدلس عن ثقة غير سفيان ابن عيينة غير صحيح، فقد ثبت عن حميد الطويل أنه لا يدلس إلا عن ثقة، فافهم هذا، فإنه مهمّ جدّا. والله تعالى أعلم.

وقال رُسْتة عن يحيى بن سعيد: مات حميد الطويل، وهو قائم يصلي، وأرخه بن سعد وجماعة سنة (142). وقال إبراهيم بن حميد الطويل: مات سنة (43)، وقد أتت عليه (75) سنة، ولم أسمع منه شيئًا. وكذا أرّخه عمرو بن علي وغيره.

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (36) حديثًا.

5 -

(أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) أَبو حمزة الصحابيّ الشهير، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنه تقدّم في 3/ 24، والله تعالى أعلم.

(1) راجع "تهذيب التهذيب" 1/ 493 - 494.

ص: 85

لطائف هذا الإسناد:

1 -

(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله.

2 -

(ومنها): أن رجال رجال الصحيح، غير شيخه الثاني فقد تفرّد به هو والترمذيّ، وهو صدوقٌ.

3 -

(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه الحسين أيضًا، فمروزيّ.

4 -

(ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله عنه من المكثرين السبعة، روى (2286) حديثًا، وممن لازم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالخدمة، فقد خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة، مات سنة (2) أو (93)، وقد جاوز مائة سنة، والله تعالى أعلم.

شرح الحديث:

(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله) القائل هو عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السَّلاسِل، فأتيته، فقلت: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: "عائشة"، فقلت: من الرجال؟ فقال: "أبوها"، قلت: ثم مَنْ؟ قال: "ثم عمر بن الخطاب"، فعدَّ رجالًا. زاد في رواية: فسكتُّ مخافةَ أن يجعلني في آخرهم.

وسبب هذا السؤال -على ما ذكره ابن سعد- أنه وقع في نفس عمرو رضي الله عنه لمّا أمّره النبيّ صلى الله عليه وسلم على الجيش، وفيهم أَبو بكر، وعمر أنه مُقَدَّم عنده في المنزلة عليهم، فسأله لذلك.

(أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟) أي أكثر محبةً عندك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (عَائِشَةُ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف: أحبهم عائشة رضي الله عنها (قِيلَ) القائل هو السائل نفسه، ففي رواية قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه عند ابن خزيمة، وابن حبّان:"إني لست أعني النساء، إني أعني الرجال"(مِنَ الرِّجَالِ؟) أي أي الرجال أحب إليك؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَبُوهَا) يعني أن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه أحب الرجال إليه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم بالصواب،

ص: 86

وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): في درجته:

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا صحيح، بل هو متّفقٌ عليه من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، كما أسلفته آنفًا.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا (11/ 101) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (3890) وقال: حسن صحيح من هذا الوجه، من حديث أنس. انتهى.

و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7107) من طريق المسيّب بن واضح، عن معتمر بن سليمان به، والمسيّب كثير الخطإ، وضعّفه الدارقطنيّ وغيره، إلا أنه لم ينفرد به، بل تابعه شيخا المصنّف هنا. فتنبّه، والله تعالى أعلم.

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 -

(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وهو واضح.

2 -

(ومنها): أن فيه بيان تفاوت المؤمنين في محبة الله سبحانه وتعالى، ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21].

3 -

(ومنها): أن فيه بيان فضل عائشة رضي الله عنها، حيثما كانت أحبّ النساء إليه صلى الله عليه وسلم، لكن هذا مقيّد بأمهات المؤمنين، كما أشار إليه الإمام ابن حبّان رحمه الله في "صحيحه" حيث قال: ما معناه: مخرج هذا السؤال والجواب كان عن أهل بيته، دون سائر النساء من فاطمة وغيرها. انتهى (1).

والحاصل أن أفضلية عائشة رضي الله عنها التي يدلّ عليها هذا الحديث وغيره

(1) راجع "الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبّان" 16/ 40.

ص: 87

مقيّدة بنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة رضي الله عنها جمعًا بين هذا الحديث، وبين حديث: "أفضل نساء الجنّة خديجة وفاطمة

" الحديث، وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ في حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما. وفي "الصحيحين" في حديث طويل: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة" (1)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].

(1) راجع "الفتح" 7/ 136 "كتاب الفضائل" رقم (3768 - 3775).

ص: 88