الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
19 - (فَضْلُ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ رضي الله عنه
-)
هو: أبو عبيدة رضي الله عنه اسمه عامر بن عبد الله بن الجَرَّاح بن هلال بن أُهيب بن ضَبّة ابن الحارث بن فِهْر، يجتمع مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في فهر بن مالك، وعَدَدُ ما بينهما من الآباء متفاوت جدًّا بخمسة آباء، فيكون أبو عبيدة من حيث العدد في درجة عبد مناف، ومنهم من أدخل في نسبه بين الجراح وهلال ربيعةَ، فيكون على هذا في درجة هاشم، وبذلك جزم أبو الحسن بن سميع، ولم يذكر غيره.
وكان إسلامه هو، وعثمان بن مظعون، وعُبيدة بن الحارث بن المطلب، وعبد الرّحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، في ساعة واحدة قبل دخول النّبيّ صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، ذكره ابن سعد من رواية يزيد بن رُومان، وأنكر الواقدي ذلك، وزعم أن أباه مات قبل الإسلام، وأمه أميمة بنت غَنْم بن جابر بن عبد العزي بن عامر بن عميرة، أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها، وهو الّذي انتزع الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت ثنيتا أبي عبيدة، وكان أميرًا على الشّام من قبل عمر بن الخطّاب، فكان فتح أكثر الشّام على يده. وقَتَل أباه يوم بدر، ونزلت فيه:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية [المجادلة: 22]، وهو فيما أخرجه الطَّبرانيُّ بسند جيد، عن عبد الله بن شَوْذَب قال: جعل والدُ أبي عبيدة يَتَصَدّى لأبي عبيدة يوم بدر، فيَحِيد عنه، فلما أكثر قصده فقتله، فنزلت.
وقال الواقديّ: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن معاذ، وهو الّذي قال لعمر: أنفر من قدر الله؟ فقال: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة، نعم نَفِرّ من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى، وذلك دالّ على جلالة أبي عبيدة عند عمر رضي الله عنهما، وذكره ابن إسحاق في مهاجرة الحبشة، وأسند ابن سعد من طريق مالك بن عامر أنه وَصَفَ أبا عبيدة، فقال: كان رجلًا نحيفًا معروق الوجه، خفيف اللحية، طُوالًا أجنأ، أثرم (1).
(1)"الجَنَأ": ميل في الظهر، وقيل: في العنق. و"الثَّرَم": سقوط الثنية من الأسنان، وقيل: الثنية، =
وعن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة رضي الله عنهما مَنْ كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ أبو عبيدة بن الجراح (1).
وأخرج أحمد عن عبد الله بن شقيق، قلت لعائشة: أَيُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثمّ من؟ قالت: عمر، قلت: ثمّ من؟ قالت: أبو عبيدة ابن الجراح (2).
وقال يعقوب بن سفيان: حَدَّثَنَا حجاج، حَدَّثَنَا حماد، عن زياد الأعلم، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من أحد من أصحابي إِلَّا لو شئت لأخذت عليه في خُلُقه، ليس أبا عبيدة بن الجراح"، وهذا مرسل، ورجاله ثقات.
وأخرج ابن سعد بسند حسن أن معاذ بن جبل رضي الله عنه بلغه أن بعض أهل الشّام استعجز أبا عبيدة أيّام حِصَار دمشق، ورَجَّح خالد بن الوليد، فغضب معاذ، وقال أبأبي عبيدة يُظَنّ، والله إنّه لمن خِيرة من يمشي على الأرض.
وقال ابن المبارك في "كتاب الزهد": حَدَّثَنَا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قدم عمر الشامَ، فتلقاه أُمراء الأجناد، فقال: أين أخي أبو عبيدة؟ فقالوا: يأتي الآن، فجاء على ناقة مخطومة، فسلّم عليه، وساءله حتّى أتى منزله، فلم نر فيه شيئًا إِلَّا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعًا، قال: يا أمير المؤمنين إن هذا يبلغنا المَقِيل. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند مرسل، أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر، فيقول: ألَّا رُبّ مُبَيِّضٍ لثيابه، وهو مدنس لدينه، ألَّا رُبّ مُكْرِمٍ لنفسه، وهو لها مُهين غدًا، ادفعوا السيئات القديمات بالحسنات الحادثات.
= والرباعية، وقيل: هو أن تقلع السنّ من أصلها مطلقًا. انتهى "النهاية" 1/ 302 و 210.
(1)
أخرجه أبو يعلى بسند رجال ثقات غير شيخه موسى بن محمّد بن حيان، فوثقه ابن حبّان، وتركه أبوزعة، لكن يشهد له رواية أحمد التالية.
(2)
أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات.
وأخرج ابن أبي الدنيا بسند جيد، عن ثابت البناني قال: كان أبو عبيدة أميرًا على الشّام، فخطب، فقال: والله ما منكم أحد يفضلني بتُقيّ إِلَّا وددت أني في سلامة.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعيد المقبري قال: لمّا طُعن أبو عبيدة، قالوا: يا معاذ صَلّ بالناس، فصلّى ثمّ مات أبو عبيدة، فخطب معاذ، فقال في خطبته: وإنكم فُجِعتم برجل ما أزعم والله أني رأيت من عباد الله قط أقلّ حِقْدًا، ولا أبو صدرًا، ولا أبعد غائلةً، ولا أشد حياء للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه، فترحموا عليه.
اتفقوا على أنه مات في طاعون عَمَوَاس بالشام سنة ثمان عشرة، وأرخه بعضهم سنة سبع عشرة، وهو شاذ، وجزم ابن منده تبعًا للواقدي والفلاس أنه عاش ثمانيا وخمسين سنة، وأما ابن إسحاق فقال: عاش إحدى وأربعين سنة.
وقال ابنُ عائذ: قال الوليد بن مسلم: حدثني من سمع عروة بن رُويم قال: انطلق أبو عبيدة يريد الصّلاة ببيت المقدس، فأدركه أجله، فتوفي هناك، وأوصى أن يُدفَن حيث قَفَى، وذلك بفِحْل من أرض الأردنّ، ويقال: إن قبره بِبَيْسان، وقالوا: إنّه كان يَخضب بالحناء والكتم (1).
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (15) حديثًا، انفرد مسلم بحديث منها، ولم يُخرج له البخاريّ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
135 -
(حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ: "سَأَبْعَثُ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ"، قَالَ: فَتَشَرَّفَ لَهُ النَّاسُ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ).
(1) راجع "الإصابة" 2/ 475 - 478.
رجال هذا الإسناد: تسعة:
1 -
(سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [7] 5/ 41.
2 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط [3] 7/ 45.
3 -
(صلة -بكسر أوله، وفتح اللام الخفيفة- ابن زُفَر) -بضم الزاي، وفتح الفاء- الْعَبْسيّ -بالموحّدة- أبو العلاء، ويقال: أبو بكر الكوفيّ، تابعيّ كبير [2].
رَوَى عن عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وعلي، وابن عبّاس.
وروى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وهو من أقرانه، والمُسْتَوْرِد ابْن الأحنف، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب السختياني، وغيرهم.
قال ابن خراش: كوفي ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وروى ابن أبي حاتم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة، قال: قَلْبُ صلة بن زفر من ذهب -يعني أنه مُنَوَّرٌ كالذهب. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. ونقل ابن خَلْفُون توثيقه عن ابن نمير، وابن صالح -يعني العجلي-، وقال أبو وائل: لَقِيتُ صلة، وكان ما علمت بَرًّا.
وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". وقال خليفة: مات في ولاية مُصْعَب بن الزُّبير، وكذا قال ابن سعيد، زاد: وكان ثقة، وله أحاديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث 135 و 136 و 897 و 916 و 1351 و 1645.
4 -
(حُذيفة) بن اليمان الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما 7/ 49، والباقون تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، بل رجال الجماعة، غير شيخه الأوّل، فهو من أفراده والنَّسائيّ في "مسند عليّ".
3 -
(ومنها): أن السند الثّاني مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيّون.
4 -
(ومنها): أن شيخه الثّاني أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة.
5 -
(ومنها): أن فيه شعبةَ الإمام المتشدّد في المدلّسين، فكان ميزانًا لقبول معنعناتهم، فإذا وُجد شعبة في سند عنعن فيه مدلّس مثل هذا الإسناد، فقد عنعن فيه أبو إسحاق فإنّه مقبول؛ لأنه لا يروي عنهم إِلَّا ما صرّحوا بالتحديث والسماع، وقد كان رحمه الله يقول: كفيتكم تدليس ثلاثة: أبي إسحاق -يعني المذكور في هذا السند- والأعمش، وقتادة، وقال أيضًا: كنت أتفقّد فم قتادة، فإذا قال: حَدَّثَنَا، وسمعت، حفظته، وإذا قال: حدّث فلانٌ تركته. انتهى. فهذه قاعدة مهمة جدًّا، وقلت في منظومتي "الجوهر النَّفْيس في نظم أسماء ومراتب الموصوفين بالتدليس":
وَكيْفَ لَا وَقَدْ كفَانَا عَلَنَا
…
مِنْ شَرِّ تَدْلِيسِ ثَلَاثَةٍ لَنَا
قَتَادَةٍ ثُمَّ السَّبيعِي الأَعْمَشِ
…
فَاقْنَعْ بِمَا قَالَ وَلَا تُفَتِّشِ
6 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ) بفتح النون، وسكون الجيم: بلدة من بلاد هَمْدَان من اليمن، قَال البكريّ: سُمّيت باسم بانيها نَجْران بن زيد ابن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان. قاله الفيّوميّ (1).
وقال في "الفتح": نجران بلد كبير، على سبع مراحل من مكّة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاثة وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع، كذا في زيادات يونس بن بكير بإسناد له في "المغازي"، وذكر ابن إسحاق أنهم وَفَدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وهم حينئذ عشرون رجلًا، لكن أعاد ذكرهم في الوفود بالمدينة، فكأنهم قَدِموا مرتين. وقال ابن سعد: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم كتب إليهم، فخرج إليه وَفْدهم في أربعة عشر رجلًا من
(1)"المصباح المنير" 2/ 594.
أشرافهم. وعند ابن إسحاق أيضًا من حديث كُرْز بن علقمة أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا، وسرد أسماءهم.
وقد أخرج البخاريّ في "المغازي" من "صحيحه" هذا الحديث مطوّلًا، فقال:
4385 -
حدثني عبّاس بن الحسين، حَدَّثَنَا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر، عن حذيفة قال: جاء العاقب، والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يُلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كَان نبيا فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نُعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إِلَّا أمينًا، فقال:"لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حَقَّ أمين"، فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا أمين هذه الأمة".
وقوله: "جاء السَّيِّد والعاقب صاحبا نجران"، أما السَّيِّد فكان اسمه الأيهم -بتحتانية ساكنة- ويقال: شُرَحبيل، وكان صاحب رحالهم، ومجتمعهم، ورئيسهم في ذلك، وأما العاقب فاسمه عبد المسيح، وكان صاحب مَشُورتهم، وكان معهم أيضًا أبو الحارث بن علقمة، وكان أُسْقُفَّهم، وحبرهم، وصاحب مِدْراسهم. قال ابن سعد: دعاهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا، فقال:"أن أنكرتم ما أقول، فهَلُمّ أُبَاهِلكم"، فانصرفوا على ذلك.
وذكر ابن إسحاق بإسناد مرسل أن ثمانين آية من أول سورة آل عمران نزلت في ذلك، يشير إلى قوله تعالى:{فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} الآية [آل عمران: 61].
وفي رواية يونس بن بكير أنه صالحهم على ألفي حلة: ألفٍ في رجب، وألف في صفر، ومع كلّ حلة أُوقِيّة، وساق الكتاب الّذي كتبه بينهم مطولًا. وذكر ابن سعد أن السَّيِّد والعاقب رجعا بعد ذلك فأسلما.
[تنبيه]: وقع في حديث أنس عند مسلم أن أهل اليمن قَدِمُوا على النّبيّ صلى الله عليه وسلم،
فقالوا: ابعَث معنا رجلًا يُعَلِّمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة، وقال:"هذا أمين هذه الأمة"، فإن كان الراوي تَجَوّز عن أهل نَجْران بقوله: أهل اليمن؛ لقرب نجران من اليمن، وإلا فهما واقعتان، والأول أرجح. قاله في "الفتح"(1).
(سَأَبْعَثُ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا) قال القرطبيّ رحمه الله: الأمانة ضدّ الخيانة، وهي عبارة عن قوّة الرَّجل على القيام بحفظ ما يوكَلُ إلى حفظه، ويُخلَّى بينه وبينه، وهي مأخوذة من قولهم: ناقة أَمُون، أي قويّة على الحمل والسير، فكأن الأمين هو الّذي يوثق به في حفظ ما يُوكَلُ إلى أمانته حتّى يؤدّيه لقوّته على ذلك. انتهى (حَقَّ أَمِينٍ) بنصب "حقّ" على أنه مصدر مضاف، وهو في موضع الصِّفَة، تقديره أمينًا محَقَّقًا في أمانته. قاله القرطبيّ (2)، وقال غيره: أي بلغ في الأمانة الغاية القصوى، قيل: الأمانة كانت مشتركة بينه وبين غيره من الصّحابة، لكن النبيّ صلى الله عليه وسلم خصّ بعضهم بصفات غلبت عليه، وكان أخصّ بها، وقيل: خصّه بالأمانة؛ لكمال هذه الصِّفَة فيه.
قاله السنديّ (3)(قَالَ: فَتَشَرَّفَ) أي انتصب، وفي نسخة:"فتشوّف" بالواو: أي انتظر (لَهُ) أي للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي نسخة:"لها" أي للولاية، وقوله:(النَّاسُ) بالرفع على الفاعليّة، يعني أنهم تطلّعوا عليها، ورغِبوا فيها، حرصًا أن يكونوا أمناء، لا أن يكونوا أمراء، ومنه "لا تتشرفوا للبلاء": أي لا تتطلّعوا إليه، ولا تتوقّعوه. أفاده في "المجمع" (4) وفي رواية للبخاريّ:"فأشرف أصحابه"، وفي رواية مسلم والإسماعيلي:"فاستشرف لها أصحاب رسول الله" صلى الله عليه وسلم، قال في "الفتح": أي تَطَلّعوا للولاية، ورغبوا فيها حرصًا على تحصيل الصِّفَة المذكورة، وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي. انتهى.
(1)"فتح" 7/ 118.
(2)
"المفهم" 6/ 294.
(3)
"شرح السنديّ" 1/ 93.
(4)
"مجمع البحرين" 3/ 206.
وقال القرطبيّ: أي تشوّفوا، وتعرّضوا لمن هو الموجّه معهم، وكلهم يحرص على أن يكون هو المعنيّ، إذ كلّ واحد منهم أمين. انتهى (1).
ووقع في رواية لأبي يعلى من طريق سالم، عن أبيه، سمعت عمر يقول: "ما أحببت الإمارة قط إِلَّا مَرّة واحدة
…
"، فذكر القصة، وقال في الحديث: "فتعرضت أن تُصِيبني، فقال: قم يا أبا عبيدة".
(فَبَعَث أبا عُبَيْدة بْنَ الجرَّاحِ) وفي رواية أبي يعلى: "قم يا أبا عبيدة، فأَرْسَلَهُ معهم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حُذيفة رضي الله عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا 19/ 135 و 136، وأخرجه (البخاريّ) في "المناقب"(3745) و"المغازي"(4380) و" أخبار الآحاد"(7254) و (مسلم) في "فضائل الصحابة"(6204) و (الترمذيّ) في "المناقب"(3790) و (النَّسائيّ) في "الفضائل"(8140 و 8141 و 8142) و (الطيالسيّ) في "مسنده"(412) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" 12/ 136 و (أحمد) في "مسنده"(23272) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(6999 و 7000) و (البغويّ) في "شرح السنة"(3929)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده (2):
1 -
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان فضل أبي عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه، ففيه منقبه ظاهرة له رضي الله عنه فقد خصّه الله تعالى بالحظ الأكبر والنصيب الأكثر من
(1)"المفهم" 6/ 294.
(2)
المراد الفوائد الّتي اشتمل عليها الحديث بطوله، كما أسلفته من رواية البخاريُّ مطوّلًا، فتنبّه.
الأمانة، بحيث شهِد له بذلك الرسول المعصوم الّذي لا يفعل إِلَّا حقًّا، ولا يقول إِلَّا صدقًا، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]، وصار له ذلك الاسمَ والعلمَ المعلوم، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان (1)، حتّى استوى في معرفته كلّ إنسان، وذلك أن عمر رضي الله عنه لَمَّا قَدِم الشّام مُتفقّدًا أحوال النَّاس والأُمراء، ودخل منازلهم، وبحث عنهم أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة، وهو أمير على الشّام قد فُتحت عليه بلاده، وترادفت عليه فتوحاته وخيراته، واجتمعت له كنوزه وأمواله، فلما كلّمه عمر رضي الله عنه في ذلك، قال له: يا أمير المؤمنين والله لئن دخلت منزلي لتعصِرَنّ عينيك، فلما دخل منزله لم يجد فيه شيئًا يرُدّ البصر أكثر من سلاحه، وأداة رحل بعيره، فبكى عمر رضي الله عنه، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أمين هذه الأمّة"، أو كما قال.
وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أخبر كلّ أحد من أعيان أصحابه صلى الله عليه وسلم بما غلب عليه من أوصافه، وإن كانوا كلّهم فضلاء علماء حكماء مختارين لمختار، فقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذيّ، وابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا:"أرحم أُمَّتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أُبيّ، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة"(2).
وأخرج الترمذيّ (3801) وابن ماجة (156) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو: "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذرّ"(3).
2 -
(ومنها): أن في قصة أهل نجران هذه أن إقرار الكافر بالنبوة لا يُدخله في الإسلام، حتّى يلتزم أحكام الإسلام.
3 -
(ومنها): بعث الإمام الرَّجل العالم الأمين إلى أهل الْهُدْنة في مصلحة الإسلام.
(1) راجع "المفهم" 6/ 293.
(2)
حديث صحيح.
(3)
حديث صحيح بطرقه، وسيأتي برقم (156).
4 -
(ومنها): جواز مجادلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تَعَيَّنت مصلحته.
5 -
(ومنها): مشروعية مباهلة المخالف إذا أصرّ بعد ظهور الحجة، وقد دعا ابنُ عبّاس إلى ذلك، ثمّ الأوزاعيّ، ووقع ذلك لجماعة من العلماء، قال الحافظ: ومما عُرِف بالتجربة أن من باهَلَ، وكان مُبطِلًا لا تمضى عليه سنة من يوم المباهلة، ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة، فلم يُقِمْ شهرين.
6 -
(ومنها): مصالحة أهل الذِّمَّة على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويَجرِي ذلك مَجْرَى ضرب الجزية عليهم، فإن كُلًّا منهما مال يؤخذ من الكفار على وجه الصَّغَار في كلّ عام.
[فإن قلت]: ذكر ابن إسحاق أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، فكيف يجمع بينها وبين قصّة أبي عبيدة هذه؟.
[أجيب]: بأن قصة أبي عبيدة رضي الله عنه هذه غير قصّة عليّ رضي الله عنه؛ لأن أبا عبيدة توجه معهم، فقَبَض مال الصلح، ورَجَع، وأما عليّ فأرسله النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يَقْبِض منهم ما استُحِقّ عليهم من الجزية، ويأخذ ممّن أسلم منهم ما وجب عليه من الصَّدقة. أفاده في "الفتح"(1)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
136 -
(حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ: "هَذَا أَمِينُ هَذ الْأُمةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، غير:
1 -
(يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ، من كبار [9] 11/ 98.
(1) راجع "الفتح" 8/ 429 "كتاب المغازي" رقم الحديث (4383).
2 -
(إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ [7]. رَوَى عن جدّه، وزِيَاد بن عِلاقة، وزيد بن جُبَير، وعاصم بن بَهْدَلة، وعاصم الأحول، وسِمَاك بن حرب، والأعمش، وإسماعيل السُّدّيّ، ومَجْزأة بن زاهر الأسلميّ، وهشام بن عروة، ويوسف بن أبي بردة، وخلق كثير.
ورَوَى عنه ابنه مهديّ، وأبو أحمد الزُبيريّ، والنضر بن شُمَيل، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيّان، وعبد الرزّاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، ومحمد بن سابق، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وأبو نعيم، وعلى بن الجعد، وجماعة.
قال ابن مهديّ، عن عيسى بن يونس: قال لي إسرائيل، كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة في القرآن، وقال على بن المديني، عن يحيى القطان: إسرائيل فوق أبي بكر بن عَيّاش، وقال حرب، عن أحمد بن حنبل: كان شيخنا ثقةً، وجَعَل يتعجب من حفظه، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: إسرائيل، عن أبي إسحاق فيه لِين، سمع منه بأَخَرةٍ، وقال أبو طالب: سئل أحمد أَيُّما أثبت، شريك، أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، كان يؤدِّي ما سمع، كان أثبت من شريك، قلت: مَنْ أحب إليك، يونس، أو إسرائيل، في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه كان صاحب كتاب، وقال أبو داود: قلت لأحمد بن حنبل: إسرائيل إذا انفرد بحديث، يُحتَجّ به؛ قال: إسرائيل ثبت الحديث، كان يحيى -يعني القطان- يَحْمِل عليه في حال أبي يحيى القَتّات، وقال: رَوَى عنه مناكير، قال أحمد: ما حدث عنه يحيى بشيء، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: كان القطان لا يُحدث عن إسرائيل، ولا عن شريك وقال الدوريّ أيضًا: سئل يحيى بن معين عن إسرائيل، فقال: قال يحيى بن آدم كُنّا نكتب عنده من حفظه، قال يحيى: كان إسرائيل لا يحفظ، ثمّ حَفِظَ بعدُ، وقال أيضًا: إسرائيل أثبت في أبي إسحاق من شيبان، وقال أيضًا إسرائيل أثبت حديثًا من شريك، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، من أتقن أصحاب أبي إسحاق، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وفي حديثه لِينٌ، وقال في موضع آخر: ثقةٌ صدوقٌ، وليس في الحديث بالقويّ، ولا بالساقط، وقال عيسى بن
يونس: كان أصحابنا سفيان، وشريكٌ، وعَدّ قومًا إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيئون إلى أبي، فيقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل، فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، هو كان قائد جدّه، وقال شَبَابة بن سَوّار: قلت ليونس بن أبي إسحاق: أَمْلِ عليّ حديث أبيك، قال: اكتب عن ابني إسرائيل، فإن أبي أملاه عليه، وقال محمّد بن الحسين بن أبي الحُنَين: سمعت أبا نعيم، سئل أَيُّهما أثبت، إسرائيل، أو أبو عوانة؟ فقال: إسرائيل، وقال أبو داود: إسرائيل أصحّ حديثًا من شريك، وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وروى ابن البراء، عن عليّ بن المديني، إسرائيل ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى - يعني ابن معين-: رَوَى عن إبراهيم بن المهاجر ثلاثمائة، وعن أبي يحيى القَتّات ثلاثمائة، فقال: لم يُؤْتَ منه أُتِي منهما جميعًا انتهى.
قال الحافظ: فهذا رَدّ لتضعيف القطان له بذلك، وقال محمّد بن عبد الله بن نمير: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وحَدَّث عنه النَّاس حديثًا كثيرًا، ومنهم من يستضعفه، وقال ابن معين: زكريا، وزهير، وإسرائيل، حديثهم في أبي إسحاق قريب من السواء، إنّما أصحاب أبي إسحاق سفيان، وشعبة، وقال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حَدِّثنا حديث أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل، فإنّه أثبت فيها مني، وقال ابن مهديّ: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري، وقال أبو عيسى الترمذيّ: إسرائيل ثَبْتٌ في أبي إسحاق، حَدَّثني محمّد بن المثنى، سمعت ابن مهديّ يقول: ما فاتني الّذي فاتني من حديث الثوري، عن أبي إسحاق إِلَّا لمّا اتَّكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتمّ، وطَوَّل ابن عديّ ترجمته، وسرد له أحاديث أفرادًا، وقال: هو ممّن يُحْتَجّ به، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل، ورَدَّ به أحاديث من حديثه، فما صنع شيئًا (1).
(1)"تهذيب التهذيب" 1/ 133 - 134.
وقد تكلّم بعض أهل العلم في إسرائيل، منهم ابن المدينيّ، كما سبق بيانه، ومنهم ابن حزم، وغيرهما، قال الإمام الذهبيّ في "الميزان": إسرائيل اعتمده البخاريّ ومسلم في الأصول، وهو في الثبت كالأسطوانة، فلا يُلتفتُ إلى تضعيف من ضعّفه، وقد طوّل ابن عديّ ترجتمه، وسَرَد له جملة أحاديث أفراد، لكنه قال: ولإسرائيل أخبارٌ كثيرة غير ما ذكرته، وأضعافها عن الشيوخ، يروي عنهم، وحديثه الغالب عليه الاستقامة، وهو ممّن يُكتَب حديثه، ويُحتجّ به.
- وقال الذهبيّ في "الميزان" أيضًا: وكان إسرائيل مع حفظه وعلمه صالحًا خاشعًا لله، كبير القدر انتهى (1).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أن إسرائيل ثقة ثبتٌ، كما قال به جلّ الأئمة، ولا حجة لمن ضعّفه، فلا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم.
وقال دُبَيس بن حُميد: وُلِد سنة مائة، ومات سنة (161)، وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة (160)، وقال خليفة، وابن سعد: مات سنة (162).
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (16) حديثًا.
3 -
(عبد الله) بن مسعود الصحابيّ الشهير رضي الله عنه، تقدّم في 2/ 19.
وقوله: "لأبي عبيدة" أي في شأنه، لا أنه خاطبه؛ إذ مقول القول لا يناسب الخطّاب، قاله السنديّ (2) وتمام شرح الحديث يُعْلَم ممّا سبق، وفيه:
مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا صحيح.
(1) راجع "ميزان الاعتدال" 1/ 209.
(2)
"شرح السنديّ" 1/ 93.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (19/ 136) فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده"(3930) و (النَّسائيّ) في "الفضائل"(8140)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.