الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
33 - (فَضْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما
هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يدعى بترجمان القرآن، والبحر والحبر لسعة علمه، قال عمر رضي الله عنه: لو أدرك ابن عبّاس أسناننا ما عاشره منا أحدٌ، وهو أحد العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة، مات سنة (68 هـ) بالطائف، وتقدّمت ترجمته مستوفاة في 3/ 27، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
166 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِليُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ، وَقَالَ:"اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ، وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(محمّد بن المثنّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبتٌ [10] 9/ 66.
2 -
(أبو بكر بن خلاد الباهليّ) هو: محمّد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقة [10] 2/ 19.
3 -
(عبد الوهّاب) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمّد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [8] 2/ 17.
4 -
(خالد الحذّاء) هو: ابن مِهْران، أبو المُنَازل البصريّ، ثقة يرسل [5] 26/ 154.
5 -
(عكرمة) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عبّاس، بربريّ الأصل، ثقة ثبتٌ، لا يثبت عنه بدعة [3] 9/ 62.
6 -
(ابن عبّاس م) تقدّم أول الباب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
2 -
(ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين.
3 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، بل من رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر فأخرج له مسلم، وأبو داود، والنَّسائيّ، والمصنّف.
4 -
(ومنها): أن شيخه محمّد بن المثنّى أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
5 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: خالد عن عكرمة.
6 -
(ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصّحابة رضي الله عنهم، وهو ترجمان القرآن، وحبر الأمة، وبحرها. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ) وفي رواية للبخاريّ في "المناقب": "إلى صدره"، وكان ابن عبّاس إذ ذَاك غلامًا مميزًا، فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب على سبيل الشفقة (وَقَالَ:"اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ) بين البخاريّ رحمه الله في روايته في "كتاب الطّهارة" من طريق عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما سبب هذا الدُّعاء، ولفظه: "دخل النّبيّ صلى الله عليه وسلم الخلاء، فوضعت له وَضُوءًا"، زاد مسلم: "فلما خرج قال: من وضع هذا؟ فأُخبر"، ولمسلم: "قالوا: ابنُ عبّاس"، ولأحمد وابن حبّان من طريق سعيد بن جبير عنه أن ميمونة رضي الله عنها هي الّتي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلًا، ولعلّ ذلك كان في اللَّيلة الّتي بات ابن عبّاس فيها عندها ليرى صلاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-، وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار، عن غريب، عن ابن عبّاس في قيامه خلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صلاة اللّيل، وفيه: "فقال لي: ما بالك أجعلك حذائي، فتخلفني؟ فقلت: أَوَ ينبغي لأحد أن
يُصَلِّي حذاءك، وأنت رسول الله؟ فدعا لي أن يزيدني الله فهمًا وعلمًا".
(الحكْمَةَ) ولفظ البخاريّ: "اللَّهُمَّ علمه الكتاب"، قال في "الفتح": المراد بالكتاب القرآن؛ لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه، والتفهم فيه، ووقع في رواية مسدد "الحكمة" بدل "الكتاب"، وذكر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحذاء، كذا قال، وفيه نظر؛ لأن البخاريّ أخرجه أيضًا من حديث وهيب عن خالد بلفظ "الكتاب" أيضًا، فيُحْمَل على أن المراد بالحكمة أيضًا القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى، وللنسائيّ والترمذي من طريق عطاء، عن ابن عبّاس قال:"دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أُوتَى الحكمة مرتين".
فيَحْتَمِل تعدد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب القرآن، وبالحكمة السنة، ويؤيده أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد عند الشيخين:"اللَّهُمَّ فقهه في الدين"، لكن لم يقع عند مسلم "في الدين"، وذكر الحميدي في "الجمع" أن أبا مسعود ذكره في "أطراف الصحيحين" بلفظ:"اللَّهُمَّ فقهه في الدين، وعلمه التّأويل"، قال الحميدي: وهذه الزِيادة ليست في "الصحيحين".
قال الحافظ: وهو كما قال، نعم هي في رواية سعيد بن جبير عند أحمد، وابن حبّان، والطبراني، ورواها ابن سعد من وجه آخر عن عكرمة مرسلًا، وأخرج البغوي في "معجم الصّحابة" من طريق زيد بن أسلم، عن ابن عمر:"كان عمر يدعو ابن عبّاس، ويُقَرِّبه، ويقول: إنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاك يومًا، فمسح رأسك، وقال: اللَّهُمَّ فقهه في الدين، وعلمه التّأويل".
واختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا، فقيل: القرآن بهما تقدّم، وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يَشْهَد العقل بصحته، وقيل: نُورٌ يُفَرَّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: 12]، والأقرب أن المراد بها
في حديث ابن عبّاس اللهم في القرآن. قاله في "الفتح". (1).
وزاد في "كتاب المناقب": ما نصّه: وكان ابن عبّاس من أعلم الصّحابة بتفسير القرآن. ورَوَى يعقوب بن سفيان في "تاريخه" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عبّاس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس. ورَوَى هذه الزيادة ابن سعد من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود. ورَوَى أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" عن ابن عمر قال: هو أعلم بما أنزل الله على محمّد صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي خيثمة نحوه بإسناد حسن. ورَوَى يعقوب أيضًا بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: قرأ ابن عبّاس "سورة النور"، ثمّ جعل يُفَسِّرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت، ورواه أبو نعيم في "الحلية" من وجه آخر بلفظ "سورة البقرة"، وزاد: إنّه كان علي الموسم -يعني سنة خمس وثلاثين كان عثمان أرسله لما حصر-. انتهى (2).
(وَتَأوِيلَ الْكِتَابِ) هكذا النسخ الّتي عندنا بهذه الزيادة، لكن من الغريب عزاها "الفتح" إلى بعض النسخ، ودونك نصّه: قال: ووقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهّاب الثقفي، عن خالد الحذاء، في حديث الباب بلفظ:"اللَّهُمَّ علمه الحكمة، وتأويلَ الكتاب"، وهذه الزيادة مُستغرَبةٌ من هذا الوجه، فقد رواه الترمذيّ، والإسماعيليّ، وغيرهما من طريق عبد الوهّاب بدونها.
قال: وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر، عن طاوس، عن ابن عبّاس، قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي، وقال:"اللَّهُمَّ علمه الحكمة، وتأويل الكتاب"، وقد رواه أحمد عن هُشيم، عن خالد، في حديث الباب بلفظ:"مسح على رأسي".
وهذه الدّعوة ممّا تَحَقَّقَ إجابةُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيها، لِمَا عُلِم من حال ابن عبّاس في معرفة
(1)"الفتح" 1/ 223 - 224 "كتاب العلم" رقم الحديث (75).
(2)
"الفتح""كتاب المغازي" 127 رقم الحديث (3756).
التفسير، والفقه في الدين، رضي الله تعالى عنه (1).
[تنبيه]: قال في "الفتح": وهذه اللفظة -يعني قوله: "وعلّمه التّأويل" اشتَهَرت على الألسنة "اللَّهُمَّ فقهه في الدين، وعَلِّمه التّأويل"، حتّى نسبها بعضهم في "الصحيحين"، ولم يُصِب، والحديث عند أحمد بهذا اللّفظ من طريق ابن خُيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، وعند الطَّبرانيُّ من وجهين آخرين، وأوله في "صحيح البخاريّ" من طريق عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عبّاس دون قوله:"وعلمه التّأويل"، وأخرجها البزار من طريق شعيب بن بشر، عن عكرمة، بلفظ:"اللَّهُمَّ علمه تأويل القرآن"، وعند أحمد من وجه آخر عن عكرمة:"اللَّهُمَّ أعط ابن عبّاس الحكمة، وعلمه التّأويل". انتهى (2)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (33/ 166) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه البخاريّ في (1/ 2/ 29 و5/ 34 و 9/ 113) و (الترمذي) في (3824) و (النَّسائيّ) في "الفضائل"(76) و (أحمد) في "مسنده"(1/ 214 و 269 و 359) وفي "فضائل الصّحابة" له (1835 و 1883 و 1923) و (يعقوب بن سفيان) في "المعرفة"(1/ 518) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7054) و"الطبرانيّ" في "الكبير"(10588 و 11531 و 11961)، والله تعالى أعلم.
(1) فتح الباري جـ: 1 ص: 224 رقم (75).
(2)
"الفتح" 7/ 127 "كتاب المناقب" حديث (3756).
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
1 -
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان فضل ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
2 -
(ومنها): بركة دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث كان ابن عبّاس رضي الله عنهما ترجمان القرآن، وحبر الأمة وبحرها لهذه الدّعوة المباركة.
3 -
(ومنها): استحباب خدمة الأكابر؛ لأن ابن عبّاس حصل ذلك بسبب أنه وضع للنبيّ صلى الله عليه وسلم ماء للوضوء لما دخل الخلاء، كما سبق بيانها.
4 -
(ومنها): جواز ضمّ الطفل محبّة وشفقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ولما أنهى الكلام على فضائل الصّحابة الكرام رضي الله عنهم، أتبعه ببيان قبائح الفِرَق الضالّة اللئام؛ للمناسبة الضدّيّة، ولأنهم أول ما خرجوا على الأمة خرجوا على إمام العدل عثمان رضي الله عنه حتّى قتلوه، ثمّ عليّ رضي الله عنه، فحملوا السلاح على المسلمين، وعلى مقدّمتهم الصّحابة الذين مضى ذكر فضائلهم، فقاتلوهم بالحجة والسيف، فأول من قام بالحجة هو ابن عبّاس رضي الله عنهما لمّا بعثه عليّ رضي الله عنه، فَحَاجَّهم، فرجع كثير منهم كما سيأتي بيان ذلك، ولذا ناسب ذكرهم بعد ترجمته رضي الله عنه، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: