الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
29 - (فَضْلُ سَعْدٍ بْنِ مُعَاذٍ) رضي الله عنه
-
هو: سعد بن مُعاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم ابن الحارث بن الخزرج بن النَّبِيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهليّ، وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة، ويُكنَى أبا عمرو، شَهِدَ بدرًا باتِّفاق، ورُمِي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا حتّى حَكَم في بني قُريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثمّ انتقض جرحه فمات، أخرج ذلك البخاريّ، وذلك سنة خمس.
وقال المنافقون لمّا خَرَجت جنازته: ما أخفها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة حملته"، أخرجه البخاريّ.
وفي "الصحيحين" وغيرهما من طُرُق أن النّبيّ رضي الله عنه قال: "اهتز العرش لموت سعد ابن معاذ".
ورَوَى يحيى بن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن أحدٌ أفضلَ منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعباد بن بشر.
وذكر ابن إسحاق أنه لمّا أسلم على يد مُصْعَب بن عمير قال لبني عبد الأشهل: كلامُ رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتّى تُسلموا، فأسلموا فكان من أعظم النَّاس بركةً في الإسلام.
وهو سيّد الأوس، كما أن سعد بن عبادة سيّد الخزرج، وإياهما أراد الشاعر بقوله [من الطَّويل]:
فَإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدُ
…
بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ
ورَوَى ابنُ إسحاق في قصة الخندق عن عائشة قالت: كنتُ في حِصن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فَمَرَّ سعدُ بن معاذ، وهو يقول [من الرجز]:
لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ
…
مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إَذَا حَانَ الأَجَلْ
فقالت له أمه: الحَقْ يا بُنَيّ، فقد تأخرت، فقلتُ: يا أم سعد لَوَدِدتُ أن دِرْعَ سعد
أسبغ ممّا هي، قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه، وقال الّذي رماه: خُذْها وأنا ابن الْعَرِقَة، فقالى: عَرَّقَ اللهُ وجهك في النّار، وابنُ العَرِقة اسمه حِبَّان بن عبد مناف، من بني عامر بن لؤيّ، والعرقة أمه، وقيل: إن الّذي أصاب سعدًا أبو أمامة الْجُشَمِيُّ.
وروى البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدري أن بَنِي قريظة لمَّا نَزَلُوا على حكم سعد، وجاء على حمار، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم:"قُوموا إلى سيدكم". وأخرج ابن إسحاق بغير سند أن أم سعد لما مات قالت:
وَيْلُ أمِّ سَعْدٍ سَعْدًا حَزَامَةً
…
وَجَدَّا وَسَيِّدًا سُدَّ بِهِ مَسَدَّا
فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "كلُّ نادبة تكذب إِلَّا نادبة سعد". وأخرجه الطَّبرانيُّ (1) بسند ضعيف عن ابن عبّاس، قال: جعلت أم سعد تقول:
وَيْلُ أمِّ سَعْدٍ سَعْدَا
…
حَزَامَةً وَجَدّا
فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا تزيدي على هذا، كان -والله ما علمتُ- حازمًا، وفي أمر الله قويًّا (2) "، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
157 -
(حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ، قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَرَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ "، فَقَالُوا لَهُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لمنادِيل سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ في الجنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
1 -
(هنّاد بن السريّ) بن مُصعب التميميّ، الكوفيّ، ثقة [10] 2/ 22.
2 -
(أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ الحافظ، ثقة متقن،
(1) أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" 6/ 10.
(2)
راجع "الإصابة" 3/ 70 - 72.
صاحب حديث [7].
روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعاصم بن سليمان، وسماك بن حرب، وشَبِيب ابن غَرْقَدة، وزياد بن عِلاقة، وآدم بن علي، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن آدم، ووكيع، وابن مهدي، وأبو نعيم، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وهَنَّاد بن السَّرِيِّ، وغيرهم.
قال ابن مهدي: أبو الأحوص أثبت من شَريك. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة متقن. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما. وكذا قال أبو حاتم. وقال العجلي: كان ثقة، صاحب سنة واتباع. وقال أبو زرعة، والنَّسائيّ: ثقة.
وقال عبد الرّحمن بن أبي حاتم عن أبيه: صدوق، دون زائدة وزهير في الإتقان. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، صالحا فيه. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات". ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير.
وقال البخاريّ: حدثني عبد الله بن أبي الأسود، قال: مات سنة تسع وسبعين -يعني ومائة-.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (47) حديثًا.
3 -
(أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره، وكان يدلّس [3] 7/ 45.
4 -
(البراء بن عازب) الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنها 14/ 116، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصّحيح، بل رجال الجماعة.
3 -
(ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: أُهْدِيَ) بالبناء للمفعول، أهداها له أُكيدر دُومة، كما بُيّن في حديث أنس رضي الله عنه (لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَرَقَة) بفتحتين أي قطعة من جيّد الحرير، وجمعها سَرَقٌ، قاله ابن الأثير (1) وقالَ في "القاموس": السَّرَقُ مُحَرَّكَةً: شُقَقُ الحرير الأبيض، أو الحرير عامّةً، الواحدة بهاء. انتهى، فقوله:(مِنْ حَرِيرٍ) مؤكّدٌ.
وفي "المعجم الكبير" للطبراني، في حديث أنس رضي الله عنه من طريق عبد الله بن سالم الحمصيّ، عن الزُّبيدي، عن الزهريّ، عن أنس قال: أُهدي للنبيّ صلى الله عليه وسلم حُلّة من إستبرق، فجعل ناس يلمسونها بأيديهم، ويتعجّبون منها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"تُعجبكم هذه؟ فوالله لمناديل سعد في الجنَّة أحسن منها". قال الدارقطنيّ في "الأفراد": لم يروه عن الزبيدي إِلَّا عبد الله بن سالم. قاله في "الفتح"(2).
(فَجَعَلَ الْقَوْمُ) أي الصّحابة رضي الله عنهم (يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ) أي يأخذها بعضهم من بعض تعجّبًا من لِينها وحسنها، فخاف صلى الله عليه وسلم عليهم الميل إلى الدنيا، فزهّدهم فيها، ورغّبهم في الآخرة بما أشار إليه بقوله:(فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ "، فَقَالُوا لَهُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه" قَسَمٌ أقسم به النبيّ صلى الله عليه وسلم تأكيدًا للأمر، وقوله: (لمنَادِيلُ سَعْدَ بْنِ مُعَاذٍ) بفتح اللام، وهو جمع منديل، وهو هذا الّذي يُحمل في اليد، قال ابن الأعرابيّ وغيره: هو مشتقّ من الندل، وهو النقل؛ لأنه يُنقل من واحد إلى واحد، وقيل: من الندل، وهو الوَسَخُ، لأنه يُندل به. وقال الخطابيّ رحمه الله: إنّما ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم المثل بالمناديل؛ لأنها ليست من عِلّيّة الثِّياب، بل هي تُبتذل في أنواع من المرافق،
(1)"النهاية" 2/ 362.
(2)
"الفتح" 11/ 471.
فتمسح بها الأيدي، وينفض بها الغبار عن البدن، ويُعطي به ما يُهدى في الأطباق، وتتخذ لِفافًا للثياب، فصار سبيلها سبيل الخادم، وسبيل سائر الثِّياب سبيل الخدوم، فإذا كان أدناها هكذا، فما الظَّنُّ بعلّيّتها. انتهى (1) (في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا) قال القرطبيّ رحمه الله: هذه إشارة إلى أدنى ثياب سعد؛ لأن المناديل إنّما هي مُمتهنة مُتخذةٌ لمسح الأيدي بها من الدنس والوسخ، وإذا كان هذا حال المنديل، فما ظنك بالعمامة والحلّة؟.
ولا يُظنّ أن طعام الجنّة وشَرابها فيهما ما يُدنّس يدَ المتناول حتّى يُحتاج إلى منديل، فإن هذا ظنّ من لا يعرف الجنّة، ولا طعامها، ولا شرابها؛ إذ قد نزّه الله الجنّة عن ذلك كلّه، وإنما ذلك إخبار بأن الله أعدّ في الجنّة كلّ ما كان يُحتاج إليه في الدنيا، لكن هي على حالة هي أعلى وأشرف، فأَعدَّ فيها أمشاطًا، ومَجَامرَ، وأُلُوّةً، ومناديل، وأسواقًا، وغير ذلك ممّا تعارفناه في الدنيا، وإن لم نحتج له في الجنّة إتمامًا للنعمة، وإكمالًا للمنّة. انتهى (2)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (28/ 157) فقط، وأخرجه (البخاريّ)(3249) و (3802) و (5836) و (6640) و (مسلم) في (2468) و (الترمذي)(3847) و (النَّسائيُّ) في "فضائل الصّحابة"(8164) و (الطيالسيّ) في "مسنده"(710) و (ابن سعد) في "الطبقات" 3/ 435 و (أحمد) في "مسنده" في (18544) و (ابن حبّان) في
(1)"الكاشف عن حقائق السنن" 12/ 3930 - 3931.
(2)
"المفهم" 6/ 384.
(7035)
و (7036) و (البغويّ) في "شرح السنّة في (3981)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
1 -
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله، وهو بيان فضل سعد بن معاذ رضي الله عنه.
2 -
(ومنها): أن في الجنَّة كلّ ما تشتهيه النفس، وتلذّ الأعين، من كلّ ما يحتاجه النَّاس في الدنيا.
3 -
(ومنها): التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة.
4 -
(ومنها): ما كان عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم من المحافظة على أمته حتّى لا يغترّوا بزخارف الدنيا، وينسوا الآخرة، وقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه، في حديثه الطَّويل، وفيه:"فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أهلكتهم"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه رحمه الله في أول الكتاب قال:
158 -
(حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ عز وجل لمِوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عليّ بن محمّد) الطنافسيّ المذكور في الباب الماضي.
2 -
(أبو معاوية) محمّد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار [9] 1/ 3.
3 -
(الأعمش) سليمان بن مِهْران المذكور في الباب الماضي.
4 -
(أبو سفيان) طلحة بن نافع القُرَشيُّ مولاهم الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكّة، صدوقٌ [4].
رَوَى عن جابر بن عبد الله، وأبي أَيّوب الأنصاري، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن الزُّبير، وأنس، وعبيد بن عمير، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وهو راويته، وأبو بِشر جعفر بن أبي وحشية، والمثنى بن سعيد، وحصين بن عبد الرّحمن، وابن إسحاق، وأبو بِشْر الوليد بن مسلم العنبري، وشعبة حديثًا واحدًا، وغيرهم.
قال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: روى عنه النَّاس، قيل له: أبو الزُّبير أحب إليك أو هو؟ قال: أبو الزُّبير أشهر، فعاوده بعضُ من حَضر، فقال: الثقة شعبة وسفيان. وقال أبو حاتم: أبو الزُّبير أحب إلي منه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا شيء. وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنّما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة. وعند البخاريّ قال مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر. وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: لا بأس به، روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وروى له البخاري مقرونًا بغيره.
وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قال أبي: لم يسمع من أبي أَيّوب. وفي "العلل الكبير" لعلّي بن الديني: أبو سفيان لم يَسْمَع من جابر إِلَّا أربعة أحاديث، وقال فيها: أبو سفيان يُكْتَب حديثه، وليس بالقوي. وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إِلَّا أربعة أحاديث.
قال الحافظ: لم يُخرج البخاريّ له سوى أربعة أحاديث عن جابر، وأظنها الّتي عناها شيخه علي بن المديني، منها حديثان في "الأشربة" قَرَنه بأبي صالح، وفي "الفضائل" حديث "اهتز العرش" كذلك، والرّابع في تفسير "سورة الجمعة" قَرَنه بسالم ابن أبي الجعد. وقال أبو بكر البزار: هو في نفسه ثقة.
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (26) حديثًا.
5 -
(جابر) بن عبد الله الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله عنهما 1/ 11، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله.
2 -
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إِلَّا شيخه، فتفرّد به هو والنَّسائيّ في "مسند عليّ رضي الله عنه ".
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، إلى الأعمش، وأبو سفيان واسطيّ، ثمّ مكيّ، وجابر رضي الله عنه مدنيّ ثمّ مكيّ.
4 -
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعي.
5 -
(ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، روى (1540) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ عز وجل لمِوْتِ سَعْدِ ابْنِ مُعَاذ") أي فرَحًا بقدومه رضي الله عنه.
قال النوويّ رحمه الله: اختلف العلماء في تأويله، فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحرُّكه فرَحًا بقدوم روح سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزًا حصل به هذا، ولا مانع منه كما قال تعالى:{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]، وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الّذي قاله النوويّ رحمه الله حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، قال: وهذا لا يُنكَر من جهة العقل؛ لأن العرش جسم من الأجسام، يَقْبَل الحركة والسكون، قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك إِلَّا أن يقال: إن الله تعالى جَعَل حركته علامة للملائكة على موته.
وقال آخرون: المراد اهتزاز أهل العرش، وهم حملته، وغيرهم من الملائكة،
والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول، ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يُريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها.
وقال الحربيّ: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تَنسُب الشيءَ المُعَظَّم إلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة.
وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة، وهو النعش، وهذا القول باطلُ يَرُدُّه صريح هذه الروايات الّتي ذكرها مسلم:"اهتزّ لموته عرش الرّحمن"، وإنّما قال هؤلاء هذا التّأويل؛ لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات الّتي في مسلم. والله أعلم. (1).
[تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" بعد إخراج حديث جابر رضي الله عنه هذا من طريق فُضيل بن مُسَاور خَتَن أبي عوانة، عن أبي عوانة، عن الأعمش، فقال:"وعن الأعمش حَدَّثَنَا أبو صالح، عن جابر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله، فقال رجل لجابر: فإنّ البراء يقول: اهتزّ السرير، فقال: إنّه بين هذين الحيين ضَغَائنُ، سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "اهتر عرش الرّحمن لموت سعد بن معاذ".
قال في "الفتح": قوله: فقال رجل لجابر، لم أقف على اسمه، وقوله: فإن البراء يقول: اهتز السرير، أي الّذي حُمِل عليه، وقوله: إنّه كان بين هذين الحيين، أي الأوس والخزرج، قوله: ضغائن -بالضاد، والغين المعجمتين، جمع ضغينة- وهي الحقد، قال الخطابي: إنّما قال جابر ذلك؛ لأن سعدًا كان من الأوس، والبراء خزرجي، والخزرج لا تُقِرّ للأوس بفضل.
قال الحافظ: كذا قال، وهو خطأ فاحش، فإن البراء أيضًا أوسيٌّ؛ لأنه ابن عازب ابن الحارث بن عَدِيّ بن مَجْدَعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، يجتمع مع سعد بن معاذ في الحارث بن الخزرج، والخزرج والد الحارث بن الخزرج، وليس هو الخزرج الّذي يقابل الأوس، وإنّما سُمِّي على اسمه.
(1)"شرح مسلم" 16/ 22.
نعم الّذي من الخزرج الذين هم مقابلو الأوس جابر، وإنما قال: جابر ذلك إظهارًا للحق، واعترافًا بالفضل لأهله، فكأنه تعجب من البراء، كيف قال ذلك مع أنه أوسيّ؟، ثمّ قال: أنا وإن كنت خزرجيا، وكان بين الأوس والخزرج ما كان لا يمنعني ذلك أن أقول الحق، فذكر الحديث.
والعذر للبراء أنه لم يَقصِد تغطية فضل سعد بن معاذ، وإنّما فَهِمَ ذلك، فجَزَم به، هذا الّذي يَلِيق أن يُظَنَّ به، وهو دالّ على عدم تعصبه.
ولما جَزَم الخطابي بما تقدّم احتاج هو ومن تبعه إلى الاعتذار عما صدر من جابر في حق البراء، وقالوا في ذلك: ما مُحَصَّلُهُ: إن البراء معذور، لأنه لم يَقُل ذلك على سبيل العداوة لسعد، وإنّما فَهِمَ شيئا محتملًا، فحمل الحديث عليه، والعذر لجابر أنه ظن أن البراء أراد الغض من سعد، فساغ له أن ينتصر له. والله أعلم.
وقد أنكر ابنُ عمر ما أنكره البراء، فقال: إن العرش لا يهتز لأحد، ثمّ رجع عن ذلك، وجزم بأنه اهتز له عرش الرّحمن، أخرج ذلك ابن حبّان من طريق مجاهد عنه.
والمراد باهتزاز العرش استبشاره وسروره بقدوم روحه، يقال لكل من فَرِحَ بقدوم قادم عليه اهتز له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات، إذا اخضَرَّت، وحَسُنت، ووقع ذلك من حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ:"اهتَزّ العرش فرحا به"، لكنه تأوله كما تأوله البراء بن عازب، فقال: اهتز العرش فرحًا بلقاء الله سعدًا حتّى تفسخت أعواده على عواتقنا، قال ابن عمر -يعني عرش سعد الّذي حُمِل عليه- وهذا من رواية عطاء ابن السائب، عن مجاهد، عن ابن عمر، وفي حديث عطاء مقال، لأنه ممّن اختلط في آخر عمره، ويعارض روايته أيضًا ما صححه التّرمذيّ، من حديث أنس رضي الله عنه قال: لمّا حُملت جنازة سعد بن معاذ، قال المنافقون: ما أخفّ جنازته؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة كانت تحمله".
قال الحاكم:. الأحاديث الّتي تُصَرِّح باهتزاز عرش الرّحمن مُخَرَّجة في "الصحيحين"، وليس لمعارضها في الصّحيح ذكر، انتهى.
وقيل: المراد باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش، ويؤيده حديث:"إن جبريل قال: من هذا الميِّت الّذي فُتحت له أبواب السَّماء، واستبشر به أهلها"، أخرجه الحاكم.
وقيل: هي علامةٌ نَصَبَها الله لموت من يموت من أوليائه لِيُشعِر ملائكته بفضله.
وقال الحربيّ: إذا عَظَّموا الأمر نسبوه إلى عظيم، كما يقولون: قامت لموت فلان القيامة، وأظلمت الدنيا، ونحو ذلك.
وفي هذه منقبة عظيمة لسعد رضي الله عنه، وأما تأويل البراء رضي الله عنه على أنه أراد بالعرش السرير الّذي حُمِل عليه، فلا يستلزم ذلك فضلا له؛ لأنه يَشْرَكُه في ذلك كلُّ ميت إِلَّا أن يريد اهتز حملةُ السرير فرحًا بقدومه على ربه فيتجه.
ووقع لمالك نحوُ ما وقع لابن عمر أوّلًا، فذكر صاحب "العتبية" فيها أن مالكا سُئل عن هذا الحديث، فقال: أنهاك أن تقوله، وما يدعو المرءَ أن يتكلم بهذا، وما يدري ما فيه من الغُرور، قال أبو الوليد بن رُشْد في "شرح العتبية": إنّما نَهَى مالك لئلا يَسبِق إلى وهم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته كما يقع للجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار الله تبارك الله وتَنَزّه عن مشابهة خلقه، انتهى ملخصا.
قال الحافظ: والذي يظهر أن مالكا ما نَهَى عنه لهذا؛ إذ لو خشي من هذا لما أسند في "الموطإ" حديث: "يَنْزل الله إلى سماء الدنيا
…
" لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش، ومع ذلك فمعتقد سلف الأئمة، وعلماء السنة من الخلف أن الله مُنَزَّه عن الحركة والتحول والحلول، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].
ويحتمل الفرق بأن حديث سعد ما ثبت عنده، فأمر بالكف عن التحدث به، بخلاف حديث النزول، فإنّه ثابت، فرواه ووَكَلَ أمره إلى فهم أولي العلم الذين يسمعون في القران {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] ونحو ذلك.
وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ رضي الله عنه عن عشرة من الصّحابة رضي الله عنهم، أو
أكثر، وثبت في "الصحيحين" فلا معنى لإنكاره (1)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي الله عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (28/ 158) فقط، وأخرجه (سعيد بن منصور)(2963) و (ابن سعد) في "الطبقات" 3/ 433 - 434 و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" 2/ 142 و (عبد الرزّاق) في "مصنفه"(6747) و (أحمد) في "مسنده" 3/ 316 و 295 و 349 و (البخاريّ) 5/ 44 و (مسلم) 7/ 150 و (التِّرمذيِّ)(3848) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(7031 و 7029) و (الطَّبرانيُّ)(5335 و 5337 و 5338 و 5339) و (البغويّ) في "شرح السنة"(3980)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1)"فتح" 7/ 154 - 156.