الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومع ذلك فلقد ذكرنا أن في التعريف الماركسي- الذي سبق أن وجدناه عند (ماوتسي تونج) - عنصراً سلبياً، أو جانباً هداماً، يرجع بكل تأكيد إلى الجانب الثوري.
فلماذا، وإلى أي مدى يستطيع هذا العنصر أن يقدم لنا مقياساً مهما عندما نحتاج أن نصوغ مذهباً في الثقافة؟.
إن من الواجب أن نضع نصب أعيننا (ماضياً) تتكون فيه أحياناً الأشياء والأفكار الميتة الخامدة، و (مستقبلاً) ينبغي أن يشيد على الأفكار والأشياء الحية الناشطة.
والحق أننا قد قلنا جوهر رأينا في مقدمة هذه الدراسة، فيما يخص هذا الجانب السلبي الضروري في تحديد معنى (الثقافة)، وذلك عندما تحدثنا عن (الأفكار الممرضة) التي تنقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى آخر.
ومن الواضح أنه لا يمكن تعرف (ثقافة حية وباعثة) دون أن ندرك خطر هذه الجراثيم الثقافية التي يتحتم القضاء عليها.
تصور آخر للمشكلة:
عندما افتتح الرئيس (جمال عبد الناصر) العيد الذهبي لجامعة القاهرة، وجه الخطاب إلى مستعيه من الطلبة والأساتذة قائلاً:((إنني جئت لأضع على كاهلم مسؤولية المستقبل)).
وهذه الكلمات حين تقال في مكان كهذا ولهؤلاء المستمعين، إنما تعني أن مشكلة الثقافة أصبحت ذات شأن كبير في ضمير العالم العربي.
ولكن من أين لنا حل مشكلة كهذه؟
لا شك أن فيما عرضناه من آراء مختلفة إشارات ثمينة، لكن هذه الإشارات
- على الرغم من أنها لا تقدّر بثمن- ليست في الحقيقة حلاً لمشكلتنا، فإن للمشكلات الاجتماعية نوعيتها التاريخية، وهذا يعني أن ما يصلح لمجتمع معين في مرحلة معينة من تاريخه، قد تنعدم فائدته تماماً بالنسبة له في مرحلة أخرى.
وذلك هو ما عبر عنه (لنتون) و (أوجبرن) بصورة غير مباشرة، عندما تحدثا عن جانب (تطور الثقافة)، وهو ما أراد (ماوتسي تونج) قوله أيضاً، وبصورة أكثر تحديداً عندما سجل في كتابه هذه العبارة:
((ورب شيء جديد في مرحلة تاريخية معينة يصبح قديماً في مرحلة تاريخية أخرى)) (1)
فلو صح هذا بالنسبة لمجتمع واحد معين في حقبتين مختلفتين من تاريخه، فكم يكون صحيحاً بالنسبة لمجتمعين مختلفين، قد اختلف فيهما أيضاً عمر التطور الاجتماعي.
ولهذا نستطيع أن نقرر بصفة عامة أن من الخاطرة أن نقتبس حلاً أمريكياً أو حلاً ماركسياً، كما نطبقه على أية مشكلة تواجهنا في العالم العربي والإسلامي، لأننا هنا أمام مجتمعات تختلف أعمارها أو تختلف اتجاهاتها وأهدافها.
لكن هناك نتائج فنية تنبع من هذه النوعية التاريخية، وهي نتائج تتصل بطريقة مواجهة المشكلة التي تؤتر على طبيعة الحل.
فالواقع أننا لو تأملنا من قريب تعريف (لنتون) و (أوجبرن)، فسنجد فيهما- على الرغم من اختلافهما المذهبي- نظرة متجهة إلى واقع الأشياء، هو واقع الولايات المتحدة الأمريكية، أي واقع مجتمع له عمره ونموه؛ فلنا أن نعد تعريفهما نوعاً من التصور الإقليمي، أعني أنه فكرة صادرة من مكان واحد في وسط تاريخي واحد.
(1)[ص:59] الكتاب.
فإذا ما انتقلنا إلى مجال آخر، وجدنا أن وجهتي النظر الماركسي اللتين ذكرناهما يمكن أيضاً أن تتقاربا في تصور آخر، هو في هذه المرة روح الوسط الإيديولوجي.
فهناك في كلتا الحالين عنصر ضمني مكمل للتعريف، سواء كان ذلك في نطاق تاريخي هو نطاق الحضارة الغربية، أم كان في نطاق إيديولوجي هو نطاق الفكر الماركسي.
فتعريف الثقافة بصورة أو بأخرى مكتمل ضمناً في فكر عالم الاجتماع الأمريكي أو في فكر الكاتب الماركسي. والسؤال الذي يرد أمام كليهما في صورة (ما هي الثقافة؟) يأخذ لديه الاتجاه نفسه والمعنى نفسه، فهي تتصل لديهما بفهم واقع اجتماعي معين موجود بالفعل في نطاق تاريخي معين، أو موجود في حيز القوة في نطاق فكري معين أيضاً.
أما إذا وضع هذا السؤال في العالم العربي والإسلامي، فإنه يأخذ معنى آخر مختلفاً تمام الاختلاف؛ إذ هو يتصل بخلق واقع اجتماعي معين لم يوجد بعد.
وعليه فإن وضع المشكلة مختلف كما قلنا تماماً، ولعل الآراء التي عرضناها تعطينا في هذا الصدد توجيهات قيمة، وإن كانت في الحق لا تمنحنا حلولاً حقيقية، لأن الحلول التي قد توحي بها إلينا بهذه الطريقة لن تصادف في عقولنا العنصر الذي يكملها ضمناً، والذي تجده تلقائياً في العقل الأمريكي أو في العقل الماركسي.
وغني عن البيان أن حلاً يجعل من عالم الأشياء هيكل البناء الثقافي، لا يمكن تطبيقه في البلاد العربية والإسلامية، حيث لم تملك بعد (عالم الأشياء).