الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثقافة وعلم الاجتماع
لكن القرن التاسع عشر قد أحدث تقدماً في مفهوم كلمة (ثقافة)، أي أنه قد أحد خطوة في طريق تطوير تعريفها.
فعلم الوقائع الاجتماعية قد بدأ بـ (أوجست كونت) الذي يعدونه أباً لعلم الاجماع، والواقع أن ابن خلدون كان قد وضع معالم الطريق، فقبل ظهوره كان التاريخ ضرباً من (الأحداث المتتابعة)، حتى إذا جاء وجدناه يخلع على التاريخ نظرة جديدة، فهو حين وصله بمبدأ السببية أدرك بتلك النظرة معنى تتابع الأحداث من حيث كونه عملية تطور، كما حدد معنى الواقع الاجتماعي من حيث كونه مصدراً لتلك الأحداث ولتطورها.
ومع ذلك فإن القرن التاسع عشر قد شهد حقلاً من حقول الدراسة أكثر اتساعاً، ووسائل للبحث والتحقيق أخصب وأكثر تنوعاً.
فعلم الإنسان وعلم الأجناس وعلم النفس والاقتصاد السياسي، تتلاقى أضواؤها جميعاً وتتركز في نقطة واحدة هي الواقع الاجتماعي، فهي تتناوله بطريقة أعظم اتساعاً وعمقاً.
وإذا بفكرة (ثقافة) تزداد جلاء في هذا المجال المضيء، وتصبح مفهوماً أكثر تحديداً، بحيث أصبحت إحدى مشكلات علم الاجتماع، وآن الأوان ليثور في أذهان المفكرين سؤال هو: ما هي الثقافة؟.
وهو سؤال اضطرتهم إليه الأفكار الجديدة التي حملها إليهم، علم النفس وعلم
الاجتماع وعلم الأجناس، وهو يدل على الحاجة إلى خطوة جديدة في طريق تحديد معنى الكلمة، للانتقال من الفكرة العفوية الموروثة عن عصر النهضة الأوربية إلى فكرة علمية جديدة.
وكان من الطبيعي أن يظل تصور (الثقافة) على ما كان عليه في عصر النهضة، أي على أنها جموع ثمرات الفكر في ميادين الفن والفلسفة والعلم والقانون
…
إلخ.
بيد أن هذا التعريف التاريخي لا يتفق كثيراً مع طبيعة الفكر في القرن التاسع عشر، باعتباره قرن التشريح والتحليل الكيماوي.
فلقد كان عمل القرن التاسع عشر في أوربا متجهاً إلى تحليل الوقائع داخل العمل، أكثر من اتجاهه إلى دراستها في حجرة الدراسة أو في بطون الكتب أو في آثار التاريخ؛ وبذلك كان من الطبيعي أن تدخل فكرة (الثقافة) إلى معرفة بنائها وأجزائها وعناصر تركيبها الأولية، باستخدام طرق التشريح والتحليل.
ومن هنا نشأت محاولات تهدف إلى وضع تعريف جديد للثقافة، إذ لم يعد التعريف التاريخي الذي خلفه عصر النهضة بكاف في إقناع المنطق الجديد.
وهنا ينشأ تيار جديد وسط تقاليد الفكر الكلاسيكي وعاداته، تلك التي كانت ترى في الثقافة ميراثاً من مواريث روما وأثينا، وتفسر (النهضة) على أنها هي ذاتها (عودة التاريخ القديم).
لكن هذا الفكر الجديد يلاحظ أن فكرة (ثقافة)، تمتد لتشمل ما وراء ما أطلق عليه (الإنسانيات الإغريقية اللاتينية)، وأن معناها يتجاوز ما أنتجته قرائح الفكر الكلاسيكي من أعمال أدبية، ليضم في رحابته واقعاً اجتماعياً يتجاوز هو أيضاً حدود أوربا وليحمل بصورة عامة طابع العبقرية الإنسانية، فهذا هو