المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌طبيعة العلاقة الثقافية: - مشكلة الثقافة

[مالك بن نبي]

فهرس الكتاب

- ‌تصدير

- ‌الإهداء

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌الفصل الأولتحليل نفسي للثقافة

- ‌أوّليات

- ‌ما هي الثقافة

- ‌عملية التعريف:

- ‌فكرة الثقافة:

- ‌الثقافة وعلم الاجتماع

- ‌بعض الأفكار:

- ‌موازنة هذه الآراء:

- ‌تصور آخر للمشكلة:

- ‌تعريف آخر للثقافة:

- ‌ما هي الثقافة

- ‌الجانب النفسي والجانب الاجتماعي

- ‌طبيعة العلاقة الثقافية:

- ‌الثقافة والمقاييس الذاتية:

- ‌الفصل الثانيتركيبٌ نفسِيٌّ للثقافَة

- ‌تَرَاكيبُ جزئيَّة وَتركيب عام

- ‌توجيه الأفكار

- ‌توجيه الثقافة:

- ‌الحَرفيَّة في الثقافة

- ‌معنى الثقافة في التاريخ:

- ‌معنى الثقافة في التربية:

- ‌التوجيه الأخلاقي

- ‌التوجيه الجمالي:

- ‌المنطق العملي:

- ‌التوجيه الفني أو الصناعة:

- ‌الأزمة الثقافية

- ‌الفصل الثالثتَعَايُش الثَقافات

- ‌نظرات في تعايش الثقافات:

- ‌تعايش ثقافي على محور طنجة - جاكرتا:

- ‌الفصل الرابعالثَقافة في اتّجاهِ العَالَميَّة

- ‌الفصل الخامسما ضد الثقافة L'anti culture

- ‌خاتمة

- ‌المسارد

الفصل: ‌طبيعة العلاقة الثقافية:

ولقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلاقة في صورة أخاذة تخلع على الأفكار وعلى الأشياء قيمتها العقلية، وفاعليتها الاجتماعية حين قال:

«مثل ما بعثني الله عز وجل به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكانت منها بقعة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير؛ وكانت منها بقعة أمسكت الماء، فنفع الله عز وجل بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا؛ وكانت منها طائفة قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ» [متفق عليه].

ففي هذا النص تدرج من الأعلى للأدنى في تصوير علاقة الفرد والمجتمع بالعلم، أي بالأفكار والأشياء.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم أراد من هذا التدرج ذي الدرجات الثلاث أن يرمز إلى عصور ثلاثة يمر بها المجتع، يبدأ تاريخه بمرحلة يحدث فيها تقبل الأفكار وإبداعها وتمثلها؛ تليها مرحلة تبلغ فيها الأفكار إلى مجتمعات أخرى؛ ثم تعقب مرحلة يتجمد فيها عالم الأفكار فيصبح ليست لديه أدنى فاعلية اجتماعية.

فيمكننا أن نقول: إن المجتمع الإسلامي في عصر الفارابي كان يخلق أفكاراً، وأنه كان على عهد ابن رشد يبلّغها إلى أوروبا، وأنه بعد ابن خلدون لم يعد قادراً لا على الخلق ولا على التبليغ.

‌طبيعة العلاقة الثقافية:

قلنا من قبل: إن القيمة الثقافية للأفكار وللأشياء تقوم على طبيعة علاقتها بالفرد، وإن (نيوتن) بدلاً من أن يأكل التفاحة قد استخرج معناها، إذ كانت صلته بعالم الأشياء جد مختلفة عما كان لجده في القرن الحادي عشر.

هذه الصلة تجسد لنا ما اصطلحنا على تسميته (بالعلاقة المتبادلة) بين سلوك الفرد وأسلوب الحياة في مجتمع معين، فهي الجانب العضوي من هذه العلاقة.

ص: 49

فمن الطبيعي إذن أن نتساءل عن طبيعتها، وعن كيفية تكوينها لدى الفرد؟

فالفرد كما نعلم ينمي كيانه المادي في مجال حيوي ( Biosphère)، يمنحه منذ ميلاده العناصر الضرورية لنموه؛ فكأن هذه العناصر تذوب في بنية الفرد لتنميها، وهو انحلال يحدث بواسطة عمليات الهضم والتمثيل ودوران الدم والتنفس، الى غير ذلك مما نحدث علماء الحياة عن تفاصيله الكثيرة.

فلو جاز لنا من الوجهة الحيوية أن نفسر هذه العمليات على أنها تعبير عضوي عن الحياة، فإن هذه بدورها يمكن أن تفسر على أنها صلة بين الفرد وبين الوسط الذي ينمي فيه وجوده المادي، إذ أن هذه العمليات ليست في الواقع سوى أشكال متنوعة لعلاقته بالمجال الحيوي.

ولقد يقودنا هذا التصور إلى عالم آخر يستمد منه الفرد ما يحتاجه من عناصر النمو، لالكيانه المادي بل لكيانه النفسي.

والثقافة هي التعبير الحسي عن علاقة الفرد بهذا العالم أي بالمجال الروحي Noosphère الذي ينمي فيه وجوده النفسي، فهي نتيجة هذا الاتصال بذلك المناخ.

فالفرد إذا ما فقد صلته بالمجال الحيوي قررنا أنه مات موتاً مادياً، وكذلك الأمر إذا فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه يموت موتاً ثقافياً.

فالثقافة إذن- إذا ما رددنا الأمور إلى مستوى اجتماعي- هي حياة المجتمع التي بدونها يصبح مجتمعاً ميتاً.

ولقد لاحظنا حين عقدنا موازنة بين الطبيب الإنجليزي أو الفرنسي وبين زميله المسلم- فيما يتعلق بجانب الفاعلية الاجتماعية- أن الفرق بينهما لا يمكن أن

ص: 50

يعزى إلى منهج الدراسة أو إلى المؤسسة التعليمية، إذ هي واحدة بالنسبة لكليهما؛ فبقي إذن أن يعزى هذا الفرق في السلوك إلى أسباب أعم، تتضح أماراتها عندما نعقد موازنة أخرى، هي هذه المرة بين الطبيب الإنجليزي والراعي الإنجليزي، وستكون هذه الموازنة مفيدة لنا فائدة كاملة لأنها تتيح لنا أن ندرك فكرة (الثقافة) في أعم مظاهرها.

فطبيب وراع لا يمكن أن يلتقيا في المكونات الخاصة التي تمليها المهنة، ومع ذلك فإن هنالك تشابهاً عجيباً في سلوكهما الخاص، هذا التشابه من أخص الأمور وأهمها في تحديد ثقافة مجتمع معين، هو يحدد في الواقع أسلوب حياة ذلك المجتمع، كما يحدد سلوك أفراده ومدى ما بينهم من تبادل في هذين الجانبين.

فلدى ميلاد المجتمع الإسلامي مثلاً كانت ثقافة هذا المجتمع جد متجانسة، متحدة الطابع عند الخليفة والبدوي البسيط، وذلك يتجلى في موقف عمر رضي الله عنه عندما خطب المسلمين غداة توليه الخلافة، فقال قولته المشهورة:((أيها الناس: من رأى منكم فيّ أعوجاجاً فليقومه)).

وكان الرد على هذه المقولة ما نطق به أحد أولئك البدو البسطاء: ((والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا)).

هذا الحوار الفريد كان يطبع بطريقة رائعة أسلوب الحياة في مجتمع، اتحدت فيه حركات الفكر والعواطف ودوافع العمل؛ وفي كلمة واحدة: اتحد فيه شكل السلوك لدى الخليفة والبدوي البسيط. والواقع أن عمر في قولته تلك كان متجهاً صوب المجتمع الإسلامي، وأن الذي أجابه إنما هو ذلك المجتمع على لسان البدوي.

وهكذا نرى بطريقة مباشرة العلاقة المتبادلة بين الجانب النفسي والجانب الاجتماعي متجسدة في رجلين، كان موقفهما انعكاساً لأسلوب الحياة من ناحية، وتعبيراً عن سلوك معين خاص بالمسلم في ذلك العصر من ناحية أخرى.

ص: 51

وفي الوقت ذاته يظهر هذا التشابه الحدود الروحية للمجتمع، حين يرسم داخل هذه الحدود معالم ثقافة محددة.

فالخليفة المسلم والراعي المسلم يتصفان بسلوك واحد لأن جذور شخصيتهما تغور في أرض واحدة، هي المجال الروحي للثقافة الإسلامية.

والطبيب الإنجليزي والطبيب المسلم يختلف سلوكهما لأن جذورهما لا تغوص في الأرض نفسها، على الرغم من أن تكوينهما المهني يتم في إطار منهج فني واحد.

فلكل ثقافة وجودها الخاص، الذي تزداد معه قدرتها على التمييز كلما تغير المستوى الاجتماعي لجانبي الموازنة، فلو أننا بدلاً من أن نعقد هذه الموازنة بين طبيبين عقدناها بين طبيب إنجليزي ورجل من عامة المسلمين، فسنجد أن فروق السلوك تزداد بصورة مذهلة، ومن السهل أن نلاحظ ذلك في إحدى دور السينما.

لقد شاهدت في إحدى العواصم العربية رواية سينمائية مقتبسة عن إحدى روائع شكسبير (عطيل)، وتأثير هذه الرائعة في المسرح أو في السينما في أوروبا معلوم لنا، وخاصة لحظة وصولها إلى حل عقدتها عندما يقتل البطل صاحبته ثم ينتحر. لقد تركزت المهارة الروائية كما تؤدي بالموقف إلى هذا الحل الذي ادخر له الكاتب الإنجليزي كل موارد عبقريته، ليثير في وجدان المتفرج أعظم قدر من الانفعال، لكن هذه العبقرية أوربية، وهذا المتفرج أيضاً أوربي، فشخصيتهما منطوية على العناصر الذاتية نفسها، لأن جذورها تمتد في أرض واحدة، أمدتهما باستعداد واحد لتقبل المؤثرات.

أما جذور المتفرج المسلم فإنها تمتد في أرض أخرى، فذاتيته واستعداده للتقبل والانفعال مختلفان، ولذلك فقد يحدث أن نراه يضحك حيث يؤدي الموقف بالمتفرج الأوربي إلى البكاء.

ص: 52