الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن الواضح أيضاً أن مجتمعاً عندما يولد أو عندما ينهض لا يكون لديه (عالم الأشياء)، وبالتالي لا يكون لديه سوى (عالم الأفكار)، يلتمس فيه إخصاب فكره، وبواعث ثقافته؛ أعني: مبادئ التجديد والخلق والإبداع.
من أجل هذه النوعية التاريخية في المشكلة لا يمكن أن تستورد الحلول، كما تستورد من الخارج قضبان الحديد أو المواد الخامة.
تعريف آخر للثقافة:
فلو أننا عدنا إلى التعريفات السابقة، سواء منها ما عبر عن وجهة النظر الغربية أم الماركسية، لم نجد في كل منها على حدة ما يدعو إلى الاعتراض.
فليس نقصها راجعاً إلى خطأ فيها، بل لأن مضمونها لا يمكن أن يعطينا مفتاح المشكلة في الظروف النفسية الزمنية التي تكتنفها في البلاد العربية والإسلامية، على الرغم من أنها -كما قلنا من قبل- مكتملة في فكر أصحابها بواسطة عنصر ضمني تقدمه الحضارة الغربية في جانب، أو الإيديولوجية الماركسية في جانب آخر.
فتعريف (لنتون) الذي يرى الثقافة على أنها مجموعة من الأفكار سليم، ولكنه ناقص من نواح عديدة.
وتعريف (أوجبرن) الذي يرى الثقافة على أنها جملة من الأشياء والأفكار سليم أيضاً، ولكنه ناقص من نواح أخرى.
أما التعاريف الماركسية للثقافة التي تذهب إلى أنها انعكاس للمجتمع، فهي سليمة أيضاً دون أن تكون أكثر إقناعاً، في وطن تقتضي المشكلة فيه حلاً أساسياً، أي حيث لا تكون المشكلة مشكلة فهم وتفسير لواقع اجتماعي معين، بقدر ما هي مشكلة خلق لهذا الواقع الاجتماعي.
ومن هنا كان علينا أن نتصور تعريفاً للثقافة، لا من زاوية نظرية فحسب، بل لابد أن ينضاف إليها وجهة النظر العملية أو التربوية.
وعليه فلو افترضنا أن تعريفاً معيناً توفر له شرط الصحة، ولكنه في ذاته مقتصر على الجانب النظري، لم يكن في رأينا كافياً في بلد لا تساعد ظروفه العامة على تكملة مضمونه بطريقة ضمنية؛ فعندما يضع أمريكي مشكلة الثقافة في إطار نظري، فإن مضمون الثقافة الأمريكية محدد من قبل بحكم الظروف العامة الناتجة عن الحضارة الغربية.
وعندما يذهب ماركسي المذهب نفسه في تعريفها، فإن مضمون الثقافة التي يعرفها مكمل ضمناً بفضل الإيديولوجية الماركسية.
أما عندما يراد تعريف الثقافة تعريفاً نظرياً في بلد ليس فيه ما يكمل هذا التعريف ضمناً، سواء بما توفر لديه من تراث تاريخي أم إيديولوجي، فإن الأمر يصبح مشكلاً إشكالاً يحتاج معه إلى إيضاح.
وبذلك نجد أنفسنا منساقين مع طبيعة المشكلة الخاصة بالبلاد العربية والإسلامية إلى تطبيق منهج آخر، هو المنهج الذي يستخدم في تعريف الشيء المعقد.
والرسم الصناعي يعطينا في صورة رسم بياني فكرة عن تعريف الأشياء المعقدة، فإذا أردنا مثلاً تعريف نقطة (أي صورتها) بطريقة الرسم الصناعي، كان علينا أن نرسم نقطة مماثلة لها؛ فإذا أردنا تعريف خط معين، رسمنا خطاً مماثلاً له على مستوى معين، كما أنه إذا أريد تعريف مسطح هندسي رسم له مسطح على مستوى معين أيضاً؛ وتلك في الواقع أشكال بسيطة يمكن أن يدل على خصائصها جميعاً رسم بياني واحد.
أما إذا ما أريد تعريف شكل أكثر تعقيداً، كأن يكون ذا حجم مثلاً، فإن