الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
إن الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت بالقاهرة منذ اثنتي عشرة سنة، وكانت الأفكار التي تعرضها- فيما أعتقد- غريبة في الوسط المثقف العربي، إذ لم تكن سبقت دراسة في هذا الموضوع من دارس عربي، خصوصاً إذا أضفنا أن المؤلف- كما تبين هذا في الفصول الأولى- قد تناول القضية من زاوية جديدة، لأنه كان أثناء دراسته منقاداً بشعور من يبحث عن ضالة؛ بينما عالم الاجتماع في الغرب أو حتى في الشرق الأوروبي، يتناول الموضوع وهو ممتلئ بشعوره. أنه إنما يصف واقعاً اجتماعياً شاخصاً أمام عينيه في نظم بلاده، وفي فعالية السلوك حوله، وفي الترابط الواضح بين بني جلدته ومجتمعهم، ذاك الترابط الذي هو في جوهره التزام متبادل بين المجموعة والفرد.
بينما كان المؤلف مضطراً أن يقف موقف الباحث عن سبب أو أسباب هذا الالتزام، في مجتمعٍ فقده منذ شاعت فيه الروح الانعزالية التي وجدت فلسفتها في تلك الكلمة القتّالة:(عليك بخاصة نفسك) التي رددتها أجيال مسلمة عبر قرون عصر ما بعد الموحدين.
إذن كانت فعلاً الأفكار التي تعرضها هذه الدراسة غريبة، وغريبة من ناحيتين:
أولاً: لأنها لم تتوخ منهج الدراسات الغربية في الموضوع لأسباب منهجية قدمها المؤلف في الصفحات التالية.
وثانياً: لأن الأفكار المعروضة هنا ليست في جوهرها إلا أمتداداً وشرحاً تحليلياً من ناحية، وتركيباً من أخرى للأفكار التي قدمها في أحد فصول كتابه (شروط النهضة)، الذي نشر منذ ربع قرن باللغة الفرنسية، أي عندما كان الموضوع بكراً لا بالنسبة للعالم الإسلامي فحسب، بل أيضاً في بلاد الغرب.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن نضيف أن هذه الطبعة تمتاز بالنسبة للأولى بفصل جديد (الأزمة الثقافية)، رأيت من الضروري إضافته حتى أطلع القارئ العربي على أغوار أخرى للقضية.
إنني عندما أراجع نفسي بوصفي مؤلفاً، أراني سرت في الطبعة الأولى على قاعدة (العالم بخير)، أي أنه يكفي إبراز الجوانب الإيجابية للقضية لوضع يد القارئ على حلها، أو على الأقل لوضع قدميه في طريق حلها.
ولكن الأيام تكمل التجربة وتتم الخبرة، فالسنوات التي مرت منذ الطبعة الأولى بينت لي أن الأمر ليس على هذا الجانب من اليسر، وأن الدلالة على الخير- وإن كانت من الخير- لا تكفي لتحقيقه في الميدان العملي، إن لم تصحب هذه الإشارة الخيرة إشارة أخرى، تدل على مطبات الشر التي قد يتعثر السير عليها، وربما يستحيل أمامها.
إن الفصل الذي عقدته في هذه الطبعة لـ (الأزمة الثقافية)، إنما قصدت به أن أضع بعض معالم الإنذار على بعض تلك المطبات، التي تجعل سير المجتمع مستحيلاً، فلعل القارئ العربي يعيره بعض الاهتمام.
بيروت 16 ربيع الثاني 1391هـ
مالك بن نبي