الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صورة واقع اجتماعي معين، وآخر لا يعرفها إلا بوصفها مشروعاً، وثالث ما زال المشروع فيه غامضاً.
لكن تعدد وجوه الثقافة لا يساعدنا في تعريفها على أنها (شيء)، بل على أنها علاقة متبادلة، هي العلاقة التي تحدد السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع، كما تحدد أسلوب الحياة بسلوك الفرد.
فلكي نعرف الثقافة نجد أنفسنا مضطرين إلى أن ننظهر إلى المشكلة في اتجاهين، بل في ثلاثة اتجاهات، حتى يتسنى لنا أن نفهم عناصرها النفسية وعناصرها الاجتماعية، ثم نقر العلاقة الضرورية بين هذه العناصر جميعاً، وأخيراً لكي نصوغ هذه العلاقة صياغة تربوية وافية، تجعل التعريف قابلاً للتنفيذ كأنه (صورة) من صور الرسم الصناعي.
الجانب النفسي والجانب الاجتماعي
حينما عرفنا في الفصل السابق (الثقافة) على أنها علاقة متبادلة لم نحدد بذلك معنى هذا التبادل، لذلك فإن من واجبنا أن نبيِّن كيف يربط هذا التبادل شقين متحدين- وإن كانا منفصلين- في وظيفة محددة: أحد عضويها الفرد، والثاني المجتمع؛ وهي متفقة في الوجود مع عملية (تثقيف).
والفروق الموجودة بين تفسيرات الثقافة المختلفة باختلاف المدارس من جانب، وباختلاف أساتذة المدرسة الواحدة من جانب آخر، هذه الفروق إنما ترجع في جوهرها إلى هذا التبادل، الذي يبتغي كل فرد في نطاقه أن يعطي الأسبقية لأحد الجانبين حسب استعداده وأفكاره؛ فبعض الناس يقدم الجانب النفسي وبالتالي الفردي، معتبرين الثقافة قضية الإنسان؛ وآخرون يقدمون الجانب الاجتماعي ذاهبين إلى أن الثقافة (قضية المجتمع)، إذ هي تمثل في نظرهم صورة اشتراكية بالمعنى التكويني للكلمة.
واختلاف هذه الآراء جميعاً ناشئ عن تفسير العلاقة المتبادلة، سواء تقدم في تحديد هذه العلاقة- أي في تحديد الثقافة- جانب الفرد أم جانب المجتمع، جانب الفكرة أم جانب الشيء؛ فإذا ما فصلنا هذه الأمور وقدمنا واحداً من بينها على ما سواه، انتهى بنا المطاف إلى نظريات عرجاء تحجل ولا تستطيع المشي؛ ولقد يحدث أن ينتهي المطاف إلى معارك بين المدارس المختلفة، تحاول فيها النظرية التي تعرج بيمناها أن تزدري قرينتها التي تعرج بيسراها .. وهكذا.
إن من العسير أن نصل إلى تمييز موضوعي بين دور الفكرة ودور الشيء في ظاهرة التثقيف، إذ أننا ندرس عامة هذه الظاهرة في مرحلتها الحركية، أي في الحالة التي تكون فيها عناصرها مندمجة في حركة متواصلة، وفي هذه الحالة يصبح من العسير أن نحدد أياً من العناصر كان سبباً في الحركة.
فالحكم في هذا الموقف العسير يصحبه دائماً نوع من التطرف والغلو، الذي يظهر في صورة نزعة إقليمية ثقافية.
وعلى هذا نستطيع أن نتصور عملية التثقيف في مرحلتين متميزتين: المرحلة الحركية (الديناميكية) والمرحلة الساكنة (الاستاتيكية) التي تسبق المرحلة الديناميكية مباشرة، ولسنا نهتم هنا إلا بتلك المرحلة الأولى.
فالفكرة والشيء إذن مرتبطان ومتعاونان تعاون الذراع والعجلة في الآلات التي تغير حركة أفقية إلى حركة دائرية: فالذراع هو الفكرة، والعجلة هي الشيء.
والذراع هو ولا شك العضو المحرك، ومعلوم أنه لا يستطيع أن يتجاوز ما يطلق عليه (النقط الميتة) في حركته، إذا لم تساعده العجلة على اجتيازها بفضل ما لديها من طاقة مختزنة.
فلا مجال إذن في المرحلة الديناميكية لأن نغض من قيمة الدور الذي يؤديه الشيء في ظاهرة التثقيف.
ولكن قد يحدث في هذه المرحلة وبحكم ظروف خاصة أن يقر التاريخ أسبقية معينة، فنرى في هذه الظروف مجتمعاً معيناً يفقد- إلى حين- السيطرة على (عالم أشيائه)، وعلى الرغم من هذا فهو يحتفظ بالقدرة على إنشائه مرة أخرى، كما حدث في ألمانيا عام 1945م.
وبذلك تكون القدرة الخلاقة هي قوة (الأفكار) إذ أن الحرب لم تستطع أن تهدها، بل أتاحت لألمانيا أن تنهض مرة أخرى بعد اندحار الهتلرية: فها نحن أولاء نرى العجلة تتوقف دون أن تتوقف الحركة.
وتتجلى القدرة الخلاقة في الفكرة في التفاصيل ذات الأهمية البسيطة، كما يمكننا أن نلاحظه في هذه الأيام في قربات الباعة الجائلين في شوارع القاهرة، حيث يبيعون (الفوانيس) الملونة لتسلية الأطفال في ليالي رمضان.
فمن الواضح أن (الفوانيس) - وهي شيء- قد أوجدها معنى رمضان، أعني فكرة.
فلا مجال إذن لأن ننكر دور الشيء في خلق الثقافة، ولكنا لا يمكن بحال أن نُخْضِع له الفكرة، بل ينبغي أن نعترف لها بأسبقية معينة في هذا المجال، وبقدر ما يصعب علينا ملاحظة هذه الأسبقية في المرحلة الديناميكية، في نمو ثقافة معينة وفي حركتها، فإنها تكون ظاهرة في المرحلة الاستاتيكية، أي في بداية تحريك الذراع والعجلة، عندما تبدأ عملية التثقيف.
والواقع أن أي مجتمع في بدايته لا يكون قد شاد بعد (عالم أشيائه)، بل كل ما هنالك أن (عالم أفكاره) يبدأ في التكوين، دون أن يشتمل أحياناً إلا على بوادر تفكير إيديولوجي.
ومع ذلك فلكي نزيد في تحديد دور الأفكار في ظاهرة التثقيف، ينبغي أن نحدد في أي الظروف التاريخية والاجتماعية تؤدي دورها؟.
إن النشاط الاجتماعي والثقافي لفكرة ما، مرتبط في الواقع ببعض الشروط النفسية الاجتماعية التي بدونها تفقد الفكرة فاعليتها.
ففكرة (التقدم) مثلاً قامت بدور رئيسي في تاريخ القرن التاسع عشر، لأن إشعاعها في ثقافة أوروبا كان مؤيداً بفكرتين أخريين عاصرتاها هما: النظرية الوضعية لـ (أوجست كونت)، ونظرية التطور لـ (دارون). وقد وصل هذا الإشعاع العالم الإسلامي في مستهل القرن العشرين، حين نشأت رابطة سياسية في تركيا باسم (الاتحاد والترقي)، كما نشأت نواد أخرى في الجزائر فيما بين 1920 - 1930م باسم (نادي الترقي).
بيد أن هذه الفكرة التي أصيبت بصدمة خلال حرب 1914 - 1918، أصابتها ضربة قاتلة خلال الحرب العالمية الثانية، لم يعد لها أدنى وقع في أوروبا.
وليس معى هذا أن التقدم في ذاته بوصفه واقعاً قد انعدم في أوروبا، بل معناه أن إشعاعه بوصفه فكرة قوة فقد تأثيره في الثقافة الأوروبية، ففقد من أجل هذا فاعليته الاجتماعية.
إذن ففاعلية الفكرة رهن بشروط نفسية واجتماعية تتنوع بتنوع الزمان والمكان.
ويمكن القول عامة: إننا إذا ما عرفنا تاريخ مجتمع معين، فسنجد أنه كما أن لديه مقبرة يستودعها موتاه، فإن لديه مقبرة يستودعها أفكاره الميتة، الأفكار التي لم يعد لها دور اجتماعي.
فالفكرة من حيث كونها فكرة ليست مصدراً للثقافة، أعني عنصراً صالحاً
لتحديد سلوك ونمط معين من أنماط الحياة، فإن فاعليتها ذات علاقة وظيفية بطبيعة علاقتها بمجموع الشروط النفسية الزمنية، التي ينطبع بها مستوى الحضارة في المجتمع؛ وهو مستوى قد يتغير بطريقتين:
فهو عندما يرتفع تعرض له في الطريق أفكار ليست من بين القوى الجوهرية التي نتجت عنها الحركة التاريخية، فإذا بهذه الأفكار تتقادم ثم تختفي؛ ففكرة حجر الفلاسفة (1) التي كانت من أكبر دوافع الفكر العلمي خلال العصر الوسيط، هذه الفكرة قد ماتت منذ أعلن (لافوازييه) نتائج أبحاثه الكيميائية.
وهو عندما يهبط تنقطع صلة بعض الأفكار بالوسط الاجتماعي ذاته، أعني أنها تنقطع من منابع خلقية وعقلية صدرت عنها، فتكسب هذه الأفكار وجوداً صناعياً غير تاريخي، وبذلك تفقد كل معنى اجتماعي.
ومن أمثلة ذلك أن تراث ابن خلدون قد ظهر في العالم الإسلامي، وهو مع ذلك لم يسهم في تقدمه العقلي أو الاجماعي، لأن هذا التراث في ذلك العصر كان يمثل فكرة لا صلة لها إطلاقاً بالوسط الاجتماعي.
ومهما يكن من شيء، فليست الفكرة في تلك المرحلة هي التي تفقد وحدها معناها الثقافي وقدرتها على إبداع الأشياء، بل إن الشيء نفسه يفقد أيضاً مقدرته على إنتاج الأفكار. وخذ مثلاً على ذلك تفاحة (نيوتن) الشهيرة، وتخيل ما كان يمكن أن تؤديه لو أنها بدلاً من أن تقع على رأس ذلك الرياضي الكبير وقعت على رأس جده الذي عاصر عهد جيوم الفاتح؟
إن من المؤكد أنها لم تكن لتخلق فكرة الجاذبية، بل كانت ستكون حينئذ كومة صغيرة من الروث بعد أن يأكلها جد (نيوتن) بكل بساطة.
(1) حجر كان القدماء في العصر الوسيط يعتقدون أنه يحول النحاس إلى ذهب. (المترجم)
فقد بان إذن أن الفكرة والشيء لا يكسبان قيمة ثقافية إلا في ظل بعض الشروط.
وهما لا يخلقان الثقافة إلا من خلال اهتمام أسمى، بدونه يتجمد (عالم الأفكار) و (عالم الأشياء) حتى كأنه قطع من الآثار في متحف، فيفقد كل فاعلية اجتماعية حقة.
ويمكننا أن نفسر هذا الاهتمام الأسمى بالنسبة للفرد على أنه علاقة عضوية تربطه بـ (عالم الأفكار) و (عالم الأشياء). فإذا ما انعدمت هذه العلاقة لم تعد للفرد سيطرة لا على الأفكار ولا على الأشياء، فهو يمر بها دون أن يتصل بكيانها، ويتعلق بظواهر الأشياء دون أن يتعمقها، ويلم بالأفكار بعض إلمام دون أن يتعرف عليها.
وهذا الاتصال السطحي لا يؤدي مطلقاً إلى إثارة سؤال، ولا يخلق أبداً مشكلة. لقد استنطق نيوتن التفاحة لأن اهتمامه الأسمى قد تعلق بها، بينما لو حدث ذلك قبل نيوتن بألف عام مثلاً فمن أبسط الأشياء أن تُلتهم التفاحة، لأن الاهتمام الأسمى آنئذ غير موجود في المجتمع الإنجليزي الذي لم يكن قد ولد بعد.
وعكس ذلك تماماً ما حدث في المجتمع الإسلامي حتى القرن التاسع عشر، فإن أحداً في ذلك المجتمع لم تكن لديه قدرة ما على استنطاق فكرة ابن خلدون، لأن ذلك المجتمع لم يكن بعد قد أسس نشاطه العقلي والاجتماعي على اهتمام أسمى.
ومنذ ذلك العصر كان المسلم ينزلق على سطح الأشياء دون أن يغور خلالها، ويمر بجانب الأفكار دون أن يتعمقها، لأنه لم تعد له علاقة بهذه أو تلك، فلم يعد ينتج عن لقائه بالحياة الاجماعية تلك الصدمة القوية التي تغير أسلوبها كما تغير سلوكه.