الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجاز
المجاز مصطلح يرد كثيراً في كتب العقائد خصوصاً في باب الأسماء والصفات؛ وذلك أن كثيراً من أهل التعطيل اتخذوه مطية لنفي الصفات الإلهية.
كما أنه معروف عند أهل التفسير، والحديث، واللغة، والبلاغة، والأصول ويرد كثيراً في كتبهم.
ولأجل أن تتضح صورة المجاز فهذا عرض مجمل ميسر يبين معالم المجاز، وحقيقة الخلاف فيه، وما جرى مجرى ذلك.
وقبل الدخول في ثنايا الحديث عن المجاز يحسن الوقوف عند مصطلح الحقيقة؛ وذلك لأن المجاز _ عند من يقول به _ قسيم الحقيقة.
فالكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز؛ فإلى تفصيل الحديث؛ حتى يتبين الأمر.
أولاً: تعريف الحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع.
أو هي: استعمال اللفظ فيما وضع له في الأصل.
مثل كلمة أسد: تدل على الحيوان المعروف، وكلمة الشمس: تدل على الكوكب العظيم المعروف، وكلمة البحر: تدل على الماء العظيم الملح؛ وهكذا جميع ألفاظ اللغة.
ثانياً: تعريف المجاز: المجاز في اللغة: اسم مكان كالمطاف والمزار، والألف فيه منقلبة عن واو، وقيل: هو مصدر ميمي.
وفي الاصطلاح: هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له في الأصل؛ لعلاقة بين
المعنيين الحقيقي والمجازي مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.
ثالثاً: شرح مفردات تعريف المجاز: قوله: في غير ما وضع له: أي المعنى الوضعي للَّفظ، ويسمى الحقيقي أو الأصلي الذي ذكرته معاجم اللغة، كوضع كلمة الأسد للحيوان المعروف الكاسر، وكذلك القمر.
قوله: لِعِلاقة: العلاقة: هي الشيء الذي يربط بين المعنى الأصلي للفظ، والمعنى المجازي، كالشجاعة في قولك: رأيت أسداً يكرُّ بسيفه!
فالأسد هنا لا يقصد به الحيوان؛ وإنما يقصد به الرجل الشجاع، إذاً فقد انتقل من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي، والعلاقة هي الشجاعة.
قوله: القرينة القرينة: هي التي تمنع الذهن من أن ينصرف إلى المعنى الوضعي الأصلي للفظ، مثل قولك: يكر بسيفه في قولك: رأيت أسداً يكر بسيفه لأن الأسد لا يكر بالسيف؛ فَعُلم أن المقصود باللفظ مجازه لا حقيقته؛ لأن الأسد لا يحمل السيف.
وكذلك قولك في الرجل الكريم: جاء البحر، ونحو ذلك من الأمثلة مما سيأتي ذكره 1.
1_ انظر في تفصيل الحديث عن المجاز إلى الكتب التالية:
_ أسرار البلاغة لعبد القادر الجرجاني، تحقيق الشيخ محمود شاكر ص350 _ 424.
_ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج7.
_ بُغْيَة الإيضاح لتلخيص المفتاح لعبد المتعال الصعيدي ص84 _ 171.
_ منع المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
_ معجم البلاغة د. بدوي طبانة ص145 _ 149.
_ علوم البلاغة للشيخ المراغي ص246 _ 298.
_ فقه اللغة د. وافي ص172_178.
رابعاً: "تطبيق": إليك هذا التطبيق الذي يبين لك ما ذكر بصورة أجلى: قال أهل المدينة في استقبالهم للنبي"لما قدم من تبوك هو وأصحابه:
طلع البدر علينا
…
من ثَنِيَّات الوداع
فالمجاز في هذا البيت واقع في لفظ البدر حيث يريدون به النبي صلى الله عليه وسلم وهذا استعمال مجازي؛ ذلك لأن الاستعمال الحقيقي للبدر إنما هو الكوكب العظيم الذي يكون في السماء ليلاً.
والعلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي هي الحسن والإشراق؛ فالبدر حَسَنٌ مشرق، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي الحقيقي هي: من ثنيات الوداع فهي التي أثبتت مجازية البدر، والسبب أن البدر الحقيقي لا يظهر بين ثنيات الوداع وهي الجبال الصغيرة، وإنما يظهر في السماء كما هو معلوم؛ فعلم بذلك أن اللفظ أريد به مجازُه لا حقيقته.
خامساً: أمثلة لألفاظ يتبين فيها الحقيقة من المجاز:
1_
الشمس لها دلالتان: إحداهما حقيقية وهي دلالة الكوكب العظيم المعروف.
_ البلاغة العربية في فنونها وأفنانها علم البيان والبديع د. فضل حسن عباس 127 _ 270.
_ موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة عرضاً ونقداً د. سليمان بن صالح الغصن 1/445 _ 477.
_ مقدمة في المجاز _ وهي مذكرة مخطوطة _ كتبها الأخ الدكتور الشيخ عبد المحسن العسكر _حفظه الله_ وهي نافعة لطيفة في بابها.
والأخرى مجازية وهي: الوجه المليح.
2_
البحر له دلالتان: إحداهما حقيقية، وهي دلالته على الماء العظيم الملح.
والأخرى مجازية وهي: دلالته على الرجل الجواد الكثير العطاء، أو العالم الغزير العلم.
3_
اليد لها دلالتان: إحداهما حقيقية، وهي الجارحة المعروفة، كما تقول: كتبت بيدي.
والأخرى مجازية بمعنى النعمة، كما تقول: لفلانٍ عليَّ يدٌ، أي: نعمة.
سادساً: كيف يُفرَّق بين الحقيقة والمجاز؟
يفرق بسياق الكلام، وقرائن الأحوال، ولا يمكن أن يقال: إن كلا الدلالتين الحقيقية والمجازية سواء؛ بحيث إذا أطلق اللفظ دل عليهما معاً، كأن يقال: إن الشمس حقيقية في دلالتها على الكوكب والوجه المليح، وأن البحر حقيقة في الماء العظيم الملح والرجل الجواد؛ بل لا بد من قرينة تخصص المعنى المراد 1.
سابعاً: لم سمي المجاز بهذا الاسم؟
لأنه مأخوذ من قولهم: جاز هذا الموضع إلى هذا الموضع، إذا تخطاه إليه.
فالمجاز _ إذاً _ اسم للمكان الذي يُجاز فيه كالمزار، والمعاج، وأشباههما.
وحقيقته: الانتقال من مكان إلى مكان؛ فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل، كقولنا: زيد أسد؛ فإن زيداً إنسان، والأسد هو ذاك الحيوان المعروف، وقد جُزْنا الإنسانية أي: تخطيناها وانتقلنا منها وعَبَرْنَاها إلى الأسدية؛ لِوُصْلة
1_ انظر معجم البلاغة العربية ص147.
بينهما _أي علاقة_ وتلك الوُصْلَةُ هي صفة الشجاعة؛ فهذا هو سبب تسمية المجاز بهذا الاسم.
أما الحقيقة فهي: مأخوذة من كلمة حقَّ وهو الشيء الثابت، ولعلك تشمُّ رائحة التضاد بين هاتين الكلمتين؛ فالحقيقة ثبوت الشيء، والمجاز تَعَدِّيه 1.
ثامناً: هل كل مجاز له حقيقة، وكل حقيقة لها مجاز؟
والجواب: أن كل مجاز له حقيقة؛ لأنه لم يطلق عليه لفظ مجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعه.
وليس مِنْ ضرورةِ كلِّ حقيقة أن يكون لها مجاز 2.
تاسعاً: هل الأصل في الكلام الحقيقة أو المجاز؟
والجواب: أن الأصل فيه الحقيقة، ولا ينصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بقرينة _ كما مر في الأمثلة الماضية _.
عاشراً: اختلاف العلماء في أصل وقوع المجاز:
اختلف العلماء في أصل وقوع المجاز وثبوته في اللغة والقرآن، على ثلاثة أقوال:
1_
أن المجاز واقع في اللغة والقرآن: وهذا مذهب جماهير العلماء، والمفسرين، والأصوليين، واللغويين، والبلاغيين، وغيرهم؛ بل حكى الإجماع
1_ انظر معجم البلاغة العربية ص147، والبلاغة فنونها وأفنانها ص128.
2_
انظر معجم البلاغة العربية ص147.
على ذلك يحيى بن حمزة العلوي في كتابه الطراز1 غير أن في تلك الدعوى توسعاً؛ لوجود المخالف المعتبر.
2_
إنكار المجاز مطلقاً في اللغة والقرآن: وقد ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الاسفراييني، وتبعه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
3_
أن المجاز واقع في اللغة دون القرآن: وقد ذهب إلى ذلك داود الظاهري، وابنه محمد، وابن القاصّ الشافعي، وابن خويز منداد المالكي، ومنذر بن سعيد البلوطي، ومن المعاصرين الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي.
حادي عشر: حجة القائلين بمنعه:
القائلون بمنع المجاز في اللغة والقرآن، أو في القرآن وحده يحتجون على ذلك بحجج منها:
1_
أن كل مجاز كذب يجوز نفيه: فيلزم على القول بأن في القرآن مجازاً أن في القرآن ما يجوز نفيه، قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر؛ فتقول لمن يقول: رأيت أسداً يرمي: ليس هو بأسد وإنما هو رجل شجاع؛ فيلزم على القول بأن في القرآن مجازاً أن في القرآن ما
1_ انظر الطراز 1/83، وإليك نص كلامه×قال:"أجمع أهل التحقيق من علماء الدين والنُّظار من الأصوليين، وعلماء البيان على جواز دخول المجاز في كلام الله، وكلام رسوله"في كلا نوعيه: المفرد والمركب.
ويحكى الخلافُ عن أبي بكر داود الأصبهاني".
يجوز نفيه، ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن" 1.
2_
أن القول بالمجاز ذريعة إلى نفي الصفات الإلهية وتأويلها: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض الصفات قد شوهدت في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم.
وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك، فقالوا: لا يد، ولا استواء، ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات؛ لأن هذه الصفات لم تُرَدْ حقائقها؛ بل هي عندهم مجازات؛ فاليد مستعملة عندهم في النعمة، أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره ونحو ذلك؛ فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول المجاز.
مع أن الحق الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة إثبات هذه الصفات التي أثبتها _ تعالى _ لنفسه، والإيمان بها من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل"2.
فهذا السبب _ وهو نفي الصفات عن طريق القول بالمجاز _ هو من أعظم الأسباب التي دعت القائلين بإنكار المجاز إلى ذلك.
3_
ادعاء أن الألفاظ كلها حقيقة والجزم بأن تقسيمها إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث لم تعرفه العرب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن المجاز: "ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ.
1_ منع المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ص8.
2_
منع المجاز ص8 _ 9.
وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل، وسيبويه، وأبي عمرو بن العلاء، ونحوهم"1.
وقد كرر رحمه الله ذلك في مواضع من كتبه، خصوصاً في كتابه الإيمان، وفي الأسماء والصفات من مجموع الفتاوى.
4_
أن إطلاق المجاز في القرآن يفضي ويؤدي إلى وصف الله بالمُتَجَوِّز: وذلك مما لم يرد الإذن به؛ ذلك أن أسماء الله وصفاته توقيفية كما هو معلوم.
ثاني عشر: مناقشة مثبتي المجاز لمنكريه:
ناقش مثبتوا المجاز منكريه، وردوا عليهم بما ملخصه ما يلي:
1_
أن القول بأن كل مجاز كذب يجوز نفيه ليس صحيحاً: وإنما يكون المجاز كذباً لو أُثبت المعنى على التحقيق لا على المجاز، أي أنه إذا أطلق القمر _ مثلاً _ على إنسان بهيِّ الطلعة يكون كذباً لو ادُّعي أنه القمر الذي في السماء حقاً.
ولا ريب أن هذا ليس بمرادٍ في المجاز، وإنما المراد تشبيهه به في البهاء والحسن، فأين الكذب؟!
وكذلك قولنا للبليد: حمار ليس المقصود بأنه حمار في الشكل والخلقة، وإلا لصح أن ينفى ويقال: ليس هو بحمار بل هو إنسان؛ فالنفي هنا مُنصبٌّ على
1_ مجموع الفتاوى 7/87_88.
إرادة الحقيقة لا على المعنى المجازي، وهذا لا يسمى كذباً؛ لأن المتكلم جاء بقرينة تبين مراده، وترفع اللبس.
ثم إن البلاغيين حرصوا في مصنفاتهم على أن يبينوا الفرق بين المجاز والكذب؛ فهم متفقون على أن المجاز ليس كذباً؛ لأن التجوُّز يضع بين يدي المجاز قرينة تَصْرِفُ عن إرادة المعنى الأصلي للفظ.
أما الكذب فإن الكاذب يحرص فيه على إخفاء حاله؛ ترويجاً للكذب الذي يريده.
ولقد عني البلاغيون بالقرائن عناية بالغة، واستنبطوها من كلام العرب، وفصلوا فيها القول تفصيلاً؛ فإذا خلا المجاز من القرائن كان الكلام فاسداً؛ لعدم دلالته.
2_
أن القول: بأن المجاز ذريعة إلى نفي الصفات الإلهية، وتأويلها _ ليس مسوغاً لنفي المجاز؛ ذلك أنه لا حجة لهؤلاء النفاة المعطلة فيما ذهبوا إليه.
وإنما هم أصحاب هوى وضلال، ومن كانت هذه حاله ركب كل صعب وذلول في سبيل هواه، فاستدلالهم بالمجاز على نفي الصفات استدلال فاسد، فنحن نجعله حجة عليهم لا لهم؛ فيقال لهؤلاء النفاة المعطلة: إن الأصل في الكلام أن يحمل على حقيقتهِ وظاهرهِ المتبادرِ ما لم تقم قرينة توجب صرفه عن هذه الحقيقةِ، وذلك الظاهرِ لنا.
ثم إن الناس متعبدون باعتقاد الظاهر من أدلة الكتاب والسنة ما لم يمنع مانع.
وبناءاً على ذلك يقال لهؤلاء النفاة: إن النصوص الصحيحة القطعية أثبتت
صفات الكمال لله _ تعالى _ كصفة الكلام، واليد، والاستواء، والنزول، والعلو، والساق، والقَدم، والضحك، والأصابع.
والنصوص الواردة في ذلك لا تظفر فيها بأي قرينة تنقلها عن معانيها الحقيقية التي دلت عليها؛ فهي صفات حقيقية ثابتة للرب _ سبحانه _ على ما يليق به.
وادعاء هؤلاء المعطلة أن إثبات الصفات يلزم منه التمثيل، وأن القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي هي تنزيه الله _ سبحانه _ عن مماثلة المخلوقين ادعاء باطل متهافت، ظاهر السقوط؛ إذ لا يلزم من إثبات الصفات لله تمثيله وتشبيهه بخلقه؛ فللخالق _ سبحانه _ صفاتٌ تليق به، وللمخلوق صفات تليق به.
ثم إن مجيء نصوص الصفات متكاثرة يقطع بأن المراد منها معانيها الحقيقية، ويدرأ عن تلك النصوص أن تكون مجازية أنها لا تقبل دعوى المجاز من جهة اللغة نفسها، وتراكيب الكلم فيها؛ فهي تأبى أن تبارح المعنى الحقيقي.
ونمثل بهذا المثال وهو قوله _ سبحانه _: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء:164] .
فلا يجوز أبداً أن يقال: إن الكلام في هذه الآية مجازي، لأن الفعل كلَّم أُكِّد بالمصدر التكليم الدال على النوع.
وقد نقل أبو جعفر النحاس ت 338 إجماع النحاة على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازاً، بل هو حقيقة قطعاً.
كيف وقد قال _ تعالى _: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] ؟!
ومما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قوله _ سبحانه وتعالى _: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] أنه قال: "فقوله _ تعالى _: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.
ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.
ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد؛ فتكون إضافته إلى اليد إضافة إلى الفعل، كقوله:{بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] و {قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [يس: 71] .
أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل وعدَّى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فإنه نصٌّ في أنه فَعَل الفِعْلَ بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرَّدَ قولِه: فَعَلْتَ كافٍ في الإضافة إلى الفاعل؛ فلو لم يُرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة.
ولست تجد في كلام العرب ولا العجم _ إن شاء الله تعالى _ أن فصيحاً يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.
وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة"1.
1_ مجموع الفتاوى 6/365_366.
وبالجملة، فالأمثلة على هذا النحو كثيرة جداً، ومن خلالها يظهر أن نصوص الصفات لا تقبل المجاز من جهة نظمها، وتركيبها، وإضافتها إلى الله _عز وجل_.
كيف وأهل السنة مجمعون على الإقرار بأسماء الله تعالى وصفاته وحملها على الحقيقة لا المجاز؟!
3_
أما القول بأن الألفاظ كلها حقيقة أو أن تقسيمها إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث لم تعرفه العرب فذلك يحتاج إلى نظر؛ فإن أريد بذلك أن العرب لم يضعوا هذا المصطلح فنعم.
وإن أريد أنه لا يوجد في كلامهم مجاز فهذا غير صحيح، بل الشواهد من كلامهم على استعمال المجاز أكثر من أن تحصر، وذلك مما استفاض به النقل عن علماء اللغة.
ثم إن القول إن هذا الاصطلاح لم يعرف إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة غير مُسَلَّم به؛ فقد تكلم بالمجاز غير واحد من علماء اللغة في أوقات القرون المفضلة، ومن هؤلاء أبو زيد القرشي المتوفى سنة 170هـ.
ومن أهل اللغة من يعبر عن المجاز بـ: التوسع والسعة في الكلام.
4_
وأما القول بأن إطلاق المجاز يفضي إلى وصف الله بالمتجوز وذلك لا يصح فيجاب عنه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأن هذا الإطلاق لا يكون إلا بدليل.
ثم إن إطلاق المجاز على اللفظ في بعض استعمالاته اصطلاح، ولا يلزم إضافة المعاني الاصطلاحية إلى الله _ تعالى _ وإلا ففي القرآن سجع، وأمثال، فهل يقال في حق الله _ تعالى _: الساجع، والممثل؟
هذه بعض حجج القائلين بمنعه ورد القائلين به على سبيل الإيجاز.
ثالث عشر: خاتمة الحديث عن المجاز: وبعد أن وقفت على شيء من أمر المجاز، وما جاء في الخلاف حول إثباته أو نفيه _ يتبين لك أن أعظم الأسباب التي دعت إلى نفيه وإنكاره أن أهل التعطيل اتخذوه مطية لتحريف بعض نصوص الشرع لاسيما في باب الصفات.
فهذا هو الذي دعا بعض العلماء أن يشدد في النكير على القائلين بالمجاز.
وإلا لو كان الأمر مجرد اصطلاح لغوي لا يترتب عليه خوض في مسائل الشريعة لهان الخطب، ولما حصل فيه كبير خلاف.
ولكن لما أدرك بعض العلماء خطورة ذلك وكثرة المبتدعين به سارعوا إلى إنكاره؛ سداً للذريعة، وعلى رأس هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواطن كثيرة من كتبه، وإن كان قد قال بالمجاز في إحدى مراحل عمره.
يقول الشيخ د. عبد المحسن العسكر _ حفظه الله _ في مقدمة مخطوطة له عن المجاز: "وأحسب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد قال بالمجاز في إحدى مراحل عمره، فقد رأيت في محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي ت 1332هـ ما هذا نصه:
"قال ابن تيمية في بعض فتاواه: نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله، وبالتأويل الجاري على نهج السبيل، ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنا لا نقول بالمجاز والتأويل، والله عند لسان كل قائل، ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب، وما فتح به الباب إلى هدم السنة والكتاب، واللحاق بمُحرِّفة أهل الكتاب.
والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه أن القرآن مشتمل على المجاز، ولم يُعْرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة.
وقد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه وغيرهم، كأبي بكر بن أبي داود، وأبي الحسن الخرزي، وأبي الفضل التميمي، وابن حامد وغيرهم إلى إنكار أن يكون في القرآن مجاز.
وإنما دعاهم إلى ذلك ما رأوه من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز، قابلوا الضلال بحسم المواد، وخيار الأمور التوسط، والاقتصاد"1.
وبعد أن نقل الشيخ العسكر هذه الفتوى قال: "ومع أنني لم أهتد إلى هذه الفتوى في مظانها من المطبوع من مؤلفات شيخ الإسلام وفتاواه فإن عدم اهتدائي هذا لا ينفي وجودها في كتابات الشيخ مطلقاً.
بَيْدَ أني مطمئن غير مرتاب في نسبة هذا الكلام إلى شيخ الإسلام رحمه الله وذلك لما يلي:
1_
أن المطبوع من أعمال شيخ الإسلام لا يمثل إلا القليل مما كتب في حياته كلها.
وأنت خبير أنه صاحب قلم سيال، ومكثر من الكتابة جداً، حتى قال الذهبي:"جاوزت فتاوى ابن تيمية ثلاثمائة مجلد".
2_
أن من له أدنى صلة بتراث شيخ الإسلام لا ينازع في أن هذا النَّفَسَ نَفَسُه، والأسلوب أسلوبه، وقد وقفت على هذه الفتوى بعض العلماء فأجابوا بذلك،
1_ محاسن التأويل للقاسمي 17/6156 تفسير سورة الفجر
منهم فضيلة الشيخ محمد العثيمين رحمه الله وشيخنا عبد الرحمن البراك _أحسن الله إليه_.
3_
أن الذي نقل هذه الفتوى من أعظم الناس اطلاعاً في هذا العصر على كتابات الشيخ وتلميذه ابن القيم، وكان يعيش في بلاد الشام بلاد الشيخين، ومؤلفات القاسمي وخاصة تفسيره طافحة بالنقولات الكثيرة عنهما.
ثم إنه أحد القلة في عصره الذين نهضوا بالمنهج السلفي، ومناصرته، وأوذي في ذلك أذىً كثيراً.
وما كان الشيخ ليلصق بشيخ الإسلام قولاً يتطرق الشك في نسبته إليه".
ولقد توصل إلى تلك النتيجة بصورة أوضح وأجلى د. هادي أحمد فرحان الشجيري، وذلك في كتابه الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية.
وهذا الكتاب رسالة نال بها المؤلف درجة الدكتوراة من كلية الآداب جامعة بغداد.
وكان مما درسه في بحثه المجاز وآراء ابن تيمية فيه، ومن ضمن فقرات ذلك المبحث فقرة عنوانها: موقف ابن تيمية من المجاز، حيث قال فيها: "إن المتتبع لكلام ابن تيمية في مؤلفاته المختلفة سيتبين له بيسر وسهولة أن له موقفين من المجاز، أولهما موقف من الإقرار به، ويبدو أن هذا الموقف كان السابق في حياته العلمية، وهو الذي درج عليه في غالب أحواله ومؤلفاته.
أما موقفه الآخر وهو موقف النافي للمجاز في اللغة فقد ذكره مفصلاً فيما لَحِظْتُه بعد طول معاينة، وكثرة تتبع في موضعين.
وهو موقفٌ نابع عن فكر، وتأمل، وروية.
ويبدو أنه كان آخر ما استقر عليه، وإن كنا لا نملك من أدلة التوثيق التأريخية ما يكون عوناً لنا في هذا الحكم، ولكن طبيعة ذكر الأدلة والتفصيل، ونقد مفاهيم المجاز، وتبني تلميذه المقرب ابن قيم الجوزية لهذا الموقف، ودفاعه عنه _ كلها ترجح أنه آخر ما استقر عليه رأي ابن تيمية"1.
ثم قال تحت فقرة عنوانها موقف المقر بالمجاز: "لقد وقف ابن تيمية مقراً بالمجاز مدافعاً عن العقيدة مع إقراره بالمجاز، ويمكن أن يتبين هذا الموقف من خلال صور متعددة:
أولاً: النصوص الكثيرة المبثوثة في مواضع متفرقة من كتبه والتي تدل تصريحاً أو تلويحاً على إقراره بالمجاز.
ثانياً: ومن صور إقراره بالمجاز، قوله بالحقائق الشرعية والعرفية، وهي في حقيقتها نوع من التغير الدلالي الذي أصاب اللفظ آنفا.
ثالثاً: ذكره بعض أنواع المجاز.
رابعاً: ذكره بعض علامات المجاز.
خامساً: من خلال تعبيراته ومعالجاته لبعض الأمثلة.
سادساً: ومما يدخل في هذا الموقف عموماً قوله بالمجاز المنضبط خاصة في باب الصفات"2.
وتحت هذه العناصر ذكر نماذج من كلام ابن تيمية، وأحال على مواضع أخرى.
1_ الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ص198.
2_
الدراسات اللغوية في مؤلفات شيخ الإسلام ص198_202.
ومن الأمثلة التي ذكرها: قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقبض اليد عبارة عن الإمساك، كما في قوله _ تعالى _:{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} .
وهي حقيقة عرفية ظاهرة من اللفظ، أو هي مجاز مشهور"1.
ثم نقل د. الشجيري نقولاً أخرى لا يتسع المجال لبسطها، ولعل الإشارة إلى مواضعها تكفي2.
1_ اقتضاء الصراط المستقيم 19_20.
2_
انظر بيان تلبيس الجهمية 2/26 و2/411، والتسعينية ص129_130 و 128_129، و220، والتفسير الكبير 4/362، ومجموع الفتاوى 5/106 و5/94_95، و7/14 و271 و10/46 و12/296 و31/66و92 32/34و35و86 و33/106 و21/222 و22/322_323 و29/68.