الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُنْيَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ.
وَأَفْتَى بُرْهَانُ الدِّينِ بِهَذَا الْجَوَابِ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا تُقْبَلُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَعَلَيْهِ هَذَا الدَّيْنُ، مَذْهَبٌ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَيُنْظَرُ فِي أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْهَا شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ رَجُلٍ بِدَيْنٍ وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ عَلَيَّ الْآنَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَهُوَ عَلَيْكَ الْآنَ أَمْ لَا. لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
(فَرْعٌ) :
لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عِنْدَ رَجُلَيْنِ ثُمَّ شَهِدَ عَدْلَانِ عِنْدَ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ فَشَاهِدَا إقْرَارِهِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ وَلَا يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِاتِّفَاقِهِمَا أَنَّهُ لَهُ فِي الْحَالِ مَعْنًى لِمَا مَرَّ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ وَالْإِقْرَارِ. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ.
(فَرْعٌ) :
ادَّعَتْ نِكَاحَهُ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ تُقْبَلُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِإِقْرَارِهِ بِنِكَاحٍ كَانَ شَهَادَةً بِإِقْرَارِهِ بِنِكَاحٍ حَالِيٍّ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ يَبْقَى، فَعَلَى هَذَا لَوْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا وَشَهِدَ أَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْمِلْكِ فِي الْحَالِ، أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِمِلْكِهِ فِي الْحَالِ بِأَنْ لَمْ يَقُولَا هُوَ مِلْكُهُ فِي الْحَالِ يُقْبَلُ، لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ شُهُودَهُ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ؟
وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا امْرَأَتِي أَوْ مَنْكُوحَتِي وَشَهِدَا أَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْحَالِ تُقْبَلُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا شَهِدَ بِمِلْكٍ فِي الْمَاضِي.
أَمَّا لَوْ شَهِدَا بِيَدٍ فِي الْمَاضِي بِأَنْ ادَّعَى دَارًا بِيَدِ رَجُلٍ فَشَهِدَ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي لَا يُقْبَلُ، وَلَا يُقْضَى بِشَيْءٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِيَدِهِ فِي الْمَاضِي وَقَدْ عَرَفَ الْخُرُوجَ مِنْ يَدِهِ بِيَقِينٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا بِمِلْكٍ فِي الْمَاضِي، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْبَلُ.
وَلَوْ شَهِدَا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي يُقْبَلُ، وَلَوْ ادَّعَى مِلْكًا فِي الْمَاضِي وَشَهِدَا بِهِ فِي الْحَالِ بِأَنْ قَالَ كَانَ هَذَا مِلْكِي وَشَهِدَ أَنَّهُ لَهُ قِيلَ يُقْبَلُ وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَشَهِدَا أَنَّهُ كَانَ لَهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ إسْنَادَ الْمُدَّعِي يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْمُدَّعِي فِي الْإِسْنَادِ مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ أَسْنَدَا مِلْكَهُ إلَى الْمَاضِي؛ لِأَنَّ إسْنَادَهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ فِي الْحَالِ؛ إذْ لَهُمْ فَائِدَةٌ سِوَى النَّفْيِ فِي الْحَالِ وَهِيَ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا عَايَنَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِيَقِينٍ وَلَا يَشْهَدَا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْرِفَانِ بَقَاءَهُ إلَّا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَالشَّاهِدُ قَدْ يَحْتَرِزُ عَنْ الشَّهَادَةِ بِمَا ثَبَتَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِعَدَمِ تَيَقُّنِهِ، بِخِلَافِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَعْلَمُ ثُبُوتَ مِلْكِهِ يَقِينًا يَعْلَمُ بَقَاءَهُ يَقِينًا اُنْظُرْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ.
[الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ]
قَالَ بَعْضُهُمْ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَهَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: تُفِيدُ الْعِلْمَ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ، كَالسَّمَاعِ بِأَنَّ مَكَّةَ مَوْجُودَةٌ وَمِصْرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ إذَا حَصَلَتْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ الِاسْتِفَاضَةِ، وَهِيَ تُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا يَقْرُبُ مِنْ الْقَطْعِ وَتُرْفَعُ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَنَّ عَلِيًّا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لِذَلِكَ أَصْلًا فَيَجُوزُ
الْإِسْنَادُ إلَيْهَا.
وَمِنْهَا: إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ رُؤْيَةً مُسْتَفِيضَةً وَرَآهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَشَاعَ أَمْرُهُ فِيهِمْ لَزِمَ الصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا تَعْدِيلٍ قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَمِنْهَا: اسْتِفَاضَةُ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَمَا يَسْتَفِيضُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ؛ لِاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْهُ؛ لِاشْتِهَارِ جَرَحْتُهُ، وَإِنَّمَا يُكْشَفُ عَمَّنْ أَشْكَلَ.
وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ أَوْ عَامِلِهَا فَقَالَ: أَمَّا الِاسْمُ فَاسْمُ عَدْلٍ، وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّكَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ؟ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ عَدَالَةَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ شَخْصَهُ لِشُهْرَتِهِ بِالْعَدَالَةِ، بَلْ سَأَلَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ عَلَى عَيْنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ وَهِيَ الَّتِي يَقْصِدُ الْفُقَهَاءُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فَالشَّهَادَةُ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ تُقْبَلُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهِيَ النِّكَاحُ وَالنَّسَبُ وَالْمَوْتُ وَالْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يَشْتَهِرُ وَيَسْتَفِيضُ، فَالشُّهْرَةُ وَالِاسْتِفَاضَةُ، أُقِيمَتْ مَقَامَ الْعِيَانِ، وَالْمُشَاهَدَةُ كَالْإِخْبَارِ إذَا اُشْتُهِرَتْ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ مِنْهُ، أَلَا يَرَى أَنَّا نَشْهَدُ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَنَّ عَلِيًّا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَإِنْ لَمْ نُدْرِكْ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ الشُّهْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَثْبُتُ بِطَرِيقَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا حَقِيقِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى حُكْمِيَّةٌ.
أَمَّا الْحَقِيقِيَّةُ بِأَنْ يُخْبِرَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَتُتَابَعُ الْأَخْبَارُ وَتَشْتَهِرُ.
وَأَمَّا الْحُكْمِيَّةُ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا تَثْبُتُ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَا تَثْبُتُ بِلَفْظَةِ الْخَبَرِ، فَقَامَتْ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ مَقَامَ الْخَبَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فِي إثْبَاتِ الشُّهْرَةِ الِاسْتِفَاضَةَ حُكْمًا وَاعْتِبَارًا، وَلَكِنَّ هَذَا إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادِ الَّذِي قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، حَتَّى إذَا لَقِيَ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَهُ عَلَى نَسَبِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادِهِ وَعَرَفَا وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ.
وَإِنْ أَقَامَ هَذَا الرَّجُلُ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ شَهِدَا عَلَى نَسَبِهِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَسَبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعْتَدَّ قَوْلُهُ فِي شَهَادَتِهِ لَا يُعْتَمَدُ قَوْلُ مَنْ اعْتَمَدَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى قَوْلِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
الْمَوْتُ يَثْبُتُ بِالشُّهْرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَتَّفِقُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْضُرُهُ إلَّا الْوَاحِدُ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ بِالشُّهْرَةِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَوْتِ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ يَثْبُتُ الِاشْتِهَارُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْمَوْتِ حَرَجًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِمُبَاشَرَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ إلَّا وَاحِدٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ إذَا شَهِدَ جِنَازَتَهُ أَوْ دَفْنَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِهِ عَلَى الْبَتَاتِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ قُيِّدَ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ وَفِي الْمَوْتِ مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ إلَّا وَاحِدٌ وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ مَاذَا يَصْنَعُ؟ قَالُوا: يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَدْلًا مِثْلَهُ، فَإِذَا سَمِعَ مِنْهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَوْتِهِ فَيَشْهَدَ مَعَ ذَلِكَ الشَّاهِدِ فَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. .
(تَنْبِيهٌ) :
وَلَوْ جَاءَ خَبَرُ مَوْتِ إنْسَانٍ فَصَنَعُوا مَا يُصْنَعُ عَلَى الْمَيِّتِ لَمْ يَسَعُكَ أَنْ تَشْهَدَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَصَايِبَ قَدْ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْتِ إمَّا خَطَأً أَوْ غَلَطًا أَوْ حِيلَةً لِقِسْمَةِ الْمَالِ، فَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِخَبَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فِي الْأَمْلَاكِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَا تَحِلُّ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَسَنُورِدُ مَا قَالُوا بِهِ فِي مَذْهَبِهِمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةِ رَجُلٍ: سَمِعْتُ مِنْ النَّاسِ أَنَّ زَوْجَكِ فُلَانًا مَاتَ. جَازَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ إنْ كَانَ
الْمُخْبِرُ عَدْلًا، وَلَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ أَخْبَرَهَا جَمَاعَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا حَيٌّ إنْ صَدَّقَتْ الْأَوَّلَ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ. هَذَا فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ وَفِي الْمُنْتَقَى: لَمْ يَشْتَرِطْ تَصْدِيقَ الْمَرْأَةِ لَكِنْ شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الْمُخْبِرِ. .
(فَرْعٌ) :
لَوْ أَخْبَرَهَا وَاحِدٌ بِمَوْتِ الْغَائِبِ وَأَخْبَرَهَا اثْنَانِ بِحَيَاتِهِ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بِمَوْتِهِ شَهِدَ أَنَّهُ عَايَنَ مَوْتَهُ أَوْ شَهِدَ جِنَازَتَهُ وَكَانَ عَدْلًا وَسِعَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
هَذَا إذَا لَمْ يُؤَرِّخَا، أَمَّا إذَا أَرَّخَا وَتَارِيخُ شَاهِدَيْ الْحَيَاةِ بَعْدَ تَارِيخِ شَاهِدِ الْمَوْتِ فَشَهَادَةُ شَاهِدَيْ الْحَيَاةِ أَوْلَى اُنْظُرْ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ.
(مَسْأَلَةُ النِّكَاحِ) :
إذَا رَأَى الْعُرْسَ أَوْ الزِّفَافَ أَوَأَخْبَرَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِأَنَّ هَذِهِ امْرَأَةُ فُلَانٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ عَلَى الْبَتَاتِ، وَلَوْ قَيَّدَهَا لَا تُقْبَلُ.
(مَسْأَلَةُ النَّسَبِ) :
لَوْ سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ هَذَا ابْنُ فُلَانٍ أَوْ أَخُوهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ.
(مَسْأَلَةُ وِلَايَةِ الْحَاكِمِ) :
إذَا سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ هَذَا قَاضِي بَلَدِ كَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَقَعُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّا نَشْهَدُ بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْقُضَاةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَشُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ.
وَأَنْسَابِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَإِنْ لَمْ نَشْهَدْ عَقْدَ وِلَايَتِهِمْ وَلَا نَسَبَ أَنْسَابِهِمْ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تَثْبُتُ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ بِالْإِجْمَاعِ.
(فَرْعٌ) :
وَكَذَا الْوَلَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْوَلَاءِ مَا لَمْ يُعَايِنْ
(فَرْعُ الْوَقْفِ) :
إذَا اُشْتُهِرَ أَنَّهُ وَقَّفَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى اسْتِهْلَاكِ الْأَوْقَافِ الْقَدِيمَةِ.
وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ، وَالْإِخْفَاءُ بِالْقُرَبِ أَكْثَرُ مِنْ الْإِعْلَانِ بِهَا فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْلَاكِ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْجَوَابِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ عَلَى أَصْلِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ انْقِضَاءِ قُرُونٍ، وَأَنَّهُ يُشْتَهَرُ لَكِنْ عَلَى شَرَائِطِ الْوَقْفِ لَا يَجُوزُ مِنْ الْخُلَاصَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْمَهْرِ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ لِلْأَمْرِ الظَّاهِرِ بِالسَّمَاعِ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى شَهَادَةِ مَنْ حَضَرَهُ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِالْمَهْرِ إذَا أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ عَلَى كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَهْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الدُّخُولِ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ رحمه الله؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَشْتَهِرُ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ النَّسَبِ وَالْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ وَثُبُوتِ الْإِحْصَانِ اُنْظُرْ الْمُحِيطَ وَشَرْحَ التَّجْرِيدِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا شُرُوطُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَسَبْعَةٌ.
الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُسْتَخْرَجَ بِهَا مَا فِي يَدِ حَائِزٍ وَإِنَّمَا شَهِدَ بِهَا لِمَنْ كَانَ الشَّيْءُ بِيَدِهِ فَتَصِحُّ حِيَازَتُهُ.
الثَّانِي: الزَّمَانُ.
الثَّالِثُ: السَّلَامَةُ مِنْ الرَّيْبِ، فَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالسَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلَةِ مِائَةٌ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عِلْمُ ذَلِكَ فَاشِيًا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يُسَمُّوا الْمَسْمُوعَ مِنْهُمْ وَإِلَّا كَانَ نَقْلَ شَهَادَةٍ فَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ غَيْرَ عُدُولٍ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَيَكْتَفِي بِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَمَّا كَوْنُهُ فَاشِيًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الثِّقَاتِ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
وَأَمَّا مَحِلُّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ أَنَّ الْمَوَاطِنَ الَّتِي شُهِدَ فِيهَا بِالسَّمَاعِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ مَوْطِنًا، وَقَدْ نَظَمَهَا فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: