الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ] [
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ]
حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ. فَحَقِيقَةُ الْقَضَاءِ: الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ " قَضَى الْقَاضِي " أَيْ: أَلْزَمَ الْحَقَّ أَهْلَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} [سبأ: 14] أَيْ أَلْزَمْنَاهُ وَحَكَمْنَا بِهِ عَلَيْهِ وقَوْله تَعَالَى {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طه: 72] أَيْ أَلْزِمْ بِمَا شِئْت وَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك.
وَفِي الْمَدْخَلِ: الْقَضَاءُ: مَعْنَاهُ الدُّخُولُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْخَلْقِ لِيُؤَدِّيَ فِيهِمْ أَوَامِرَهُ وَأَحْكَامَهُ بِوَاسِطَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: حَقِيقَةُ الْحُكْمِ إنْشَاءُ إلْزَامٍ أَوْ إطْلَاقٍ. فَالْإِلْزَامُ: كَمَا إذَا حَكَمَ بِلُزُومِ الصَّدَاقِ أَوْ النَّفَقَةِ أَوْ الشُّفْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْحُكْمُ بِالْإِلْزَامِ هُوَ الْحُكْمُ. وَأَمَّا إلْزَامُ الْحِسِّ مِنْ التَّرْسِيمِ وَالْحَبْسِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ أَيْضًا بِعَدَمِ الْإِلْزَامِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَا حُكِمَ بِهِ هُوَ عَدَمُ الْإِلْزَامِ وَأَنَّ الْوَاقِعَةَ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ وَعَدَمُ الْحَجْرِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْإِطْلَاقِ: فَكَمَا إذَا رُفِعَتْ لِلْحَاكِمِ أَرْضٌ زَالَ الْإِحْيَاءُ عَنْهَا فَحَكَمَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ فَإِنَّهَا تَبْقَى مُبَاحَةً لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ إذَا حُكِمَ بِأَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ طَلْقٌ لَيْسَتْ وَقْفًا عَلَى مَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَالْحَاكِمُ الشَّافِعِيُّ يَرَى الطَّلْقَ دُونَ الْوَقْفِ فَإِنَّهَا تَبْقَى مُبَاحَةً، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ وَالنَّحْلُ وَالْحَمَامُ الْبَرِّيُّ إذَا حِيزَ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْحَائِزِ صَارَ مِلْكًا لِلْحَائِزِ الثَّانِي. فَهَذِهِ الصُّورَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا كُلُّهَا إطْلَاقَاتٌ، وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهَا إلْزَامُ الْمِلْكِ عُدِمَ الِاخْتِصَاصُ، لَكِنْ هَذَا بِطَرِيقِ اللُّزُومِ. وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقْصُودِ الْأَوَّلِ بِالذَّاتِ لَا فِي اللُّزُومِ، كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ مِنْ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْ الضِّدِّ وَتَحْرِيمُهُ. فَالْكَلَامُ فِي الْحَقَائِقِ إنَّمَا يَقَعُ فِيهَا هُوَ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى لَا فِيمَا بَعْدَهَا. قَالَ غَيْرُهُ: وَالْحُكْمُ فِيمَا دُونَهُ بِمَعْنَى الْمَنْعِ، وَمِنْهُ حَكَمْتُ السَّفِيهَ: إذَا أَخَذْت عَلَى يَدِهِ وَمَنَعْته مِنْ التَّصَرُّفِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَاكِمُ حَاكِمًا لِمَنْعِهِ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ حَكَمَ الْحَاكِمُ: أَيْ وَضَعَ الْحَقَّ فِي أَهْلِهِ وَمَنَعَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِهِ. وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْحَكَمَةُ الَّتِي فِي لِجَامِ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهَا تَرُدُّ الْفَرَسَ عَنْ الْمَعَاطِبِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَكَمَ وَأَحْكَمَ بِمَعْنَى مَنَعَ. وَالْحُكْمُ فِي اللُّغَةِ: الْقَضَاءُ أَيْضًا، فَحَقِيقَتُهُمَا مُتَقَارِبَةٌ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ: فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْقِيَامَ بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى أَحَدٍ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ عِوَضٌ وَقَدْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْقَضَاءِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَأَمَّا حِكْمَتُهُ: فَرَفْعُ التَّهَارُجِ وَرَدُّ النَّوَائِبِ وَقَمْعُ الظَّالِمِ وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ وَقَطْعُ الْخُصُومَاتِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي فَضْلِ الْقَضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ بِالْعَدْلِ]
فَضْلِ الْقَضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ بِالْعَدْلِ وَبَيَانِ مَحِلِّ التَّحْذِيرِ مِنْهُ وَحُكْمِ السَّعْيِ فِيهِ.
اعْلَمْ: أَنَّ أَكْثَرَ الْمُؤَلِّفِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بَالَغُوا فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ الدُّخُولِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَشَدَّدُوا فِي كَرَاهِيَةِ السَّعْيِ فِيهَا وَرَغَّبُوا فِي الْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَالنُّفُورِ وَالْهَرَبِ مِنْهَا، حَتَّى تَقَرَّرَ فِي أَذْهَانِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّلَحَاءِ أَنَّ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ دِينُهُ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَرَغِبَ عَمَّا هُوَ الْأَفْضَلُ وَسَاءَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالتَّوْبَةُ مِنْهُ.
وَالْوَاجِبُ تَعْظِيمُ هَذَا الْمَنْصِبِ
وَمَعْرِفَةُ مَكَانَتِهِ مِنْ الدِّينِ، فَبِهِ بُعِثَ الرُّسُلُ، وَبِالْقِيَامِ بِهِ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام مِنْ النِّعَمِ الَّتِي يُبَاحُ الْحَسَدُ عَلَيْهَا.
فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا» .
وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَإِذَا حَكَمُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ.» وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ» الْحَدِيثُ، فَبَدَأَ بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً.
وَمُرَادُهُ أَنَّهُ إذَا قَضَى يَوْمًا بِالْحَقِّ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَكَذَلِكَ كَانَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] فَأَيُّ شَيْءٍ أَشْرَفُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاعْلَمْ: أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَخْوِيفٌ وَوَعِيدٌ، فَإِنَّمَا هِيَ فِي قُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ جَاءَ الْوَعِيدُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» فَقَدْ أَوْرَدَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي مَعْرِضِ التَّحْذِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ الْقَضَاءِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، وَأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَهُ مُجَاهِدٌ لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْ قَضَى بِالْحَقِّ إذْ جَعَلَهُ ذَبِيحَ الْحَقِّ امْتِحَانًا لِتَعْظُمَ لَهُ الْمَثُوبَةُ امْتِنَانًا.
فَالْقَاضِي لَمَّا اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِ اللَّهِ وَصَبَرَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ فِي خُصُومَاتِهِمْ فَلَمْ يَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ حَتَّى قَادَهُمْ إلَى أَمْرِ الْحَقِّ وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ " وَكَفَّهُمْ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى وَالْعِنَادِ جُعِلَ ذَبِيحَ الْحَقِّ لِلَّهِ وَبَلَغَ بِهِ حَالَ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ الْجَنَّةُ.
وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَمَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ رضي الله عنهم الْقَضَاءَ فَنِعْمَ الذَّابِحُ وَنِعْمَ الْمَذْبُوحُونَ.
فَالتَّحْذِيرُ الْوَارِدُ مِنْ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الظُّلْمِ لَا عَنْ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْجَوْرَ فِي الْأَحْكَامِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمْ» وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، قَاضٍ عَمِلَ بِالْحَقِّ فِي قَضَائِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ عَلِمَ الْحَقَّ فَجَارَ مُتَعَدِّيًا فَذَلِكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ وَاسْتَحْيَا أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ» فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجَائِرِ وَالْجَاهِلِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِي الْقَضَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْحَقِّ عَلَى عِلْمٍ فَأَخْطَأَ فَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» وَبِمِثْلِ ذَلِكَ نَطَقَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78]{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] فَأَثْنَى عَلَى دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ، وَأَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ بِإِصَابَتِهِ وَجْهَ الْحُكْمِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] فَيَجِبُ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِي خُطَّةِ الْقَضَاءِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِي الْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ: الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، إذْ التَّخَلُّصُ عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ عَسِيرٌ وَلِذَلِكَ قَالَ صلى الله عليه وسلم -
«مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ " فَقَدْ ذُبِحَ بِالسِّكِّينِ " وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: مَثَلُ الْقَاضِي الْعَالِمِ كَالسَّابِحِ فِي الْبَحْرِ، فَكَمْ عَسَى أَنْ يَسْبَحَ حَتَّى يَغْرَقَ.
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَشِعَارُ الْمُتَّقِينَ " الْبُعْدُ عَنْ هَذَا وَالْهَرَبُ مِنْهُ " وَقَدْ رَكِبَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَشَاقَّ فِي التَّبَاعُدِ عَنْ هَذَا وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى.
وَانْظُرْ إلَى قَضِيَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَصَبْرِهِ عَلَى الْإِيذَاءِ حَتَّى تَخَلَّصَ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
وَقَدْ هَرَبَ أَبُو قِلَابَةَ إلَى مِصْرَ لَمَّا طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَلَقِيَهُ أَيُّوبُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ فِيهِ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ ثَبَتّ لَنِلْت أَجْرًا عَظِيمًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو قِلَابَةَ: الْغَرِيقُ فِي الْبَحْرِ إلَى مَتَى يَسْبَحُ.
وَكَلَامُ أَبِي قِلَابَةَ هَذَا وَمَنْ تَقَدَّمَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ وَعَدَمَ الِاسْتِقْلَالِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا خَيْرَ فِيمَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ لَا يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ: الْعُلَمَاءُ، فَهَرَبُ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُهُ سَلَامَةَ نَفْسِهِ أَمْرٌ لَازِمٌ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ طَلَبَ الْقَضَاءِ وَالْحِرْصَ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَ الْفَاطِمَةُ» فَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَأَرَادَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ، وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَامْتُحِنَ بِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» .
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّك إنْ تُؤْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ عَلَيْهَا، وَإِنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوكَلُ إلَيْهَا» .
وَأَمَّا تَحْصِيلُ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ: قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَمَنْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا، وَلَوْ قَضَى لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَبِهِ يُفْتِي الْإِمَامُ لَوْ قُلِّدَ بِرِشْوَةٍ أَخَذَهَا هُوَ أَوْ قَوْمٌ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ كَقَضَائِهِ بِرِشْوَةٍ.
وَقَالَ فِي النَّوَازِلِ: مَنْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِرِشْوَةٍ أَوْ بِشُفَعَاءَ فَهُوَ كَمُحَكَّمٍ، لَوْ رُفِعَ حُكْمُهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ يُمْضِيهِ لَوْ وَافَقَ رَأْيَهُ وَإِلَّا أَبْطَلَهُ، مَنْ أَخَذَ بِرِشْوَةٍ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِلَا حَاجَةٍ إلَى نَقْضِهِ، وَمَنْ أَخَذَ بِشُفَعَاءَ فَهُوَ كَمَنْ تَقَلَّدَهُ بِحَقِّ الْقَاضِي لَوْ ارْتَشَى وَحَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ فِيمَا لَمْ يَرْتَشِ لَا فِيمَا ارْتَشَى.
مِنْ الْمُحِيطِ قَالَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: نَفَذَ فِيهِمَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: بَطَلَ فِيهِمَا وَبِالْأَوَّلِ أَخَذَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ.
وَلَوْ ارْتَشَى وَلَدُهُ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ فَلَوْ كَانَ بِأَمْرِهِ وَرِضَاهُ فَهُوَ كَارْتِشَائِهِ، فَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ، وَلَوْ كَانَ بِلَا عِلْمِهِ نَفَذَ حُكْمُهُ وَعَلَى الْمُرْتَشِي رَدُّ مَا قَبَضَ. وَلَوْ ارْتَشَى فَقَضَى، أَوْ قَضَى ثُمَّ ارْتَشَى أَوْ ارْتَشَى ابْنُهُ أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِابْنِهِ.
وَلَوْ ارْتَشَى فَبَعَثَ إلَى الشَّافِعِيِّ أَوْ إلَى آخَرَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ الثَّانِي إذْ الْأَوَّلُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ لَمَّا ارْتَشَى وَلَوْ كَتَبَ إلَى الثَّانِي لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَأَخَذَ أَجْرَ الْكِتَابَةِ نَفَذَ حُكْمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إذَا جَاءَ كِتَابُ الْخَلِيفَةِ إلَى عَامِلِهِ بِخُرَاسَانَ أَنْ اجْمَعْ الْفُقَهَاءَ وَسَلْ عَنْ قَاضِيهمْ إنْ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَاعْزِلْهُ فَفَعَلَ فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ فَأَخَذَ الرِّشْوَةَ فَلَمْ يَعْزِلْهُ فَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يُعْزَلْ، وَلَمْ يُعْزَلْ.
وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اجْمَعْ الْفُقَهَاءَ، فَمَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَرَضُوا بِهِ فَوَلِّهِ الْقَضَاءَ، فَوَلَّى غَيْرَ مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِالرِّشْوَةِ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا؛ لِأَنَّهُ وَلَّاهُ بِغَيْرِ أَمْرِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّوْلِيَةِ، مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ تَلَامِذَةِ ابْنِ شُرَيْحٍ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي: مَنْ يَقْبَلُ الْقَضَاءَ بَغْيًا لَهُ وَأَعْطَى عَلَيْهِ رِشْوَةً فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِحَقٍّ.
قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى رِشْوَةً عَلَى عَزْلِ قَاضٍ لِيُوَلَّى هُوَ مَكَانَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ أَعْطَاهَا عَلَى عَزْلِهِ دُونَ وِلَايَةٍ فَعُزِلَ الْأَوَّلُ بِرِشْوَةٍ ثُمَّ اُسْتُقْضِيَ هُوَ مَكَانَهُ بِغَيْرِ رِشْوَةٍ نُظِرَ فِي الْمَعْزُولِ،