الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَلْقِهِ، فَقَالَ تَعَالَى {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ} [النساء: 166] وَقَالَ تَعَالَى {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] فَجَعَلَ كُلَّ نَبِيٍّ شَهِيدًا عَلَى أُمَّتِهِ؛ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ خَلْقِهِ فِي عَصْرِهِ، وَقَالَ تَعَالَى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] وَيَكْفِي الشَّهَادَةَ شَرَفًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَفَضَ الْفَاسِقَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَرَفَعَ الْعَدْلَ بِقَبُولِهَا مِنْهُ، فَقَالَ تَعَالَى {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] وَقَالَ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الْمَرْضِيُّ بِقَوْلِهِ {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وَعَرَّفَنَا سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ قَوَامُ الْعَالَمِ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ تَعَالَى {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251] قَالَ بَعْضُهُمْ: الْإِشَارَةُ إلَى مَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ النَّاسِ بِالشُّهُودِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ فَهُمْ حُجَّةُ الْإِمَامِ وَبِقَوْلِهِمْ تَنْفُذُ الْأَحْكَامُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «أَكْرِمُوا مَنَازِلَ الشُّهُودِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخْرِجُ بِهِمْ الْحُقُوقَ وَيَرْفَعُ بِهِمْ الظُّلْمَ» وَاشْتَقَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَهُوَ الشَّهِيدُ تَفَضُّلًا وَكَرَمًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلشَّاهِدِ حَالَتَيْنِ: حَالَةُ التَّحَمُّلِ، وَحَالَةُ الْأَدَاءِ، وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْأَدَاءِ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَالْإِسْلَامَ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ.
وَأَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ تَثْبُتُ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ أَهْلِيَّةُ التَّحَمُّلِ وَبِأُمُورٍ أُخَرَ، وَهُوَ النُّطْقُ وَالْحِفْظُ وَالْيَقَظَةُ؛ لِأَنَّ بِالْحِفْظِ يَبْقَى عِنْدَهُ مَا يَتَحَمَّلُهُ مِنْ الشَّهَادَةِ إلَى حِينِ أَدَائِهَا، وَبِالنُّطْقِ يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ؛ وَبِالْيَقَظَةِ لَا يَغْفُلُ عَنْ أَدَاءِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ تِسْعَةٍ: الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَالْمَجْنُونِ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ عَقْلِهِمَا، وَالْأَخْرَسِ لِعَدَمِ نُطْقِهِ.
وَالْأَعْمَى لِعَدَمِ الْبَصَرِ، وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ أَعْمَى عِنْدَ الْأَدَاءِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْيِيزِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِهِ الْفَتْوَى، وَالصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْحَقَهُ بِعَدِيمِ الْعَقْلِ فِي حَقِّ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ وَالدَّائِرَةِ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ، وَالشَّهَادَةُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ أَهْلًا شَرْعًا.
وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْحَقَهُ بِالْعَاجِزِ وَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ أَهْلِيَّتَهُ فِي حَقِّ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ أَهْلِيَّتَهُ عَلَى التَّأْبِيدِ وَأَلْحَقَهُ بِالْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى بِلِسَانِهِ فَعَاقَبَهُ بِقَطْعِ لِسَانِهِ مَعْنًى.
وَالْمُغَفَّلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ قَالَ: أَرْجُو دُعَاءَهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، وَلِهَذَا إذَا شَهِدَ الصَّبِيُّ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ تُقْبَلُ.
وَكَذَا الْعَبْدُ إذَا شَهِدَ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ تُقْبَلُ.
وَكَذَا الذِّمِّيُّ إذَا شَهِدَ عَلَى مُسْلِمٍ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ تُقْبَلُ، وَكَذَا الْأَعْمَى إذَا شَهِدَ فَرُدَّتْ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ مَا أَبْصَرَ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً وَإِنَّمَا حَدَثَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَوَارِضِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ الْفَاسِقُ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ لِفِسْقِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ كَانَ شَهَادَةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَنَا، وَكَذَا الذِّمِّيُّ إذَا شَهِدَ عَلَى ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ فَرُدَّتْ لِفِسْقِهِ فِي دِينِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ لَهُ شَهَادَةً عَلَى جِنْسِهِ فَكَانَ الْمَرْدُودُ شَهَادَةً.
وَكَذَا الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي حَادِثَةٍ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَكَذَا إذَا شَهِدَ فِي حَادِثَةٍ فَرُدَّتْ ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ أَعَادَهَا لَا تُقْبَلُ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ أَهْلِيَّةَ شَهَادَتِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا حُدَّ فِي قَذْفٍ ثُمَّ شَهِدَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ حَيْثُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ خُصَّ عَنْ هَذَا النَّصِّ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إذَا شَهِدَ لِصَاحِبِهِ فَرُدَّتْ فَأَعَادَهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ كَانَ شَهَادَةً.
[فَصْلٌ حَدُّ الْعَدَالَةِ]
(فَصْلٌ) :
قَالَ فِي فَتَاوَى صَاعِدٍ: حَدُّ الْعَدَالَةِ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا عُقَلَاءَ بَالِغِينَ غَيْرَ مُرْتَكِبِينَ كَبِيرَةً وَلَا مُصِرِّينَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ كَذِبٌ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَالَ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا يَتَعَلَّقُ الْحَدُّ أَوْ الزَّجْرُ بِهِ.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ: شَرْطُ الْعَدَالَةِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْأُمُورَ الْمُسْتَشْنَعَةَ وَفِيهِ يَقَظَةٌ، وَلَا يَكُونُ
سَاهِيَ الْقَلْبِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا: وَالْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَحُثُّ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَالتَّحَاشِي عَنْ الرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِهَا الِاعْتِدَالُ فِي الْأَحْوَالِ الدِّينِيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْأَمَانَةِ عَفِيفًا عَنْ الْمَحَارِمِ مُتَوَقِّيًا عَنْ الْمَآثِمِ بَعِيدًا مِنْ الرَّيْبِ مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ.
الثَّانِي: فِي مَوَانِعِ الْقَبُولِ.
مَانِعٌ مُطْلَقًا وَمَانِعٌ عَلَى جِهَةٍ: يَعْنِي أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَدَالَةِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهُ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ، فَمِنْهُ كُلُّ وَصْفٍ أَوْ فِعْلٍ مُنَافٍ لِلْعَدَالَةِ أَوْ لِلْمُرُوءَةِ أَوْ لَهُمَا، كَتَعَاطِي فِعْلِ الْفَاحِشَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً، وَمِنْهُ أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ الْقَضَاءِ بِالنُّجُومِ، فَإِذَا ادَّعَاهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَأَكَلَ الْمَالَ بِهِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ أَطَالَ الْعُلَمَاءُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّ الْمُنَجِّمَ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ عز وجل مُقِرًّا بِأَنَّ النُّجُومَ وَاخْتِلَافَهَا فِي الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَّ اللَّهَ عز وجل هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا أَدِلَّةً عَلَى مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ عز وجل، فَحُكْمُ هَذَا أَنْ يُزْجَرَ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَيُؤَدَّبَ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَكُفَّ عَنْهُ وَيَرْجِعَ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَيَتُوبَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ يُجْرَحُ بِهَا فَتَسْقُطُ إمَامَتُهُ وَشَهَادَتُهُ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ تَصْدِيقُهُ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} [النمل: 65] وَقَوْلِهِ تَعَالَى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: 26]{إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 27] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ.
وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْهَاجِي؛ لِأَنَّ الْهَجْوَ سُخْفٌ وَمَجَانَةٌ.
وَمِنْهُ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَهُوَ فِي الْمِصْرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مَجَانَةً، وَإِنْ تَرَكَهَا مُتَأَوِّلًا بِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ دِينًا فَلَا تَنْخَرِمُ عَدَالَتُهُ. وَمِنْهُ عَصْرُ الْخَمْرِ وَبَيْعُهَا وَكِرَاءُ دَارِهِ مِمَّنْ يَبِيعُهَا. وَمِنْهُ مَنْ لَا يُحْكِمُ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ. وَمِنْهُ مَنْ سَافَرَ وَاحْتَاجَ إلَى التَّيَمُّمِ فَلَمْ يُحْسِنْهُ.
وَمِنْهُ مَنْ تَرَكَ مَا اُسْتُفِيدَ وُجُوبُهُ بِالْأَمْرِ الْمُطْلَقِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ قَضِيَّةَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَنْ الْوَقْتِ الْوُجُوبُ عَلَى الْفَوْرِ، وَتُقْبَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي. مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ.
وَمِنْهُ اللَّاعِبُ بِالطُّنْبُورِ وَمَنْ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ وَيُطَيِّرُهُنَّ، وَقِيلَ مَنْ يَبِيعُ الْحَمَامَ وَلَا يُطَيِّرُهُنَّ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ تَطْيِيرَهُ لَا يَخْلُو عَنْ مُطَالَعَةِ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ.
وَمِنْهُ مَنْ اعْتَادَ دُخُولَ الْحَمَّامِ بِلَا مِئْزَرٍ؛ لِأَنَّهُ كَشْفٌ لِلْعَوْرَةِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالنَّائِحَةِ وَالْقَوَّالِ وَالرَّقَّاصِ وَمَنْ يَخْرِقُ ثَوْبَهُ فِي مَجْلِسِ السَّمَاعِ. وَقِيلَ لَا يُفَسَّقُ بِالْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ لَعِبٍ. وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْأَقْلَفِ إذَا تَرَكَ الْخِتَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَمِنْهُ مَنْ أَكَلَ فِي السُّوقِ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ، ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَمِنْهُ مَنْ مَشَى فِي السُّوقِ فِي سَرَاوِيلَ لَا قَمِيصَ مَعَهُ وَمِنْهُ مَنْ يَبُولُ عَلَى الطَّرِيقِ.
وَمِنْهُ مَنْ يُصَارِعُ الْأَحْدَاثَ فِي الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مُسْتَشْنَعَةٌ: وَعَنْ سَدَّادٍ لَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ مَنْ حَاسَبَ أُمَّهُ فِي النَّفَقَةِ.
وَمِنْهُ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَإِنْ فَرَّ الْإِمَامُ مِنْ الزَّحْفِ أَنْ يَفِرَّ مِنْ الْمِثْلَيْنِ وَمِنْهُ جَهْلُ الرَّجُلِ أَحْكَامَ قَصْرِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّفَرِ.
وَمِنْهُ قَبُولُ جَوَائِزِ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَكَذَا إدْمَانُ الْأَكْلِ عِنْدَهُمْ، بِخِلَافِ الْفَلْتَةِ وَبِخِلَافِ قَبُولِ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ مَنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرْضَى، وَقَدْ قَبِلَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَهْلُ الْفَضْلِ.
وَمِنْهُ الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ أَنْ يَبْغُضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا وَمِنْهُ النَّمِيمَةُ. وَمِنْهُ الْخِيَانَةُ وَالرِّشْوَةُ.
وَمِنْهُ شَهَادَةُ بَائِعِ الْأَكْفَانِ لَا تُقْبَلُ، قِيلَ هَذَا إذَا تَرَصَّدَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَالطَّاعُونَ، أَمَّا إذَا كَانَ يَبِيعُ الثِّيَابَ هَكَذَا وَيُشْتَرَى مِنْهُ لِلْكَفَنِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. مِنْ الْمُحِيطِ.
وَمِنْهُ سُكُوتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ عِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ يَرَاهُمَا يُمْلَكَانِ، وَطَلَاقِ امْرَأَةٍ يَرَى زَوْجَهَا مُقِيمًا مَعَهَا وَلَا يَقُومُ بِذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ، وَقُدِّرَ سُكُوتُهُ فِي الْحُرْمَةِ الْمُغَلَّظَةِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. اُنْظُرْ الْقِنْيَةَ.
وَقَدْ حُكِيَ فِيهَا عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَشَرَفِ الْأَئِمَّةِ الْمَكِّيِّ:
وَرُكْنُ الضَّيَاعِ: لَوْ شَهِدُوا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ لَا تُقْبَلُ إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِعَيْشِهِمْ عَيْشَ الْأَزْوَاجِ، وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُهُمْ لِعُذْرٍ تُقْبَلُ.
وَمِنْهُ مَا حَكَاهُ عَنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ: مَاتَ عَنْ امْرَأَةٍ وَوَرَثَةٍ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ كَانَ أَقَرَّ بِحُرْمَتِهَا حَالَ صِحَّتِهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ حَالَ حَيَاتِهِ، لَا تُقْبَلُ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ وَسُكُوتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَقُوا وَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ مَوَانِعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَا يُمْنَعُ عَلَى جِهَةٍ وَهُوَ رَدُّ الشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَدَالَةِ، وَلَهُ أَسْبَابٌ:
الْأَوَّلُ: التَّغَفُّلُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّغَفُّلَ فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدَ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرِزًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخَبَرُ الْفَاضِلُ ضَعِيفًا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ وَأَنْ يُلْبَسَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ قَبُولُ شَهَادَتِهِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا مَضَرَّةً، وَأَصْلُهُ أَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ جَرَّتْ مَغْنَمًا أَوْ دَفَعَتْ مَغْرَمًا لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا تَمَكَّنَتْ فِيهَا تُهْمَةُ الْكَذِبِ، وَشَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ مَرْدُودَةٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا شَهَادَةَ لِمُتَّهَمٍ» مِثَالُ الْجَرِّ: شَهَادَةُ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْآجِرِ بِالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِلْمُعِيرِ بِالْمُسْتَعَارِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا؛ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَعْنَى الْمِلْكِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ الْأَجِيرِ لِأُسْتَاذِهِ وَالْأُسْتَاذِ لِأَجِيرِهِ.
وَمِثَالُ الدَّفْعِ: شَاةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: اذْبَحْهَا. فَذَبَحَهَا، فَأَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ أَحَدَهُمَا الذَّابِحُ أَنَّ ذَا الْيَدِ غَصَبَهَا مِنْهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذَّابِحِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا؛ لِأَنَّ الذَّابِحَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِكَوْنِ الْآمِرِ غَاصِبًا وَقْتَ الذَّبْحِ فَمَتَى اخْتَارَ الْمَشْهُودُ لَهُ تَضْمِينَ الذَّابِحِ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْآمِرِ مَتَى جَازَتْ شَهَادَتُهُ فَيَكُونُ دَافِعًا مَغْرَمًا، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِكَوْنِ الْآمِرِ غَاصِبًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ لَكِنَّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ خِيَارَ التَّضْمِينِ يُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَفِي التَّخْيِيرِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ لِلذَّابِحِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَخْتَارُ الْمَشْهُودُ لَهُ تَضْمِينَهُ فَكَانَ دَافِعًا مَغْرَمًا مَعْنًى، مِنْ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَتَلُوا رَجُلًا عَمْدًا، فَشَهِدَ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ عَلَى الْوَلِيِّ أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَهُوَ سُقُوطُ الْقِصَاصِ عَنْهُمَا وَانْقِلَابُهُ مَالًا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْ أَحَدِهِمَا مِنْ الْمُنْتَقَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَجُلٌ لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ نَفَرٍ مَالٌ وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفِيلًا لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَدْ أَبْرَأَهُمَا مِنْ الْمَالِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ جَائِزٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ بَاطِلٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّكُمْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ جَائِزٌ. أَوْ قَالَ أَمْرُهَا فِي أَيْدِيكُمْ فَأَيُّكُمْ طَلَّقَهَا فَهُوَ جَائِزٌ. وَالزَّوْجُ لَمْ يَجْحَدْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْوَكَالَةِ، فَإِذَا اشْتَرَكُوا فِي الْوَكَالَةِ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا بَعْدَ وَفَاتِهِ وَبِالتَّرِكَةِ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِدَيْنِهِ، ثُمَّ شَهِدَ الْمُقْضَى لَهُ بِالدَّيْنِ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِحَقٍّ عَلَى رَجُلٍ كَانَ لِأَبِيهِمْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَهُوَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهَذَا الْمَالِ. الْكُلُّ مِنْ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ أَرْبَعَ بَنِينَ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاقْتَسَمُوهَا، ثُمَّ جَاءَتْ جَدَّةُ الْمَيِّتِ مَعْرُوفَةً تَطْلُبُ حَقَّهَا فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنَّ التَّرِكَةَ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ التَّرِكَةَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَشَهَادَةُ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْأَلْفِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا الزِّيَادَةَ الَّتِي حَصَلَتْ فِي أَيْدِيهِمَا بِشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ تُهْمَةً فِي دَفْعِ الْمُشَارَكَةِ.