الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نِصْفَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُولُ بَقِيَ نِصْفِي، وَلَوْ اسْتَحَقَّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ رَجَعَ عَلَيْهِمَا بِنِصْفِ مَا أَخَذَ. اُنْظُرْ الْمُنْتَقَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
اسْتَحَقَّ حِمَارًا فَطَلَبَ ثَمَنَهُ مِنْ بَائِعِهِ فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُسْتَحِقِّ: مِنْ كَمْ مُدَّةٍ غَابَ عَنْكَ هَذَا الْحِمَارُ؟ فَقَالَ مُنْذُ سَنَةٍ، فَبَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ. مِنْ الْمُحِيطِ.
(فَرْعٌ) :
قَالَ الْمُسْتَحِقُّ غَابَتْ الدَّابَّةُ عَنِّي مُنْذُ سَنَةٍ فَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ يُقْضَى بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّهُ أَرَّخَ غَيْبَتَهَا لَا الْمِلْكَ، وَالْبَائِعُ أَرَّخَ الْمِلْكَ وَدَعْوَاهُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي لِتَلَقِّيهِ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ ادَّعَى مِلْكَ بَائِعِهِ بِتَارِيخِ عَشْرِ سِنِينَ، غَيْرَ أَنَّ التَّارِيخَ لَا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الِانْفِرَادِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَبَقِيَ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَيُحْكَمُ لِلْمُسْتَحِقِّ اُنْظُرْ كِتَابَ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ.
(فَصْلٌ) :
الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى وَكِيلِ الْبَيْعِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَبِقِيمَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ وَلَوْ بَنَى دَارًا ثُمَّ شَرَى أَرْضَهُ فَاسْتَحَقَّ لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ.
وَلَوْ شَرَى دَارًا وَحَفَرَ فِيهِ بِئْرًا أَوْ نَقَّى بَالُوعَةً أَوْ رَمَّ مِنْ الدَّارِ شَيْئًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ إذْ الْحُكْمُ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةٍ لَا بِنَفَقَةٍ، حَتَّى لَوْ كَتَبَ فِي الصَّكِّ فَمَا أَنْفَقَ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَوْ رَمَّ فَعَلَى الْبَائِعِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَطَوَاهَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الطَّيِّ لَا بِقِيمَةِ الْحَفْرِ، وَلَوْ شَرَطَا فَسَدَ الْبَيْعُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ) :
شَرَى دَارًا فَبَنَى فَاسْتَحَقَّ فَجَمِيعُ مَا فِيهِ مِنْ الْبِنَاءِ يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ إلَّا بِقِيمَةِ بِنَائِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ، وَالْبِنَاءُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَلَا يَرْجِعُ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الْكُلَّ لَا يَقْدِرُ الْمُشْتَرِي أَنْ يُسَلِّمَ الْبِنَاءَ إلَى الْبَائِعِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى الْبَائِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ عَرَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الدَّارَ لِغَيْرِ الْبَائِعِ وَلَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ وَكَالَتَهُ فَبَنَى فَاسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ مَغْرُورًا، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَيْعٌ بِأَمْرِهِ وَلَكِنَّ الْبَائِعَ قَالَ أَمَرَنِي بِبَيْعِهِ فَشَرَاهُ فَبَنَى ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ مَالِكُهُ وَأَنْكَرَ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ فَالْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ وَبِقِيمَةِ بِنَائِهِ؛ لِتَحَقُّقِ الْغُرُورِ، كَمَا لَوْ شَرَى أَمَةً مِمَّنْ يَقُولُ أَمَرَنِي مَالِكُهَا بِبَيْعِهَا فَأَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَنْكَرَ مَالِكُهَا الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ فَالْوَلَدُ حُرٌّ بِقِيمَتِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ عَلَى بَائِعِهِ، وَالْوَلَدُ وَالْبِنَاءُ يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا فِي الْغُرُورِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
شَرَى كَرْمًا فَاسْتَحَقَّ أَصْلَ الْكَرْمِ دُونَ الشَّجَرِ وَالْقُضْبَانِ وَالْحِيطَانِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ الْأَشْجَارَ عَلَى الْبَائِعِ وَيَسْتَرِدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ يَتَضَرَّرُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ. كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَقَالَ: وَبِمِثْلِهِ لَوْ شَرَى حِمَارًا مَعَ بَرْذَعَتِهِ فَاسْتَحَقَّ الْحِمَارَ لَا الْبَرْذَعَةَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ الْبَرْذَعَةَ وَيَرْجِعَ بِكُلِّ ثَمَنِهِ، بَلْ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْحِمَارِ وَحْدَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِقَلْعِ الشَّجَرِ فَيَصِيرُ حَطَبًا وَيَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الِانْتِفَاعُ الَّذِي شَرَاهُ لِأَجْلِهِ وَهَذَا عَيْبٌ فَاحِشٌ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، بِخِلَافِ الْبَرْذَعَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ انْتِفَاعٍ شَرَاهَا لِأَجْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْأَرْبَعُونَ الْقَضَاءِ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَأَقْسَامِهِ]
فِي الْقَضَاءِ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَأَقْسَامِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي شُرِطَ فِيهِ الْإِقَالَةُ إذَا رَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ سَمَّاهُ النَّاسُ بَيْعَ الْوَفَاءِ. وَفِي الْمُصَفَّى يُسَمُّونَهُ بَيْعَ الْأَمَانَةِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ عِنْدَ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ، فَلَا يُبَاحُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَبِيعِ بِدُونِ إذْنِ الْبَائِعِ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ
بِهَلَاكِهِ، وَبَعْضُ النَّاسِ جَعَلَهُ بَاطِلًا اعْتِبَارًا بِالْهَازِلِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ فِي حُكْمِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ فَيَنْقُضُهُ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهِ.
قَالَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ: اُتُّفِقَ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى جَوَازِهِ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
فِي الْخَانِيَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَا يَكُونُ رَهْنًا، ثُمَّ يُنْظَرُ، إنْ ذَكَرَ الشَّرْطَ فِيهِ يَفْسُدُ، وَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُوَاعَدَةِ وَعَقَدَاهُ خَالِيًا عَنْ الشَّرْطِ يَصِحُّ الْعَقْدَ وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الْمَوَاعِيدَ قَدْ تَكُونُ لَازِمَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
عَنْ فَتَاوَى النَّسَفِيِّ قَالَ: الْبَيْعُ الَّذِي تَعَارَفَهُ أَهْلُ زَمَانِنَا احْتِيَالًا لِلرِّبَا وَسَمَّوْهُ بَيْعَ الْوَفَاءِ هُوَ رَهْنٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَكَلَ مِنْ ثَمَرِهِ وَأَتْلَفَ مِنْ شَجَرِهِ، وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ لَوْ بَقِيَ لَا تُضْمَنُ الزِّيَادَةُ وَلِلْبَائِعِ اسْتِرْدَادُهُ إذَا قَضَى دَيْنَهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّهْنِ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَإِنْ سَمَّيَاهُ الْبَيْعَ وَلَكِنَّ غَرَضَهُمَا الرَّهْنُ وَالِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ؛ إذْ الْعَاقِدُ يَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْدَ هَذَا الْعَقْدِ رَهَنْتُ مِلْكِي فُلَانًا وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ ارْتَهَنْتُ مِلْكَ فُلَانٍ، وَالْعِبْرَةُ فِي التَّصَرُّفَاتِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْرَأَ كَفَالَةٌ، وَالْكَفَالَةُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ حَوَالَةٌ، وَهِبَةُ الْحُرَّةِ نَفْسَهَا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ مَعَ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ نِكَاحٌ، وَالِاسْتِبْضَاعُ الْفَاسِدُ إذَا ضُرِبَ فِيهِ الْأَجَلُ سَلَمَ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ: قُلْتُ لِلْإِمَامِ الْحَسَنِ الْمَاتُرِيدِيِّ: قَدْ فَشَا هَذَا الْبَيْعُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفَتْوَاكَ أَنَّهُ رَهْنٌ وَأَنَا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنْ تُجْمِعَ الْأَئِمَّةُ وَتَتَّفِقَ عَلَى هَذَا وَيَظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: الْمُعْتَبَرُ الْيَوْمُ فَتْوَانَا، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَنْ خَالَفَنَا فَلْيُبْرِزْ وَلْيُقِمْ دَلِيلَهُ، وَقِيلَ هُوَ بَيْعٌ جَائِزٌ.
وَسُئِلَ عَمَّنْ بَاعَ نِصْفَ كَرْمِهِ مِنْ آخَرَ بَيْعَ وَفَاءٍ وَخَرَجَ هُوَ فِي الصَّيْفِ إلَى كَرْمِهِ بِأَهْلِهِ وَأَخْرَجَ هَذَا الْمُشْتَرِي أَهْلَهُ وَأَدْرَكَتْ الْغَلَّاتُ فَأَخَذَ الْبَائِعُ نِصْفَهَا وَالْمُشْتَرِي نِصْفَهَا، هَلْ لِلْبَائِعِ إذَا تَقَايَلَا الْبَيْعَ وَأَعْطَاهُ ثَمَنَ مَا شَرَاهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَا حَمَلَ مِنْ الْغَلَّاتِ؟ قَالَ: لَوْ أَخَذَ بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ لَا لَوْ أَخَذَهُ بِرِضَاهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ هِبَةً مِنْهُ.
قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ، فَإِنَّ رَبَّ الْكَرْمِ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ إلَى كَرْمِهِ فَيُحْتَمَلُ الْأَخْذُ بِرِضَاهُ وَبِغَيْرِ رِضَاهُ، فَأَمَّا لَوْ شَرَى كُلَّهُ وَقَبَضَهُ وَأَخَذَ غَلَّاتِهِ، وَالْأَخْذُ بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَهْنٌ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْكُلَ غَلَّةَ الرَّاهِنِ، فَإِذَا أَكَلَهَا ضَمِنَهَا فَأَفْتَيْنَا بِالضَّمَانِ عَلَى الِاتِّفَاقِ لِذَلِكَ. مِنْ مَجْمَعِ النَّوَازِلِ.
قَالَ النَّسَفِيُّ: اتَّفَقَ مَشَايِخُ زَمَانِنَا عَلَى صِحَّتِهِ بَيْعًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُمَا تَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ بِلَا ذِكْرِ شَرْطٍ فِيهِ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَلْفُوظِ أَيْضًا دُونَ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مَا جَامَعَهَا صَحَّ الْعَقْدُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
مُسْتَفْتٍ قَالَ لِلنَّسَفِيِّ: بِعْتُ حَانُوتًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ طَلَبَ الْمُشْتَرِي إقَالَةَ الْبَيْعِ وَرَدَّ الثَّمَنِ، وَهُوَ يَقُولُ: بِعْتَنِي بَيْعَ الْوَفَاءِ، وَأَنَا أَقُولُ لَهُ: بِعْتُكَ بَاتًّا، فَأَجَابَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُكَ، فَقَالَ السَّائِلُ: لَوْ حَلَّفَنِي عَلَى ذَلِكَ هَلْ يَسَعُنِي أَنْ أَحْلِفَ وَكَانَ نِيَّتِي أَنْ آخُذَ الْحَانُوتَ مِنْهُ وَأَرُدَّ الثَّمَنَ إلَيْهِ بَعْدَ زَمَانٍ، وَكَانَ قَصْدُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْعُرْفُ لَا أَنِّي لَا أَقْدِرُ الْيَوْمَ عَلَى أَنْ أَنْقُدَ الثَّمَنَ.
أَجَابَ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَمَا كَانَ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا عِبْرَةَ لِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ عِنْدَ الْعَقْدِ سِوَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَك أَنْ تَحْلِفَ أَنَّكَ بِعْتَهُ بَيْعًا بَاتًّا، فَدَلَّ هَذَا أَنْ الْعِبْرَةَ لِلْمَلْفُوظِ وَقَدْ تَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَا الرَّهْنِ، فَاعْتِبَارُهُ بَيْعًا أَوْلَى، إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ بِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا احْتَاجَ إلَى الْعِمَارَةِ فَالْبَائِعُ يُعَمِّرُهُ وَيُؤَدِّي خَرَاجَهُ أَيْضًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لَا جَبْرًا، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ لَا يُجْبَرُ فَكَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ وَيُجْعَلُ الْبَيْعُ بَاتًّا وَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ طَلَبِ الثَّمَنِ لَا غَيْرُ، فَإِنْ انْتَقَضَ
الْمَبِيعُ بِأَنْ كَانَ دَارًا فَانْهَدَمَ لَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى رَدِّ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ كَبَيْعٍ جَدِيدٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ قِنًّا أَوْ دَابَّةً فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ شَرَطَا التَّلْجِئَةَ فِي الْبَيْعِ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَلَوْ تَوَاضَعَا قَبْلَ الْبَيْعِ ثُمَّ تَبَايَعَا بِلَا ذِكْرِ شَرْطٍ جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إلَّا إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُمَا تَبَايَعَا عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ، فَكَذَا لَوْ تَوَاضَعَا الْوَفَاءَ قَبْلَ الْبَيْعِ ثُمَّ عَقَدَا بِلَا شَرْطِ الْوَفَاءِ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ، وَلَا عِبْرَةَ لِلْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ مِنْ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
تَبَايَعَا بِلَا ذِكْرِ شَرْطِ الْوَفَاءِ ثُمَّ شَرَطَاهُ يَكُونُ بَيْعَ الْوَفَاءِ؛ إذْ الشَّرْطُ اللَّاحِقُ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. مِنْ فَوَائِدِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بُرْهَانِ الدِّينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
الشَّرْطُ الْفَاسِدُ إذَا لَحِقَ بِالْعَقْدِ يَلْتَحِقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عِنْدَهُمَا. عَنْ مُخْتَصَرِ الْخَصَّافِ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْإِلْحَاقُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِصِحَّةِ الْإِلْحَاقِ؟ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ. مِنْ فَوَائِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
بَاعَ كَرْمًا بَيْعًا جَائِزًا فَمَضَى بَعْضُ الْمُدَّةِ وَخَرَجَ الثَّمَرُ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي جَائِزًا بَيْعًا بَاتًّا وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّمَرَ، فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ لَا لِلْمُشْتَرِي
وَلَوْ شَرَاهُ جَائِزًا فَأَجَّرَهُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ الْبَائِعُ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ مَثَلًا وَالْمُشْتَرِي جَائِزًا أَجَازَهُ فِي نِصْفِ الشَّهْرِ فَأُجْرَةُ نِصْفِ الشَّهْرِ لِلْمُشْتَرِي جَائِزًا، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْفَسْخَ إنْ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي شِرَاءِ الْوَفَاءِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا وَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ لَيْسَ بِعُذْرٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَائِعِ دَيْنٌ، وَهُنَا الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِي إجَازَةِ هَذَا الْبَيْعِ فَتَبْقَى الْإِجَارَةُ، وَإِذَا بَقِيَتْ وَالْعَاقِدُ هُوَ الْمُشْتَرِي كَانَتْ الْأُجْرَةُ لَهُ، وَعَلَى هَذَا أُجْرَةُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي شِرَاءً جَائِزًا.
وَلَوْ فَسَخَهُ الْبَائِعُ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُدَّةً مُتَعَارَفَةً لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَوْ كَانَتْ مُدَّةً غَيْرَ مُتَعَارَفَةٍ بِأَنْ أَجَّرَ عَشْرَ سِنِينَ لَا تَبْقَى الْإِجَارَةُ
؛ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ يَتَفَاحَشُ الضَّرَرُ، بِخِلَافِ تَعَارُفِ الْمُدَّةِ لِقِلَّةِ الضَّرَرِ.
وَلَوْ طَالَبَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِثَمَنِهِ فَدَفَعَ يَجِبُ أَنْ لَا يَنْفَسِخَ الْبَيْعُ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ مَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ. كَذَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ.
(فَرْعٌ) :
الْمُؤَجِّرُ بَاعَ الْمُسْتَأْجَرَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ ثُمَّ الْمُشْتَرِي دَفَعَ ثَمَنَهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِجِهَةِ مَالِ الْإِجَارَةِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ لَوْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ حَاضِرًا وَإِلَّا، فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي الْأَدَاءِ لِيَخْلُصَ مِلْكُهُ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ، وَعِنْدَ حُضُورِهِ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُؤَجِّرِ لِيَقْضِيَ الْمُؤَجِّرَ مَالَ الْإِجَارَةِ فَيَسْلَمُ لِلْمُشْتَرِي مِلْكُهُ. اُنْظُرْ الذَّخِيرَةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْعُدَّةِ: بَاعَهُ بِإِذْنِ مُسْتَأْجِرِهِ فَأَدَّى الْمُشْتَرِي مَالَ الْإِجَارَةِ إلَى مُسْتَأْجِرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُؤَجِّرِ لِيَسْلَمَ لَهُ الْمَبِيعُ، يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِخِلَافِ مُعِيرِ الرَّهْنِ وَلَوْ بَاعَهُ وَفَاءً فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ بَاتًّا فَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي بَاتًّا بَعْضَهُ أَوْ كُلَّهُ فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي شِرَاءً جَائِزًا الْبَيْعَ الْبَاتَّ لَا يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْغَاصِبِ لَوْ بَاعَ ثُمَّ أَجَازَ مَالِكُهُ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ.
(فَرْعٌ) :
الْكَفَالَةُ بِمَالِ الْوَفَاءِ يَصِحُّ مُضَافًا لَا فِي الْحَالِ؛ إذْ الْمَالُ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَ الْفَسْخِ لَا فِي الْحَالِ مِنْ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ثُمَّ تَفَاسَخَا وَالزَّرْعُ بَقْلٌ هَلْ تُتْرَكُ الْأَرْضُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ بِأَجْرِ مِثْلِهَا إلَى حَصَادِهِ أَمْ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ؟ قَالَ: لَا يُتْرَكُ؛ إذْ الْمُسْتَأْجِرُ رَضِيَ بِبُطْلَانِ حَقِّهِ فِي الزَّرْعِ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى الْفَسْخِ