الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْقَضَاءَ: أَمْرٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ، وَهُمَا رَضِيَا بِرَأْيِهِمَا دُونَ رَأْيِ أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِالْقَضَاءِ كَوَكِيلَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَكَالْإِمَامِ إذَا فَوَّضَ الْقَضَاءَ إلَى اثْنَيْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِهِ، فَكَذَا هَذَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
حَكَّمَا رَجُلًا مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَا: لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَنَا، وَقَالَ: حَكَمْت، فَالْحُكْمُ مُصَدَّقٌ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَكَى مَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَإِنْشَاءَهُ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ وَجُعِلَ إقْرَارُهُ كَأَنَّهُ إنْشَاءُ الْحُكْمِ، وَلَا يُصَدَّقُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْحُكْمِ.
[الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقَضَاء الْمَقْضِيِّ بِهِ]
" الْمَقْضِيُّ بِهِ، وَاجْتِهَادُ الْقَاضِي فِي الْقَضَاءِ " يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ تُنْسَخْ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى يَقْضِي بِمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] الْآيَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَصًّا يَقْضِي بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ وَالنَّظَرِ مَيَّزَ أَقَاوِيلَهُمْ وَرَجَّحَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وَنَظَرَ إلَى أَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ وَأَقْرَبِهَا إلَى الصَّوَابِ وَأَحْسَنِهَا عِنْدَهُ وَقَضَى بِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ قَوْلٌ وَكَانَ فِيهِ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ قَضَى بِهِ؛ لِأَنَّ إجْمَاعَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ فَلَا يَسَعُهُ أَنْ يُخَالِفَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ يُرَجِّحُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وَيَقْضِي بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الِاجْتِهَادِ قَاسَهُ عَلَى مَا يُشْبِهُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ وَتَحَرَّى الصَّوَابَ ثُمَّ قَضَى بِرَأْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ يَسْتَفْتِي فِي ذَلِكَ فَيَأْخُذُ بِفَتْوَى الْمُفْتِي وَلَا يَقْضِي بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَا يَسْتَحْيِي مِنْ السُّؤَالِ لِئَلَّا يَلْحَقَهُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَلَوْ قَاسَ مَسْأَلَةً عَلَى مَسْأَلَةٍ فَظَهَرَ خِلَافُهُ يَأْثَمُ إذْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ وَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَالْخُصُومَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْقَاضِي.
[فَصْلٌ تَفْسِيرِ الِاجْتِهَادِ وَأَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ]
(فَصْلٌ) :
لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ الِاجْتِهَادِ وَأَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ. .
فَالِاجْتِهَادُ: بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ، وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ: قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالنُّصُوصِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ هَذَا هُوَ الشَّرْطُ فِي السَّلَفِ لِصَيْرُورَةِ الرَّجُلِ مُجْتَهِدًا، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْفُرُوعِ الَّتِي اسْتَخْرَجَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بِرَأْيِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَ هَذَا: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى اجْتِهَادِ السَّلَفِ كَفُرُوعِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا لِلتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ مَنْ سَمِعَ عَامَّةَ ذَلِكَ وَتَفَقَّهَ فِيهِ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: مَنْ حَفِظَ الْمَبْسُوطَ وَمَذْهَبَ الْمُتَقَدِّمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَإِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ هَذَا الْحَدَّ يَصِيرُ مُجْتَهِدًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، ثُمَّ إذَا اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ وَبَالَغَ فِيهِ هَلْ يَكُونُ مُصِيبًا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَوْ يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَيْهِ؟ قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وَقَدْ يُصِيبُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ مُصِيبٌ فِي اجْتِهَادِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فِيمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِأَنْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَتَفْسِيرُهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ عَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرُ الْأَشْعَرِيَّةِ: إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ عِنْدَهُمْ حُقُوقٌ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ يَكُونُ صَوَابًا فِي حَقِّهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ: الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَالِاجْتِهَادُ طَلَبُ ذَلِكَ الْحَقِّ، فَإِنْ وَجَدَهُ يَكُنْ مُصِيبًا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ يَكُنْ مُخْطِئًا ضَرُورَةً وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ
فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ حَلَالٌ وَحَرَامٌ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ مِنْ بَابِ التَّنَاقُضِ، فَيَجِبُ تَنْزِيهُ الشَّرْعِ عَنْ التَّنَاقُضِ وَالْخَلَلِ مَتَى كَانَ ثَابِتًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ لِمَصْلَحَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَتِلْكَ الْمَصْلَحَةُ قَائِمَةٌ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْآخَرِ ظَاهِرًا يَكُونُ تَنَاقُضًا فَأَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَصْلَحَةِ فَلَا وَعِنْدَ التَّنْصِيصِ بِالنَّقِيضَيْنِ فِي حَقِّ شَخْصَيْنِ يُعْرَفُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ اخْتِلَافُ الْمَصْلَحَةِ.
فَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ: لَا تَجُوزُ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّ شَخْصٍ آخَرَ مِثْلِهِ فِي الْحَالِ، فَالْمَصْلَحَةُ فِي حَقِّهِ ظَاهِرَةٌ وَلَا عِلْمَ لَنَا بِمَصْلَحَةٍ بَاطِنَةٍ يَكُونُ تَنَاقُضًا مِنْ الشَّرْعِ.
ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ فَصْلَيْنِ [أَحَدُهُمَا] إذَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي شَيْءٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رحمهم الله: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخَالِفَهُمْ بِرَأْيِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ، فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: أَحْفَظُ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ مِنْ الْمَنْسُوخِ، فَإِذَا كَانَ يَحْفَظُ مِنْ الْمَنْسُوخِ هَذَا الْقَدْرَ فَمَا ظَنُّك بِالنَّاسِخِ، وَكَانَ صَاحِبَ فِقْهٍ وَمَعْنًى أَيْضًا.
وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُ قَرِيحَةٍ يَعْرِفُ أَحْوَالَ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ وَصَاحِبَ فِقْهٍ وَمَعْنًى، وَلِهَذَا قَلَّ رُجُوعُهُ فِي الْمَسَائِلِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْأَحَادِيثِ أَيْضًا.
وَأَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله كَانَ مُقَدَّمًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أَنَّهُ قَلَّتْ رِوَايَتُهُ لِمَذْهَبٍ خَاصٍّ لَهُ فِي بَابِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا تَحِلُّ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ يَحْفَظُ الْحَدِيثَ مِنْ حِينَ سَمِعَ إلَى أَنْ يَرْوِيَ.
[وَالثَّانِي] إذَا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ التَّابِعِينَ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفَتْوَى.
وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشُّيُوخِ: إذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَفِيهِمَا أَبُو حَنِيفَةَ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَانِبٍ وَهُمَا فِي جَانِبٍ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ يَتَخَيَّرُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ يَسْتَفْتِ غَيْرَهُ فَيَأْخُذُ بِقَوْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّيِّ.
وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي أَدَبِ الْقَاضِي لَهُ: الْجَاهِلُ بِالْعِلْمِ إذَا اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ بِقَوْلِ أَحَدٍ أَخَذَ بِقَوْلِهِ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ فَقِيهَانِ كِلَاهُمَا رِضًا يَأْخُذُ عَنْهُمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا عَلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهُمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ أَصْوَبُهُمَا وَسِعَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ فُقَهَاءَ وَاتَّفَقَ اثْنَانِ أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى قَوْلِ الثَّالِثِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَتَّفِقْ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ اجْتَهَدَ هُوَ وَرَأْيُهُ فِيمَا أَفْتُوهُ فِيهِ، فَأَيُّهُمْ كَانَ أَصْوَبَ عِنْدَهُ قَوْلًا عَمِلَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّاطِفِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَفْتَى عَالِمٌ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَأَفْتَى عَالِمٌ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
وَأَفْتَى عَالِمٌ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ أَوْ بِقَوْلِ زُفَرَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَا بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ الْقَاضِي إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ شَاوَرَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] وَالْقَاضِي لَا يَكُونُ أَفْطَنَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام، فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ وَكَانَ رَأْيُهُ كَرَأْيِهِمْ فَصَلَ الْحُكْمَ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا نَظَرَ إلَى أَقْرَبِ الْأَقْوَالِ مِنْ الْحَقِّ وَأَمْضَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يُعْتَبَرُ السِّنُّ وَلَا كَثْرَةُ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْغَرَ وَالْوَاحِدَ قَدْ يُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ فِي حَادِثَةٍ مَا لَا يُوَفَّقُ الْأَكْبَرُ وَالْجَمَاعَةُ.
إمَّا لِكَثْرَةِ فِطْنَتِهِ وَحِفْظِهِ أَوْ لِجَوْدَةِ خَاطِرِهِ وَذَكَاءِ فَهْمِهِ - أَلَا يُرَى أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: غُصْ يَا غَوَّاصُ، وَكَانَ إذَا أَصَابَ يَقُولُ لَهُ:" شَنْشَنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخَزَمَ "، وَهَذَا مَثَلٌ تَذْكُرُهُ الْعَرَبُ لِمَنْ يُشْبِهُ أَبَاهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ، وَعُمَرُ أَكْبَرُ سِنًّا، فَإِذَا اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ الْبَلَدِ عَلَى شَيْءٍ وَكَانَ رَأْيُهُ خِلَافَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْجَلَ بِالْحُكْمِ حَتَّى يَكْتُبَ فِيهِ إلَى غَيْرِهِمْ وَيُشَاوِرَهُمْ