الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه)) (1).
المطلب الثاني: مفهوم الحكمة في الاصطلاح الشرعي
ذكر العلماء مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية (2)،
(1) مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية، 2/ 7.
(2)
جاء لفظ: الحكمة في كتاب الله - تعالى - في أكثر من تسعة عشر موضعاً، انظر: سورة البقرة، الآيات: 129، 151، 231، 251، 269، وآل عمران: 48، 81، 164، والنساء: 54، 113، والمائدة: 110، والنحل 125، والإسراء: 39، ولقمان: 12، والأحزاب: 34، ص: 20، والزخرف: 63، والقمر: 5، والجمعة:2.
وجاء لفظ الحكمة في السنة النبوية في عدة مواضع، انظر معظمها في: البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، 1/ 165، برقم 73، وكتاب فضائل الصحابة، باب ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه، 7/ 100، برقم 3756، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، برقم 7270، وكتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، 8/ 98، 99، برقم 4388، و4390، وكتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، 10/ 537، برقم 6145، وباب الحياء، 10/ 521، برقم 6117. ومسلم، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه، 1/ 71 - 73، برقم 51، وباب عدد شعب الإيمان، 1/ 64، برقم 37، وكتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه وغيره فعمل بها وعلمها، 1/ 559، برقم 816، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل العلم على العبادة 51، برقم 2687، وكتاب البر والصلة، باب ما جاء في التجارب، 4/ 379، برقم 2033، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحكمة 2/ 1395، برقم 4169، والدارمي في المقدمة، باب من هاب الفتيا مخافة السقط، 1/ 75، برقم 293، وباب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله، 1/ 90، برقم 395، وباب فضل العلم والعالم، 1/ 84، برقم 357، وكتاب فضائل القرآن، وباب فضل من قرأ القرآن، 2/ 312، برقم 3330.
واختلفوا على أقوال كثيرة، فقيل: الحكمة: النبوة، وقيل: القرآن والفقه به: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وقيل: الإصابة في القول والفعل، وقيل: معرفة الحق والعمل به، وقيل: العلم النافع والعمل الصالح، وقيل: الخشية للَّه، وقيل: السنة، وقيل: الورع في دين اللَّه، وقيل: العلم والعمل به، ولا يسمى الرجل حكيماً إلا إذا جمع بينهما، وقيل: وضع كل شيء في موضعه. وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة (1).
(1) انظر: تفسير مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية في المصادر التالية: جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، 1/ 436، 3/ 60، 61، وتفسير غرائب القرآن للنيسابوري المطبوع بهامش تفسير الطبري، 1/ 413، وتفسير البغوي، 1/ 256، 1/ 116، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، 1/ 324، 1/ 146، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 2/ 131، 3/ 60، 61، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، 1/ 184، 1/ 323، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي، 1/ 387، 3/ 41، وفتح القدير للشوكاني، 1/ 289، 1/ 144، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا، 1/ 472، 2/ 29، 3/ 75، 3/ 263، وتفسير المراغي، 1/ 214، 2/ 19، 3/ 41، وتفسير السعدي، 1/ 173، 1/ 290، 6/ 154، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، 1/ 312، 1/ 139، 399، 2/ 997، وصفوة المفاهيم والآثار لعبد الرحمن الدوسري، 2/ 360، 416، 3/ 498، 499، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، 6/ 66، 67،
9/ 22/ 23، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 19/ 170، ومدارج السالكين لابن القيم، 2/ 478، 479، والتفسير القيم لابن القيم، ص227، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 1/ 67، 70، 6/ 531، 7/ 100، 10/ 522، 529/ 540، وشرح النووي على صحيح مسلم، 2/ 7/ 33، 6/ 98، 15/ 12، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، 6/ 182، 7/ 58، 10/ 327، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، 13/ 354، 355.
وقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولاً في تعريف الحكمة (1).
((وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب اللَّه حكمة، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه. فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يمتنع به من السفه، وبه يعلم الامتناع من السفه الذي هو كلُّ فعلٍ قبيح
…
)) (2).
وعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذا الأقوال في تعريف الحكمة هو: ((الإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه)).
فجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف؛ لأن الحكمة مأخوذة
(1) انظر: تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف، أبو حيان الأندلسي، 2/ 320.
(2)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 3/ 330، وانظر: البحر المحيط، 2/ 320، قال الإمام النووي رضي الله عنه: وأما الحكمة ففيها أقوال كثيرة مضطربة قد اقتصر كل من قائليها على بعض صفات الحكمة، وقد صفا لنا منها: أن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام، المشتمل على المعرفة بالله تبارك وتعالى المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك. قال أبو بكر بن دريد: <كل كلمة وعظتك وزجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم>، شرح النووي على صحيح مسلم، 2/ 33.
من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل، يقال: إن فلاناً لحكيم بيِّن الحكمة، يعني: أنه لبين الإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهم منه بمواضع الصواب يكون في جميع أموره: فهماً، خاشياً للَّه، فقيهاً، عالماً، عاملاً بعلمه، ورعاً في دينه
…
والحكمة أعم من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها؛ لأن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مسددون، مفهمون، وموفقون لإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور (1).
والحكمة في كتاب اللَّه نوعان (2): مفردة، ومقرونة بالكتاب.
فالمفردة كقوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (3). وقوله تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (4)، وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ
(1) انظر: تفسير الطبري، 1/ 436، 3/ 61.
(2)
انظر: مدارج السالكين، لابن القيم 2/ 478، والتفسير القيم لابن القيم، ص227.
(3)
سورة النحل، الآية:125.
(4)
سورة البقرة، الآية:269.
فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (1).
وهذه الحكمة فُسِّرت بما تقدم من أقوال العلماء في تعريف الحكمة، وهذا النوع كثير في كتاب اللَّه تعالى.
أما الحكمة المقرونة بالكتاب، فهي السنة من: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وتقريراته، وسيرته، كقوله تعالى:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (2)، وقوله:{وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3)، {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (4)، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (5). وغير ذلك من الآيات.
(1) سورة لقمان، الآية:12.
(2)
سورة البقرة، الآية:129.
(3)
سورة البقرة، الآية:231.
(4)
سورة آل عمران، الآية:164.
(5)
سورة الجمعة، الآية:2.