الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث مفهوم التجديد عند العصرانية في العالم الإسلامي
2 - الطبقة الثانية من المفكرين
تمهيد:
الطائفة الأولى من المفكرين الذين حواهم الفصل السابق طائفة تقدمت ومضت، أما الطائفة الثانية التي يتناولها هذا الفصل فمجموعة جديدة من المعاصرين، بعضهم لا يزال حيًا، وسوف نرى كيف أنهم خلفوا أولئك، وبعثوا الحياة في أفكارهم وآرائهم، وشرحوا ووسَّعوا، وقعَّدوا القواعد، وأضافوا وحذفوا، فكانوا بذلك حلقة في سلسلة متصلة، وعرضًا جديدًا لفكر قديم.
محمد أسد: نسخة أوروبية لسيد خان
محمد أسد (أو ليوبولدفايس) مستشرق نمساوي الأصل، كان في أول أمره مراسلًا للصحف الأوروبية في الشرق الأوسط، وبعد تجوال في ربوعه وبخاصة في جزيرة العرب هداه الله فأعلن إسلامه في عام (1926 م). وبعد فترة من العيش بالمملكة العربية السعودية انتقل إلى الهند، ومكث فيها مدة طويلة، وكانت
له صلات قوية بالحركة الفكرية فيها، وبعد إنشاء حكومة باكستان عمل في خدمة حكومتها، حتى استقال من خدمتها عام (1952 م) وكان يشغل منصب ممثلها في الأمم المتحدة (1).
وقد عرفه العالم العربي من خلال أول كتاب ترجم له إلى اللغة العربية بعنوان: "الإسلام على مفترق الطرق"، وصدرت الترجمة عام (1946 م)، واشتهر وذاع بسبب هذا الكتاب الذي لاقى انتشارًا واسعًا يتضح من تعدد طبعاته. ومن خلال الكتاب -يبدو فكر المؤلف ناصعًا ورؤيته واضحة، وبخاصة لمعايب الحضارة الغربية ولأخطار تقليدها على المسلمين، ولمزايا الإسلام عليها ولأهمية التمسك بأسسه وأصوله الكتاب والسُّنَّة. ولما كان المؤلف من أبناء الغرب وأهله أحدث نقده للحضارة الغربية، وشهادته للإسلام بغض النظر عن قيمة محتواه، تأثيرًا قويًا ولاقى رواجًا وإعجابًا.
ولكن كتب المؤلف الأخرى لا تعطي الانطباع الذي يعطيه كتابه السالف، وإذا استبعدنا كتابه "الطريق إلى مكة المكرمة" الذي هو قصة أدبية رائعة عن الثلاثين سنة الأولى من حياته واعتناقه الإسلام، ولا يعد كتابًا فكريًا، فإن كتبه الأخرى (2) تنضح بفكر عصراني خالص، حتى إن المرء لا يجانب الصواب كثيرًا إذا وصفه -وبخاصة في ترجمته لمعاني القرآن والحواشي والهوامش التي ضمتها الترجمة- بأنه نسخة أوروبية لسيد خان، أعظم مفكري العصرانية المسلمين. ولا غرو فإنه لتأثره بالمادية الغربية التي لا تؤمن بما وراء المحسوس المشاهد، لم يستطع أن يتخلص من بقاياه الجاهلية، فأقبل في الإسلام على العصرانية يأول ويفسر كل شيء في حدود عالم الحس وأذواق الغرب. ويقدم لنا محمد أسد -تمامًا كسيد خان- نموذجًا متكاملًا للفكر العصراني الإسلامي، إذ لم يقتصر فكره في دائرة واحدة من دوائر الإسلام، بل شمل العقائد والتفسير والحديث والفقه. ونقدم هنا أمثلة قليلة من ذلك.
(1)"الطريق إلى مكة المكرمة" محمد أسد، ترجمة: عفيف البعلبكي ص 16، و"الإسلام على مفترق الطرق" محمد أسد، ترجمة: عمر فروخ ص 12 - 14.
(2)
من كتبه "منهاج الإسلام في الحكم"، وترجمة لـ"معاني القرآن"، وترجمة لـ"صحيح البخاري" إلى الإنجليزية.
المفتاح الأساسي لفهم القرآن في نظره هو في الآية السابعة من سورة آل عمران {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]؛ يقول: "فهذه الآية هي التي تجعل رسالة القرآن سهلة التناول {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]. وهو يعرف المتشابه بأنه تلك الآيات التي جاء التعبير فيها بطريقة مجازية، والتي تتضمن معنى رمزيًا لا يمكن الإفصاح عنه مباشرة ولو في كلمات كثيرة. أما لماذا يحتوي القرآن على المتشابه فيقول: لأنه يتحدث عن عالم (الغيب) ذلك العالم الذي هو وراء إدراك البشر الحسي، ولما كان العقل البشري لا يدرك الأشياء ولا تكون عنده معرفة إلا من خلال تجاربه الماضية (هكذا يقول)، فلا يمكن نقل معاني (الغيب) له إلا باستعارة أمثلة وتشبيهات تؤخذ من نفس هذه التجارب، أو كما يقول الزمخشري (تمثيلًا لما غاب عنا بما نشاهد)، ثم يقفز من ذلك إلى النتيجة التالية (وهكذا يبين لنا القرآن بوضوح أن كثيرًا من تعبيراته وآياته يجب أن تفهم باعتبار أنها متشابهة، لسبب بسيط وهو أنها لتخاطب العقل البشري فلا يمكن أن تخاطبه بغير هذه الطريقة، فإذا أخذنا كل تعبير في القرآن وكل كلمة وكل آية بمعناها الظاهري الحرفي، وغضضنا الطرف عن احتمال أن تكون متشابهة، أو رمزًا أو مثالًا، فإننا نسيء إلى روح النص القرآني ذاته"(1).
ومن خلال اعتبار كثير من نصوص القرآن رموزًا وأمثلة، يمكن لأي امرئ أن يفسر ما شاء كيف شاء، ولم لا؟ فهل يمكن الادعاء إن للرمز معنى واحدًا بعينه هو المعنى المقصود دون غيره؟ وهذا ما فعله محمد أسد، فقد أوّل ما شاء كيف شاء ضاربًا بقواعد اللغة وبكثير من تفسيرات السلف عرض الحائط، ولم يتقيد بها -كما يقول- أليس من:"مزايا القرآن الفذة أنه كلما ازدادت معرفتنا بهذا العالم، وازدادت تجاربنا كلما تكشفت لنا آياته عن معانٍ ثرة جديدة لم تخطر من قبل" وهذا في ظاهره صحيح إذا أريد به أن معاني القرآن الأولية، يمكن أن تتسع للفهم بازدياد معرفة البشر، ولكن اتساع الفهم لا يناقض المعنى الأولي الأساسي، فهل هذا الذي يقصده محمد أسد؟ من عبارته التالية يبدو أن الذي يقصد إليه أن النص الواحد يمكن أن تكون له معانٍ متعددة، بل ومتناقضة حسب ثقافة المفسر المتاحة له في عصره، فهو يستمر ليقول:
(1) Asad، "the Message of the Quran" P.66،989
"لقد أدرك أسلافنا العظماء هذه الحقيقة إدراكًا كاملًا، وفي تفسيرهم للقرآن اقتربوا من نصوصه من خلال (عقولهم)، أو بعبارة أدق حاولوا شرح معاني القرآن على ضوء اللغة العربية والسُّنَّة جنبًا إلى جنب مع المعارف العامة المتاحة لهم، مما تجمع لدى المجتمع الإنساني حتى عصرهم من تجارب وثقافة، ولهذا كان من الطبيعي أن يختلف في أحيان كثيرة فهم أحد المفسرين لآية من القرآن عن فهم من سبقوه، وقد يكون ذلك الاختلاف -وغالبًا ما يكون- حادًا وواسعًا، ويناقض بعض المفسرين بعضهم بعضًا، ولكن ذلك لم يخلق عداء بينهم، لإدراكهم لعنصر النسبية في التفكير البشري، وأنه لا أحد يبلغ الكمال"(1).
ولنأخذ مثلًا كيف يفسر محمد أسد صفات الله الواردة في القرآن. يقول: بما أن الله عز وجل كائن لا تحده حدود الزمان والمكان فإن كل ما يمكننا أن ندركه عنه ما يسمى بالصفات السلبية (What he is not)، أما صفاته الثبوتية فلا يمكن أن نكون عنها إلا فكرة ناقصة عن طريق استعارات وأمثلة عامة ومجملة. ولهذا فهو يعتبر هذه الصفات مجازات لابد من تأويلها، فيقول عندما يوصف الله تعالى بأنه في السماء أو أنه:{عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، فإن هذه ليست إلا أداة لغوية لتقرب لنا معنى فوق إدراك البشر، وهو قدرة الله الواسعة وسلطانه القاهر فوق كل شيء وكذلك عندما يوصف الله بأنه (السميع)(البصير) فإن ذلك لا يمت بصلة إلى ظاهرة السمع والبصر العضوية، ولكنه فقط يصور بطريقة مفهومة للعقل البشري حضور الله عند كل شيء وكل حدث. وكذلك كثير من الصفات التي يبدو لأول وهلة أنها تعني التجسيم، مثل الغضب والفرح والحب و {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، وأمثالها فهي لا تعدو أن تكون (تراجم) في لغة بشرية، ورموزًا لأفعال الله تعالى (2).
ونفس الرموز -في رأي أسد- موجودة في وصف القرآن لليوم الآخر والحياة الثانية، والجنة والنار. وكل ما جاء من وصف لهذه الأمور ما هو إلا رموز مأخوذة من تجاربنا، فكأن القرآن يقول لنا: "تخيلوا كل ما يمكن لكم تخيله مما
(1) Asad، "the Message of the Quran" P.VIII.
(2)
المصدر نفسه P.99،990.
ينعم به الإنسان نفسيًا وبدنيًا، وتخيلوا نعيمًا فوق ما تتخيلون بأضعاف مضاعفة، ونعيمًا في ذات الوقت مختلفًا عن كل ما تتخيلون، فإنكم فقط حينئذ تكونون قد أدركتم لمحة وإن كانت غامضة عما يسمى (الفردوس). ونفس الأمر صادق أيضًا عن وصف القرآن للنار" (1). وهو بذلك يعني أن وصف القرآن للجنة والنار لا ينبغي أن يؤخذ على ظاهره، أو على أنه وصف لحقائق واقعة، بل هو مجرد تمثيل وتصوير.
وهو ينظر إلى بقية أمور الغيب والسمعيات الأخرى، مثل الجن والملائكة والمعجزات، بالنظرة نفسها، أي: أنها كلها رموز وأمثلة. وبكل (تمحل) يعطيها تفسيرات في حدود عالم الحس وليس له من دليل إلا الحدس والتخمين والخيال الواسع.
فقصة أهل الكهف -مثلًا- ونومهم لمدة ثلاثمائة عام ثم استيقاظهم يرى أنها ليست إلا "أسطورة"، واعتمادًا على الاكتشاف الحديث لما سمي مخطوطات البحر الميت Dead sea scrolls، يرى أن المقصود بأهل الكهف مجموعة من اليهود كانت تعزل نفسها في الكهوف تفرغًا لدراسة الصحف المقدسة ونقلها وكتابتها. ولما كان الناس من حولهم يعظمونهم وينظرون إليهم نظرة قدسية، فمن المحتمل جدًا أن يكونوا قد نسجوا حولهم بسبب عزلتهم التامة عن العالم، أسطورة النوم لمدة طويلة ثم (الاستيقاظ) بعد أن يكونوا قد أكملوا مهمتهم المقدسة؛ أي: أن القرآن يحكي فقط أسطورة شائعة. ولكن لماذا يحكيها القرآن؟
يقول: إن القرآن يستخدمها بطريقة رمزية بحتة ليوضح أولًا قدرة الله الكاملة على الإماتة -"النوم"- والإحياء -"الاستيقاظ"-؛ ويشير ثانيًا من خلالها إلى التضحية التي يمكن أن يدفع إليها الإيمان، فيعتزل قوم أتقياء العالم الفاسد نجاة من شروره (2).
وكذلك يرى أن قصة سليمان عليه السلام التي يحكيها القرآن والمعجزات التي تصاحبها كلها كانت أساطير شائعة عند العرب وأهل الكتاب من يهود ونصارى
(1) Asad، "the Message of the Quran" P.99 ..
(2)
المصدر نفسه. P.438
حين نزول القرآن، ومن الممكن إعطاؤها تفسيرات "عقلية"، "هكذا يقول: فلديه تفسيرات جاهزة لكل شيء، ولكن لا فائدة في ذلك لأن القرآن وجد هذه الأساطير في البيئة التي نزل فيها، فحكاها كما هي دون أن يؤكد صحتها أو يدحضها فاستخدمها لأنها كانت ضاربة بجذورها فى عقول الناس، ليبث من خلالها بعض مفاهيمه العقدية والأخلاقية" (1).
وإذا كانت هذه أمثلة لواحدة من وسائله لرفض المعجزات باعتبارها أساطير فقط، إلا أنه في أحيان أخرى يعطيها تأويلات تبعدها أن تكون خارقة للعادة. من ذلك مثلًا قصة إبراهيم مع الطيور الأربعة، ففي نظره أن إبراهيم لم يقتل الطيور ولم يقطعها أجزاء ثم أحياها الله بعد ذلك، بل كل ما في الأمر أنه علَّم الطيور ودرَّبها على طاعته وإجابة أوامره، وهذا عنده هو معنى {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260]، ثم إن إبراهيم وضع كل طائر على جبل، ثم حين دعاها أجابته. والمغزى من ذلك أنه إذا كانت الطيور بمثل هذا التعليم والتدريب تطيع الإنسان ولا تعصي أمره، فكذلك الله عز وجل الذي يطيعه كل شيء، فهو قادر على أن يحيي الموتى بأمرهم بكلمة منه "كن"(2).
ويقول عن الحوت الذي التقم يونس عليه السلام أن القرآن يذكره بأداة التعريف (الحوت) لأن أسطورته كانت معروفة فهو بذلك حوت معروف معهود. وفي هذه المرة لا يكتفي بالقول أنه أسطورة بل يعطيه تفسيرًا من تفسيراته (العقلانية) من بنات أفكاره، فيقول: مما لا شك فيه أن التقام الحوت هنا ما هو إلا رمز للغم والكرب الذي وقع فيه يونس (3).
ويفسر حجارة السجيل في سورة الفيل مثل تفسير محمد عبده، الذي صرح في مقدمة الكتاب أنه تأثر به كثيرًا واقتبس منه في عدة مواطن (4)، فسبب هلاك أصحاب الفيل كان وباء الجدري أو الحصبة، والطير الأبابيل في تفسيره هي ناقلات ذلك الوباء (5).
(1) Asad، "the Message of the Quran" P.99.
(2)
المصدر نفسه P.59.
(3)
المصدر نفسه P.691.
(4)
المصدر نفسه P.V.
(5)
المصدر نفسه P.976.
والأمثلة كثيرة ومتعددة، وبإيجاز يمكن القول أن أي معجزة في القرآن ضاق عقل أسد المادي عن إدراكها، راح يأولها بهذه الجرأة وبهذا الخرص والخبط.
الفقه من خلال ذوقه الأوروبي:
وإذا كانت هذه نظرة أسد إلى أمور العقيدة ومنهجه في تفسيرها؛ فكيف ينظر إلى مسائل الفقه التي لا يستسيغها "ذوقه" الأوروبي. ويأتي أولًا السؤال ما الذي لا يستسيغه "الذوق" الأوروبي من الفقه الإسلامي، ثم ننظر ثانيًا في "المنهج العلمي" الذي يقدمه أسد لتأويله ليوافق "ذوق" الغرب المتحضر.
نختار ثلاث دوائر من التي يكثر اعتراض الغرب عليها في الإسلام: "وضع المرأة، والحدود، والربا". والأمثلة عن هذه تكفي.
أما عن المرأة فنكتفي برأي أسد في الحجاب. يقول عن قوله تعالى في ذلك في سورة النور: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] أن المقصود بها اللباس المحتشم وستر الزينة، إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية" (1)؛ أي: العادة الجارية في مجتمعه. ويعيب على المفسرين الأوائل أنهم قصروا ما يظهر على الوجه والكفين فقط وأحيانًا أقل، ويقول أن معنى:{إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أوسع من ذلك، ويرى أنه لفظ عام، وأنه بعمومه قصد منه أن يفتح المجال للتغيرات التي تحدث في حياة الإنسان الخلقية والاجتماعية في كل زمان. إن الأمر البالغ الأهمية هو في "غض البصر وحفظ الفرج"، وما يحقق هذه الغاية في كل زمان هو الذي يحدد ما يعد من "الحشمة أو ما لا يعد في مظهر الإنسان الخارجي" (2)؛ أي: أن المقياس والمعيار الأساسي هو الحشمة، وليس لذلك حدود إلا ما تحدده عادة المجتمع الجارية وليس بالضرورة أن يكون ذلك ستر ما عدا الوجه والكفين.
(1) هذه جملة مبتورة نُسبت إلى القفال في "تفسير الرازي". وعبارة القفال الكاملة هكذا: (معنى الآية إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية وذلك في النساء الوجه والكفان). انظر: "التفسير الكبير" للرازي سورة النور آية 31، 23/ 205، ط أولى المطبعة البهية القاهرة. .
(2)
المصدر نفسه P.538.
وفي مجال الحدود نأخذ مثالًا رأيه في عقوبة الحرابة، وخلاصة رأيه: أن من يظن أن (العقوبات الوحشية) الواردة في الآية {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]، من يظنها عقوبات شرعية، فقد وقع في خطأ بالغ، وأن ما ذهب إليه المفسرون من أن المقصود بهذه الآية فرض عقوبات جنائية رأي مرفوض مطلقًا، مهما كانت الأسماء التي قالت بهذا الرأي كبيرة ومشهورة. ويؤكد أن الآية لا تنشئ أمرًا ولا تقصد تنفيذ طلب بل هي تقرير لحقيقة ويسوق لتأييد رأيه بعض الحجج، من ذلك أن الأفعال الواردة في هذه الآية {يُقَتَّلُوا} {يُصَلَّبُوا} {تُقَطَّعَ} {يُنْفَوْا} واردة بصيغة المضارع، ولا يفهم منها الأمر والطلب "وهذا مثال لأحد المواضع التي يظهر فيها ضعفه في اللغة". ومن الحجج أيضًا أن صيغة هذه الأفعال تدل على المبالغة، ويفهم هو من ذلك أن المقصود أن القتل والصلب والقطع هو لأعداد كبيرة، فهل يمكن أن يكون المقصود أن يعاقب عدد كبير من المحاربين ويعفى عن البقية؟ إذا كان القصد السجن فليس ذلك نفيًا من كل الأرض، وإذا كان المقصود النفي من دار الإسلام فدار الإسلام ليست هي كل الأرض. ومن أقوى الأدلة عنده على أن الآية لا تقرر عقوبات شرعية؛ لأن العقوبات الواردة فيها قد ذكرها القرآن على لسان فرعون الذي هو مثال الطغيان والشر والعدوان في القرآن، حين قال:{لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)} [الأعراف: 124]، "فهل يعقل أن يجعل القرآن هذه عقوبات شرعية للمجتمع المسلم، وقد اعتبرها في موضع آخر جريمة نكراء من جرائم عدو الله فرعون؟ ".
ويخلص من ذلك إلى أن التفسير الصحيح للآية أنها تقرر حقيقة، وهي أنه لا مهرب لمن يحاربون الله ورسوله من العقاب الذي يجرونه على أنفسهم بأنفسهم وذلك أنه بسبب ما يحدث من الصراع بينهم، فإنهم يقتلون أنفسهم بأعداد كبيرة، ويعذبون ويشوهون بعضهم بعضًا بأعداد كبيرة، إلى الحد الذي يقطعون فيهم دابر بعضهم بعضًا أحيانًا {يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} ؛ ويرى أن هذا التفسير هو الذي يستقيم مع سياق الآية وتزول به الاعتراضات التي يعترض بها على التفسير الأول (1).
(1)"التفسير الكبير" للرازي. 148. P