الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، بعث محمدا خاتما للمرسلين، وأَنزل عليه القرآن العظيم، بلسان عربى مبين، وجعله حجة باقية على الزمان، ونبراسا للهدى والعرفان، ففتح به قلوبا غلفا، وأسمع به آذانا صما، وبَصَّرَ به أعينا عميا.
والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين: سيدنا ومولانا محمد صفوة خلق الله أجمعين: اختصه برسالته الخالدة، واصطفاه لدعوة الحق الباقية، وشرفه بالعلم والعرفان، وزينه بأكرم السجايا وأكمل الأَخلاق.
ورضوان الله ورحمته وبركاته، على آله وأصحابه، ومن نهج نهجهم، واتبع سبيلهم من المؤمنين الصادقين إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن القرآن الكريم: كتاب الله الخالد، نزل به الروح الأمين، على أكمل البشر، وخاتم الرسل: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، بعد ما اشتبه عليهم الضلال بالهدى، والجهل بالعرفان.
وكان ذلك من رحمة الله بعباده، وعظيم رأفته بخلقه.
وقد استطاع القرآن - ببلاغته وعظيم هداه - أن يلين قلوب العرب بعد عنادهم، ويروض جماحهم بعد شماسهم، فلانوا بعد صلابة، وانقادوا بعد شرود، واستجابوا بعد إباء، إذ انشرحت له صدورهم، وتفتحت له قلوبهم.
ثم ما لبثوا أن انتقلوا من الضلالة إلى الرشاد، ومن البداوة إلى الحضارة، ومن الجهالة إلى العلم، ومن الفرقة والشقاق، إلى الأُلفة والاتحاد، ومن الضعف إلى القوة، ومن الهوان إلى العزة، وصدق الله إذ يقول: " {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. (1)}
ويقول: {
…
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
…
(2)}.
(1) الجمعة: 2
(2)
المنافقون: 8
وتحت راية هذا الذكر الحكيم: انتشر الإسلام في العالمين وسادت اللغة العربية كثيرا من لغات البلاد التي آمنت به، وازدهرت الحضارة الرفيعة في ربوعها، فإنه أباح لهم عمارتها والتمتع بطيباتها وزينتها، إلى جانب أنه حثهم على السمو الروحى عن طريق العلم والعمل الصالح، للفوز في دار الخلود.
وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . .} (1)
ويقول عز وجل: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} . (2)
ويقول سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (3)
وفي ظلال تمسكهم بهداه، استحقوا أن يكونوا خير أُمة أُخرجت للناس. وذلك لأنهم: يأْمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤْمنون باللهِ، ويسلكون سبيل الرشاد.
ولما تراخى المسلمون في الاعتصام به: انتثر عقدهم، وذهبت ريحهم، وتفرق شملهم، فلا سبيل إلى استعادة أمجادهم وعزتهم وتوتهم، إلا بأَن يعودوا إلى التمسك حهذا الكتاب العظيم: وأن تخفق قلوبهم لتوجيهه، وتنقاد لإرشاده، في شئون الدنيا والدين.
ومن أبرز صفات المؤمنين الصادقين، التجاوب العقلى والروحى، والعملي مع آي الذكر الحكيم:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (4). وأن يتأثروا بعظاته على نحو ما يقوله سبحانه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .} (5) وأن يحذروا الفرقة بعد أن جمعهم الله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
…
} (6).
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. . .} (7). وأن يأخذوا بأسباب القوة علماً وعملا: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. . .} (8)
(1) الأعرف: 32
(2)
طه: 112
(3)
الزلزلة: 8،7
(4)
الأنفال: 2
(5)
الزمر: 23
(6)
النحل: 92
(7)
آل عمران: 103
(8)
الأنفال: 60