الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير
218 -
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا
…
} الآية.
سبب النزول:
روى جعفر بن عبد اله، وعروة بن الزبير، وغيرهما، أن الآية السابقة، لما نزلت: اطمأن عبد الله بن جحش ومن معه، إلى أنهم لم يرتكبوا إثما في قتال المشركين في الشهر الحرام، وظن بعضهم أن الآية السابقة نفت عنهم الإثم فقط، فقالوا: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر. فقال عبد الله بن جحش ومن معه: يا رسول الله، أَنطمع أن يكون لنا غزوة نُعْطَى فيها أجر المجاهدين؟. فأنزل الله هذه الآية، ليبين أمرهم وأمر كل من آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله.
والمعنى: أن المؤمنين الصادقين: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وتركوا أموالهم وديارهم، حرصًا على دينهم وتمسكًا به، وجمعوا - إلى الإيمان والهجرة - بذل الجهد في طاعة الله، والقتال في سبيل إعلاء كلمة الله - إن هؤُلاء جمعوا هذه الصفات - هم على رجاءٍ وأمل في رحمة الله: ينتظرون ذلك ويطمعون فيه، جزاء إيمانهم وهجرتهم، وجهادهم في سبيله، ثقة منهم بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
قال القرطبي: وإنما قال: يرجون - وقَدْ مَدَحَهُمْ - لأنه لا يعلم أحد في الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين: أحدهما: أنه لا يدري بم يختم له، والثاني: لئلا يتكل على عمله، اهـ.
وقد ختم الله الآية بما يطمئن أولئك الذين قاتلوا في الشهر الحرام فقال:
أي: والله سبحانه واسع المغفرة، عظيم الرحمة، بمن آمن به، وهاجر إليه، وجاهد في سبيله، قاصدًا وجهه الكريم، إن اجتهد فأَخطأَ، فما بالك بمن اجتهد فأصاب، كعبد الله بن جحش!
وكرر لفظ {الَّذِينَ} مع الهجرة والجهاد، بعد ذكرها مع الإيمان، مع أن الذين هاجروا وجاهدوا هم الذين آمنوا، لتفخيم شأن الهجرة والجهاد، كأنهما - وإن كانا مشروطين بالإيمان - مستقلان في تحقق الرجاء.
وقدَّم الهجرة على الجهاد، لتقدمها عليه وجودًا، كتَقَدُّمِ الإيمان عليهما.
المفردات:
{الْخَمْر} : الخمر، ما أسكر من عصير العنب. ثم أصبح اسمًا لكل ما أسكر. ففي الحديث:"كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ". وفيه: "ما أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرَقُ (1) فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ". رواه أحمد عن السيدة عائشة رضي الله عنها وسُميت خمرًا، لتغطيتها العقل. من خمر الشيء: إذا ستره.
(1) الفَرَق بفتح الراء: مكيال كبير يسع ستة عشر رطلًا.
{وَالْمَيْسِرِ} : القمار، مصدر يسر. يقال يسرته: قمرته. واشتقاقه من اليسر - بمعنى السهولة - لأَنه أخذ الرجل مال غيره بيسر وسهولة، من غير كَدّ ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره.
والميسر: قمار العرب. كانت لهم عشرة قداح يقامرون عليها وهي: الأزلام، ثلاثة منها ليس لها علامات، فليس لمن أخذ واحدًا منها نصيب من الربح، والباقي له علامات متفاوتة، يتفاوت بسببها الربح. كانوا يضعون هذه القداح العشر في خريطة على يدي عدل، يحركها ويخرجها واحدًا واحدًا. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء، أخذ النصيب الموسوم به، من جزور يذبح، وَيُجَزَّأُ على قدر السهام القداح. ومن خرج قد مما لا نصيب له، لم يأخذ شيئًا، وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه: البرم.
{إِثْمٌ} : الإثم: الذنب، أو الشر، أو الضرر.
{الْعَفْوَ} من المال: ما زاد على النفقة، أو السهل الميسور.
{وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ} : أوقعكم في مشقة وشدة.
التفسير
219 -
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا
…
} الآية.
كما سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عما ينفقون، وعن القتال في الشهر الحرام، سألوه عن الخمر والميسر.
ولقد جاء الإسلام والعرب يعتادون تناول المسكرات - من عصير العنب أو نقيع التمر أو غيرهما - ومع أنها شديدة الضرر بالجسم والعقل، فإن الإسلام تدرج معهم في تحريمها، لتغلغل حُبِّها في قلوبهم، وظنهم أنها أساس لبعض مكارمهم، كما عالج مآثم أُخرى عميقة الجذور، بسياسة التدرج: رحمة وحكمة، لأنه الأُسلوب الأمثل في علاج النفوس التي أقامت على تلك المآثم، وتوارثتها عبر الأجيال.
وقد بين الزمخشري ذلك في كشافه، فقال:
نزلت في الخمر أربع آيات. نزلت بمكة: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} (1)، فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال.
ثم إن عمر ومعاذًا ونفرًا من الصحابة، قالوا: يا رسول الله، أَفْتِنَا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت:{فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} فشربها قوم، وتركها آخرون.
ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسًا منهم فشربوا وسكروا، وأَمَّهم بعضهم، فقرأَ:"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" بغير (لا) فنزلت: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} (2) النساء. فقلَّ من يشربها.
ثم دعا عتبان بن مالك قومًا، فيهم سعد بن أبي وقاص إلى طعام وشراب، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، حتى أنشد سعدٌ شعرًا فيه هجاءُ الأنصار، فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر:"الَّلهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا" فنزلت: {
…
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
…
} إلى قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (3). فقال عمر رضي الله عنه انتهينا يا رب.
والمعنى: يسألك المسلمون يا محمد عن حكم تعاطي الخمر والميسر. قل: فيهما ضرر كبير، ومنافع للناس، وضررهما أكبر من نفعهما.
أما ضرر الخمر - من أي نوع اتخذت - فقد أثبته الطب بما لا يدع مجالًا للشك فيه، فإن تعاطي الخمر يؤدي إلى التهاب الكبد، وضعف المعدة، وضعف مقاومة الجسم للأمراض.
وقد ثبت من بحوث عديدة بالمستشفيات العامة: أن نسبة الوفيات - بين المدمنين ترتفع إلى خمسين في المائة، على حين لا تتجاوز نسبتها - في غير المدمنين - أربعًا وعشرين في المائة!!
(1) النحل: 67
(2)
النساء: 43
(3)
المائدة: 90، 91
وتأثيرها في العقول ملموس، فقد تمت تجارب عديدة ثتب منها أن الغَوْل (الكحول)، المتولد في الخمر سبب مباشر لخُمسِ الإصابات في مستشفيات الأمراض العقلية!!
هذا فضلًا عما تسببه من الجرائم الخلقية، فإنها: تزين القبيح، وتشوه الحسن، وتدفع صاحبها دفعًا إلى ارتكاب الموبقات والآثام، والاعتداء على الحرمات، مما يورث الأحقاد والعداوات.
أمَّا ما فيها من نفع: فلعله أن الغول (الكحول) الذي فيها قد يقتل بعض الجراثيم، وأنها تتحول إلى خَلّ، وأن الاشتغال بها، قد يعود ببعض الأرباح على صانعيها، والمتجرين فيها، وأنها قد تحمل على البذل والعطاء وتشجيع الجبان ونحو ذلك.
ومن الموازنة بين الضرر والنفع، نجد الضرر يفوق النفع أضعافًا مضاعفة بحيث لو لم يرد نَصَّ ديني صريح بالتحريم، لأَوجب العقل تحريمها دفعًا لما فيها من آثام.
ويلحق بالخمر المخدرات مثل: الحشيش، والأفيون، والكوكايين، والهيروين
…
وأمَّا ضرر الميسر، فهو أنه يؤدي إلى إتلاف الأموال، وإهمال الأعمال، وشيوع البطالة، وضياع الوقت في غير طائل، والاتكال على الحظ، والحرص على أكل أموال الناس بالباطل، وما يترتب على هذا من إثارة العداوة والبغضاء في النفوس.
ونحن نعلم أن كثيرًا من الثروات الطائلة، تبددت على موائد القمار، وفي ميادين السباق، وكثيرًا ما تمتد أيدي المقامرين إلى ما تحت أيديهم من أمانات، فيكون مآلهم السجن. وقد يصل بهم الأمر إلى الانتحار.
أما نفعه: فهو ناشيءٌ عن أخذ الفقراء لحم الجزور المتقامر عليه. وقد مرَّ بيان ذلك في المفردات، وأن بعض المقامرين، قد يستفيد من المال الذي أخذه من غيره بدون حق، وأن بعض ماله - في العصر الحديث - تنتفع به الجميعات الخيرية، خصمًا من أرباح أوراق (اليانصيب).
وهذا النفع إذا تم، لا يُقاس بما يقع من أضرار جسيمة، وعواقب وخيمة، وشر عظيم.