الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة آل عمران:
مدنية
وآياتها: مائتان نزلت بعد الأنفال
أهم مقاصدها:
1 -
بدأ الله تعالى هذه السورة بتوحيده، وذكر بعض أسمائه الحسنى، وأنه سبحانه أنزل القرآن: مصدقًا لما سبقه من الكتب السماوية.
وذكر أن من آياته: المحكم؛ الذي يتمسك به المؤمنون، ومنها المتشابه الخفي، الذي يؤَوِّله الكافرون حسب أهوائهم.
2 -
ثم ذكر أن اللذائذ الدنيوية زائلة، وأن الآخرة خير وأبقى، وما فيها إنما هو للمؤمنين الذين أيقنوا أن الدين الحق: هو الإسلام.
3 -
ثم علَّم الرسول ما يقوله عند محاجة الكفار. وأبان أن أهل الكتاب بعضهم مهتد وبعضهم كافر: يقتلون الأنبياء، ويدَّعون أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا قلائل. وأمر المؤمنين أن لا يتخذوهم أولياءَ.
4 -
وأعلم أن محبته سبحانه لا تَتِمُّ إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
5 -
وذكر قصص بعض المصطفين الأخيار: كمريم، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم السلام وما جرى لعيسى من المعجزات، وردَّ على ما اعتقده النصارى فيه من أنه ابن الله.
6 -
وأمر النبي، أن يدعو أهل الكتاب إلى المباهلة والدعاء، بأن ينزل الله لعنته على الكافرين.
7 -
ورَدَّ على اليهود الذين قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا. وذكر أن أَوْلَى الناس بإبراهيم: الذين اتبعوه، والنبي والمسلمون.
8 -
ونبه المؤمنين ألا يغتُّروا بكلام اليهود - الذين من عادتهم إلقاء الشبهات، وإظهار الإيمان في بعض الأوقات، وإصرارهم على الخيانة، وتحّريفهم التوراة.
9 -
وأبان أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء: أنهم يؤمنون بجميع الرسل، وأنه من صفة محمد كونه مصدقًا لما معهم.
10 -
وأظهر أن من مات على الكفر لا يُقبل منه مال ولا ولد فداء له.
وعلم المؤمنين كيفية الإنفاق.
11 -
وكذَّب اليهود الذين ادعوا أن كل شيء يحرمونه كان محرمًا على نوح وإبراهيم!!.
12 -
وأمر النبي أن يحاجهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقوله صلى الله عليه وسلم، وأن يدعوهم إلى اتباع دين الإسلام.
13 -
ثم ذكر أفضلية البيت الحرام على غيره، وأن حجه واجب على المستطيع.
14 -
وحذَّرَ فريقًا من المسلمين من استماع كلام الكافرين. وطلب إلى المسلمين جميعًا، أن يكونوا دعاة إلى الإيمان والعمل الصالح.
15 -
وأبان أحوال الناس يوم القيامة. وبشَّرَ المؤمنين بالنصر. والكافرين بالعذاب.
16 -
ونَهَى المؤمنين أن يتخذوا بطانة من الكفار، وحثَّهم على أن يخاطبوهم خطاب الأعداء ويعلموهم أن الله مطلع على ما في قلوبهم من: الحقد والبغض للمؤمنين
…
ودعا المسلمين إلى الصبر، ووعدهم بالحفظ من كيد الكافرين.
17 -
وذَكر قصة بَدْر، ونصْرَ الله للمسلمين.
18 -
ونهى سبحانه وتعالى عن أكل الربا.
19 -
وذكر صفات أهل الجنة.
20 -
وأخبر عز وجل أن رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد نسخَتِ الشرائع السابقة.
21 -
وذكر غزوة "أُحد" وقرر أن طريق الجنة: الجهاد والعمل الصالح، وأن كثيرا من الأمم حاربت مع أنبيائها. وكرر زجر المؤمنين عن متابعة الكفار. وكرر تبشيرهم بالنصر. وذم المنهزمين الفارين.
22 -
وأبان للنبي صلى الله عليه وسلم أنه رحيم بأمته وأنه لو كان سيء الأخلاق، لابتعد الناس عنه. وحثه على مشاورة أصحابه والعزم والتوكل على الله. وأبان أنه سبحانه تفضل على الخلق، برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
23 -
وبين حال الشهداء وفضلهم، ومنزلتهم السامية عند الله.
24 -
وذكر أن الشيطان وأولياءه يثبطون الهمم، وأن شأن المؤمنين الالتجاء إلى الله لينجيه منهم، وأنه سبحانه سيميز المنافقين من المخلصين.
25 -
ونَفَّر من البُخْلِ. وأبان أن اليهود يدعون أن الله فقير وأنهم أغنياءُ. وتوعدهم على هذا القول الفاجر.
26 -
وسلَّى نبيه بأنه - تعالى - سيحاسب الجميع بعد الموت، وأنه - سبحانه - يختبر عباده، وأن من صبر، فله الأجر.
27 -
وبيَّنَ أن اليهود كتموا ما أنزل الله. وكذَّبُوا الرسول وهم يعلمون صدقه.
28 -
وقرَّر أنه يَبْتَلِي المؤمنين ليمحصهم ويرفع درجاتهم، ودعاهم إلى الصبر والتقوى.
29 -
ودعا الناس إلى استعمال عقولهم، ليصلوا إلى معرفة الله، ووصف أصحاب العقول بالصفات الطيبة.
30 -
وأبان أن أعداء الله - وإن كانوا في صولة الدنيا - لا ينبغي أن يغتر المؤمنون بما نالوه، فمصيرهم إلى جهنم. وَطَيَّبَ خاطرَ المؤمنين، بأنه أعدَّ لهم الثواب والنعيم.
31 -
وأبان أن بعض أهل الكتاب آمنوا، وطلب إلى المؤمنين الصبر والمرابطة والتقوى والتمسك بالوحدانية المطلقة والعمل الصالح رجاء الظفر بقربه تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
المفردات:
(الم): سبق الحديث عنها في أول سورة البقرة.
(الْقَيُّومُ): القائم بذاته، أو عظيم القيام على تدبير خلقه.
(الْفُرْقَانَ): القرآن، أو جميع الكتب السماوية، لأنها تفرق بين الحقِّ والباطل.
(ذُو انتِقَامٍ): ذو عقوبة شديدة لمن عصاه. لا يقدر على العقاب بمثلها أحد.
التفسير
1 -
{الم} :
2 -
{اللَّهُ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} :
سبب النزول: نزلت في وفد نجران، حين قدموا إلى المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحاجونه في شأن عيسى بن مريم.
روى ابن جرير، عن الربيع عن أنس، قال:
"إن النصارى أَتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاصموه في عيسى بن مريم، وقالوا له: من أبوه؟، وقالوا على الله الكذب والبهتان. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء: يَكْلؤُه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل عيسى يملك من ذلك شيئًا؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السما؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون أن ربنا صَوَّر عيسى في الرحم كيف شاءَ، وأن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّيَ كما يغذي الصبي، ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا، ثم أبوا إلا جحودًا .. فأنزل الله:
(الم. اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ):
المعنى: ذهب بعض المفسرين: إلى أن (الم) وأمثالها، من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.
وقال آخرون: إنها أسماء حروف هجائية: ترمز إلى تحدي العرب بأن القرآن مؤلف من كلمات ذات حروف كهذه، فأتوا بمثله إن صح زعمكم أن محمدا افتراه، فإذا عجزتم، فمحمد مثلكم لا يستطيع أن يأتي بمثله، فيجب الإيمان بأنه من عند الله تعالى [ارجع إلى ما قيل فيها في صدر سورة البقرة]:
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ):
(اللهُ): هو الإله، المنفرد بالأُلوهية، المستحق وحده للعبادة، فالأُولوهية مقصورة عليه، ثابتة له، منفية عن غيره، وبذلك نفى الشريك كما تزعم النصارى في عيسى، وكما تزعم اليهود في عُزَيْر، فإن اعتقاد البنوة شرك. كما نَفَى أن يكون هناك إله غيره، كما يزعم المشركون.
كما أن الآية تنفي أن يكون الكون بغير إله خالق، كما يقول الدهريون.
(الْحَيُّ): المراد بالحي: الدائم الحياة، الذي لا يموت أبدًا.
(الْقَيُّومُ): الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه.
والوصفان، كالدليل على استحقاق الله للتفرد بالأُولوهية.
3، 4 - {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ
…
} الآيتان.
أي نزل عليك القرآن. وعبر عنه بالكتاب، للإيذان بأنه هو الكتاب المتميز، الذي ينصرف إليه هذا الاسم عند الإطلاق (1)، أو للإشارة إلى أنه مشتمل على ما فيه غيره من الكتب السماوية من المقاصد المشتركة بين الأديان فكأنه جنس الكتب السماوية (2).
وعبر في جانب القرآن بالتنزيل، وفي جانب التوراة والإنجيل بالإنزال - كما سيجيء - لأن التنزيل للتكثير، والله نزل القرآن مفرقًا حسب الوقائع شاملًا لجميع شئون الحياة، فكان معنى التكثير حاصلا فيه. وأما التوراة والإنجيل فإنه - تعالى - عالج فيهما بعض شئون الحياة.
ومعنى تنزيل القرآن على الرسول بالحق، أنه - تعالى - نزله عليه ملتبسًا بالحق في جميع صوره: من توحيد لله وتنزيهه عن الصاحب والولد، وإخباره عن أحوال الأُمم السابقة مع رسلهم، وشهادته بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإخباره بأن أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل بأوصافه المميزه له، وما جاء به من العبادات والمعاملات والأخلاق، وأحوال الآخرة، فكل هذه الصور من الحق، جاء بها القرآن العظيم.
وكما نزله الله على رسوله بأنواع الحق التي ذكرناها، فقد نزله مصدقًا لما بين يديه، أي لما سبقه من الكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله قبل محمد صلى الله عليه وسلم أي موافقًا لها فيما اشتملت عليه من العقائد، وأُصول الأحكام. فكل ما يوجد في التوراة والإنجيل مخالفًا لما جاء فيه - كجعلهم لله صاحبة أو ولدًا أو غير ذلك، من العقائد وأُصول الأحكام - فهو من تحريف أهل الكتاب، وهو مردود على أصحابه.
(1) فأل فيه على هذا للعهد.
(2)
فأل فيه على هذا للجنس.
فالغرض من هذين الوصفين، رد ما عليه أهل الكتاب، وإيذان بأن ما هم عليه، إنما هو مخالف للحق، ولما جاء في التوراة والإنجيل النازلين من عند الله - تعالى - وبيان أن الحق - الموافق لسائر الكتب السماوية - هو ما جاء في القرآن المجيد. ولذا عقبه بقوله:
(وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ):
أي فأنزل التوراة والإنجيل من قبل القرآن، لأجل هداية الناس حين أنزلهما على موسى وعيسى، فلم يكن فيهما شيء من الضلال، الذي يشتملان عليه الآن.
(وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ):
أي وأنزل القرآن بعدهما: فارقًا بين الحق الذي كانت عليه الكتب السماوية، وبين الباطل الذي عليه أهل الكتابين الآن، وسائر أصحاب الملل والنحل. فقد بين الحق في أمر عُزَيْر وعيسى، ونفى أنهما وَلَدَان لله. وأحل الحلال، وحرَّم الحرام، وفرض الفرائض، وشرع الشرائع، وسنّ الأخلاق الرفيعة، وأوجب توحيد الله في العبادة، ونفى عنه الشركاء، وأخبر عن يوم القيامة الذي تجزى فيه كل نفس ما عملت من خير أو شر، وأقام الأدلة على ثبوته.
فمن استحب العمى على الهدى - بعد هذا الفرقان - فأُولئك هم الظالمون. "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ"(1).
أخرج ابن جرير، عن محمد بن جعفر بن الزبير: أنه - أي القرآن - الفاصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى عليه السلام وغيره.
وأيد هذا، بأن صدر السورة نزلت في محاجة النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر أخيه عيسى.
ولما ذكر الله ما يتعلق بمعرفة الإله، وتقرير النبوة، أتبعه الوعيد للكافرين المعرضين عن هذا الحق فقال:
(1) الشعراء من الآية: 227.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ):
المراد بالكافرين: النصارى الذين نزل صدر السورة بسببهم، أو كل كافر، فيدخل هؤلاء فيهم دخولاً أوليًا.
والمراد بآيات الله: الكتب المنزلة على الرسل، أو ما يعمها وغيرها. كالآيات الكونية والمعجزات، وإضافة الآيات إلى اسم الله - تعالى - تهويل لفظاعة تكذيبها، وتأكيد لاستحقاقهم العذاب، وتنكير (عَذَابٌ) لتعظيم أمره. أي أنه عظيم لا يُقَدَّر قدره.
(وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ):
العزيز: الغالب الذي لا يُغلب. والانتقام: العقوبة. وكلمة (عَزِيزٌ): للإشارة إلى القدرة التامة على العقاب.
والجملة سيقت لتقرير الوعيد السابق عليها.
المفردات:
(لَا يَخْفَى): لا يغيب.
(يُصَوِّرُكُمْ): يخلقكم على ما يشاء من صورة.
(الْأَرْحَامِ): جمع رحم. وهي مكان الحمل. مشتق من الرحمة.
التفسير
5 -
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} :
إن الله واسع العلم، لا يخفى عليه شيءٌ كائن في الأرض ولا في السماء، لعلمه بما يقع في العالم من كُلِيٍّ أو جُزْئِيٍّ، فهو العالم بما كان وما يكون، وهو مطلع على كُفْر مَنْ كَفَرَ بآيات الله، وإيمان من آمن بها. وهو مجازيهم عليه، والمسيحيون يؤمنون بألوهية عيسى غافلين عن أنه بشر محدود المعرفة فكيف يكون إلها؟
وعبر عن علمه - تعالى - بذلك، إيذانًا بأن علمه - سبحانه - بالكائنات - ولو كانت في أقصى غايات الخفاء - ليس من شأنه أن يكون فيه شائبة خفاء بوجه من الوجوه، بل هو في غاية الوضوح والجلاء.
6 -
{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ
…
} الآية.
أي يخلقكم على الصورة التي يريدوها.
والآيتان رَدٌّ على نصارى نجران في دعواهم أُلوهية عيسى. ووجه الرد: أن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيٌ ما: في الأرض ولا في السماء. وعيسى - كخلق الله - يخفى عليه ما لم يُعْلِمْهُ اللهُ إياه. فلا يصلح أن يكون إلها.
والله هو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاءُ. وعيسى لا يقدر على ذلك. بل صَوَّره الله في رحم أمه كسائر خلقه فهو مخلوق لا خالق. ومن كان كذلك - لا يصلح أن يكون إلها.
كما أن الآية الثانية كالدليل على أن الله لا يخفى شيءٌ في الأرض ولا في السماء. فإن من صور الأجنة في الأرحام، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، فمفهوم هذه الجملة كالنتيجة لما قبلها. فكأنه قيل: ومن كان لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء - وجب أن ينفرد بالألوهية، فلا يشاركه فيها وَلَدٌ أوْ غيره. وأن يكون هو العزيز الذي يغلِب ولا يُغلَب، الحكيم في صنعه وتدبيره.
المفردات:
(مُّحْكَمَاتٌ): واضحة الدلالة على معانيها.
(مُتَشَابِهَاتٌ): محتملات لعدة معان لا يتضح مقصودها، فاشتبه أمرها على الناس.
(زَيْغٌ): ميل عن الحق إلى الباطل.
(ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ): طلبًا لها.
(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ): الثابتون فيه.
(الْأَلْبَابِ): العقول الخالصة.
التفسير
7 -
{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ
…
} الآية.
بعد أن بين الله: أن القرآن نزَّله الله مصدقًا للكتب السماوية التي سبقته، وأنه فارقٌ بين الحق والباطل، وتوَعَّد مَن كَفر به، وأكد الوعيد بذكر أنه لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء - عاد إلى الحديث عنه في هذه الآية، على ما سنشرحه.
والمعنى: الله الذي تقدم بيان صفاته الجليلة، هو الذي أنزل عليك - يا محمد - القرآن فيه آيات محكمات: أي واضحة الدلالة على معانيها.
وقد وصف الله هذه الآيات المحكمات بأنها: أُم الكتاب. أي مرجع أحكامه، وأصل معانيه. وسنوضح ذلك في الكلام على المتشابهات.
(وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ):
أي وفيه آيات أُخرى متشابهات، أي غير واضحة الدلالة على معانيها بنفسها. فهذه ترجع - في أحكامها ومعانيها - إلى ما تقرر في المحكمات التي جعلت أصلا ومرجعًا لأحكام القرآن ومعانيه المتشابهة. فأطلق عليها: أُم الكتاب، من أجل ذلك. فكما أن الولد يرجع إلى منبته وأصله وهي أُمه - فكذلك المتشابهات، ترجع إلى المحكمات، فهي أصلها وأُمها ومآلها.
ومن ذلك قوله تعالى: "لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ"(1)، وقوله:"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ"(2)، فتُحمل الأولى على معنى: لا تحيط به الأبصار، وتُحمل الثانية على معنى أنها تنظر إليه من غير إحاطة .. برَدِّها إلى المحكم وهو قوله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"(3)، فإنها تقتضي أن النظر إليه - سبحانه - لا يصح أن يكون فيه إحاطة به، حتى لا يماثل مخلوقاته في ذلك، وليتفق هذا التأويل مع نفي إدراكه الذي اشتملت عليه الآية الأولى. وهكذا كل ما يكون متشابهًا في القرآن، يحمل على محكمه.
قال الزمخشري: فإن قلت: فَهَلَّا كان القرآن كله محكمًا؟ قلت: لو كان كله محكمًا لتعلق الناس به، لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك، لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به (4). ولما في التشابه من الابتلاء، والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعاب القرائح - في استخراج معانيه ورده إلى المحكم - من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في
(1) الأنعام من الآية: 103.
(2)
القيامة الآيتان: 22 و 23.
(3)
الشورى من الآية: 11.
(4)
وهو التفكر العقلي والتدبر في الآيات.
كلام الله، ولا اختلاف فيه - إذا رأي فيه ما يناقض ظاهره - وأَهمَّهُ طلبُ ما يوفقُ بينه ويجريه على سَنَن واحد، ففَكَّر وراجع نفسه وغيره، وففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابه للمحكم - ازداد طمأنينة إلى معتقده، وقوة في إيمانه
…
اهـ والله أعلم.
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ):
لَمَّا بين الله أن في الكتاب: محكمًا ومتشابهًا، فرَّع على ذلك موقف أهل الزيغ من المتشابه.
وأهل الزيغ: هم المائلون عن الحق إلى الأهواء الباطلة، فيدخل فيهم نصارى نجران، الذين نزل صدر الصورة بسببهم.
(فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ):
أي فيتعلقون بذلك المتشابه وحده، ولا ينظرون إلى المحكم ليردوه إليه، بل يأخذون بأحد الاحتمالات الباطلة التي توافق أغراضهم الفاسدة، ومذاهبهم الباطلة، إلحادًا وكفرًا.
(ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيلِهِ):
أي طلب فتنة الناس عن دينهم؛ بالتشكيك في كونه من عند الله، بزعم تناقضه، وطلب تأويله إلى معان توافق مذاهبهم المبتدعة في الدين، ليحدثوا فِرَقا تشق وحدة المسلمين، كتلك الفرق التي ظهرت، مثل النصيرية والقاديانية والبهائية.
والذين يتبعون المتشابه فريقان: فريق من الكفار صرحاء مجاهرون، يريدون هدم الدِّين بزعمهم تناقضه (1)، وفريق منافقون ملحدون منحرفون عن جماعة المسلمين.
(وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ):
أي وما يعمل تأويل المتشابه - حسبما ينبغي له - إلا الله. ولذا أَوَّله وفسَّره بآياته المحكمات، التي (هُنَّ أَمُّ الْكِتَابِ)، ومرجع المتشابه فيه.
(1) كما فعل النصارى في شأن عيسى، حيث زعموا تناقض القرآن حين نفى بنوة عيسى لله تارة، وأثبتها أخرى حين ذكر أنه روح منه. وهذا زيغ منهم يبتغون به الفتنة، فإن المراد من قوله:"وروح منه" أنه صادر من الله، فكما أن كل شيء صادر من الله بالخلق والإبداع، فكذلك روح عيسى، وصدق الله إذ يقول:"لَمْ يَلِدُ وَلَمْ يُولَدْ".
(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا):
يحتمل أن يكون الكلام قد تمَّ، عند قوله تعالى:(وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) وابتداء كلامًا جديدًا بقوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) والمعنى عليه: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله. أما الراسخون في العلم، فلا يزيغون كما زاغ أهل الفتنة، بل يقولون آمنا بالمتشابه، فكل من المتشابه والمحكم صادر من عند ربنا، فهم بذلك يمسكون عن تأويله، مفوضين العلم بمعناه إلى من أنزله - سبحانه - ويحتمل أن يكون:(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) معطوفًا على لفظ الجلالة في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) والمعنى عليه: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم أيضًا. فهم يعلمون تأويله برده إلى المحكم الذي هو أُمُّ للمتشابه.
ومع حسن تأويلهم له طبقًا للمحكم فهم يقولون: آمنا به: كل - من المتشابه ومن المحكم - من عند ربنا.
ويشهد لصحة هذا الرأي أمران:
أحدهما أن الله - تعالى - ما أنزل القرآن إلا لِيُعْمَلَ به. فلا ينبغي أن يكون فيه ألغاز ومعميات لا يمكن فهمها وإدراكها. فمتشابهه يجب أن يرد إلى محكمه .. كما قال الله في الآيات المحكمات: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ): أي مرجعه عند الاشتباه.
وثانيهما: في أن الله تعالى أثنى على الراسخين بقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ففي وصفهم بأنهم أصحاب العقول الخالصة المتذكرة، دليل على أنهم استعملوها في كشف المتشابهات والتذكر بها.
والراسخون في العلم: هم الثابتون في العلم الشرعي، الذين استناروا بمشكاة الكتاب والسنة، ومنّ الله عليهم بالفقه في الدين.
روى الشيخان وأحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خيرا يفقهه في الدين".
(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ):
أي وما يتدبر القرآن فلا يزيغ في تفسير المتشابه منه، إلا الراسخون في العلم، الذين قالوا:(آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) فهم أصحاب العقول الخالصة من الركون إلى الأهواء الزائفة.
المفردات:
(لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا): لَا تُمِلْهَا عن الحق.
(مِن لَّدُنكَ): من عندك.
(لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ): ليوم لا يصح أن يشك فيه، وهو يوم القيامة.
التفسير
8 -
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
…
} الآية.
يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام الراسخين، ويحتمل أن يكون تعليمًا من الله لهم، أي: قولوا ذلك وادعوا به، لأن القلوب تتقلب.
والمعنى: لا تُمِلْ قلوبنا - يا ربنا - عن نهج الحق بتأويل المتشابه تأويلاً لا ترتضيه، كما أزغت قلوب أولئك. أو: لا تَفتِنَّا ولَا تَبْلُنَا ببلايا تَزيغ فيها قلوبُنا.
(وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً): الرحمة المطلوبة لهم: إمَّا الإحسان والإنعام مطلقًا، وإمَّا الإحسان بالتوفيق للثبات على الحق، كما يُشْعِر به ما قبله.
والمعنى على الثاني: وهب لنا من عندك توفيقًا وثباتًا على الحق: رحمة منك وفضلا.
(إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ):
أي كثير الهبات والعطايا، وهذا تعليل للسؤال، أو لإعطاء المسئول، أي أنك - أنت وحدك - الوهاب لكل موهوب.
وفيه دلالة على أن الهُدَى بتوفيق الله، والضلال بعدم الإعانه منه، لتقصير العبد في سلوك سبيله، وأنه متفضل بما ينعم به على عباده، من غير أن يجب عليه شيء.
9 -
{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ
…
} الآية.
أي: أنت يا ربنا، جامع المهتدين والزائغين، لحسابهم وجزائهم في يوم لا ينبغي أي يُرتاب في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والنشر والجزاء.
ومقصود الراسخين في العلم من هذا الدعاء، عرض افتقارهم إلى الرحمة، وأنها المقصد الأسنى عندهم، وتأكيد إظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة، لمزيد من الرغبة في استنزال الإجابة.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ):
هو كلام الله عز وجل بعد أن تم كلام الراسخين عند قولهم (لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ) كأن القوم لما قالوا: (إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ) صدقهم الله في ذلك، وأَيَّد كلامهم بقوله:(إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).
وقيل: هو من كلام الراسخين.
والمعنى على هذا: إنك لا تخلف وعدك للمسلمين والكافرين بالثواب والعقاب، أو وعدك بمجيء يوم لا ريب فيه. فهذه الجملة تعليل لمضمون الجملة السابقة المؤكدة لانتفاء الريب في مجيئه. وإظهار الاسم الجليل - الله - لإبراز كمال التعظيم والإجلال. وللإشعار بعلة الحكم، فإن الأُولوهية منافية للإخلاف في الوعد.
والتأكيد بإِنَّ، وإظهار لفظ الجلالة بدلا من الضمير: يفيد - إلى ما سبق - تأكيد نفي الريب، كما يفيد تأكيد قيام الساعة تأكيدًا حاسمًا.
المفردات:
(وَقُودُ النَّارِ): وقود النار - بالفتح - ما توقد به. وبالضم: الاشتعال.
(كَدَأبِ): الدأب، العادة.
(الْمِهَادُ): الفراش.
التفسير
10 -
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا
…
} الآية.
المراد بالذين كفروا بجميع الكافرين. وفي جملتهم وفد نجران. الذين نزل صدر السورة بسببهم.
والمعنى: إن الذين كفروا جميعًا، لا تنفعهم - في يوم لا ريب فيه - أموالهم التي أعدوها ليبذلوها في جلب المنافع ودفع الأذى، ولا أولادهم الذين بهم يتناصرون، وعليهم في دفع الخطوب المدلهمة يعتمدون. فكل ذلك لا يغني عنهم من الله وعذابه شيئا من الإغناء .. أو لن تغني عنهم بدل رحمة الله وطاعته.
(وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ):
أي وأولئك المتصفون بالكفر، حطب النار التي تشتعل بهم، لكفرهم.
وفي الآية: إشارة إلى أن الكفار أَلْهَتْهُم أموالهم وأولادهم عن الله، والنظر فيما ينبغي له، حتى كأنهم يعتقدون أنها تغنيهم عن رحمة الله وطاعته، وتدفع عنهم عذابه.
11 -
{كَدَأبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
…
} الآية.
المعنى: لن تغني عن هؤلاء الكفار أموالهم ولا أولادهم، شأنهم في هذا، شأن آل فرعون، حيث لم يُغن عنهم ما ملكون من أموال طائلة، وما أنجبوه من أبناء عديدين، فأُغرفوا وأُدخلوا نارا، بسبب كفرهم. فكما نزل بما تقدم العذاب المعجل بالاستئصال، فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم من القتل والسبي والإجلاء وغنيمة الأموال.
وكما دخلوا النار لكفرهم، فستدخلونها أنتم لذلك. وفي ذلك يقول الله تعالى بعد هذه الآية:"قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ".
والمراد بمن قبلهم: الأُمم الكافرة التي كذبت الرسل، ثم فسر ذلك فقال:
(كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا):
الآيات: المعجزات والبراهين التي أُيد بها الرسل، أو الأدلة على وجود الله ووحدانيته، أو هما معًا.
(فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ):
استعمل الأخذ؛ لأن من ينزل به العقاب، يصير كالمأخوذ المأسور، الذي لا يقدر على التخلص.
والمعنى: فأخذهم الله وعاقبهم، ولم يجدوا من بأس الله محيصًا، وذلك بسبب ذنوبهم التي أصرُّوا عليها ولم يقلعوا عنها.
(وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ):
أي لمن كفر، وهذا تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ للجميع، وتكمله له.
12 -
{قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} :
سبب النزول:
أخرج ابن جرير، وابن إسحاق، والبيهقي، عن ابن عباس:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب ما أصاب من "بدر" ورجع إلى المدينة - جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قَتَلتَ نفرا من قريش: كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك - والله - لو قاتلتنا، لعرفْتَ أنا نحن الناس، وأنك لم تكن مثلنا .. فأنزل الله:
(قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) إلى قوله: (لِأُولِي الْأَبْصَارِ).
وحكم الآية يعم جميع الكافرين، وإن نزلت بسبب اليهود، فسيغلب المؤمنون الكفار جميعا، ويُنْصرون عليهم، كما قال تعالى:"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ"(1)، وقال:"وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ"(2).
المعنى: قل يا محمد، لهؤلاء الكفار: ستغلبون - ألبتة - عن قريب، وستحشرون - بعد موتكم ثم بعثكم - إلى جهنم: مستقركم الدائم وبئس الفراش: جهنم، التي مهدتموها لأنفسكم بذنوبكم وآثامكم.
والتعبير عن جهنم بالمهاد، للتهكم بهم. فإن المهاد هو الفراش الذي يمهد ليستراح عليه، ولا مهاد ولا راحة في السعير.
وقد تحقق وعيد الله لهم بأنهم سيغلبون، ذلك بقتل يهود بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم .. فكان الإخبار عن ذلك - قبل وقوعه ثم تحققه بعد ذلك - معجزة للرسول.
وفي الآية دليل على حصول البعث بعد الموت، وحصول الحشر والنشر، وأن مرد الكافرين إلى النار. فكما تحقق الوعيد الأول، يتحقق الوعيد الثاني يوم الحساب.
(1) الصف: 9.
(2)
الروم: 47.
المفردات:
(آيَةٌ): الآية هنا، العبرة والعظة.
(فِئَةٌ): الفئة، الطائفة من الناس.
(الْأَبْصَارِ): البصائر والعقول.
التفسير
13 -
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا
…
} الآية.
الخطاب لليهود الذين اغتروا بأنفسهم، أي قد كان لكم - أيها اليهود - علامة عظيمة دالة على تحقق ما توعدتكم به، وهو أنكم ستُغلبون قريبًا، وهذه العلامة والآية: في جماعتين التقتا في القتال: يوم بدر، وهم جيش رسول الله وأصحابه وجيش مشركي مكة.
ولا شك أن في غلبة المسلمين - للكفار مع كثرتهم وعظيم عدتهم - آية بينة على صدق وعيد الله لهؤلاء الكافرين، ووعده بنصر المؤمنين. مع العلم بأن المشركين خرجوا مستعدين للقتال أتم استعداد. بعكس المسلمين.
(فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ):
أي فئة مؤمنة في أعلى درجات الإيمان: تجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمته. وهم أصحاب "بدر".
(وَأُخْرَى كَافِرَةٌ):
أي وفئة أخرى كافرة. والمراد بها: كفار قريش. ولم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الأولى بأن يقال: إنهم يقاتلون في سبيل الشيطان؛ إسقاطًا عن درجة الاعتبار، وإيذانا بأنهم لم يتصدوا للقتال حسب استعدادهم، لما اعتراهم من الرعب والهيبة.
(يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ):
الرَّاءُون: المشركون، والمرئيون: المؤمنون.
والمعنى: أن المشركين كانوا يرون المؤمنين مِثْلَيْ عدد المشركين، أو مثلى عدد المسلمين. والمراد من الرؤية: الظن والحسبان. وقد كثَّر الله المسلمين في أعين المشركين - مع قلتهم - ليهابوهم، فيحترزوا عن قتالهم، أو أن الله أنزل الملائكة حتى صار عدد المسلمين كثيرًا في نظر المشركين، فكانوا يرونهم مثلين (رَأيَ الْعَيْنِ): أي رؤية ظاهرة لا لبس فيها.
روى محمد بن الفرات، عن سعيد بن أوس، أنه قال: أسر المشركون رجلا من المسلمين فسألوه: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر. قال: ما كنا نراكم إلا تُضْعِفُون علينا - وأرادوا أنهم كانوا ألفا وتسعمائة وهو المراد من (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ).
وقد يقال: إن هذه الآية تناقض آية الأنفال التي تقول: "وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِم"(1). فإن تلك الآية تقتضي أن كلا من الفريقين قُلِّل في أعين الآخر، وهذه الآية تقتضي أن المسلمين ضاعفهم الله في أعين الكافرين؟ والحق ألا تناقض بينهما، إذ المراد بآية الأنفال "وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ" أيها المؤمنون "إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا" إنما كانت هذه الرؤية قبل الالتحام لتقدموا عليهم "وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهم" ليقدموا عليكم. ولا يجبنوا عن القتال، فلما التحم الفريقان، أرى الله المشركين المسلمين مثلين، فكثر عدد المسلمين في أعين الكفار، ليهابوهم وتتزلزل أقدامهم، فيفشلوا وينهزموا، وكان عدد المسلمين الحقيقي في بدر، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وعددُ المشركين الحقيقي تسعمائة وخمسين رجلا.
(1) الأنفال: 44.
(وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ):
والله يقوي بنصره وبعونه من يشاء من عباده. فالنصر والظفر، إنما يحصلان بتأييد الله ونصره، لا بكثرة العدد، ولا بقوة الشوكة، ولا بقوة السلاح: وقد تقف بعض العقبات في طريق النصر، ولكن العاقبة دائمًا للمتقين.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الْأَبْصَارِ):
الإشارة إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيرًا، المستتبعة لغلبة القليل وعديم العدة على الكثير وافر العتاد والسلاح. والعبرة: الاعتبار والاتعاظ، وأُولوا الأبصار: أصحاب البصائر أي العقول كما يقال لفلان بَصَرٌ بهذا الأمر، أي علم ومعرفة.
المفردات:
(حُبُّ الشَّهَوَاتِ): حب المشتهيات للنفس.
(الْمُقَنطَرَةِ): المجمعة أو المضَعَّفة.
(الْمُسَوَّمَةِ): الراعية في المرعى. مأخوذ من: سوَّم خيله، إذا أرسلها في المرعى، أو المطهمة الحسان.
(وَالْأَنْعَامِ): الإبل والبقر، والغنم والمعز.
(وَالْحَرْثِ): مصدر مراد به: المزروع.
التفسير
14 -
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
…
} الآية.
بعد أن توعد الله الكافرين بالهزيمة من المؤمنين، وآذنهم بوجوب الاعتبار بما أصاب المشركين يوم بدر، بسبب كفرهم - مع كثرة ووفرة عدتهم من المؤمنين مع قلتهم وضعف استعدادهم أتبعه التنفير من زينة الدنيا الفانية - إذا صرفت عن الله - والحثَّ على العمل للآخرة، فإنها خير وأبقى. فذكر الله - سبحانه - هذه الآية الكريمة.
والمزَيِّن لحب الشهوات، هو الله تعالى كما روى عن عمر بن الخطاب.
والمراد من تزيين الله حب المشتهيات الدنيوية: أن جعلها حسناء، ترغب فيها النفوس لحسنها، وتميل لحيازتها والتمتع بها. ولذا، أحب الرجال النساء ليتزوجوهن، وأحبوا البنين ليعاونوهم ويرثوهم، وأحبوا المال لأَنَّ به قضاءَ المصالح، وأحبوا الخيل والأنعام للزينة وحمل المتاع وغير ذلك. ولولا أن الله أعطى هذه الحياة الدنيا: أسباب الحسن والجمال وجعلها أساسًا للمنافع - لما تزينت ولما تحسنت لهم، ولأعرضوا عنها، كما يعرضون عما ليس فيه جمال ولا منفعة، كالحيوانات الضارة، أو ضئيلة النفع.
وكما زيَّنها وحسَّنها لهم، حذرهم من فتنتها، والركون إليها، والاغترار بها. كما يشير إليه آخر الآية، وكقوله تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (1). وغير ذلك.
وقيل المزيِّن: الشيطان. وتزيينه حب الشهوات: حضه على الرغبة في ارتكاب المحرمات منها.
ويؤيد هذا قوله تعالى: "وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ"(2).
وقيل غير ذلك:
(1) التوبة: من الآية 24.
(2)
النحل: من الآية 24.
والشهوات: جمع شهوة وهي: توقان النفس إلى الشيء.
وفي تسميته المشتهيات بهذا الاسم فائدتان:
إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات، مبالغة في كونها مشتهاة، محروصا على الاستمتاع بها.
وثانيهما: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهدة على نفسه بالبهيمية. فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها.
ولقد عدد الله هنا سبعة أنواع من المشتهيات إذ قال: (مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ).
والمراد من النساء ما يشمل الإماء، وقدَّمهن على الكل، لأن التمتع بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم.
(وَالْبَنِينَ):
أي الأولاد الذكور. وخصهم لأن حب الولد الذكر، أكثر من حب الأنثى. ووجه التمتع بهم: السرور والتكاثر بهم، إذ هم المعدون للدفاع.
وثنى البنين، لأنهم من ثمرات النساء.
وقيل: المراد بالبنين الأولاد مطلقا. والتذكير للتغليب.
(وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ):
القناطير جمع قنطار، ويطلق أحيانا على المال الكثير بغير عدد، وهو المراد هنا. كما أخرجه ابن جرير عن الضَّحَّاك.
وقد يستعمل في مقدار كثير معين من المال. كما أخرجه أحمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"القنطار اثنا عشر ألف أُوقية" كما يستعمل في وزن محدود، وهو مائة رطل. ففي القاموس: القنطار مائة رطل من ذهب أو فضة.
ووصف القناطير بالمقنطرة، للمبالغة .. فمن عادة العرب: أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة، كظل ظليل.
وقيل معناه: المحصَّنة. من قَنْطَرتُ الشيء. إذا عقدته وأحكمته. وإنما كان الذهب والفضة محبوبين، لأنهما سبب للحصول على كل محبوب.
(وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ):
المسوَّمة: بمعنى الراعية. ووصفت الخيل بذلك، لأنها إذا رعت ازدادت حسنا. وقيلَ: المسومة، بمعنى المطهمة الحسان. مأخوذة من السيما وهي الحسن. أو هي المعلمة ذات الغرة والتحجيل. من السمة وهي العلامة.
(وَالْأَنْعَامِ):
هي: الإبل والبقر والغنم والمعز.
(وَالْحَرْثِ):
أي الزرع من حبوب وبقل وتمر.
(ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا):
الإشارة إلى ما ذكر من الأصناف التي زُيَّن للناس حبها. والمتاع: ما يتمتع به في الدنيا زمنًا قليلا، لأن الآجال مهما طالت فهي قصيرة.
(وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ):
المآب: المرجع، وإضافة حسن إلى المآب من إضافة الصفة إلى موصوفها، أي المآب الحسن وهو الجنة.
وليس المراد من الآية الكريمة الصرف عن التمتع بزينة الحياة الدنيا، فإن التمتع بها حلال، كما قال - تعالى - في سورة الأعراف:"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(1) أي خالصة من العقاب عليها يوم القيامة.
ولكن المراد: ألا يشتغل المؤمنون بها عن الله تعالى، ولا يغتَرُّوا بمفاتنها، وأن يجعلوها وسيلة لحسن المآب، بصرفها في طاعة الله ومرضاته، إلى جانب تمتعهم الحلال بها.
(1) الأعراف: 32.
المفردات:
(أَؤُنَبِّئُكُم): الهمزة للاستفهام. والمراد منه: التنبيه والتشويق إلى ما ينبئهم به. والإنباء: الإخبار. فكأنه يقول: إني مخبركم بخبر يسترعى انتباهكم وشوقكم إلى سماعه، فاستمعوا إليه.
(وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ): وزوجات مطهرات من الأدناس: حسية ومعنوية.
(وَالْقَانِتِينَ): والمطيعين لله، الخاضعين له، المقرِّين بعبوديتهم له.
(بِالْأَسْحَارِ): الأسحار جمع سحر. هو آخر الليل قبيل الفجر.
(وَرِضْوَانٌ): الرضوان: الرضا العظيم.
التفسير
15 -
{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
…
} الآية.
لما ذكر الله في الآية السابقة، أنه قد زَيَّن للناس مشتهيات الدنيا من النساء والبنين، والكثير من الذهب والفضة، والخيل الحسان المطهمة، والأنعام والزرع، ونبَّهَهُم إلى أنها
متاع الحياة الدنيا، وأن لديه (حُسْنُ الْمَآبِ) - أتبع ذلك بيان حسن المآب، وأنه خير من هذا المتاع الذي يغتر به قصارُ النظر، وأن الذي يحظى به هم: المتقون. فقال جَلَّ ثناؤُه: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم
…
) الآية.
والمعنى: قل يا محمد، لهؤلاء الذين يُخدعون بزنية الحياة وما فيها من جمال وحسن، فيحبون مشتهياتها ولذاتها: هل أُخبركم بخير من ذلكم الذي تحبونه، وتميلون إليه من متاع الحياة الدنيا؟ ثم أجابهم عن هذا الاستفهام المشوق ومعناه:
للذين اتَّقَوْا عقاب ربهم فخافوه ولم يعصوه، وأعرضوا عما سواه فلم يُفتنوا به، وكانوا بذلك في وقاية من غضبه وعذابه.
لِهؤلاء: بساتين عظيمة الحسن، تجري من تحتها الأنهار، فيتضاعف بذلك حسنها، ويكمل به التمتع بمباهجها وقطوفها، وهي -لهم حال كونهم خالدين فيها- لا يبرحونها، ولهم مع ذلك زوجات مطهرات من الأدناس الحسية والخُلُقية، فلا يرون فيهن ما يتوهم من عوارض تغض عن جمالهن وطهرهن، وبذلك تكتمل البهجة النفسية، ولهم -فوق ذلك- رضا عظيم صادر من الله ينعمون به، وهم يتقلبون في هذه العطايا فلا يسخط عليهم بعد ذلك أبدًا. وهذا الرضا أكبر من تلك النعم .. كما صرح به في قوله تعالى:"وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ"(1).
والله خبير بجميع العباد، يعلم أعمالهم وأقوالهم وخواطرهم النفسية، فيثيب المحسن فضلا وكرمًا، ويعاقب المسيء عدلا لا يشوبه حيف.
والتعبير عن الجنات بأنها (عِندَ رَبِّهِمْ): للإشارة إلى علو رتبتها، وسمو شرفها، وفي التعريض لعنوان الربوبية - مع الإضافة إلى ضمير المتقين - تلطف بهم، وتشريف وتكريم لهم.
وقد بدأ الله - سبحانه - في هذه الآية بذكر الجزاء المقرر وهو الجنات، ثم ثنَّى بذكر ما يحصل به الأُنس التَّام وهو الأزواج المطهرة، ثم ذكر ما هو أعظم وأفخم وهو رضا الله الذي يسعى إليه الحبيب الواله .. نسأله تعالى ألا يحرمنا رضاه.
(1) التوبة: 72.
16 -
{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} :
المعنى: هؤلاء المتقون الذين ينعمون بهذا النعيم، هم الذين يقولون - بإخلاص ويقين - ربنا إننا صدقنا بالذي أنزلته على رسولك محمد وسائر من سبقه من الرسل، فاغفر لنا - ببركة هذا اليقين الثابت - ذنوبنا: صغائرها وكبائرها، واحفظنا من عذاب النار التي لا طوْق لأحد بقليلها، فكيف يطيق سعيرها!
17 -
{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} :
هذه الأوصاف الكريمة، هي بقية أوصاف المتقين، الذين وعدوا بالجنات وما فيها من نعيم مقيم.
والمعنى: الصابرين على مشاق الطاعات والنوائب، وعن مغريات المعاصي من مُتَع الحياة الدنيا. والصادقين في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم. والخاضعين المطيعين لتكاليف ربهم. والمنفقين لأموالهم: في حقوق الله تعالى وحقوق ذويهم، وفي أنواع البر التي ندبهم الله ورسوله إليها. والمستغفرين ربهم في أواخر الليل والناس نيام. فهم ينهضون من لذيذ المنام، وينتزعون أنفسهم من فراش الراحة والغفلة، ويطلبون غفران ربهم لما عسى أن يكون قد فَرَط منهم من ذنوب. وهم قائمون في محاريبهم، أو جالسون بين يدي مولاهم، إيثارًا لطاعة ربهم على هوى نفوسهم.
وقد جاء في فضل الطاعة في الأسحار آثار عديدة:
منها ما رواه النسائي بسند صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله سبحانه يُمهل حتى يمضيَ شطرُ الليل الأول، ثم يأمر مناديًا فيقول: هل مِنْ دَاعٍ يستجاب له؟ هل من مستغفر يُغْفَرُ له؟ هل من سائل يُعطَى؟ ".
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "مِنْ كُلِّ اللِّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحَر".
المفردات:
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): أي بَيَّنَ لعباده ذلك بالأدلة الواضحة. فكأن ذلك منه شهادة وأي شهادة. أما شهادة الملائكة وأُولي العلم فهي: إقرارهم بذلك.
(قَائِمًا بِالْقِسْطِ): أي قائمًا بالعدل في تدبير الكون ..
التفسير
18 -
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ
…
} الآية.
لما ذكر الله في الآية السابقة أن الذين استحقوا حسن المآب هم الذين قالوا: ربَّنا إننا آمنا أتبع ذلك ببيان ما آمنوا به، وهو توحيد الله الذي شهدت به آياته القرآنية والكونية، وأقرت به الملائكة وأُولو العلم.
المعنى: هذه الشهادة موجهة إلى أهل نجران، الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمر عيسى عليه السلام، ونزل بسببهم صدر هذه السورة. وإلى هذا يميل محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر.
وشهادة الله، المراد بها هنا: تقرير وحدانيته تعالى؛ بما أقامه من الأدلة في الأنفس والآفاق، وبما جاءَ في الكتب السماوية من البراهين، كقوله تعالى في القرآن:"لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا"(1) وبما أثبته فيها من عبارات التوحيد كقوله: "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ"(2). وقوله تعالى: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"(3). وكما شهد بأنه لا إله إلا هو، فقد شهد بذلك الملائكة الذين "لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"(4). وكذلك أصحاب العلم والفكر السديد من الأنبياء والمرسلين، ومن آمن بهم، وكل من فكر في آيات الله الكونية فآمن به. هؤُلاء - جميعًا -
(1) الأنبياء من الآية: 22.
(2)
الإخلاص: 1.
(3)
محمد: 19.
(4)
التحريم: 6.
شهدوا لله بالوحدانية، حال كونه قائمًا بالقسط والعدل في تدبيره للكون، فَبِعَدْلِهِ قامت السموات والأرض.
والعدل هنا، هو: الحكمة في التدبير، الذي استقامت به أُمور الكون .. ويختم الله هذه الآية فيقول:
(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
فيؤَكد - بهذه الخاتمة - وحدانيته ويقررها، ويضيف إليها وصف العزة - وهي الغلبة والقهر - وكذا وصف الحكمة - وهي فعل ما به صلاح الكون - ولولا أنه واحد عزيز حكيم، لما وُجد هذا الكون، ولما تم له هذا الكمال.
المفردات:
(بَغْيًا بَيْنَهُمْ): ظلمًا قائمًا فيهم، وحسدًا موجودًا في بيئتهم.
(فَإِنْ حَاجُّوكَ): أي جادلوك.
(أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ): أخلصت ذاتي ونفسي له تعالى.
(وَالْأُمِّيِّينَ): المراد بهم؛ من لا يكتبون من مشركي العرب من غير الكتابيين، لشيوع الأُمية فيهم.
التفسير
19 -
{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ
…
} الآية.
المعنى: إن المِلَّةَ المرضية عند الله - هي الإسلام .. فلا يُقبل من أحد دينٌ غيره "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ"(1). فليس لأَحد من أهل الكتاب أن يتمسك بملته بعد ما أنزل الله دستوره القرآن ناسخًا لما قبله من الأديان والشرائع، كما أنه ليس للمشركين أن يتمسكوا بشركهم:"إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"(2) فلا يرضاه الله لأَحد دينًا.
وكما أن الإسلام هو دين هذه الأُمة الذي رضيه الله لها، فهو دين جميع الأنبياء والمرسلين وأُممهم من قبل محمد، فهو دين الله دائمًا في جميع الأزمان، لاشتماله على توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والولد، واحتوائه على أُصول الشرائع المشتركة بينهما .. أما الفروع، فإنها مختلفة، تبعًا لاختلاف الأُمم.
قال تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"(3)، فإن ما يصلح منها لأُمة، لا يصلح لأُمة أخرى.
فالصيام مشروع في جميع الأديان، ولكن كيفيته تختلف باختلاف الأُمم.
والميراث مشروع في جميع الشرائع، ولكن كيفيته تختلف باختلاف الأُمم.
وهكذا الأمر بالنسبة لباقي الأحكام.
وبالجملة، فالأمر كما قال صلى الله عليه وسلم:"الأنبياء إخوة لعلات (4) أُمهاتهم شتى، ودينهم واحد" والمعنى: أنهم إخوة في الدين، وإن تفرقت الأُمهات. ولعله يقصد الأُمهات: الأُمم التي بعثوا فيها. ويدل لذلك قوله تعالى: "شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ"(5).
(وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ):
المعنى: كان أهل الكتاب مجمعين - فيما بينهم - على الإسلام إذا جاءَهم رسوله الموعود به في كتبهم.
وكان فريق منهم - وهم اليهود - يعادون مشركي المدينة .. وكانت تتحدث بينهم حروب،
(1) آل عمران من الآية: 85.
(2)
لقمان من الآية: 13.
(3)
المائدة من الآية: 48.
(4)
أي: إخوة لضرات. حديث رواه الشيخان وأوله: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم
…
".
(5)
الشورى: 13.
فيقولون: اللهم افتح علينا، وانصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان. ويقولون لأعدائهم المشركين: قد أَظلَّ زمانُ نَبِيٍّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عادٍ وإِرَم.
وكان هذا حالهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ودعائه الناس إلى الإسلام: الذي جاءَ به مصححا للأخطاء المتعمدة التي اقترفوها في دينهم، كدعواهم بُنُوَّةَ عُزير وعيسى، لله تعالى .. فحسدوه صلى الله عليه وسلم، لأنه من ولد إسماعيل، وليس من ولد إسحاق عليهما السلام.
واختلفوا في أمر الإسلام: فمنهم من آمن به كعبد الله بن سلام، وزيد بن سعنة، من أحبار اليهود وغيرهما. ومنهم من كفر به وهم أكثرهم. وكان كفرهم هذا من بعد ما جاءَهم العلم اليقيني بأنه الحق، إذ أتاهم على وفق أوصافه ونعوته في كتابهم. وكان هذا أقبح القبح منهم. وإن الجحود - بعد العلم - أشنع من الكفر عن غفلة أَو جهالة.
وكان اختلافهم فيه - بعد ما أتاهم العلم - إلا بغيا وحسدا فاشيا بينهم، لا لشبهة تقتضيه .. وصدق الله إذ يقول: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (1).
(وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ):
ختم الله الآية بهذا الوعيد.
والمعنى: ومن يجحد آيات الله - الشاهدة بأن الإسلام هو الدين عند الله فلا يؤمن به - يعاقبه الله عن قريب، فإنه سريع الحساب ومن كان سريع الحساب، كان سريع العقاب، قريب الجزاء.
وقد نفذ الله وعيده فيهم، فقُتلوا، وأُخرجوا من ديارهم حول المدينة
…
وما ينتظرهم من الجزاءِ في الآخرة أعظم.
20 -
{فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ
…
} الآية.
(1) النساء: 54.
المعنى: فإن جادلك أهل الكتاب، أو جميع الناس في الدين بعد ما جاءَهم العلم به، وظهرت لهم براهينه، فقل لهم: أسلمت وجهي لله، أي أخلصت ذاتي ونفسي له، ومَنْ آمن معي أخلصوا له أنفسهم كذلك.
وإطلاق الوجه على الذات كلها، لأنه ترجمان النفس، وعليه تظهر آثارها، وهو من إطلاق اسم الجزءِ على الكلِّ لأَهميته.
والمراد من الآية: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول لأهل الكتاب ذلك، ليعلموا أنه ليس مسئولا عن انحرافهم وكفرهم، وأن تبعة ذلك عليهم وحدهم، وأنه سائر في طريق عبادة الله وحده هو وأتباعه، دون اكتراث بضلالهم، لأن المحاجة والجدل معهم - لا فائدة فيهما، بعد ما جاءَهم العلم بأن ما عليه هو الحق.
(وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ):
المعنى: وقل يا محمد - لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وللأُميين - وهم مشركو العرب: الذين عُرفوا بهذا الوصف، لعدم معرفة سوادهم الأعظم القراءَة والكتابة - قل لهم - بعد ما أعلمتهم بترك المحاجة معهم وبإسلام وجهك وتابعيك لله تعالى - هل أَجْدَى معكم هذا وأسلمتم متبعين لي كما فعل المؤمنون، فإنه قد جاءَكم من الآيات ما يقتضي الإسلام، أَو أَنتم لا تزالون مصرين على العناد والكفر؟.
وهذا كما تقول - إذا لَخَّصْتَ لسائل مسأَلة بعد ما بينتها له بسعة وإفاضة - هل فهمت ما قلته لك؟ وذلك على نظام قوله تعالى: "فَهَلْ أَنتمُ مُّنتَهُونَ"(1) بعد تفصيل الصوارف عن تعاطي ما حرم الله تعالى.
وفي ذلك توبيخ واتهام لهم بالبلادة وجمود القريحة.
فإن أسلموا متأثرين بذلك، فقد اهتدوا إلى الحق بإسلامهم، وخرجوا مما كانوا فيه من ضلال.
وإن أعرضوا عن الإسلام فلا يضرك إعراضهم، فما عليك إلا تبليغهم، وقد فعلت، فخلصت بذلك من التبعية.
(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ):
(1) المائدة من الآية: 91.
عليم بأحوالهم، فلا تخفى عليه أعمالهم، فيجزي من أسلم بإسلامه، ويعاقب من تولى وأعرض بتوليه وإعراضه.
المفردات:
(يَأمُرُونَ بِالْقِسْطِ): القسط، العدل.
(فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ): التبشير هنا، بمعنى الإنذار. استعمل فيه، على سبيل التهكم.
(حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ): بطلت أعمالهم الحسنة، فضاع ثوابها.
التفسير
21 -
بعد ما توعد الله الكافرين بسرعة الحساب وأليم العقاب. وبعد أن بين لرسوله أنه ليس عليه سوى البلاغ، فإن أسلموا قُبل منهم، وإن أعرضوا أعرض عنهم وترك محاجتهم وأسلم وجهه مع من تبعه إلى ربه - أتبع ذلك بيان العقوبة التي يستحقها الكافرون بآيات الله، القاتلون للأنبياء ولمن يأمر بالعدل من الناس.
المعنى: المراد من الذين يكفرون بآيات الله، كل من جحد براهينه تعالى، وحججه، فلم يؤمن بما أنزله على رسله. ويدخل فيهم: أهل الكتاب المعاصرون للنبي من اليهود والنصارى، الذين كفروا بما أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفهم بأنهم قتلوا
الأنبياءَ بغير حق، مع أن قاتليهم هم آباؤهم، لأن فعل الآباء، ينسب إلى الأبناء إذا كانوا موافقين عليه أو لم ينكروه. أَو أنهم وصفوا بذلك، للإيذان بأن هذا شأنهم، وأنه متغلغل في دمهم، وأنهم لو وجدوا أنبياءَهم لقتلوهم، كما فعل آباؤهم.
ووصف قتلهم الأنبياء بأنه بغير حق، ليسَ للتقييد، بل للإيذان بأنه - دائِمًا - يكون بغير حق. فإن الأنبياء لا يرتكبون ما يوجبه أصلا، إذ هم معصومون من المعاصي مطلقا، فضلا عن عصمتهم عما يقتضي أن يقتلوا به.
والذين يأمرون بالقسط من الناس، هم أهل الحق من بينهم: الذين كانوا يأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر.
ولما كان هذا لا يرضيهم؛ لتأصل العصيان في نفوسهم - قتلوهم كما قتلوا أنبياءَهم، ليستريحوا من وعظهم وتذكيرهم ولومهم، وليخلُوَا لهم جو الفحشاء والمنكر.
روى ابن جرير عن أبي عبيدة بن الجراح، قال:"قلت يا رسول الله: أي الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟. قال: رجلٌ قتل نبيًّا، أو رجلًا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر" ثم قرأ الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ
…
).
وتبشيرهم بعذاب أليم: إخبارهم بعذاب شديد الإيلام.
ولما كان الإخبار بوعيد مؤلم يسمى إنذارًا، والإخبار بوعد سار يسمى تبشيرا، فإطلاق التبشير على ما هو إنذار، من باب التهكم والسخرية بأُولئك المجرمين الذين لا يعقلون.
وخلاصة المعنى: إن الذين ينكرون آيات الله تعالى، فيكفرون بما يجب الإيمان به، ويقتلون أنبياءَهم بغير جريمة تقتضي القتل - والأنبياء معصومون من كل جريمة تقتضيه - ويقتلون الواعظين المذكّرين الذين يأمرونهم بالعدل من صفوة الناس، فأنذرهم - يا محمد - بعذاب شديد الإيلام.
22 -
المعنى: أُولئك الموصوفون بالكفر، وقتل الأنبياء ومن يأمر بالقسط من الناس - هم الذين بطلت في الدنيا أعمالهم الصالحة: كالصدقة وصلة الرحم، فلم تستتبع آثارها المرجوة، حيث لم تحقن بها دماؤهم، ولم تحفظ بها أموالهم، ولم يستحقوا بها مدحا ولا ثناءً، ولم يكن لها حظ الاعتبار في الآخرة.
وصدق الله تعالى إذ يقول: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا"(1).
(وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ): مانعين من العذاب.
المفردات:
(أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ): أُعطوا حظًا منه. والكتاب: اسم جنس لكل كتاب سماوي. والمقصود من النصيب: التوراة والإنجيل.
(وَهُم مُّعْرِضُونَ): وهم منصرفون.
(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ): يقصدون بها أيام عبادتهم للعجل.
(وَغَرَّهُمْ): وأطمعهم.
(مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ): ما كانوا يكذبون من أن النار لن تمسهم، إلا أياما معدودات.
(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ): وأُعطيت كل نفس جزاءَ ما عملته - من خير أو شرٍّ - وافيًا.
(1) الفرقان: 23.
التفسير
23 -
المعنى: الخطاب في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ) لكل من تتأَتى منه الرؤية.
والاستفهام، للتعجيب من حال الذين أُوتوا نصيبًا وحظًّا من كتب الله تعالى: التي أَنزلها على رسله. وخص اليهود منهم بالنصيب الأَوفر.
وذلك أنهم دعوا إلى كتاب الله - وهو التوراة على ما ذهب إليه ابن عباس - ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرج ابن إسحاق وجماعة عنه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيت المدارس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال نُعَيْمُ بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه. قالا: فإن إبراهيم كان يهوديًا. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَهَلُمَّا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم. فأَبيا، فأنزل الله تعالى الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ
…
).
فلما دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، تولى فريق منهم وأعرض عما دعو إليه. وهم قوم عادتهم: الإعراض والتولي عن الحق. مع أن ما بأيديهم من الكتاب، ينبغي أن يجذبهم إلى الإقبال عليه.
والمقصود من الفريق الذي تولى منهم: علماؤُهم. فهم الذين كانوا يقولون الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
24 -
المعنى: ذلك الإعراض والتولي، من الذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب - وهم اليهود - هو بسبب أنهم قالوا: لن تصيبنا النار إلا أياما معدودات، معتقدين صحة ما يقولون، مُهَوِّنين بذلك كفرهم بالحق، وجرائمهم، ومعاصيهم على أنفسهم، زاعمين - بذلك - أنهم لا يعاقبون عليها.
والمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل، في غيبة موسى عليه السلام، لتلقى ألواح التوراة. أو أنهم يريدون بمقالتهم هذه: أنهم لا يُعذبون إلا مدة قليلة، لزعمهم أنهم أبناءُ الله وأحباؤُه. وخدعهم في دينهم ما كانوا يفترونه عليه من هذا الزعم، الذي لا نصيب له من الصحة.
25 -
المعنى: فكيف يصنعون وقت أن نجمعهم للحساب والجزاء على جرائمهم وأكاذيبهم، في يوم القيامة الذي لا يصح أن يشك في مجيئه أحد، وحينئذ تعطى كل نفس جزاء ما عملته من خير أو شرٍّ وافيا، وهم لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب: فهل يجديهم - يومئذ - ما افتروه: من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات؟! "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا"(1).
المفردات:
(اللَّهُمَّ): أصله، يا الله. فحذف "يا" وعوض عنها الميم وشددت، لكونها عوضا عن حرفين. ولا تجمع الميم مع "يا" إلا شذوذا. كقول الشاعر:
إني إذا ما حَدَثٌ أَلمَّا
…
أقول يا اللهُمِّ يا اللهما
(1) آل عمران من الآية: 30.
(مَالِكَ الْمُلْكِ): المُلك - بضم الميم وفتحها وكسرها - معناه: الاحتواءُ. أي الحيازة مع القدرة على التصرف. مأخوذ من: مَلَكَ الشيءَ يملكه: احتواه قادرا على حرية التصرف فيه. وهو بهذا المعنى - يطلق على: ملك الله وملك غيره. ومعنى (مَالِكَ الْمُلْكِ): صاحب السلطان والتصرف المطلق. وسيأتي لذلك مزيد بيان.
(بِيَدِكَ الْخَيْرُ): بقدرتك مَنْحُ الخير ومنعه.
(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ): تدخله فيه، بأن يأخذ من زمن النهار فيطول.
(وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) معناه: عكس المعنى السابق.
(وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ): أي وتكوِّن الأحياءَ من المواد الأولية التي لا حياة فيها: كالهواء والماء، والغذاء والتراب.
(وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): وتجعل الحي يموت. فتخرجه بذلك من جنس الأحياء.
التفسير
26 -
لما بين الله - فيما تقدم - أن الدين عند الله الإسلام، وأن أهل الكتاب كانوا متفقين على أن يؤمنوا برسوله، حين يبعثه الله داعيًا إليه، لِمَا كانوا يجدونه في كتبهم من الدعوة إلى الإيمان به حين يبعث، ومن بيان أماراته التي تدل عليه، وأنهم ما اختلفوا - في شأنه - إلا بعد بعثته ودعوتهم إلى الإيمان به. وكان ذلك بغيًا منهم وحسدا - أتبع ذلك بيانَ أن الملك لله: يعز من يشاءُ ويذل من يشاء، ليكفوا عن حسد من أعزه الله بالنبوة، ويؤمنوا بدينه الذي هو دين مَنْ بيده الملك.
سبب النزول:
رَوَى الواحدي عن ابن عباس، وأنس بن مالك: أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أُمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات: من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك. ألم يكف محمدا مكةُ والمدينةُ، حتى يطمع في ملك فارس والروم؟. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى غير ذلك في سبب النزول.
المُلك - بضم الميم - في حق الله تعالى، هو - على ما قاله المحققون - صفة قائمة بذاته تعالى، متعلقة بما سواه، تعلق التصرف التام، المقتضى استغناء المتصرِّف وافتقار المتصرَّف فيه. ولا يصح إطلاقه - بهذا المعنى - على غير الله تعالى. وهو أخص من المِلك - بكسر الميم - فإنه صفة تقتضي الاستيلاء والتسلط على شيءٍ بطريق مشروع، وتجعله صاحب الحق في التصرف فيه، من غير نظر إلى استغناء المتصرف وافتقار المتصرف فيه. ولهذا، يصح إطلاقه على غير الله تعالى.
ومعنى الآية: قل يا محمد، ذاكرا وشاكرا لربك أن آتاك نعمة الرياسة والنبوة اللتين نزعهما عن بني إسرائيل، أهل الحقد والحسد: اللهم يا صاحب صفة التصرف التام في جميع الكون، بلا شريك ولا ممانع: تعطي السلطان والرياسة من تشاءُ، وقد تفضلت فأعطيتني السلطان والرياسة على أُمتى.
وتمنع السلطان والرياسة من تشاءُ، وقد منعتهما بني إسرائيل الذين غرهم بالله الغرور. وتعز من تشاءُ في الدنيا والآخرة، بأسباب العزة والكرامة، وقد تفضلت عليَّ بالنبوة والعلم بك وبشريعتك فأعززتني.
وتذل من تشاء وقد أذللت بني إسرائيل المتغطرسين، بتحويل النبوة عنهم إلى العرب بقدرتك الخير كله. تتصرف فيه أنت وحدك، حسب مشيئتك مَنْحًا ومنعا لا يملكه أحد سواك. إنك على كل شيء قدير. فلا يليق بأحد أن يحقد على خير قَسَمه الله لبعض عباده، فإنه مِن عطاءِ مَن له الملك، وبيده الخير. وهو على كل شيء قدير.
ومن كان كذلك، فهو الحكيم الذي يجب التسليم بما أعطى ووهب، والرضا به من أعماق النفس دون حقد أو اعتراض.
وإنما خص الخير بالذكر، تعليما لحسن الأدب، ومراعاة لسبب النزول. وإلا فالشر أيضًا بيد الله. ويدل لذلك قوله تعالى:(وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ). كما يدل عليه التعميم في قوله: (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). كما أن في القرآن آياتٍ كثيرةٌ تدل على ذلك: كقوله تعالى: "مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ"(1).
(1) النساء: من الآية 78.
واعلم أن الشر الذي يكتبه الله على عباده ليس شرًّا محضا، بل هو مشوب بخير دائمًا. ففي نقل الرياسة من إسرائيل للعرب، شرٌّ على بني إسرائيل، ولكنه خير للعرب، وخير للناس أجمعين، لأن بني إسرائيل لا يصلحون لزعامة العالم - دينيا ودنيويا - في رسالة عامة كالتي كلف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم: قوم غلاة مستكبرون مغترُّون. فلو كُلف أحد منهم بمثل هذه الرسالة لكان ذلك نكبة على العالم.
وحسبك ما نعلمه من تاريخهم - في ماضيهم وحاضرهم - من الظلم والطغيان والجبروت!! فلما نقلت الرسالة منهم إلى العرب، وكلف بها سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين المنعوت بقوله تعالى:"وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"(1) - عَمَّ العالَمَ العدلُ والرحمة والبركة.
وكذلك شأن الله في كل بلاء كتبه، فإنه لحكمة إلهية، كشرب الدواء الكريه، والحجامة والفصد، وقطع العضو الذي يخشى من انتقال مرضه إلى سواه، ونحو ذلك من الأُمور المؤلمة، فإنها - مع كراهتها - تستعقب الصحة والعافية. وهي خير. كما أن الصبر عليها يورث حسن الجزاءِ. ثم إن فيها تمحيصا "لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ"(2).
ولا شك أن الشرَّ إذا استتبع خيرا كثيرا كان تقديره مصلحة وحكمة.
27 -
هذه الآية مقرِّرة لما قبلها من أن الملك لله: يعز من يشاءُ ويذل من يشاءُ، وأن بيده الخير، وأنه على كل شيء قدير. فإن من أَولج الليل في النهار والنهار في الليل، وأَخرج الحيَّ من الميت والميتَ من الحي، ورزق من شاء بغير حساب، لابد من أن يكون متصفا بالصفات الكريمة، التي اشتملت عليها الآية السابقة.
والليل لا يدخل في النهار، ولا النهار في الليل على الحقيقة. ولكنه مستعار لزيادة زمان الليل وقتما يقصر النهار، ولزيادة زمان النهار وقتما يقصر الليل.
(1) القلم من الآية: 4.
(2)
الأحزاب من الآية: 24.
ولما كانت زيادة الزمان في في كل منهما على حساب النقص في الآخر، جعل ذلك إدخالا لأحدهما في الآخر على سبيل الاستعارة.
أما إخراج الحي من الميت، فالمراد منه تكوينه من المواد الأولية التي تبني الأجساد، كالماء والهواء، وأشعة الشمس والغذاء الذي فقد الحياة بنزعه من أصله.
فمن هذه المواد الميتة تتكون المنطقة المملوءَة بالحياة. ومن النطفة يتكون الجنين الحي.
وكما أن منشأ الحيوان ما ذكر، فكذلك منشأُ النبات الحي: الماءُ والهواءُ، وأشعة الشمس والغذاء. وغذاءُ النبات تربة الأرض. وكل ذلك من قبيل الميت. وبذلك اتضح قوله تعالى:"يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ"(1).
ولا ينبغي أن يفهم أحد أن النبات ليس مقصودا من الآية، بزعمه أن النبات ليس فيه حياة. كلا .. لا ينبغي له ذلك .. فإن النبات إذا فقد أسباب الحياة ذبل وتلاشى، ولم يؤْت ثمرا ولا حَبًّا. فهو - لذلك - داخل في الآية قطعا.
وأمَّا إخراج الميت من الحي، فالمراد منه إبطال الحياة من الحي بأي سبب أراده الله. فتبطل آثارها، ويعود الجسم إلى أصله الميت، وهو الماءُ والتراب، بعد التحلل والتفاعل مع العوامل التي تنتهي به إلى ذلك.
ومعنى الآية: يطيل الله الليل في بعض فصول السنة، بإضافة جزء من النهار إليه. ويطيل النهار في بعض فصولها، بزيادة جزءٍ من زمان الليل فيه. ويخرج الحيَّ من المواد الأولية الميتة التي خلق منها، كالماء والتراب وبعض عناصر الهواءِ. ويخرج الميت منَ الحيِّ بأن يُفقده أسباب الحياة، فيموت ويعود إلى أصله. ويرزق من يشاءُ رزقه بغير حساب. أي رزقا واسعا، بغير تضييق عليه.
وكما يرزق من يشاءُ بغير حساب، يضيقه على من يشاءُ لحكمة تقتضيه. ولم يذكر ذلك في الآية لعلمه من أمثاله فيما سبق، ولأن من يملك الإعطاءَ يملك المنع.
ويرى بعض المفسرين: أن إخراج الحي من الميت، معناه: إخراج الجنين من النطفة أو الفرخ من البيضة. وأن إخراج الميت من الحي، معناه: إخراج النطفة من الحيوان أو البيضة من الدجاجة.
ولكن هذا الرأي لا يقبل إلا على سبيل التشبيه، يجعل النطفة - أو البيضة بجانب الحيوان الذي يتكون منها - كالشيء الميت، لعظم الفرق بينهما. أما على الحقيقة فلا،
(1) الروم من الآية: 19.
لأن النطفة مليئة بالكائنات الحية المتحركة، كما يتبين ذلك تحت آلة التكبير - المجهر - ومثلها البيضة.
وكذا القول بأن المراد من الميت الذي يخرج من الحي: النطفة أو البيضة التي يخرجها الله من الحيوان، لا يصح أن يقبل إلا على سبيل المجاز، لما قدمناه.
وقال الحسن في معنى الآية: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فحمل الحياة والموت على المجاز. وروى هذا التفسير عن أئمة أهل البيت.
ويمكن تفسيرها مجازًا بمعنى: يخرج الطيب من الخبيث، والخبيث من الطيب، والعالم من الجاهل، والجاهل من العالم، والذكيّ من البليد، والبليد من الذكيّ، إلى غير ذلك. ولا تغفل عما قلناه في موضوع النطفة من أن اعتبار النطفة ونموها كالبيضة ميتة، إنما هو على سبيل التشبيه بها، عند مقارنتها بالحيوان الذي يتخلق منها، وليس على سبيل الحقيقة، ففي النطفة - وما ماثلها - حياة. كما تقدم.
المفردات:
(أَوْلِيَاءَ) أصدقاء، أو أنصارا.
(مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ): متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين.
(فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ): فليس في دين الله من شيء.
(إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً): إلا أن لِتَقُوا أنفسكم وتحفظوها مما يُتَّقى ويحذر منهم.
(الْمَصِيرُ): المرجع.
التفسير
28 -
{لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
…
} الآية.
سب النزول: روى عن ابن عباس، قال: كان الحجاج بن عمرو، وكهمسُ بن أبي الحقيق، وقيس بن زيد - والكل من اليهود - يباطنون نفرا من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم. فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأُولئك النفر: اجتنبوا هؤُلاء اليهود واحذروا مباطنتهم، لا يفتنوكم عن دينكم. فأَبى أُولئك النفر، إلا مباطنتهم وملازمتهم. فأنزل الله هذه الآية.
وروى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري. وكان بدريا نقيبا. وكان له حِلْفٌ من اليهود. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب. قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأَيت أن يخرجوا معي؛ فأَستظهر بهم على العدو. فأنزل الله تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ
…
) الآية.
الربط:
بعد أن أشار الله إلى إعزاز المؤمنين، وإذلاله الكافرين، وذكر أن بيده الخير، وأنه على كل شيء قدير، وأنه يولج الليل في النهار، والنهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، والميت من الحي، ويزرق من يشاء بغير حساب، ليعلم المؤمنون أنهم يأوون من الله إلى ركن شديد - بعد أن ذكر الله تعالى ذلك - أتبعه تحذيرهم من اتخاذ الكافرين أولياءَ بعد أن أذلهم بإعلائهم عليهم، فإن الموْتور لا تخمد في نفسه جذوة الحقد على من وتَر، ولا يبغي لواتره سوى الشر، فحسبهم تأييد الله وولايته لهم.
المعنى: تقرر الآية: أن موالاة الكافر خطر على من والاه، وأنها لا تكون إلا عند الضرورة، لاتقاء ضرر يكون من ناحيته، على ألا تبلغ الموالاة درجة المباطنة بخفايا المؤمنين.
والموالاة تطلق لغة: على الحب والصداقة والمباطنة بالأسرار. وتطلق: على النصرة. وكلا المعنين تصح إرادته في الآية.
ولهذا، لا يحل للمؤمنين أن يوالوا الكافرين، بأي معنى من معاني الموالاة. ومن يفعل ذلك فليس من دين الله في شيء.
وقد ذكر ذلك صريحا في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ"(1).
(1) المائدة من الآية: 51.
وقد تكرر النهي - عن موالاة المؤمنين للكافرين - في عديد من آي القرآن، لخطورتها على كيانهم. فهم - دائما - يتربصون بهم الدوائر، ويبغونهم الفتنة. وفي المسلمين سماعون لهم، وهم المنافقون، وضعاف النفوس.
فيمن الآيات الناهية عن موالاتهم، قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ" إلى قوله تعالى: "يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ"(1). وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا"(2).
فعلى المؤمنين أن يحذروا موالاتهم، حتى يأمنوا شرهم، ويكونوا بذلك أهلا لتأييد ربهم مالك الملك، وصاحب العز والسلطان.
وعليهم أن يقصروا موالاتهم على المؤمنين: لا يتجاوزونهم إلى الكافرين لغرض من الأغراض، إلا لأن يتقوا أو يحفظوا أنفسهم من ضرر شأنه أن يتقي ويُحذر .. فإذا اضطر المسلمون لموالاتهم دفاعا عن الوطن، أو المال، أو العرض، فلهم ذلك
…
في حدود الضرورة.
وأجاز المحققون من العلماء: الاستعانة بالكفار، بشرط الحاجة الوثوق .. أما بدونهما، فلا تجوز. واستدل لذلك، بأن النبي صلى الله عليه وسلم، استعان بيهود بني قينقاع ورَضَخَ لهم (3) .. واستعان بصفوان بن أُمية في هوازن.
على أن بعضهم ذكر أن الاستعانة المنهي عنها، هي استعانة الذليل بالعزيز. أما غيرها فلا. وفي فتاوى ابن حجر: جواز القيام في المجلس لأهل الذمة. وَعَدَّ ذلك من باب البر وحسن المعاملة المأذون به في قوله تعالى: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"(4).
ثم ختم الله الآية بهذا التحذير الخطير، فقال:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ):
أي يحذركم اللهُ - أيها المؤمنون - عقابَ نفسه، إن واليتموهم في غير ما أُبيح لكم .. واعلموا أن إلى الله المرجع، فسوف يجازى كل امريء بما كسب. وفي إضافة تحذيرهم إلى نفسه وإلى ذاته العلية، إيذان ببلوغ المنهي عنه منتهى الخطورة.
(1) الممتحنة: 1.
(2)
النساء: 144.
(3)
أي أعطاهم مالا قليلا في مقابل معونتهم.
(4)
الممتحنة: 8.
المفردات:
(مُحْضَرًا): يُحْضِرُه ملائكة الله في الصحف.
(أَمَدًا بَعِيدًا): غاية أو مسافة بعيدة.
التفسير
29 -
هذه الآية - والتي تليها - واضحتا الارتباط بالآية التي قبلهما، فإنهما مثلها: في تحذير المؤمنين من موالاة الكافرين، وإن كان التحذير فيهما أشمل وأوسع، لعمومه لجميع المنهيات.
والمعنى: قل يا محمد، للمؤمنين: إن تُسِرُّوا ما في نفوسكم من الضمائر المنهي عنها، التي من جملتها ولاية الكفار، أو تظهروه - يعلمه الله فيؤَاخذكم به عند مصيركم إليه، ويعلم ما في السموات وما في الأرض، فوق علمه بما في صدوركم.
(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):
ومن كان كذلك، فهو قادر على عقابكم، فلا تجسروا على عصيانه وموالاة أعدائه.
30 -
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا
…
} الآية
المعنى: واذكر لهم - يا محمد - يوم تجد كل نفس من نفوس المكلفين، ما عملته من خير
- وإن قل - محضرا أمامها في صحائفها، لتنعم به، "فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ"(1).
وتجد كل نفس أيضا: ما عملته من سوءٍ وشرٍّ في الدنيا، محضرًا يوم القيامة في صحائفها لتساءَ به، وتتمنى حين تراه لو أن بينها وبين ذلك اليوم - أو بينها وبين ما عملته من سوءٍ - أمدًا بعيدًا. والأمد: الغاية والمنتهى. أي تود لو أن بينها وبين يوم القيامة - أو بينها وبين عملها السيء - غاية ونهاية بعيدة.
وذهب بعض العلماء، إلى أن المراد به: المسافة البعيدة. واستظهر ذلك حملا لهذه الآية على قوله تعالى: "يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
…
" (2).
ثم ختم الله الآية، مكررًا ما سبق من التحذير، وواصفًا نفسه الكريمة بالرأفة، فقال:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ):
أي ويخوفكم الله من نفسه إن خالفتم ما كلفكم به. والله عظيم الرحمة بالعباد، حين نهاهم عن موالاة الكافرين، وحذرهم من عقابه إذا خالفوا أمره، فإنَّ بُعدَهم عن موالاة الكافرين، فيه السلامة لهم، وتحذيرهم من عقابه تعالى، يدفعهم إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه .. وكل ذلك رأفة بهم، ورحمة بالغة نافعة لهم.
التفسير
31 -
سبب النزول والربط:
قال القرطبي: رُوي: أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنُحِبُّ ربنا .. فأنزل الله عز وجل "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ".
(1) الحاقة: 21 - 22.
(2)
الزخرف: 38.
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: "نزلت في نصارى نجران. وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده، حبًا لله تعالى وتعظيمًا له. فأنزل هذه الآية ردًا عليهم" رواه محمد بن إسحق.
وسياق الآيات من قبل، يرجع الأول. فقد نُهيَ فيها المؤمنون عن اتخاذ الكافرين أولياءَ، وتوالي تحذيرهم بعد ذلك من المخالفة، حتى اتصل الكلام هنا بحضهم على اتباع رسول الله وطاعته: فيما يأمرهم به وينهاهم عنه.
وسواءٌ كان السبب هذا أو ذاك، فالآية صالحة لخطاب الجميع.
والمعنى: قل يا محمد: لِمَنْ يدعي حُبَّ الله: إن كنتم تحبون الله كما تقولون، فاتبعوني فيما بلَّغتكم عن الله تعالى، وبَرْهِنُوا - بهذا الاتباع - على صدق محبَّتكم لله تعالى، فإن المحبة ليست ادعاء، ولكنها اتباع لما يرضى المحبُوب. فمن أَحبَّ اللهَ فلْيتبع حبيبه ومصطفاه، ولْيتأدب بِمَا دعا إليه من فضائل وآداب. وإلا فهو كاذب في دعواه.
وثمرة هذا الاتباع، لا غاية وراءها لكم وهي حبُّ الله، وغفران ما عسى أن تقترفوه من ذنوب .. ولا شيءَ أسمى من ذلك تطمح إليه قلوب المحبين.
وليس الفضل في أن تقول: إني أُحب. ولكن الفضل في أن تفعل ما تكون به محبوبًا عند حبيبك.
وقد ختم الله الآية، بما اتصف به دائمًا، من صفتي الغفران والرحمة فقال:(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ):
ولا يتمتع ببركة هذين الوصفين، إلا من لازم اتباع الرسول فيا أمر به ونهى عنه.
قال ابن كثير: هذه الآية، حاكمة على كل من ادّعى محبة الله - وليس هو على الطريقة المحمدية - بأنه كاذب في دعواه، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله، وأفعاله، وأحواله. كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" اهـ.
وقال الحسن البصري: زعم قوم: أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ):
والحسن البصري: من كبارة أساتذة التصوف. وهو إذ يقول ذلك، يعلمنا ألا نحفل بمن يزعم أنه من المتصوفة المحبين ربهم، وهو في وادٍ واتباع الرسول في وادٍ آخر. فلا ولاية
ولا حب لله، إلا باتباع كتاب الله وسنة رسوله، عملا بهذه الآية وبقوله تعالى:"وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ"(1).
وأعلى درجات الحب لله: أن يحبه تعالى لذاته، ويتفانى في طاعته .. أما حبه لثوابه، لدرجته نازلة عن هذه المنزلة.
وإذا كافأَ الله عبدًا بحبه، عُرِف ذلك من حب عباده له.
ففي صحيح مسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَحبَّ عبدًا دعا جِبريلَ فقالَ: إِنِّي أَحِبُّ فلانًا فأَحبَّهُ. قال: فَيُحِبُّهُ جِبريلُ. ثم ينادِي في السماءِ فيقولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فلانًا فأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّماءِ. قال: ثمَّ يوضَعُ له القَبولُ في الأرض. وِإذا أَبْغَضَ عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ: إِني أُبْغِضُ فلانًا فأَبْغِضْه. قال: فيُبْغِضُهُ جِبريلُ. ثم يُنادي في أَهْلِ السَّماءِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلانًا فأَبْغِضُوهُ. قالَ: فيُبْغضُونَهُ، ثَمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرضِ".
32 -
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} :
المعنى: قل لهم يا محمد، أطيعوا الله والرسول في جميع الأوامر والنواهي، فإن أعرضوا عن ذلك، فإن الله يبغضهم ولا يحبهم، لتوليهم وإعراضهم عن طاعة الله ورسوله.
وإطلاق وصف الكافرين على المعرضين عن طاعة الله ورسوله - لأن من تولى وأعرض بقلبه، فهو نافر من شرع الله كاره له. فيكون بذلك كافرا، والعياذ بالله تعالى.
أما لو كان تَولِّيه وإعراضه مجرد ترك لما أُمر به، اتباعا لشهواته - مع اعتقاده أن ذلك حرام، وأنه مذنب فيما يفعل، ومقصر في حقه تعالى - فإن الكفر بالنسبة له كفر للنعمة، وعدم قيام بشكرها. أو هو من باب التنفير من المعصية. وفي كلتا الحالتين، يكون تارك الاتباع محروما من حب الله تعالى، لأن الله سبحانه لا يحب من عصاه بكفر أو فجور.
(1) الأعراف: 196.
المفردات:
(اصْطَفَى): اختار.
(وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ): المراد بالآل فيهما: من كان من ذريتهم من الأنبياء. وسيأتي شرح ذلك.
(ذُرِّيَّةً): الذرية النَّسْل. يطلق على الواحد وغيره.
التفسير
33 -
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} :
قال الآلوسي: قال شيخ الإسلام رحمه الله في وجه المناسبة: لما بيّن الله سبحانه: أن الدين عند الله الإسلام. وأن اختلاف أهل الكتابين إنما هو للبغي والحسد .. وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته، منوط باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم شرع في تحقيق رسالته، وأنه من أهل بيت النبوة القديمة، ممهدا إلى ذلك: بذكر جلالة أقدار الرسل، ومنتهيا إلى تنزيه ساحته، عما هم عليه من اليهودية والنصرانية المبدلتين. وأن الأُمم - قاطبة - مأمورون بالإيمان بمن هو مصدِّق لرسالات الرسل، تحقيقا لوجوب الإيمان بالرسول وطاعته .. اهـ. ملخصا.
الشرح: ذكر الله، أنه اصطفى طائفة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وبدأ بآدم أبي البشر الأول. وثنى بنوح الأب الثاني لهم بعد الطوفان. وعقبه بآل إبراهيم أبي الأنبياء وواسطة عقدهم محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر آل عمران - مع دخولهم في آل إبراهيم - اعتناءً بأمر عيسى الذي اختلفوا في شأنه.
والمراد بآل إبراهيم: ذريته من الأنبياء، والمراد بعمران: والد مريم، وهو ابن ماثان. وآله: ابنته مريم وابنها عيسى، عليهما السلام.
وقيل: عمران هنا، هو عمران بن يصهر أبو موسى. وآله: هم موسى وهارون.
والظاهر الأول، فإن السورة تسمى: سورة آل عمران. ولم تشرح قصة عيسى ومريم في سورة أبسط من شروحها هنا .. أما قصة موسى وهارون فلم يذكر منها هنا شيءٌ.
والمراد من العالمين الذين اختارهم وفضلهم عليهم: عالمو زمانهم. وقد فضلهم الله عليهم، بما آتاهم من النبوة والكتاب في معظمهم. وفي مريم: يحملها وولادتها من غير مماسة بشر، مع طهارتها وانقطاعها لعبادة ربها، وإمدادها في مصلاها برزق الله في غير أوانه، واختيارها لتكون أُمًّا لعيسى: الذي شاءَ له مولاه أن يكون بغير أب.
34 -
{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} :
المعنى: اصطفى الله آل إبراهيم وآل عمران. حال كونهم ذرية بعضها من بعض في النسب، فالمتأخرون منهم سلالة المتقدمين.
وقال قتادة في معناها: بعضها من بعض في النية والعمل الصالح، والإخلاص والتوحيد.
وقد أثبتت الدراسات الحديثة، آثار الوراثة في التكوين الخلقي، والعقلي، والجسماني.
وإلى هذا أشار الحديث الشريف "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم، فأَنكِحُوا الأَكْفاءَ وانكحوا إليهم" رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي.
ويختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ليشير بذلك، إلى أنه اختارهم واصطفاهم، لصلاحيتهم وأهليتهم التامة للاختبار: في أقوالهم التي يسمعها، وأفعالهم ونياتهم التي يعلمها، فإنه سميع بكل قول، عليم بكل حال وفعل ونية.
المفردات:
(نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي): أوجبت على نفسي: أن يكون ما في بطني لك، لخدمة بيتك.
(مُحَرَّرًا): خالصا.
(أُعِيذُهَا بِكَ): أُجيرها بك.
(الرَّجِيمِ): المطرود.
35 -
امرأة عمران، هي: حَنَّةُ بنت فاقُوذا، كما رواه إسحق بن بشر، عن ابن عباس والحاكم، عن أبي هريرة، وهي جدة عيسى عليه السلام لأُمه.
وكانت هذه السيدة عاقرًا لا تلد. وكانوا أهل بيت من الله بمكان. فتحركت نفسها يومًا لأن تكون أُمًا. فلاذت بربها ودعته - بضراعة - أن يهب لها ولدا، ونذرت إن حقق الله أُمنيتها: أن تجعل ولدها محرَّرًا: أي خالصًا للعبادة وخدمة بيت المقدس، عتيقا من سوى ذلك. وكان ذلك جائزا في شريعتهم. وكان على أولادهم أن يطيعوهم فيما نذروا.
وكانت خدمة البيت والإقامة فيه للعبادة، قاصرة على الغلمان. فلما تحقق حملها، قال لها زوجها: أرأيت إن كان ما في بطنك أُنثى - والأُنثى عورة - فكيف تصنعين؟. فقالت عند ذلك (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): تريد بهذه الضراعة: التماس الولد الذكر، لعدم قبول الأُنثى في خدمة البيت. فكأنها تقول: رب إني نذرت ما في بطني، فاجعله ذكرا، لأستطيع تحقيق نذري.
وجعله بعض الأئمِة تأكيدا لنذرها، وإخراجا له عن صورة التعليق، إلى هيئة التنجيز.
ومعنى (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي): نذرته لأجلك. وهي تريد بذلك: أنها نذرته لخدمة بيته وعبادته فيه. وتقصد بقولها: (مُحَرَّرًا) أنها ستخلصه لذلك، فلا تصرفه في حوائجها. مأخوذ من التحرر. وهو: التخليص من الشوائب.
وختمت ضراعتها بقولها: (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وهو تعليل لاستدعاء القبول، أي إنك السميع بكل المسموعات فتسمع دعائي، العليم بكل المعلومات، فتعلم نيتي وإخلاصي فَتَفَضَّلْ من أجل ذلك بقبول التماسي.
36 -
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى
…
} الآية.
ضمير الغائبة في (وَضَعَتْهَا) عائد على ما في بطنها، وتأنيثه باعتبار الواقع.
والمعنى فلما وضعت أُنثى - على خلاف ما كانت تأمله - قالت متحسرة حزينة على فوات
رجائها، رب إني وضعتها أُنثى. قالت ذلك وهي لا تعلم بمكانة ما وضعته، والله وحده الذي يعلم بشأنها، وما علق بها من عظائم الأُمور ودقائق الأسرار. وقالت في تحسرها: وليس الذكر كالأُنثى في خدمة المسجد الأقصى، فإنها مقصورة على الغلمان دون الإناث فكأنها تقول: فماذا أصنع في نذري يا رب؟ ثم عطف على ذلك قولها:
(وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ):
دل هذا الكلام: على أنها - لما وضعتها - قالت ما تقدم. وأطلقت عليها اسم مريم في اليوم الذي وضعتها فيه. وهي السنّة في شريعتنا أيضا.
فقد أخرج الشيخان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"وُلِدَ لِيَ الليلةَ ولدُ سمّيته باسم أبي إبراهيمَ" وأخرجا أيضا، عن أنس بن مالك:"أنه ذهب بأخيه حين ولدته أُمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنَّكه وسماه عبد الله".
لم تشأ أُم مريم أن ترجع في نذرها حَمْلها لخدمة البيت وبعادة الله فيه، بعد أن تحقق أنه أُنثى.
وكان أول شيء اتجهت إليه - في هذا الصدد - أن تسميها بالاسم المناسب لما أرادته في نذرها وهو مريم. فإن معناه: العابدة، في لغتها. وعقَّبت ذلك بضراعتها إلى الله: أن يعصمها ويحفظها وذريتها من الشيطان الرجيم، المطرود من رحمة الله. بحيث يكونون - جميعًا - في مرضاة الله وعبادته.
هذا، وقد قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن مريم معرب مارية بمعنى جارية.
المفردات:
(فَتَقَبَّلَهَا): أي قبل مريم - في النذر - مكان الذكر.
(وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا): وربَّاها تربية طيبة .. حيث نشأت في طاعة الله.
(وَكَفَّلَهَا زَكَرِيا): أي جعله كافلا وضامنا لها.
(الْمِحْرَابَ): غرفة عالية، بنيت لها، أو هو المسجد.
(أَنَّى لَكِ هَذَا): من أَيْنَ لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاقنا؟
التفسير
37 -
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
…
} الآية.
قلنا: إن أُم مريم، مضت في نذرها مع وليدتها الأُنثى، مخالفة بذلك مألوف قومها: من أن خادم بيت المقدس يكون من الذكران.
وهنا، تصريح الآية: أنه تعالى، تفضل فقبل منها مريم قبولاً حسنًا، وفاءً بنذرها، لما تعلقت به مشيئته من أُمور عظيمة، ترتبط بوليدتها الأُنثى.
والقبول الحسن منه تعالى: أنه اختصها - دون سواها - بإقامتها مُقَام الذكر في خدمة بيت المقدس.
وكما تقبل الله مريم في خدمة البيت لأَمر يعلمه، أنبتها ورباها تربية حسنة، إذ نشأت على طاعة الله تعالى.
وقد ساعد على ذلك: أنه تعالى، جعل زكريا عليه السلام كافلا لها؛ لتقتبس منه العلوم والمعارف، ولتمضِيَ على سنته من الصلاح والتقوى. وكان زَوْجَ أُختها، كما ورد في الصحيح "فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة" ويحيى: ابن زكريا عليهما السلام.
وهكذا تهيأَت لها البيئة الصالحة، كما تهيأَت لها الوراثة الصالحة. فكانت سيّدة نساءِ العالمين.
وذكر ابن اسحق وابن جرير: أن زكريا، كان متزوجا خالة مريم. ويجمع بينهما، بأن خالة الأُم لولدها. والسبب في كفالته لها: أن أباها كان متوفيا. أو أن السَّنةَ كانت جدباء ذكر ذلك ابن اسحق.
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ):
كان زكريا يأتي مريم بطعامها، بمقتضى كفالته لها. ولكنه كان - حين يأتيها - يجد عندها رزقا جميلا، وطعاما وفيرا. فيعجب لذلك، ويقول لها: من أين لك هذا؟! يقول لها ذلك متعجبا من وجود رزق عندها، ولا كافل لها سواه. فتجيبه قائلة:(هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ) رزقا واسعا (بِغَيْرِ حِسَابٍ). ويحتمل أن تكون جملة (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) من كلام الله تعالى، وليس من كلامها، سيقت: للإيذان بأنه لا ينبغي أن تعجب من هذا الرزق، فإن الله يرزق من يشاءُ بغير حساب.
والمحراب الذي كانت فيه، قيل: إنه غرفة بنيت لها في بيت المقدس، لا يصعد إليها إلا بسلم. وقيل: إنه ذات المسجد، وكانت مساجدهم تسمى: محاريب.
والحق، أن المحراب لغة: يطلق على الغرفة، وهي الحجرة العالية. وعلى صدر البيت وأكرم مواضعه. وإطلاقه على المسجد - أو على مكان الإمام فيه - لرفعة شأنه.
المفردات:
(هُنَالِكَ): أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، أو في هذا الوقت الذي رأي فيه من الكرامات ما رأى، على غير المألوف. وهنالك: يشار به إلى المكان والزمان.
(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ): المراد بكلمة الله، عيسى عليه السلام، حيث جاءَ بقوله تعالى:(كُنْ) من غير توسط أب.
(وَحَصُورًا): الحصور، الذي لا يباشر النساء. أو هو الذي يمنع نفسه من المعاصي.
(بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ): أدركتني الشيخوخة.
(وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ): عقيم لا تلد، من العَقْر وهو القطع، لقطع أولادها.
(أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ): أي لا تقدر على كلامهم من غير آفة.
(إِلَّا رَمْزًا): إلا إشارة.
(بِالْعَشِيِّ): هو من الزوال إلى الغروب. وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل.
(وَالْإِبْكَارِ): أي وقت الإبكار وهو من الفجر إلى الضحى.
التفسير
38 -
هذه قصة مستقلة. سيقت في أثناء قصة مريم، لأنها - مع ارتباطها بها - مقررة لها، بما فيها من عجيب قدرة الله مثلها.
والمعنى: أن زكريا، لما وجد عند مريم رزقًا عظيمًا، وتحقق أنه من عند الله تعالى: لا يأتيها به أحد من الناس - قال في نفسه: إن الذي جاءَ مريم بذلك الرزق، لَقَادِرٌ على أن يصلح لي زوجتي، ويرزقني منها ذرية .. فعند ذلك، قام في المحراب وابتهل إلى الله تعالى قائلا: رب هب لي من عندك ذرية طيبة مباركة صالحة، إنك كثير الإجابة لمن يدعوك.
وهنالك: وإن كان يشار به إلى المكان البعيد، إلا أنه قد يستعمل بمعنى: في تلك الحال مجازا، كما تقول: من هنالك، قلنا: كذا. أي في تلك الحال كذا. ومن هذه الجهة، قلت: كذا. ذكره الزجاج.
وقد علل زكريا طلبه بقوله: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ): وأصله بمعنى: كثير السمع للدعاء، ولكنه أُريد منه هنا مجازا: إنك كثير الإجابة لمن يدعوك. فهذا هو الأكثر مناسبة للتعليل.
39 -
أكرم الله زكريا فَأجاب دعاءَه، وبعث إليه بالملائكة يبشرونه بذلك، فنادوه - وهو قائم يصلي في المسجد - أن الله تعالى يبشرك بولد ذَكَر سماه الله يحيى: مصدقًا بعيسى عليه السلام، الذي سُمِّيَ كلمة الله، لأنه خلقه بقوله:(كُنْ) فكان. ومعنى تصديقه به: إيمانه بأنه رسول الله. وهو بذلك، يكون أول من آمن به. ويحيى أكبر من عيسى.
فهذه البشارة كانت قبل أن تحمل مريم بعيسى، أو - على الأقل - قبل أن تلده. وذكر هذا التصديق، لتسفيه رأي اليهود في عيسى عليه السلام.
وقال أبو عبيدة: المراد بالكلمة هنا، الكتاب أو الوحي.
وقد وصف الله يحيى على لسان ملائكته المبشرين، بأنه سيكون سيدًا. والسيد: من يسود قومه. ثم أُطْلِق على كل فائق في الدين أو الدنيا. كما قاله بعض المحققين.
ويمكن أن يجتمع فيه الأمران: الرياسة في قومه، والتفوق في الدين. فإنه نبي الله، ومن الصالحين. كما سيأتي نَعْتُه بذلك.
ووصفته الملائكة أيضًا بأنه حصور .. وفسره ابن عباس: بأنه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك. ولعل هذا، لأن انهماكه في العبادة، شغله عنهن.
والمدح بذلك، كناية عن مدحه باشتغاله بالعبادة عن متع الحياة الدنيا. وليس معناه أن ذلك في أفضل من الزواج مع الاشتغال بالعبادة. فإن الزواج من سنن الله في الأنبياء. ومن سننه في الجنس البشري، ليبقى خليفة عن الله تعالى في عمارة أرضه. وقد كان - على سنة يحيى - في ذلك - عيسى، عليهما السلام.
وفَسَّر الحصورَ بعضُ المفسرين: لأنه المبالغ في الحصر النفس، وحبسها عن المعاصي والشهوات، وكان ضمن بشارة الملائكة لزكريا عن ولده يحيى: أنه سيكون نبيًّا ناشئًا من الأُصول الصالحين، أو معدودًا في عدادهم.
والمراد من الصلاح: ما فوق الصلاح الذي لابد منه في منصب النبوة، بأن يكون في أقصى مراتبه، حتى يكون للوصف به بعد النبوة فائدة.
وتأنيث الفعل (قَالَتْ) عند إسناده إلى الملائكة، لجواز ذلك عند إسناده إلى الجماعة.
فالملائكة ليسوا إناثا. ولهذا رَدَّ اللهُ على المشركين حين ادعوا ذلك فقال: "وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ"(1). وقد
(1) الزخرف: 19.
جاء تذكير الفعل معهم بتأويل الجمع، كقوله تعالى:"وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ"(1).
ويحيى هذا، هو المسمى عند المسيحيين: يوحنا المعمدان.
40 -
لَمَّا بشرته الملائكة بذلك، وتحقق من البشارة، تعجب من وقوع ذلك مع وجود الموانع، فقال: يا رب، من أين يكون لي غلام، وقد أدركتني الشيخوخة - فقد كانت سِنُّهُ - على ما روى عن ابن عباس - مائة وعشرين سنة - وامرأتي عاقر لا تلد! وقد كانت هي الأُخرى متقدمة في السن، إذ بلغت ثمان وتسعين سنة، على ما روى عن ابن عباس.
وإنما خاطب بذلك ربه ولم يخاطب الملائكة الذين بشروه، مبالغة في التضرع إلى الله تعالى. وحينئذ أجابه المولى قائلا:(كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: الله يفعل ما يشاءُ، مثل ذلك من الأفعال الخارقة للعادة، الخارجة عن القياس.
41 -
{قَالَ رَبِّ اجْعَل لي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا
…
} الآية.
قال زكريا - لما سمع هذا الجواب الحاسم من الله رب العالمين - اجعل لي علامة أستدل بها على حمل امرأتي. قال الله له: علامتك، ألا تقدر على مكالمة الناس، ثلاثة أيام متوالية من غير آفة.
وتقييد عدم الكلام بالناس، مؤْذن بأَنه كان غير محبوس عن ذكر الله تعالى. وكان حديثه مع الناس - في هذه المدة - رمزًا. كما قال تعالى:(إِلَّا رَمْزًا) والرمز: الإشارة باليد أو الرأس أو نحوهما.
ثم أمره الله أن يذكر سبحانه، في وقت لا يحتبس فيه لسانه عن الناس، فقال:
(وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) يعني: واذكر ربك ذكرا كثيرا، ونزهه عما لا يليق به: في وقت العشي - من الزوال إلى الغروب - أو من العصر إلى أَن يذهب صدر الليل، واصنع مثل ذلك في وقت الإبكار - من الفجر إلى الضحى.
والمراد من العشي والإبكار. جميع الأوقات. والذكر: يتناول ما كان باللسان والقلب.
(1) الرعد: 23.
المفردات:
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ): اختارك لخدمة بيته لصلاحك.
(وَطَهَّرَكِ): من الأدناس أو طهرك بالإيمان عن الكفر، وبالطاعة عن العصيان.
(وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ): اختارك عليهن: بأن تكوني أُمًّا لعيسى من غير أب. وجعلك وإياه آية للعالمين. ولم يكن ذلك لأحد من النساء.
(اقْنُتِي لِرَبِّكِ): دومي على طاعته.
(وَاسْجُدِي): واخضعي.
(وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ): وصلى مع المصلين.
(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ): وما كنت عند المتنازعين في كفالتها، حين يلقون أقلامهم التي يكتبون بها التوراة، أو سِهَامَهُمْ عند الاقتراع على كفالتها في طفولتها.
(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ): أي إذ يتنازعون في ذلك.
التفسير
42 -
{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
…
} الآية.
هذا عود إلى قصدة السيدة مريم عليها السلام بعد أَنْ توسطتها قصة ولادة يحيى لزكريا، بعد أن بلغ من الكبر عتيًّا، من زوجته المسنة العاقر - للتشويق إلى باقي قصتها، ولتقرير ما فيها من عجائب صنع الله، المخالفة للنواميس المألوفة، ولتقرير اصطفاء مريم.
والملائكة هنا، كالملائكة في قصة زكريا، يجوز أن يكونوا جماعة، أو أن يكون المراد منهم الجنس الصادق بواحد. والمقصود به جبريل، لأنه هو الذي يبلغ رسالات الله إلى المصطفين من خلقه عادة.
والمعنى: واذكر يا محمد، من شواهد اصطفاه الله لأُولئك الكرام، وقت قول الملائكة: يا مريم، إن الله اختارك لخدمة بيته، ولم يكن يخدمه قبلك إلا الرجال. وطهرك من الأدناس: حسِّية كانت أو خُلُقية أو اعتقادية. واختارك على نساء العالمين، ليهب لك عيسى من غير أب، فكنت فريدة في ذلك بين نساء العالمين، لطهرك وفضلك!
وظاهر النص: يقتضي أن كلام الملائكة لها، كان مشافهة. ويجوز أن يكون إلهامًا.
43 -
{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} :
المعنى: وقالت الملائكة لمريم - بعد أن أخبروها بعلوِّ درجاتها وكمال قُرْبها إلى الله - يا مريم: دومي على طاعة ربك الذي رباك بنعمه، واخضعي له، وصَلِّي مع المصلين. وقد أمرها الله بذلك، حتى لا يحدث لها فتورٌ أو غفلة، بعد ما علمت مكانتها عند الله تعالى.
وإذا كان الله يذكِّر مريم بذلك - وهي من جلالة الشأن على ما وصف الله - فالأجدر بمن هم دونها: أن يعلموا أن الله تعالى لا يغفل عن حقوقه لديهم؛ ليشمروا عن ساعد الجد، حتى لا يفوتهم ركب النجاة.
44 -
{ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
…
} الآية.
المعنى: ذلك الذي تقدم من أخبار الغيب، ذات الوقائع الدقيقة المفصلة، نعلمك بها عن طريق الوحي. وقد سبقت عهدك بقرون عديدة: ما كنت تعلمها أنت ولا قومك. ولولاه لما وصل إلى علمك.
وصدق الله إذ يقول: "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ"(1).
كما أنه لم يُعرف عنك مجالسة أهل الكتاب حتى تعرفه منهم.
(1) العنكبوت: 48.
ثم أَعلمه الله بغيب آخر فقال:
(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ):
الأصل في الكفالة أن تكون للوالد، فلا يقوم غيره بها إلا عند فقده، أو عند الضيق، كما كفل النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا. وكفل العباس جعفرًا، عن أبي طالب والدهما، لكثرة عياله وشدة الحال عليه. وخصام بني إسرائيل على كفالة مريم، لا يكون إلا لواحد من هذين السببين.
وقد دلت الآية: على أن بني إسرائيل تنازعوا: أيهم يكفل مريم ويقوم بتربيتها؟ ودلت الأخبار: على أن القراء منهم تنافسوا - مع زوج خالتها زكريا - في كفالتها. فكان زكريا يريدها، لأن خالتها معه، ولأنه كان رئيس الأحبار. ويرى أنه أحق بها لذلك.
وكان كل واحد من القراء يريدها، لأنها ابنة عالمهم. فاقترحوا حلًّا لهذه المشكلة أن يقترعوا. وكانت وسيلتهم إلى القرعة أقلامهم، كما قال القرآن الكريم.
واختلف في هذه الأقلام فقيل: إنها الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل: هي سهام جعل منها سهم معين لمن يأخذه.
وطريقة الاقتراع لم يَرِدْ بها خبر صحيح. ولعلهم وضعوا الأقلام في كيس أو نحوه. فإن كانت أقلام الكتابة، كان إخراج أي قلم منها يدل على صاحبه، وعلى أنه هو الذي يكفل مريم. وإن كانت السهام، كان السهم المعين لمريم، إذا أخذه أي واحد منهم يكون هو الكفيل. وكانت هذه القرعة سبيلا إلى فوز زكريا عليه السلام بكفالتها.
وفي هذه الآية دليل على أن القرعة سبيل مشروع لتمييز الحقوق.
والاستهام (1) ورد في القرآن في موضعين: هذا الموضع، وقوله تعالى:"فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ"(2).
وكان صلى الله عليه وسلم "إذا أراد سَفرًا أقرع بين نسائه"(3) وقال صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يعْلَم النَّاس مَا فِي النِّداء والصَّفِّ الأَوَّل ثمَّ لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا"(4).
وإنباءُ القرآن بما وقع في كفالة مريم من نزاع وخصام، ولجوء المتنازعين إلى القرعة، دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك لا يُعلم إلا عن طريق الوحي.
(1) الاستهام: إجراء القرعة.
(2)
الصافات: 141.
(3)
رواه الشيخان.
(4)
رواه الشيخان.
ولذا، أشار الله إلى هذه المعجزة بقوله:
(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ):
أي ما كنت عندهم في الحالين، حتى تعلم أمرها. وإنما أعلمك الله بوحيه.
المفردات:
(يُبَشِّرُكِ): التبشير، الإخبار بالبشارة وهي الخبر السَّار. وأُطلق عليه ذلك، لظهور أثره على البشرة.
(وَجِيهًا): صاحب جاهٍ وشرفٍ.
(فِي الْمَهْدِ): المهد هنا، فراش الطفل الرضيع.
(وَكَهْلًا): الكهل، مَنْ وَخَطَهُ الشيب في جلال ووقار. وهو بين حالي الغلومة والشيخوخة. ومنه: اكتهلت الروضة إذا عمَّها النُّوَّار. وقيل: من جاوز ثلاثين إلى إحدى وخمسين سنة.
(وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ): المسّ هنا، كناية عن الجماع.
التفسير
45 -
هذه الآية - وما يليها من آيات - تحكي قصة عيسى بن مريم عليهما السلام. والمراد بالملائكة هنا: الجنس. والمقصود منه جبريل عليه السلام، على المشهور. والقول من الملائكة لمريم، كان مشافهة. كما رواه ابن أبي حاتم عن قتادة.
وإطلاق لفظ: (كلمة) على عيسى عليه السلام، لأنه لم يجر على نسق البشر. إذ خلق بغير أب .. متأثرا بقوله تعالى في شأنه:(كُن) كما قال تعالى: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ"(1). وبما أن (كُنْ) كلمة، فلذا سُمِّيَ:(كلمة).
والمسيح: لقب لعيسى عليه السلام. وهو من الألقاب ذات الشرف. كالفارق لعمر. وهو لقب عبري. ومعناه: القائم على عبادة الله. ومع كونه لقبا، فقد صرحت الآية بأنه اسم له. والألقاب إذا اشتهرت، صارت أسماء.
ووجاهته في الدنيا: شرفه وقدره العظيم، بقبول دعائه: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك، مما أكرمه الله به.
وقيل: وجاهته فيها: براءَته من العيوب التي افتراها عليه اليهود.
أما وجاهته في الآخرة: فهي بقبول شفاعته، وعلو درجته، وظهور كذب اليهود فيما افتروه عليه، وعقابهم على ما افتروه.
والمراد من كونه (مِنَ الْمُقَرَّبِينَ): أنه ممن علت مكانتهم عند الله تعالى وعند الناس.
وخلاصة المعنى: اذكر يا محمد، حين قالت الملائكة لمريم - يا مريم: إن الله يخبرك بخبر يسرك. هو: أنه سيمن عليك بغلاف اسمه المسيح عيسى بن مريم: ذا جاه وشرف في الدنيا، بما يظهره الله على يديه من المعجزات، وبما اتصف به من الصلاح والتقوى. وذا جاه في الآخرة: بقبول شفاعته، وظهور صدقه وعلو درجته. ومن المقربين إلى الله والناس، المحبوبين لديهم.
(1) آل عمران: 59.
وبما أن الولد عادة يُنسب إلى أبيه، فإضافة عيسى بالبنوة إلى أُمه، فيه إشعار لها - حين البشارة - بأنه سيكون بغير أب
…
قبل التصريح لها بذلك. وسيأتي بعد.
46 -
{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} :
وبشرتها الملائكة أيضا: بأن ولدها عيسى عليه السلام، سيكون ذا شأن عظيم، وذلك أنه يكلم الناس وهو طفل يلازم فراش الطفولة، مثلما يكلمهم وهو رجل ذو جلال ووقات. فكلامه في الحالتين، كلام رصين، مفيد نافع، ينفي الريب ويزيل الشكوك، ويحق الحق.
ومن كلامه في طفولته. أنه قال لقومه، حين أشارت أُمه إليه ليدافع عن عرضها:"إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نِبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا"(1). وذلك حين جاءَت به قومها تحمله، بعد أن وضعته فلما رأَوْا ذلك:"قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا"(2).
أما كلامه في كهولته، فهو كلام الوحي والرسالة.
وكما بَشَّرتها الملائكة بوجاهة ولدها في الدنيا والآخرة، وأنه سيكلم الناس في المهد وكهلا، بَشَّرتها أيضا: بأنه سيكون في عداد الكاملين في الصلاح والتقوى.
47 -
قالت السيدة مريم - متعجبة من تبشيرها بالولد وهي غير متزوجة - يا إلهي. مِنْ أين يكون لي ولد ولم يتصل بي بشر، والعادة جارية على خلاف ذلك؟ قال الله تعالى - بلسان الملائكة وتبليغهم، ردًّا على استغرابها - الله يفعل ما يشاءُ، ولو خالف القياس، بدون معاناة ولا صعوبة.
ولا يحتاج تحقيق المراد إلى قوله تعالى (كُنْ) بل يكفي أن يريده الله، فيتحقق في الحين الذي أراده سبحانه فيه. والأمر بكُن محمول - عند الأكثرين - على أنه تمثيل لتأثير قدرته تعالى في مراده: بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور به، من غير امتناع ولا توقف.
وأجاز بعضهم: أن يكون ذلك على الحقيقة، بأن يتعلق كلام الله النفسي: الذي هو بمعنى: كن، على ما أراد الله تكوينه، فيكون ويحدث.
(1) مريم: 30، 31.
(2)
مريم: 27، 28.
المفردات:
(الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ): الأكمه؛ من ولد أعمى. والأبرص: من بجلده بقع بيضاء تخالف لون سائره.
التفسير
48 -
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ} :
في جملة ما بشرت به الملائكة مريم، عن ولدها عيسى المنتظر: أن الله تعالى: يعلمه الكتاب. والمراد به: الكتابة بالقلم. كما قاله ابن عباس وابن جريج.
أو هو بعض الكتب الإلهية التي أنزلها الله على أنبيائه، سوى التوراة والإنجيل اللذين سيذكران بعد. وهذا رأي أبي علي الجبائي. والأول أظهر.
وكما يعلمه الكتاب، يعلمه الحكمة. وهي إصابة الحق في القول والعمل، ويعلمه التوراة التي أنزلها موسى من قبله، والإنجيل الذي سينزله الله عليه. وقد كان عليه السلام، يحفظ هذا وذاك.
وتعليمه ما تقدم: صالح لأن يكون موهبة إلهية، وأن يكون بمعلم.
روى أنه لما ترعرع أسلمته أُمه إلى المعلم. ولكن لا ندري ماذا علمه المعلم. ولعله علمه ما تضمنته الآية من الكتابة والتوراة. أما الإنجيل، فقد أنزله الله عليه.
49 -
{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ
…
} الآية.
أي: ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، يخبرهم: أني قد جئتكم ببرهان من ربكم على نبوتي. هو أني أُنشيء لكم من الطين تمثالا كهيئة الطيب وشكله، فأنفخ فيه فيكون بعد النفخ طيرا بأمر الله الذي جعل ذلك معجزة وبرهانا على أنه أرسلني إليكم. فإن مثل ذلك لا يقدر عليه البشر، لأنه مما اختص الله به، فإذا أمكن الله بعض عباده من ذلك، فذلك يعتبر تأييدا من الله له في دعوى الرسالة.
والتعبير بقوله: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) للإيذان بخصوص بعثته إليهم.
أما الرسالة العام، فهي لمحمد صلى الله عليه وسلم: لا يشركه فيها أحد سواه.
قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا
…
" (1).
وقد انقسمت بنو إسرائيل فيه إلى فرقتين: فرقة ترميه بأفحش ما رمت به أُمة نبيَّها، وهم الأكثرون من اليهود. وأُخرى تصدقه في مواعظه وإرشاداته. وتقول: إنه لم يخالف التوراة، بل قررها ودعا الناس إليها، وإنه من المستجيبين لموسى عليه السلام، ومن بني إسرائيل فرقة أخرى تسمي الأتقياء ينفون رسالته ونبوته، ويقولون: إن سائر اليهود ظلموه: حيث كذبوه أولا، ولم يعرفوا مدعاه. وقتلوه آخرا ولم يعرفوا مرماه ومغزاه.
وهذه الفرقة تسمى: العنانية. أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت.
ذكر ذلك الآلوسي ناقلا عن بعض المصادر المشهورة ولم يسمه.
(وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ):
وأشفي الأكمه الذي ولدته أُمه أعمى، فيصير بصيرا. وأشفي مَنْ بجلده برص. وهو بياض يخالف لون سائر الجلد. وهاتان العلتان أعجزتا الأطباءَ. ولهذا أراهم الله المعجزة على يد عيسى من جنس الطب. كما أرى قوم موسى المعجزة بالعصا واليد البيضاء، حيث كان
(1) سبأ: 28.
الغالب عليهم السحر. وأرى العرب معجزة القرآن. حيث كان الغالب عليهم في عصر الرسول: الفصاحة والبلاغة.
والاقتصار على هذين المرضين، لا ينفي قدرته على شفاء غيرهما بإذن الله. وكما كان يقدر على شفاء المرضى، كان يحي الموتى بإذن الله.
وفي كل هذه المعجزات كان يلجأ إلى الله ويدعوه، فيحقق الله دعاءَه. دون ممارسة الوسائل الطبية. (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ): وأُخبركم بما تأكلونه في بيوتكم ولم أُشاهده، وما تدخرونه للمستقبل من مال وطعام لا سبيل لي إلى علمه.
والمراد: الإخبار بهذين النوعين بخصوصهما. وقيل: المراد أنه يخبرهم بالمغيبات.
واقتصر على هذين الأمرين، لحضورهما لديهم. فلا يبقى لهم شبهة. ولا شك أن صدقه فيما أخبر به شاهد على صدقه في دعواه الرسالة إليهم.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ):
هذه الجملة من كلام عيسى حكاها الله تعالى، أو من كلام الله، سبقت للتوبيخ.
والمعنى: إن في ذلك لعلامة لكم على صحة رسالة عيسى، أو أن رسالة محمد الذي أخبر بما لم يعاصره، من غير معالجة أسباب توصله إلى علمه، كما يفعل المنجمون.
أما ما يفعله علماءُ الفلك، من الإخبار عن بعض المغيبات، فناشيء عن قوانين وضوابط، لولاها لما عرفوا ما أخبروا به .. فلا يقال: إنهم أخبروا بالمغيبات.
على أن ما يخبرون به لا يصل إلى درجة العلم المقابل للظن. بل أقصى ما يحصل به هو الظن الغالب -وقد يخطئون- وبينه وبين علم الغيب بَوْنٌ بعيد، بخلاف ما يخبر به المرسلون، فهو من باب العلم الذي لا شك فيه، لأنه إخبار عن الله تعالى. ولذا لا يقع فيه خطأ.
وأما التنبؤ في شئون التجارة والحروب والحظوظ ونحو ذلك، فهو إهدار لكرامة العقل، ومخالف للشرع.
ثم ختم الآية بقوله تعالى: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ):
أي: إن كنتم مريدين الإيمان أو موفقين إليه: فذلك الذي تقدم آية لكم تعينكم على تحقيقه.
50 -
{وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
…
} الآية.
أي: جئتكم بآية من ربكم، ومصدقا لما تقدمني من التوراة النازلة على موسى: مؤمنا بما جاءَ فيها، وأنها نازلة من عند الله تعالى. وجئتكم لأُحل لكم بعض الذي حُرِّم عليكم.
واختلف العلماءُ في المراد من قوله: (وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ):
فمنهم من قال: المراد منه: أن عيسى عليه السلام، أَحَلَّ لهم بعض ما حرم الله عليهم في التوراة، تخفيفا عليهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أنه قال: "كان الذي جاء به عيسى ألْيَسَ مما جاء به موسى عليه السلام".
ومنهم من قال: المراد منه: أنه أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا، فكشف لهم من ذلك ما كان مغطى .. لقوله تعالى:"وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ"(1).
(وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ):
وَحَّدَ الآية - مع أنها من آيات عديدة - لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته. وقد جاءت هذه الجملة في آخر كلامه - مع أنها جاءَت في أوله - لتكون كنتيجة لِسَرْد هذه المعجزات التي تقدمت؛ وليرتب عليها قوله لهم:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ):
وكأنه يقول لهم: وإذا كنت قد جئتكم بهذه الآيات والمعجزات، فاتقوا الله وخافوه، وأطيعون فيما آمركم به عنه سبحانه وتعالى. فإن ذلك يجب عليكم، عند ظهور الحق فيما أدعوكم إليه.
51 -
{إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} :
بعد أن أمرهم بتقوى الله وطاعته، علل ذلك بقوله:(إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ):
يعني ومن كان كذلك، وجب أن يُتَّقَى ويُطَاعَ رسولُه فيما كلفهم به من تكاليفه تعالى.
ورتب على ذلك: ما هو تفسير للتقوى والطاعة، وما هو فرع وأثر لربوبيته تعالى، فقال:(فَاعْبُدُوهُ):
أي: اجعلوا عبادتكم له وحده، لأنه ربكم دون سواه.
(1) الزخرف: 63.
وأرشدهم إلى استقامة هذا المنهج فقال:
(هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ): فإنه يجمع بين الاعتقاد السليم، والعمل القويم.
قال تعالى:
المفردات:
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ): أصل الإحساس، الإدراك بإحدى الحواس. ويستعار للعلم بلا شبهة. أي: فلما علم منهم المداومة على الكفر علما لا شبهة فيه.
(مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ): أي من أنصاري متجها إلى الله؟ وحاصل المعنى: من ينصرني حال كوني متجها إلى الله ملتجئا إليه؟ والأنصار: جمع نصير. وهو من يؤَيدك وينصرك.
(الْحَوَارِيُّونَ): جمع حواري. وهو الصَّفِيُّ والناصر. يقال: فلا حواريُّ فلان، أي خاصته من أصحابه وناصره.
التفسير
52 -
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ
…
} الآية.
بعد أن بين الله في الآيات السابقة، ما يؤَكد رسالة عيسى عليه السلام، ويدعو إلى تصديقه والإيمان بنبوته، عقَّبها بتلك الآيات التي أوضح فيها: كفر بني إسرائيل ومكرهم به، وإنجاء الله له من مكرهم، ووقوف أهل الحق معه، وسائر قَصصِه الحق الذي زيفه أهل الكتاب. فقال جل ثناؤُه:
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
…
) الآية.
والمعنى: فلما استيقن عيسى مداومتهم على الكفر، وعدم استجابتهم لدعوته، اتجه إلى من خلصت نيتهم من قومه، مخاطبا لهم بقوله: من ينصرني ويؤيدني وأنا متجه إلى الله داعيا لدينه، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يمنعه مانع؟ فاستجاب لندائه عليه السلام، صفوته وخاصته من قومه .. وقد حكى الله استجابتهم بقوله:
(قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ):
أي: قال المخلصون له من قومه: نحن أنصار دين الله: ننضم معك في نصرته، وفي تبليغ دعوته، وتوضيح رسالتك، لأننا آمنا بالله. ومن يؤمن به سبحانه، فعليه أن ينصر دينه. واشهد علينا يا رسول الله، بأننا منقادون لما يريده الله منا. ثم توجهوا إلى الله مؤكدين ما خطبوا به عيسى عليه السلام، فقالوا:
53 -
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} :
المعنى: أَكَّد الحواريون إيمانهم الذي أشهدوا عليه عيسى - متجهين به إلى ربهم - قائلين: ربنا آمنا بما أنزلته على جميع رسلك، واتبعنا الرسول عليه السلام، فاكتبنا عندك - ببركة هذا الإيمان - مع الشاهدين من جميع الأُمم: بصدق الأنبياء والمرسلين. ولا تجعلنا من المعاندين المكابرين، الذين ينكرون الحق مع وضوح دليله.
وعن ابن عباس معناه: واكتبنا مع أُمة محمد صلى الله عليه وسلم، الشاهدين للرسل بالتبليغ.
ثم حكى الله تدبير بني إسرائيل اغتيال عيسى وإحباط الله لكيدهم فقال:
54 -
{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} :
المعنى: قال ابن عباس في تفسيرها: لما أراد مَلِكُ بني إسرائيل قتل عيسى عليه السلام، دخل - أي عيسى - خوخة فيها كوة، فرفعه جبريل عليه السلام، من الكوة إلى السماء. فقال الملك لرجل خبيث منهم: ادخل عليه فاقتله. فدخل الخوخة، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت. فقتلوه وصلبوه، ظنا منهم أنه عيسى.
وقد جاء في إنجيل "برنابا" ما يصدق هذا المروي عن ابن عباس. وزاد على ذلك: أن هذا
الخبيث هو يهوذا. وكان من الحواريين المنافقين. وهو الذي دلَّهم على مكانه. وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة. وأوصاهم وقال: ليكفرن بي أحدكم. فذهب يهوذا إلى ملك اليهود وأخبره بمكانه، ومكان حوارييه. فلما توجه إليه الملك برجاله ودخلوا عليه البيت، لم يجدوه، فقد رفعه الله إليه. وألقى شبه عيسى على يهوذا. فأمر الملك بقتله.
فقال له: أنا يهوذا. فقال الملك: إن كنت يهوذا فأين عيسى؟ فقال يهوذا: إن كنت عيسى فأين يهوذا؟ فلم يعبأ الملك بهذه المعارضة، وصلبه لشبهه بعيسى.
ومن العجيب أن النصارى لا يعترفون بهذا الإنجيل، مع أنه وجد بمكتبه باب روما، وترجم إلى اللغة الإيطالية، ثم إلى الإنجليزية، وغيرها من لغات العالم. ولم يوجد بالعربية إلا بعد ترجمته من الإنجليزية أخيرا!!
بل من الأعجب أن النصارى لا يعترفون بهذا الإنجيل لمجرد مخالفته لا هو عليه من الأناجيل الأُخرى .. وليس ما عندهم من تلك الأناجيل ما هو أولى بالتصديق منه، لأنها ليس فيها ما يرجحها عليه، بل إن العكس هو الصحيح.
هذا هو مكر بني إسرائيل بعيسى، وإكرام الله له بإنجائه من مكرهم، وعقابه المنافق بقتله، بعد إلقاء شبه عيسى عليه!!
والمكر لغة: هو تدبير خفي، يقصد به إضرار لمن يُمكر به، ولا يطلق على الله إلا بأسلوب المشاكلة المعروف في علم المعاني. وهو التعبير عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.
وقد أُطلق هنا على إنجاء الله لعيسى. وانتقامه من المنافق، لوقوعه في صحبة مكرهم. هكذا قالت طائفة من العلماء.
وقال غير واحد: المكر هو التدبير المحكم. وهو ليس بممتنع على الله تعالى؛ وفي الحديث الشريف: "رَبِّ أَعِنَّي ولَا تُعِنْ عَلَيَّ
…
وامكُرْ لي ولا تمكر علي (1) ".
ثم ختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ):
أي أقواهم، وأشدهم مكرا. أو أنه أحسنهم مكرا، لبعد تدبيره عن الظلم.
(1) من حديث رواه: أحمد، والحاكم، والترمذي، وغيرهم.
ثم فصل هذا التدبير المحكم بقوله:
المفردات:
(مُتَوَفِّيكَ): أي مستوفيك وآخذك إليَّ. مأخوذ من قولهم: توفيت ديني على فلان. أي استوفيته وأخذته. ويعتبر قوله عقبه (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ): تفسيرا له.
(وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي مطهرك منهم بإبعادك عنهم بالرفع، فقد دنَّسهم الكفر.
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ): بتصديق ما جئت به. ومنه: أنه يأتي من بعدك نبي اسمه أحمد: يجب الإيمان به.
(فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا): بذلك.
(إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): ومن لم يؤمن منهم بمحمد. فقد كفر بعيسى. فتسلب منه هذه الأفضلية.
(مِنَ الْآيَاتِ): من الحجج الدالة على صدقك.
(وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ): والقرآن المحكم المتقن. أو المنصف بالحكمة.
التفسير
55 -
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
} الآية.
اختلف المفسرون في المراد من التوفي هنا.
فمن العلماء من قال: إنه على حقيقته المعروفة. وإنه مرتبط بالآية السابقة.
والمعنى: ومكر اليهود بعيسى يريدون قتله. ومكر الله فأحبط تدبيرهم. والله خَيْرُ الحاكمين. فقد قال الله لعيسى: إني متوفيك حين يأتي أجلك. ولن أسلطهم عليك ليقتلوك. وقد حقق الله وعده إذ ألقى شبهه على يهوذا فقتلوه، وأنجى عيسى ورفعه إليه. وسيبقى إلى آخر الزمان ليبلغ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم للناس. ثم يتوفاه بعد ذلك. كما ورد في السنة الصحيحة على ما سنبينه.
فالآية على هذا كناية عن عصمته من الأعداء، مشفوعة بالبشارة برفعته.
وقال آخرون: معناه: إني مستوفيك، أي آخذك من الأرض. مأخوذ من قول العرب: توفيت ما لي على فلان، أي أخذته. وعلى هذا يكون قوله:(وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) تفسيرا للتَّوفي.
ونقل الحافظ ابن كثير، عن ابن عباس (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي مميتك.
ولكن هذا النقل معارض بما سنذكره من الأحاديث الدالة على بقائه إلى آخر الزمان، وبقوله تعالى:"وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ"(1). وهذا الوعد لم يتحقق إلى الآن، فإن اليهود - وأكثر الناس - لم يؤمنوا به. وذلك يدل على أنه لا يزال حيًا. وسيظل كذلك. حتى يؤمن به جميع الناس قبل موته، تحقيقًا لوعد الله تعالى. وسيكون ذلك آخر الزمان.
كما أنه معارض بما صح نقله عن ابن عباس من أنه رفع من غير وفاة.
وعلى هذا يكون قوله تعالى: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) مرادا منه: رافعك حيًّا بدون وفاة ..
(1) النساء: 159.
ويشهد له - ولنزوله آخر الزمان - ما رواه الإمام مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَاللهِ، لينزلنّ ابن مريم حكما عادلا فليكسرَنَّ الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولَتُترَكَنَّ القلاص (1)، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناءُ والتباغض والتحاسد، ولَيُدْعَوُنَّ إلى المال فلا يقبله أحد".
ولا ينزل عيسى بشرع جديد ينسخ شريعتنا، بل ينزل مجددا لما درس منها، ومتَّبعا لها، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كيف أنتم إذا أُنزل فيكم ابن مريم وإمامُكم منكم"!
وبما أنه سينزل آخر الزمان، فلابد أنه يبقى حيا إلى حين ينزل ويبلغ شرع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لو مات قبل ذلك، لكان نزوله هذا بعثا له في الدنيا. ولا بعث إلا في الآخرة. كما دل عليه الكتاب والسنة.
والمراد من قوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أنه تعالى، يبعده عنهم بالرفع، حتى لا يبقى بين من دنسوا أنفسهم بالكفر، تنزيها له عن دنسهم. أو أنه يُبْعِد أَيديَهُم عنه، فلا تمسه بأذى .. فهم أنجاس لكفرهم.
ويصح أن يكون هذا وعدا من الله له، بأنه - في آخر الزمان - يزيل من طريقه الكافرين، فلا يستطيعون صده عن الهدى كما كانوا يفعلون قبل رفعه.
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ):
لا يقال للأُمة: إنها اتبعت رسولها إلا إذا كانت تنفذ ما جاءَ به: اعتقادا وقولا وعملا.
والنصارى - بعد أن رفع الله عيسى - انقسموا فرقا وشيعا: فمنهم من آمن به، على أنه عبد الله ورسوله وابن أَمَتِهِ. ومنهم من غلا فيه فيجعله ابن الله. ومنهم من قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة.
(1) القلاص جمع قلوص. وهي الناقة الشابة.
وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورد على من عدا الفرقة الأُولى، التي تعتبر متبعة لرسولها، في تنزيه الله عن الصاحبة والولد والشريك.
وهذه هي العقيدة السليمة التي جاءَ بها المرسلون جميعا.
وكل من دان بها، فهو تابع لرسوله. كما هو تابع لجميع المرسلين وأصحابهم هم المؤمنون. ومن عداهم فهم كافرون.
وقد وعد الله - في هذه الآية - أنه جاعل من اتبع عيسى عليه السلام، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، أي أنهم يكونون أعلى منهم.
والعلو المقصود من الآية: يحتمل أن يكون علوًّا في الدرجة والمنزلة عنده تعالى. فالمتبعون له - في حكم الله وقضائه - في أعلى الدرجات إلى يوم القيامة. ولا مكانة ولا منزلة عنده - جلَّ وعلا - لِمَنْ لم يتبع عيسى: بأن كفر به، أو آمن به ولكنه جعله إلها أو ابن الله. تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
ويحتمل أن يكون العلو بمعنى الغلبة والقهر. وذلك إما بالحجة والبرهان - ولا شك أن أهل الحق منهم، أقوى حجة على أهل الباطل منهم ومن غيرهم، كاليهود والمشركين - وإما بالقتل والأسر. وقد حدث ذلك بعد رفع عيسى.
وفي ذلك يقول الله تعالى: "قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ"(1). ولعله حدث في أوقات أُخرى مثل ذلك.
وقد انقرض المؤمنون المتبعون لما جاءَ به عيسى عليه السلام. وأصبح جميع النصارى قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يؤَلهون عيسى. ويقولون: هو ابن الله. أو هو الله. أو هو ثالث ثلاثة.
وعلى أي حال كانت عقيدة النصارى في عيسى، فإنهم - منذ البعثة المحمدية - لا يعتبرون متبعين لعيسى عليه السلام، إن كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
(1) آخر سورة الصف.
فقد بشر به عيسى، وأوجب عليهم تصديقه. فإذا زال عنهم وصف اتباعهم لعيسى عليه السلام بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو عدم دخولهم في الإسلام - فقد زال استحقاقهم لوعد الله، بأن يجعل من يتبع عيسى، فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة لسببين:
أحدهما: كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبدينه.
وثانيهما: عقيدتهم الباطلة في عيسى.
وكلا السببين: مخرج لهم عن اتباعهم لعيسى عليه السلام، مستوجب لحرمانهم من وعد الله أن يكون متبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. فإنهم -بما جَنَوْا- أصبحوا كافرين.
فانتقل وعد الله لعيسى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) من النصارى إلى المحمديين، الذين هم - باتباعهم محمدًا عليه الصلاة والسلام يعتبرون متبعين لعيسى أيضًا: فيما جاءَ به من التوحيد وأُمهات الشرائع والأحكام، التي يشترك فيها جميع المرسلين.
ولهذا، ترى المسلمين ظهروا على من عداهم: - بالحجة التي لا ترد، والبرهان الذي لا يقهر. كما تراهم ظهروا عليهم، في الجهاد والاستيلاء على الأقطار والبلاد - فقد فتحوا بلاد كسرى وقيصر. وتجاوزوها إلى الصين والهند شرقا، وإلى غرب أُوروبا وشمال إفريقيا وجنوبها. ولا تجد قارة من القارات، ولا قطر من الأقطار، إلا وفيه الكثير من المسلمين. ولا يزال أمر هذا الدين مستقيما حتى تقوم الساعة كما قال صلى الله عليه وسلم (1) - وصدق الله في وعده إذ يقول:"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا"(2).
(ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ):
المعنى: ثم إلى حُكْمِي وقضائي: مَرجِعُكم ومصيركم، أيها المختلفون في أمر عيسى عليه السلام، فأقضى بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أَمره وأمر دينه.
ثم فصل قضاءَه فيهم فقال:
(1) مأخوذ من الحديث الشريف "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" رواه الحاكم.
(2)
النور: 55.
56 -
المعنى: فأَما الذين كفروا بأن جحدوا نبوته وجعلوه إلها، أو ابنا له تعالى، فيعذبهم الله عذابًا شديدًا: في الدنيا بالقتل والأسر، حتى يخضعوا أو يعطوا الجزية، في مقابل رعايتهم والدفاع عنهم. وفي الآخرة حيث يخلدون في النار، وما لهم من ناصرين يدفعون عنهم عذاب الله.
57 -
المعنى: وأما الذين صدقوا بنبوتك يا عيسى، وصدقوا بجميع الرسالات، وعملوا الصالحات: في دينهم ودنياهم - فيعطيهم أُجورهم وافية وافرة. والله لا يحب الظالمين بالكفر والمعاصي، ولا يرضى عنهم بل يبغضهم ولا يرحمهم. فلذلك يعاقبهم في الدنيا والآخرة.
58 -
{ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} :
المعنى: هذا الذي نتلوه عليك يا محمد، من أمر عيسى مع قومه، هو من البراهين الشاهدة بنبوتك. فإن ذلك مما لا يعلمه سوى أهل الكتاب - وأنت أُمي ولا صحبة لك مع أهل الإنجيل حتى تعلمه منهم - فلم يبق إلا أنك عرفته من الوحي.
وكما أنه من الآيات، فهو من القرآن الحكيم. أي المحكم المتقن المصون من الباطل. أو صاحب الحكمة وهي إصابة الحق.
والتعبير بالمضارع (نَتْلُوهُ) بدل الماضي - تلوناه - استحضار للصورة التي حصلت؛ للاعتناء بها.
ويمكن حمل المضارع على ظاهره - وهو الحال - لأن قصة عيسى لم يفرغ منها بعد.
المفردات:
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ): المثل هنا؛ بمعنى الحال والصفة العجيبة.
(كُن فَيَكُونُ): أي صِرْ بَشَرًا، فصار بشرا. والتعبير بالمضارع (فَيَكُونُ) بدل الماضي - فكان - لتصويره بصورة الحاضر المشاهد، إيذانًا بغرابته.
(فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ): من الشاكِّين. أو من المجادلين في شأنه بعد وضوح الحق. والخطاب لكل مكلف.
(حَاجَّكَ): أي جادلك.
(ثُمَّ نَبْتَهِلْ): أي ثم ندع الله: مضارع. من الابتهال وهو الدعاءُ.
(وَمَا مِنْ إِلَهٍ): ما: نافية. ومن: لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية. وهي كلمة (إِلَهٍ) قاله الشهاب.
التفسير
59 -
سبب النزول:
نزلت هذه الآية على الرسول صلى الله عليه وسلم عند حضور وفد نجران.
وكان من جملة شبههم: أن قالوا: يا محمد لَمَّا سلمت أنه لا أب له من البشر، وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى. فقال:"إن آدم ما كان له أب ولا أُم .. ولم يلزمه أن يكون ابنا لله تعالى، فكذا القول في عيسى" عليه السلام.
تلك خلاصة ما دار بين وفد نجران، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم من الحوار في دعواهم أن عيسى ابن الله.
والمعنى: إِن حَال عيسى - وصفته العجيبة في خلقه دون أب - كحال آدم أبي البشر، عليه السلام، أراد الله خلقه من تراب، ثم قال له - عند تعلق إرادته تعالى بتنفيذ خلقه - صرْ وكن بأمري بشرًا سويًّا: ذا لحم ودم، وعظام وأعصاب، وعقل وإرادة .. فصار بشرًا، كما أراده الله.
وتم بذلك خلقه من تراب دون أب أو أُم، فكان بذلك أعجب من خلق عيسى من أُم دون أب!! وإذا كنتم أيها النصارى، لا تقولون بأُلوهية آدم، ولا ببنوته لله - مع أن خلقه عجب من خلق عيسى - فكيف تقولون بألوهية عيسى، أو بُنُوته لله، وهو دون آدم في غرابة خلقه!!
والآية دليل على صحة القياس، وشرعية النظر والاستدلال.
فقد احتج الله على فساد ادعائهم الأُلوهية لعيسى محتجين بأنه ولد بغير أب .. احتج عليهم بخلق آدم بلا أب ولا أُم. فحيث لم يقولوا بأُلوهية من هو أعجب منه خلقا، وجب القول بعدم أُلوهية عيسى من باب أولى.
ولما كان هذا الاحتجاج واضح الدلالة على بطلان زعم النصارى في عيسان أتبعه قوله:
60 -
{الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ} :
لما كان الامتراءُ - هنا - بمعنى الشك، فلذا لا يصح أن يكون الخطاب في الآية للرسول، بل لمن يجادله في شأن عيسى، ولكل من يخالجه شك في أمره عليه السلام.
والمعنى: الحق في شأن عيسى، نازل من ربك أيها المجادل في شأنه. فلا تكونن من الشاكين في أمره، بعدما أسفر الصبح - لذي عينين - بهذه الحجة القاطعة لكل ريب.
ويصح أن يكون الامتراءُ بمعنى المجادلة بالباطل. أي فلا تكونن بعد هذا الحق النازل من ربك، من المجادلين المحاجين فيه بالباطل. والخطاب فيه - كسابقه، لغير الرسول، فإن الرسول لا يجادل بالباطل.
61 -
أما الخطاب هنا، فللرسول صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: فمن جادلك في شأن عيسى - من بعد ما جاءَك من أدلة العلم - بأنه بشر لا يستحق الأُلوهية، كما هو شأن آدم الذي هو أعجب منه خلقًا، فاترك مجادلتهم فهم مقلدون معاندون: معرضون عن الحق بعد وضوحه. وأفحمهم فقل لهم: تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءَكم، ونساءَنا ونساءَكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم يَبْتَهل كل منا إلى الله تعالى ويدعوه، أن يجعل لعنته على الكاذبين منا.
وقد حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أخبر وفد نجران بها، ودعاهم إلى الغدو في اليوم التالي، ومعهم نساؤُهم وأبناؤُهم. وحضر الرسول في الموعد، ومعه الحسن والحسين، وفاطمة وعلي، فلم يجدهم. فقد تشاوروا فيما بينهم، فقالوا للعاقب وكان صاحب رأيهم: يا عبد المسيح، ماذا ترى؟ فقال: والله، يا معشر النصارى، لقد عرفتم: أن محمدًا لنبي مرسل. ولقد جاءَكم بالفصل من خبر صاحبكم. ولقد علمتم أنه ما لاعَنَ قوم نبيا قط فبقى كبيرهم، ولا نبت صغيرهم. وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم. فإن كنتم أبيتم إلا إِلْفَ دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك ونتركك على دينك، وأن نرجع على ديننا. ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا:
يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا. فإنكم عندنا رضا. فأمر أبا عبيدة أن يخرج معهم، ويقضي بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه - أفاده القرطبي.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن الضحاك وابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على الجزية، ومقدارها ألف حلة في صَفَر، ومثلها في رجب، ودَرَاهم. وذلك بعد أن أشار عليهم يهود المدينة بالصلح وعدم الملاعنة وقالوا لهم: هو النبي الذي نجده في التوراة.
قد يقول قائل: إن الجزية فرضت بعد فتح مكة. ووفد نجران جاء قبلها. فكيف يقال: إن الرسول صالحهم على الجزية؟ والجواب: أن ذلك من باب المصالحة على ترك المباهلة. وجاء فرض الجزية - بعد ذلك - على وفق ما صنعه رسول الله.
وقد أُجيب بأجوبة أخرى، فارجع إليها - إن شئت - في تفسير ابن كثير.
وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد: صاحبا نجران، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه (1). قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل. فو الله، إن كان نبيا فلاعناه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إن نعطيك ما سأَلْتنا وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال:"لأبعثن معكم رجلا أمينا حَقَّ أمينٍ. فاستَشْرَفَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أمين هذه الأُمة".
62 -
المعنى: إن هذا الذي قصصناه عليك - يا محمد - في شأن عيسى، لهو القصص المطابق للواقع: الذي لا يصح العدول عنه إلى ما عليه النصارى في شأنه: من أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
(وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ): فلا شريك له في ملكه، بأي وجه من الوجوه. ولا معبود بحق سواه.
(وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ): أي الغالب الذي يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ. أو العزيز بمعنى: من لا نظير له.
(الْحَكِيمُ): المتقن لما يصنعه وما يدبره.
63 -
{فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} :
(1) أي يستجيبا إلى طلبه عليه السلام ملاعنتهم.
فإن أعرض هؤُلاء النصارى عن الاعتراف بالحق في شأن عيسى، وعن اتباعك في دينك - بعد ما تبين لهم الحق - فإن الله عليم بهؤلاء المفسدين، فيعاقبهم على إفسادهم لعقائدهم وعقائد غيرهم. وأظهر في مكان الإضمار، فلم يقل: عليم بهم. بل قال: (عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) لإظهار فسادهم واستحقاقهم للعقوبة.
وفي هذا تهديد بليغ لهم.
المفردات:
(تَعَالَوْا): أَقبِلوا.
(إِلَى كَلِمَةٍ): إلى العمل بكلمة. والمراد بها هنا: الكلام الآتي بيانه في الآية الكريمة.
(سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ): مستوية عادلة نعمل بها جميعا، ولا نختلف فيها.
(وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ): أي لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وأهمها الشرك .. فإن طاعتهم في ذلك كاتخاذهم أربابا. وهذه الجملة بالنسبة لما قبلها تعميم بعد تخصيص. وسيأتي بيان ذلك في المعنى.
التفسير
64 -
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا
…
} الآية.
نزلت هذه الآية في وفد نجران كما قاله: الحسن، والسدي وغيرهما.
وقال الجبائي: نزلت في اليهود والنصارى. ورجحه بعض المحققين، لعموم الخطاب لهما. وإن كان السياق مع الرأي الأول.
والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب: أقبلوا إلى منهج موحد في العبادة: يستوي فيه المسلمون والنصارى واليهود. تسلكه جميعا. ولا نعدل عنه إلى سواه.
وهذا المنهج هو: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) لا صنما ولا كوكبا ولا نارا ولا ملائكة ولا غير ذلك. (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ): فلا يتخذ اليهود عزيرا ابنًا لله. ولا يتخذ النصارى المسيح ابنًا لله. ولا يقولوا: إنه ثالث ثلاثة، لتستووا بذلك مع المسلمين الذين لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، فإن هذا المنهج التوحيدي - كما دعا إليه القرآن - دعت إليه التوراة والإنجيل قبل تبديلهما. ولا تزال فيهما نصوص كثيرة تدعو إلى التوحيد: تركتموها وعملتم بنصوص أُخرى: اصطنعتموها، أَوْ أَسأَتم تَأويلها.
وكما دعت إلى التوحيد هذه الكتب الثلاثة - دعا إليه جميع الرسل. قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ"(1) فهو مبدأ مشترك بين جميع الأديان: قامت عليه الأدلة العقلية، إلى جانب الأدلة النقلية.
ومن اتخاذ البشر أربابًا: أن يأخذ تابعوهم بآراء متبوعيهم في تحليل أو تحريم، دون استناد إلى نص إلهي.
أخرج الترمذي - وحسنه - من حديث عدي بن حاتم: أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"أما كانوا يحللِّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم". قال: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: "هو ذاك".
وإلى هذا المعنى، أشار قوله تعالى:"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ"(2).
وقد جاء في أسفار العهد القديم: نصوص عديدة .. ناطقة بتوحيد الله وتنزيهه عن الشريك (3).
(1) الأنبياء: 25.
(2)
التوبة: 31.
(3)
راجع سفر الخروج فقرة (6) وفقرة (16) وفقرة (9) من سفر أشعيا.
ثم قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ):
أي فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه: من توحيد الله، وعدم إشراك غيره معه في العبادة - مع أن ذلك أمر مجمع عليه في جميع الرسالات - فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة، ولكنهم أبَوا الحقَّ عنادًا، فقولوا لهم: أنصفونا واشهدوا معترفين لنا بأننا مسلمون مخلصون لربنا.
وفي هذا الطلب، تعريض لهم بأنهم لا إسلام لهم - أي لا إخلاص منهم لربهم - حين اعتقدوا في عيسى وعزير ما اعتقدوه فيهما. كما أنه يؤذن بأن من قاله واثق بعقيدته في ربه، مطمئن إلى الأدلة التي أيقن بها.
المفردات:
(لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ): أي لِمَ تجادلون فيه؟ فيقول كل منكم: إنه كان على دينه.
(حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ): كأمر موسى وعيسى عليهما السلام.
(فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ): هو أمر إبراهيم عليه السلام.
(حَنِيفًا): مائلا عن الأديان الزائفة، من الحنف. وهو الميل.
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ): إن أحق الناس بالانتساب إليه، هم الذين اتبعوه في شريعته، ممن أُرسل إليهم.
(وَهَذَا النَّبِيُّ): محمد، لأن دينه التوحيد، كدين إبراهيم عليهما السلام.
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ): مجتبيهم ومحب لهم، فلهذا ينصرهم ويحسن جزاءَهم.
التفسير
65 -
سبب النزول:
روى عن ابن عباس أنه قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار اليهود، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده. فقال الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا. فأنزل الله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ
…
) الآية. ذكره ابن كثير.
والمعنى: يا أهل الكتاب لما تُجادلون في إبراهيم، فينسبه كل منكم إلى دينه، والحال أنه ما أُنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده بأَزمان بعيدة؟ فكيف يكون يهوديًا على شريعة موسى، أو نصرانيا على شريعة عيسى وهو سابق عليهما؟! كما أن كلتا الديانتين دخلهما التبديل، وزال ما بهما من العقائد السليمة والأحكام الصحيحة. فلا يشبهان ما كان عليه إبراهيم عليه السلام، من التوحيد والأحكام الشرعية الإلهية السليمة من التبديل. فكيف تقولون: إنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ أتحاجون في ذلك؟ فهل تتعقلون؟
فإن قيل: لماذا ينكر الله على اليهود والنصارى ما قالوا؟ ويدلل على جهلهم وعدم تعقلهم، بتقدم زمان إبراهيم على كتابيهم - مع أن القرآن قال مثل ما قالوا في حقه:"وَلكِن كَانِ حَنِيفًا مُّسْلِمًا" كما سيأتي - فكيف يكون مسلما وهو سابق على الإسلام؟ ولماذا صح هذا عن إبراهيم بالنسبة إلى الإسلام، ولم يصح عنه بالنسبة إلى اليهودية أو النصرانية؟
فالجواب: أن المراد من كونه مسلما: أن دينه يتفق مع الإسلام: في الخضوع والاستسلام لله وحده دون شريك، وفي تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد. كما أنه يتفق معه في سائر أُصول العقائد والأحكام. كشأن جميع الأديان السماوية.
أما ما عليه اليهود والنصارى، فمخالف للأديان السماوية، حيث بدَّلوا التوراة والإنجيل، وحرَّفوهما عن أصليهما النازلين من عند الله، تحريفا يتصل بالنص وبالتأويل.
فإذا نفى القرآن عن إبراهيم: أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا بقوله: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا" فمعناه: أنه لم يكن على ما جاءَ فيهما من العقائد الخاطئة: كالبنوة لله والتثليث، وكذلك الأحكام المحرفة التي لا يمكن أن تكون شرعًا لله في أي زمان.
وإذا أثبت له أنه كان حنيفا مسلما بقوله: "وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا" فمعناه: أنه كان مائلا عن الأديان الباطلة - ومنها ما عليه اليهود والنصارى - ومنصرفا إلى الحق الذي جاء به الإسلام، فإنه هو الدين السماوي النظيف من تحريف البشر: المشتمل على المعارف والأحكام الإلهية الرئيسية: التي اشتركت فيها جميع الأديان السماوية، وإن اختلفت في كيفية تلك الأحكام المشتركة وطريقة أدائها.
66 -
المعنى: ها أنتم هؤُلاء حاججتم فيما لكم به علم من أمر موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام. فعندكم التوراة والإنجيل تعرفوا منهما أمرهم، وإن كنتم غيرتم فيهما وبدلتم. فلماذا تحاجون في أمر دين إبراهيمن وأنتم لا علم لكم بتفاصيله ولا بما جاء في صحفه؟
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ): فلهذا جهلكم ورماكم بأنكم لا تعقلون.
67 -
المعنى: ما كان إبراهيم يهوديا كما ادعى اليهود، ولا نصرانيا كما ادعى النصارى. ولكن كان حنيفًا: أي مائلا عن الأديان الباطلة. مسلما: أي على طريقة الإسلام من التوحيد
وتنزيه عما لا يليق، والمحافظة على أحكام الله دون تبديل. فلم يقل: إن الله اتخذ له ولدا كما قالوا. ولم يقل: إن له شريكا في الأُلوهية والعبادة كما زعموا.
68 -
سبب النزول:
روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رؤَساءُ اليهود: والله يا محمد، لقد أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وإنه كان يهوديا. وما بك إلا الحسد. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والمعنى: إن أحق الناس بإبراهيم وأولاهم بالانتماء إلى دينه، هم هؤُلاء الذين اتبعوه من أُمته التي بعث إليها، وهذا النبي محمد والمؤمنون معه من أُمته، فإن دينهم الإسلام، وهو يقوم على توحيد الله وتنزيهه عن الصاحبة والولد، ودين إبراهيم كذلك، أما أنتم، فقد جعلتم عزيرا ابن الله، وجعلتم الله مجسما يمكن النظر إليه، وغيرتم في دينكم، وحرفتم في كتابكم، وكذبتم على أنبيائكم، ونسبتم إليهم الموبقات. فكيف تقولون: إنكم أَوْلى منا؟
ثم ختم الآية بقوله:
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ): أي ناصرهم ومجازيهم أحسن الجزاء.
المفردات:
(وَدَّتْ): أحبت.
(لَوْ يُضِلُّونَكُمْ): لو، بمعنى: أن. أي أن يضلوكم.
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ): الإضلال هنا بمعنى: الإهلاك مجازا. فالمعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم بتمني إضلالكم. أو بمعنى: الإخراج عن الهدى. فالمعنى: وما تعود عاقبة الإضلال إلا على أنفسهم. أو بمعنى: الخداع. فهم يخدعونكم، وما يخدعون إلا أنفسهم في الحقيقة.
(وَمَا يَشْعُرُونَ): وما يفطنون لذلك.
(وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ): أي وأنتم تعلمون ما يدل على صحتها من التوراة والإنجيل.
(لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ): أي لماذا تسترونه أو تخلطونه به؟
التفسير
69 -
سبب النزول:
دعا اليهود حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهودية. فنزلت الآية.
وقيل: نزلت في اليهود وفي النصارى، وعلى كل، فهي لبيان إضلالهم لغيرهم، إثر بيان ضلالهم في أنفسهم، والإضلال هنا: بمعنى الرد إلى الكفر. كما قاله ابن عباس. أو الإهلاك: كما قاله ابن جرير الطبري.
والمعنى: أحبت جماعة من أهل الكتاب أن يوقعوكم في الضلال والكفر الذي تَرَدَّوْا فيه - بعد أن من الله عليكم بالهدى، وشرفكم بالإسلام - وما تعود عاقبة الإضلال لغيرهم ووباله إلا على أنفسهم، وما يفطنون لذلك، لما اعترى قلوبهم من الغشاوة وزعمهم أنهم على الحق.
ويجوز أن يكون المعنى: أحبت طائفة من أهل الكتاب أن يهلكوهم: بالتكفير والإخراج عن الإيمان، وما يهلكون إلا أنفسهم بما يفعلون. وما يفطنون لذلك، لزعمهم أنهم على الحق.
وحاصل المعنى في كليهما: أن محاولتهم إضلال المؤمنين غير مجدية. فقد عصمهم الله بقوة الإيمان. فلا فائدة تُرجى مما يفعلون. بل الأمر بالعكس. فإن ما أرادوه سينقلب وباله عليهم وهم لا يفطنون لذلك.
70 -
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} :
المعنى: يا أهل الكتاب، لماذا تكفرون بآيات القرآن النازل من عند الله وأنتم تعلمون - التوراة والإنجيل - ما يدل على صحتها، ووجوب الاعتراف بها؟ أو: لماذا تكفرون بآيات التوراة والإنجيل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم تعلمون صدقها عليه، وموافقة أوصافه لما جاء فيها؟ أو: لماذا تكفرون بآيات الله الشاهدة بوحدانيته، وأنتم تعلمون ذلك بلا شبهة، فإنكم تشاهدون دلالتها على ذلك في كل حين؟ فكيف جعلتم له ولدا وهو غني عن الولد؟ وكيف قلتم إنه ثالث ثلاثة؟!
71 -
المعنى: يا أهل الكتاب، لماذا تسترون الحق بالباطل أو تخلطونه به، وذلك بتحريفكم آيات التوراة والإنجيل وسوءِ تأويلكم لها؟ ولماذا تكتمون الحق في شأن محمد وبشاراته الموجودة في كتبكم، وأنتم تعلمون أنه حق، وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى؟
المفردات:
(وَجْهَ النَّهَارِ): أوله سمى وجها، لأنه أول ما يواجهك منه.
(أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ): أي كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم.
(أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ): أي يحاجوكم به عند كتاب ربكم: بالتحاكم إليه.
التفسير
72 -
سبب النزول:
قال الحسن والسدي: تواطأَ اثنا عشر رجلا: من أحبار يهود خيبر وقرى عُرَيْنَة.
وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار - باللسان دون الاعتقاد - واكفروا آخره، وقولوا: إننا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءَنا فوجدنا محمدًا ليس بذاك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه. فإذا فعلتم ذلك، شك أصحابه في دينهم. وقالوا: إنهم أهل كتاب. وهم أعلم به. فيرجعون عن دينهم إلى دينكم
…
انتهى.
دبر اليهود هذه المكيدة: التي حكاها سبب النزول، على عادتهم في تدبير الكيد لمن عداهم. وأنت ترى أنها مكيدة خبيثة. ولكن الله يحفظ منها أولياءَه فإنه سبحانه: "
…
لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ" (1) "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (2) فقد فضحهم المولى تبارك وتعالى. فأنزل هذه الآية تنبيها لرسوله وللمؤمنين. وحفظ الله الإسلام من هذه المكيدة الشنعاء: "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (3).
والمعنى: وقالت طائفة من أهل الكتاب - وهم أحبار اليهود - لآخرين من قومهم: آمِنُوا ظاهرا بالقرآن الذي أُنزل على المؤمنين أول النهار، واكفروا آخره .. لعل هؤلاء
(1) يوسف: 52.
(2)
آل عمران: 54.
(3)
التوبة: 32.
المؤمنين يرجعون عن دينهم، حين يرونكم - وأنتم أهل الكتاب - بعد أن خالطتم المؤمنين - كفرتم به، ودرستهم دينهم - وإنما قالوا:(آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) مع أنهم لا يعترفون بأنه أُنزل عليهم من كل شيءٌ - من باب المجاراة لما يقوله المؤمنون.
73 -
أشارت الآية السابقة، إلى أن رؤَساء اليهود، قالوا لأتباعهم: أظهرو الإيمان أول النهار بما أُنزل على المسلمين، واكفروا آخره، ليرجعوا عن دينهم إذا رأوكم - وأنتم أهل الكتاب - رجعتم عنه وكفرتم به. وإتماما لهذه المؤَامرة الشيطانية: أوصوا هؤُلاء الأتباع ألا يطلعوا المسلمين على شيء من أسرار كتابهم: كالبشارة بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام وأماراته .. فقالوا لهم:
(وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ):
من معاني الإيمان في اللغة: الثقة والطمأنينة. وهو المراد من قولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ):
والمعنى: ولا تثقوا إلا بأبناء ملتكم من اليهود. ولا تطمئنوا إلا إليهم. فلا تذيعوا أسرارنا إلى المسلمين، فإن ذلك يفسد علينا تدبيرنا، ويجعلهم يتمسكون بدينهم أكثر مما هم متمسكون به، ويجعلهم أيضا، يحاجوننا بما تخبرونهم به.
وقد انتهى كلام اليهود عند قولهم: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) كما رجحه الفراءُ.
وبعد أن بين الله لرسوله مؤَامرتهم هذه، وفضحهم بهذا البيان أتبعه هذا التكليف:(قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي قل يا محمد لهؤُلاء المتآمرين، توبيخا لهم: إن الهدى هدى الله. فلا يتوقف على إظهاركم ما عندكم من البشائر بنبوة محمد، والعلامات الدالة عليه، ولا يزيله كفركم آخر النهار بعد إيمانكم أوله، فمن أراد الله هداه، أقنعه
بما أيد به رسوله من الآيات البينات، وأورثه الطمأنينة التامة في قلبه، وحفظه من كيد الكائدين، وكشف له دسائسهم ومؤَامراتهم.
وأما قوله تعالى: (أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) فهو مما أمر الله رسوله أن يقوله لليهود.
وفي الكلام جملة مقدرة يقتضيها المقام. والتقدير: أتكيدون هذا الكيد كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم، أو يحاجوكم به عند ربكم؟!
والمعنى على هذا: قل لهم يا محمد: إن الهدى هدى الله. أتفعلون ما تقدم من أمركم أتباعكم بالإيمان أول النهار والكفر آخره، وألَّا يُذيعوا للمسلمين نعت محمد في كتابكم، كراهة أن يُعطَى أحد مثل ما أُعطيتم من النبوة والكتاب، أو أن يحاجوكم بما أُوتيتم من كتاب عِندَ ربكم، بأن يقولوا لكم: تعالَوْا نَحْتَكِمْ إلى الله تعالى بقراءة كتابه الذي أنزله على موسى، ليظهر ما كتمتموه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وليَعْلُوَا بذلك حقهم على باطلكم، فقد جاءَت فيه بشاراته فأخفيتموها حقدا وحسدا؟! قل لهم يا محمد، إن الفضل بيد الله: يمنحه من يشاءُ. فلماذا تحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وتخصون بني إسرائيل وحدهم بفضله، والله واسع الفضل فلا يضيق على أحد من أهل الاستحقاق، بليغ العلم فهو أعلم حيث يجعل رسالته؟!
وقد حكت سورة البقرة عنهم مثل تلك المؤامرة. فقد زَجُّوا جماعة منهم لينافقوا بالإيمان، وحذروهم من أن يخبروا المؤمنين بشيءٍ من صفات الرسول في التوراة، حتى لا يحاجوهم به، فلما أخبروهم بها، أنكروا عليهم ما فعلوا، وذلك ما حكاه الله فيها بقوله:"وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"(1).
ويرى بعض المفسرين: أن الآية - كلها - يمكن أن تكون خطابًا من الله للمؤمنين على جهة التثبيت لقلوبهم وتنوير بصائرهم، وحفظهم من تشكيك اليهود، وتزويرهم في دينهم.
(1) البقرة الآية: 76: فارجع إلى تفسيرها إن شئت.
والمعنى: ولا تصدقوا - يا معشر المؤمنين - إلا من تبع دينكم. أما غيرهم فاحذروهم.
قل لهم يا محمد: إن الهدى هدى الله الذي أنزله على محمد. أما ما يقوله أعداءُ الإسلام فهو من تزويرهم، فلا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم من الهدى والحق ولا أن يحاجوكم بما لديهم من دينهم عند ربكم. فلا قدرة لهم على ذلك. قل: إن الفضل بيد الله
…
إلخ.
وفي الآية تفسيرات أُخرى: لا تخلوا من مآخذ - فلذا تركناها.
74 -
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} :
يختص بنبوته من يشاءُ من أهل الجدارة والاستحقاق، ويمنح فضله من هو جدير به. والله ذو الفضل العظيم. فلا يمنعه عن أهل الفضل ومستحقيه.
المفردات:
(بِقِنطَارٍ): المراد به هنا، المال الكثير. وقد تقدم الكلام عليه في قوله تعالى:"وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"(1).
(بِدِينَارٍ): هو عملة ذهبية مستعملة في الجاهلية والإسلام.
(1) آل عمران: 14.
(لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): يعنون بالأُميين: العرب؛ لجهلهم وقتئذ بالكتابة والقراءة: ومعنى كلامهم: ليس علينا فيما نأخذه من أموالهم مأخذ ولا حساب.
التفسير
75 -
لا يزال الكلام موصولا في أهل الكتاب، وبيان أحوالهم. ففي هذه الآية: يبين الله أن أهل الكتاب لم يكونوا - في المعاملة المالية مع العرب - على خلق واحد.
فمنهم أُمناء يؤَدون الحق إلى من استأمنهم عليه ولو كان مالا كثيرًا، كعبد الله بن سلام، استودعه عربي قرشي ألفًا ومائتي أُوقية ذهبًا - حين كان ابن سلام على يهوديته - فلما طلبها القرشي، أداها إليه كاملة.
ومنهم خَوَنَةٌ يجحدون أمانات العرب التس استأمنوهم عليها - ولو كانت مالا قليلا - ولا يؤَدونها إلا بتكرار المواجهة والمطالبة. زاعمين: أن الله أحل لهم سلب أموال الأُميين، إذ يقولون:
(لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): أي ليس علينا إثم في أكل أموالهم. فلا حساب ولا عقاب من الله تعالى لهم. وهم - إذ يقولون هذا - يكذبون على الله تعالى، عن عمد وعلم بأنهم كاذبون.
ومن هؤُلاء - رجل اسمه فنحاص بن عازوراءَ استودعه قرشي آخر دينارًا فجحده.
وقد استفيد من الآية: أن الخيانة في الأمانة من أخلاق هؤُلاء، ولهذا يجب أن يتنزه عنها المؤمنون: امتثالا للمنهج الكريم الذي أوجب الله علينا نهجه وسلوكه: "إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
…
" (1).
فلا يحل لمسلم أن يخون أحدًا ولو خالفه في الدين ..
(1) النساء: 58.
قال رجل لابن عباس: "إنا نصيب - في العمد من أموال أهل الذمة - الدجاجة والشاة، ونقول: ليس علينا في ذلك بأس .. فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم". اهـ.
كما لا يصح لمسلم أيضًا: أن يتصف بالخيانة مع من خانه. قال صلى الله عليه وسلم: "أَدِّ الأَمانةَ إِلَى مَنِ ائتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك"(1). والله تعالى يقول: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا"(2).
قال القرطبي: في الآية رد على الكفرة: الذين يُحَرِّمُونَ وَيُحَلِّلُونَ غير تحريم الله وتحليله، ويجعلون ذلك في الشرع.
واستدل أبو حنيفة بالآية، على ما ذهب إليه من مشروعية ملازمة الغريم بقوله تعالى:
(لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا):
واعلم أن الآية جاءَت مثالا للإنصاف. فلم ترم اليهود جميعًا بالخيانة. بل ذكرت أن فيهم بعض الأُمناء، إحقاقًا للحق.
76 -
{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} :
هذه الآية ردُّ لقولهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) وإيجاب للوفاء بالحقوق، وبيان لمحبة الله لأهل الوفاء.
والمعنى: بلى .. عليهم سبيل ومؤَاخذة في عدم رد الأمانات إلى أهلها: من أَوفى بعهده فأدى الحقوق لذويها، واتقى الله في أمره كله، فلم يخن الأمانة، ولم يكذب على الله، ولم يفعل سوءًا - فإن الله يحبهم لتقواهم ووفائهم، ويترتب على حبه لهم، منحهم أجزل الثواب.
(1) رواه البخاري في التاريخ. كما رواه أبو داود والترمذي والحاكم والطبراني.
(2)
المائدة: 8.
المفردات:
(يَشْتَرُونَ): يستبدلون.
(بِعَهْدِ اللَّهِ): بأمر الله المؤَكد.
(ثَمَنًا قَلِيلًا): عوضًا قليلا.
(لَا خَلَاقَ لَهُمْ): لا نصيب لهم.
(وَلَا يُزَكِّيهِمْ): ولا يطهرهم.
التفسير
77 -
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
…
} الآية.
سبب النزول:
ذكرت لهذه الآية أسباب نزول عديدة.
نذكر منها: ما أخرجه أصحاب الكتب الستة وغيرهم، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها حقَّ امريءٍ مسلم لَقِيَ الله وهو عليه غضبان". فقال الأشعث بن قيس: فِيّ والله كان ذلك. كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله، إذ يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
…
) الآية.
وما أخرجه ابن جرير، عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن الأخطب: حرّفوا التوراة، وبدّلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم الأمانات وغيرهما، وأخذوا على ذلك الرشوة.
والمعنى: إن الذين يستبدلون بما عاهدهم الله عليه، من بيان نعت محمد وعدم كتمانه، ويعتاضون عن أيمانهم الكاذبة الفاجرة، بالأثمان القليلة من أعراض الدنيا الزائلة - مهما عظمت - أُولئك لا نصيب لهم في ثواب الآخرة، ولا حَظَّ لهم في نعيمها.
(وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ): كلامًا فيه لطف بهم.
(وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): بعين رحمته تعالى.
(وَلَا يُزَكِّيهِمْ): أي لا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة. بل يأمر بهم إلى النار. ولهم عذاب أليم على الكتمان، واستبدالهم عهد الله، والحلف زورًا، واستحلالهم أخذ المقابل على التزوير.
قال القرطبي: وقد دلت هذه الآية والأحاديث على أن حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر، إذا علم المحكوم له بطلانه.
وفي الحديث الصحيح عن أُم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلىَّ، وإنما أنا بشر، ولَعَلَّ بعضَكُم أن يكونَ أَلْحَنَ بحجتِه مِن بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار .. فليأخذها أو ليتركها"(1).
(1) رواه الشيخان وأحمد.
المفردات:
(يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ): يميلونها بالكتاب؛ عدولا به عن الحق تحريفًا أو تأويلا. والَّليُّ: الميل. يقال: لوى برأسه إذ أماله. والكتاب: التوراة والإنجيل.
التفسير
78 -
روى الضحاك عن ابن عباس: أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا. وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل، وألحقوا بكتاب الله تعالى، ما ليس منه.
والمعنى: وإن من أهل الكتاب الخائنين، جماعة من علمائهم: يحرفون كلام الله، ويميلون به عن القصد، لتظنوا - أيها المسلمون - حينما تسمعونهم: أن ما حرفوه هو من صميم كتابهم الذي أنزله الله على رسولهم. وما هو - في الحقيقة - من الكتاب، بل من كلامهم. ويؤَكدون نسبته إلى الكتاب بقولهم: هو من عند الله، وما هو من عند الله. بل من عند أنفسهم. ويقولون على الله الكذب بنسبته إليه، وهم يعلمون أنهم عليه - سبحانه - يكذبون.
وكما وقع التحريف في القراءَة، وقع في تأويل النصوص في الكتابة.
ولهذا ترى التناقض والتكاذب والتهافت بين نسخها ..
فمن يقرأُ الأناجيل الأربعة، يجد الاختلاف بينها واسع النطاق. وبخاصة: فيما تورده عن صلب المسيح عليه السلام (1)، وكذلك التوراة!!
(1) انظر إنجيل متى: إصحاح 27/ 22 - 24، وإنجيل يوحنا: الإصحاح 19/ 1 - 12.
وأما احتجاج الرسول بقوله: "فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"(1). فيُحمل على أن الرسول كان يعلم ببقاء بعض ما يفي بالغرض سالمًا عن التغيير. فإنهم لم يغيروا جميع ما في التوراة: إما لجهلهم بدلالة ما بقي على المقصود، أو لصرف الله إياهم عن تغييره.
المفردات:
(وَالْحُكْمَ): أي الحكمة. وهي إصابة الحق.
(رَبَّانِيِّينَ): منسوبين إلى الرب سبحانه. والألف والنون يُزادان للمبالغة كثيرًا كَلِحْيانيٍّ لعظيم اللحية، وَرَقَبَانِيٍّ لغليظ الرقبة. والمراد من الرباني: العالم الفقيه، الراسخ في علوم الدين. وقيل: الحكيم التقي.
(بعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ): منقادون مستعدون للدين الحق.
التفسير
79 -
(1) آل عمران: 93.
لا يزال الكلام متصلا مع وفد نجران، فإنه روى: أن السورة - كلها - إلى قوله: "وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ
…
" نزلت بسببهم .. ذكره القرطبي.
وَرَوَى ابن إسحق وغيره، عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال أبو رافع القُرظي - حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام - أتريد يا محمد، أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران يُقال له: الرئيس: أوذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره. ما بذلك بعثني، وما بذلك أمرني" فأنزل الله تعالى الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم قال: كان ناس من يهود: يتعبدون الناس - من دون ربهم - بتحريفهم كتاب الله عن موضعه. فقال: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ
…
) الآية.
وأي كان سبب النزول، فمعنى الآية: ما صح وما استقام لِبَشر اصطفاه ربه لتبليغ الرسالة إلى خلقه، وأعطاه الكتاب الذي يرشد الناس إلى عبادة ربهم، وأعطاه الحكمة - أي حسن التصرف في الأُمور - وأعطاه النبوة العاصمة من الخطأ، ثم يتنكر لربه الذي الذي اختاره لهداية خلقه، فيقول للناس: كونوا عبادًا لي إشراكًا مع الله أو إفرادًا: متجاوزين توحيد الله إلى ما طلبته منكم. ولكن يقول لهم: كونوا علماء عاملين، كاملين في العلم والعمل، لأنكم تعلمون الناس الكتاب وتدرسونه. فأولى بكم أن تتبعوه ولا تحيدوا عنه.
والتعبير بلفظ (ثم) لاستبعاد حصول ذلك القول من الرسول.
وإذا كان لا يصح لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة: أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فلا يصح له أن يدعوهم إلى عبادة غيره من باب أولى.
وبهذه الآية حصل الرد البليغ من الله تعالى على النصارى الذي أَلَّهوا المسيح وعبدوه، وعلى اليهود الذين أَلَّهو عزيرًا وقدسوه، وعلى من زعم أن محمدًا عليه الصلاة والسلام،
يقصد بنبوته: أن يدعو الناس إلى عبادته، وعلى الأحبار الذين يتعبدون الناس من دون ربهم: بتحريفهم كتاب الله عن موضعه لمصلحتهم.
وخلاصة الرد: أن رُسُلَ الله برآءُ مما يصنعه أتباعهم. فإنه لا يعقل أن يأمروهم بهذا الكفر. وذلك هو ما يقوله عيسى عليه السلام، لربه لما يسأله:"أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ" إذ أجاب: "سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ" ثم قال "مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"(1).
والآية توجب على أهل العلم أن يقرنوه بالعمل، حتى لا تَزِلَّ قدم بعد ثبوتها.
80 -
{وَلَا يَأمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا
…
} الآية.
(وَلَا يَأمُرَكُمْ): بالنصب، معطوف على "يَقُولَ" في الآية السابقة، داخل معه في حيز ما لا يجوز على الرسل.
والمعنى: ما كان لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله، ولا أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا .. أيليق به - وهو رسول الله - أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مخلصون منقادون لربكم!!
ومن قرأ: (وَلَا يَأمُرُكُمْ) بالرفع، فعلى الاستئناف.
والمقصود من القراءَتين واحد. وهو استحالة حدوث ذلك من الرسول.
وإذا كان سبب النزول وفد نجران، فلا إشكال في قوله تعالى لهم:(بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) فإن الإسلام يُراد منه حينئذ، الاستعداد للدين الحق، إرخاءً للعنان ومجاراة لهم.
(1) المائدة: 116، 117.
وقيل إن سبب نزول الآيتين، ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض؟ أفلا نسجد لك، قال:"لا. ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله. فإنه لا ينبغي أن يُسْجَدَ لأحد من دون الله تعالى". وعلى هذا، فالإسلام على ظاهره.
المفردات:
(مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ): الميثاق، العهد الموثق المؤكد.
(لَمَا آتَيْتُكُم): اللام موطئة للقسم. وما: بمعنى الذي. كما نقله سيبويه عن الخليل. أي للذي آتيتكموه. وقيل: إن ما شرطية بمعنى إن. وهو الظاهر.
(وَحِكْمَةٍ): أي نبوة. سميت حكمة، لأنها منبعها.
(إِصْرِي): عهدي وميثاقي.
التفسير
81 -
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ
…
} الآية.
واذكر يا محمد، لأهل الكتاب، كيف أخذ الله العهد على النبيين جميعًا: لئن آتيتكم من كتاب تبلغونه لأُممكم، وحكمة - أي نبوة ورسالة إليهم - ثم جاءَكم رسول مصدق لما معكم لتصدقُنَّ بأنه مرسل من عندي إلى الناس، ولتنصرنه بالتبشير به، وحض أُممكم على أن تؤمن به، إذا بُعِث إليهم، وتنصره وتؤَيده فيما جاءَ به؟
قال تعالى لهم بعد أخذ الميثاق عليهم: هل أقررتم بالإيمان به ونصرته وأخذتم على ذلكم عهدي وقبلتموه لتنفذوه وتعملوا به؟ قالوا: أقررنا ووافقنا. قال الله تعالى: فليشهد بعضكم على بعض بهذا الإقرار، وأنا معكم من الشاهدين على إقراركم، وشهادة بعضكم على بعض.
والمراد من الرسول الذي يجيئهم مصدقًا لما معهم: كل رسول يعاصرهم أو يأتي بعدهم. فالآية الكريمة، تفيد: أن الله تعالى، أخذ الميثاق على الأنبياء: أن يصدق بعضهم بعضا ويؤيده ولا يعارضه، ويوصى باتباعه. فإن دين الجميع واحد. قال صلى الله عليه وسلم:"الأَنبِيَاءُ بَنُو عَلَّاتٍ (1) أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ".
وبعموم الرسول، أخذ سعيد بن جبير وقتادة وطاووس والسدي والحسن. وهو ظاهر الآية. قال طاووس: أخذ الله ميثاق الأَوّل من الأنبياء: أن يؤمن بما جاءَ به الآخر.
ومن العلماء قال: المراد من الرسول، هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الأرجح، وبه قال الإمام عليّ رضي الله عنه.
فقد أخرج عنه ابن جرير قال: "لم يبعث الله تعالى نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: لئن بعث - وهو حي - ليؤمن به ولينصرنه. ويأمره فيأخذ العهد على قومه" ثم تلا الآية.
وسواءٌ أكانت الآية عامة في تأييد جميع الرسل بعضهم لبعض، وحث أُممهم على اتباعهم، أم خاصة بتأييدهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونصرته بحَثِّ أُممهم على تأييده إن بعث - فالغرض من الآية: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وقد أيده الله بالمعجزات المحققة لرسالته، وجاء مصدقا لما مع الأنبياء قبله، فهو مؤَيد من المرسلين قبله. وأن على أهل الكتاب المعاصرين له: أن يؤمنوا به، امتثالا لما جاءَ عنه في كتب رسلهم. فإن كتب المرسلين توصي بالإيمان بكل رسول.
(1) أي بنو ضرات، رواه الشيخان من حديث أوله: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم
…
".
والقرآن الكريم جرى على هذا النهج، قال تعالى:"قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"(1).
82 -
{فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} :
أي فمن أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد هذا الميثاق والإقرار والشهادة - فَأُولَئِكَ هُمُ الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتبه: المستحقون لأشد العقاب.
ولما كان دين الأنبياء واحدًا، ودين محمد هو دين الأنبياء جميعا - أتبع هذا التهديد قوله:
المفردات:
(أَسْلَمَ): دان بالإسلام. أو انقاد وخضع.
(وَالْأَسْبَاطِ): الأسباط، الحفدة. والمراد بهم هنا: ذرية يعقوب عليه السلام. فهم حفدة لأبيه إسحاق وجده إبراهيم.
(وَمَن يَبْتَغِ): ومن يطلب.
(1) البقرة: 136.
التفسير
83 -
سبب النزول:
ذكر الواحدي في سبب النزول، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام: كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه. فقال صلى الله عليه وسلم: "كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم" فغضبوا. وقالوا: والله ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك. فأنزل الله هذه الآية.
وعلى أي حال كان سبب النزول، فالكلام - في هذه الآية - مع أهل الكتاب الذين استمسكوا بدينهم، ونازعوا في الإسلام، وأعرضوا عنه .. فبعد أن أخبرهم الله تعالى، أنه أوصى الأنبياءَ بتأييده ونصرته، وأنذر من تولى عنه، ووبخهم الله على إعراضهم، وأنكره عليهم - قال ما معناه:
أيتولى هؤُلاء عن الإسلام إلى أديانهم المحرفة المنسوخة، فيبغون بذلك دينا غير دين الله!! كيف يطلبون غير دينه سبحانه وتعالى، وقد استسلم وخضع له من في السموات والأرض طائعين وكارهين! فمشيئة الله نافذة فيهم، وَقَدَرُهُ جارٍ عليهم، أحبوا ذلك أم كرهوا.
فالصحيح مستسلم لقدر الله، محبٌّ لما وهبه الله من صحة. والعليل منقاد لقدر الله بمرضه طوعا أو كرها .. وهكذا كل أقدار الله تجري في خلقه، فيخضعون لها، وإن جرت على غير ما يحبون ويشتهون. فما شاءَه الله كان، وما لم يشأه لم يكن. فكيف يتمرد أهل الكتاب على دين هذا الإله القوي الفعال، ويكفرون به، مع أنهم إليه يُرجعون مقهورين، فيحاسبهم على طغيانهم وكفرهم!
ويحتمل أن يكون المراد به: ما يشمل العقلاء وغيرهم، ويكون المعنى: ولمشيئته تعالى، خضع وانقاد جميع الكائنات في السموات والأرض: طائعة أو مسخرة. كما في قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ
…
" (1) الآية.
84 -
لَمَّا بين الله تعالى: أنه أخذ الميثاق على كل نبي: أن يؤمن بغيره من الأنبياء، وأنه لا يصح لأهل الكتاب أن يكفروا بدين الله الذي أنزله على محمد - وهو ممن أخذ الله الميثاق على الإيمان بهم وبدينهم - لَمَّا بين الله هذا كله - أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، أن يؤمن بمن سبقه من الأنبياء، وألا يفرق في الإيمان بين أحد من رسله، ليكون في الإيمان بهم، كما كانوا في شأن إخوانهم الأنبياء، وهو خاتمهم.
والمعنى: قل يا محمد، معبرا عن نفسك، وعن المؤمنين: آمنا بالله تعالى، وبما أُنزل علينا من القرآن العظيم، وما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأنبياء من أبنائه الأسباط، من كتب. وما أُوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أُعطي سائر الأنبياء من ربهم من مختلف الكتب: لا نفرق بينهم، فلا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما فعل اليهود، إذ كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام، وكما فعل النصارى إذ كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ونحن له منقادون: نطيعه فيما أمرنا به، وننتهي عما نهانا عنه.
85 -
ومن يطلب دينا غير دين الإسلام يتدين به: عقيدة وعملا، فلن يقبله الله منه، لأنه غير ما شرعه الله لخلقه. وإذا كان الله لا يقبل دينا غير الإسلام - فكل من دان بغيره، يكون في الآخرة من الخاسرين، لأنه محروم من الثواب، خالد في العقاب.
(1) الحج: 18.
روى أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسه بيده، لو أصبح فيكم موسى بن عمران، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم".
وروى أبو يعلى، والبزار، وأورده ابن كثير:"لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي" وفي رواية: "لو كان موسى وعيسى حَيَّيْينِ لما وسعهما إلا اتباعي".
المفردات:
(لَعْنَةَ اللهِ): أي الطرد من رحمته.
(وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ): أي ولا هم يمهلون. فعذابهم موصول مستمر. أو لا يُنظَر إليهم، ولا يعتد بهم.
التفسير
86 -
سبب النزول:
أخرج عبد بن حميد وغيره، عن الحسن: أنهم - أي أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى - رأوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم، في كتابهم، وأقروا وشهدوا أنه حق. فلما بُعث من غيرهم، حسدوا العرب على ذلك. فأنكروه. وكفروا بعد إقرارهم.
والمعنى: أي سبيل لأن يهدي الله قوما كفروا بمحمد، بعد ما آمنوا به قبل مبعثه، امتثالا لما جاء في كتبهم، وعلموا أن الرسول محمدًا حق حينما رأوه - بعد مبعثه - مطابقا لما جاءَ عنه في كتبهم، وجاءتهم الآيات الواضحات والمعجزات الشاهدات بصدقه!! والله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم بكفرهم، ما داموا مُصِرِّين على عنادهم وحسدهم للرسول، على ما آتاه الله من فضله.
87، 88 - {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)}:
بعد أن بين الله شناعة الكفر بعد الإيمان، ووضع أن شريعة الرسول حق بما أيده الله به من الآيات، أتبعه عقاب أُولئك الكافرين. وذكر أن: أولئك الذين كفروا - بعد ما جاءَهم الرسول مؤَيدا بالآيات والمعجزات بعد ما عقدوا العزم على الإيمان به حين يبعث - يلعنهم الله، ويطردهم من رحمته، وتلعنهم الملائكة، وتطلب لهم الطرد من رحمة الله، ويلعنهم الناس أجمعون، من أهل الإيمان أتباع الحق، خالدين في اللعنة - أو في جهنم - التي هي مقر الملعونين: لا يخفف عنهم عذاب الله، ولا هم يُمهلون بأن يؤَخر عنهم العذاب من وقت لآخر، بل العذاب موصول مستمر.
ويجوز أن يكون معنى: (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) ولا ينظر الله إليهم نظر رحمة، ولا يعتد بهم. فهم مهملون متروكون في عذابهم.
وهذه الآية وما قبلها وما بعدها إلى قوله تعالى: (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) - وإن نزلت في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد مبعثه، مع أنهم كانوا مجمعين على الإيمان به حين يُبعث - لكنها عامة الحكم في كل من يكفر بعد الإيمان، فتشمل المرتدين بعد الإسلام.
89 -
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)} :
يعني: أن من تابوا من بعد كفرهم، وأصلحوا ما أفسدوه بالندم والإقبال على الطاعة بعد الإدبار عنها، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، لأن الله عظيم الغفران، بليغ الرحمة، وذلك من عظيم كرمه، ووافر رحمته. وقيل: معنى أصلحوا: دخلوا في الصلاح. كما يقال: أصبحوا: دخلوا في الصباح. وعلى هذا يكون الفعل لازما غير متعد، بخلافه على المعنى السابق فهو متعد.
المفردات:
(وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): الذين أَخطأُوا طريق النجاة.
(وَلَوِ افْتَدَى بِهِ): معطوف على شرط مقدر يقتضيه المقام. والتقدير: لو أنفقه فيما يراه خيرا في الدنيا ولو افتدى به في الآخرة.
(لَن تَنَالُوا): لن تُصيبوا ولن تدركوا.
(الْبِرَّ): الخير والإحسان.
(مِمَّا تُحِبُّونَ): بعض ما تحبون فلا ينفقونه كله.
التفسير
90 -
سبب النزول:
لا يزال الكلام موصولا في أهل الكتاب.
فقد نزلت هذه الآية في اليهود، كما قال قتادة وعطاء والحسن - واختاره الطبري - كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن وبالذنوب التي اكتسبوها.
أو نزلت في اليهود والنصارى، كما قال أبو العالية: كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، بعد إيمانهم بنَعْتِه وصفتِه. ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم.
وسواء أكان سبب النزول، اليهودَ وحدهم أم اليهود مع النصارى، فالآية - بعمومها - تشمل كل من كفر بعد إيمان. فيدخل في حكمها: من ارتد عن الإسلام.
والمعنى: إن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما يجب الإيمان به بعد ما كانوا مؤمنين، ثم ازدادوا كفرا بتماديهم في الكفر والمعاصي - لن يقبل الله توبتهم إن تابوا بعد فوات الأوان. وذلك حين يحضرهم الموت. (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): عن طريق الحق، المخطئون سبيل النجاة.
فإن قيل: إن قبول التوبة مطلق في قوله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ"(1) فكيف قيد قبولها هنا بكونها قبل حضور الموت؟
قلنا: إن ذلك راجع إلى تقييدها بذلك في قوله تعالى: "وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
…
" (2) وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لم يُغَرْغِرْ (3) ".
(1) الشورى: 25.
(2)
النساء: 18.
(3)
رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.
91 -
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ
…
} الآية.
المعنى: إن الذين كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وماتوا وهم كفار دون أن توقظهم الآيات، وتلفتهم النذر، فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبا لو أنفقه - قبل أن يموت - في المبرات والخيرات. وكذا لو اقتدى به يوم القيامة. لو فرض أن له مالا يومئذ وأن الفداء بالمال ينفع .. قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"(1).
والغرض من قوله تعالى: (وَلَو افْتَدَى بِهِ) تعميق اليأس في نفوس الكافرين المصرين على كفرهم، حتى يعلموا أنهم لا نجاة لهم بغير الإيمان.
(أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ):
أُولئك المصِرُّون على الكفر حتى ماتوا، لهم عذاب شديد الإيلام. وما لهم من ناصرين ينقذونهم من ذلك الجزاء الخالد.
92 -
هذا كلام مستأنف، لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم، إثر بيان ما لا ينفع الكفار ولا يقبل منهم.
المعنى: اختلف في تفسير البِرِّ الوارد في الآية. فابن عباس وابن مسعود وغيرهما، فسروه بالجنة.
وقيل: هو العمل الصالح. فقد جاءَ في الحديث الصحيح: "عَلَيْكُم بالصِّدْق، فإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ. وإِنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة .. " رواه مسلم والبخاري وأحمد والترمذي. وقيل غير ذلك، مما يدور حول هذين المعنيين.
(1) المائدة: 36.
والأنسب تعميمه في كل خير وإحسان في الدنيا والآخرة: يمنحه الله تعالى لعباده (1). والمراد من الإنفاق: ما يشمل الزكاة، وصدقة التطوع، والأوقاف الخيرية، والهبات، وسائر وجوه الإنفاق في سبيل الله.
ومعنى الآية: لن تدركوا برِّيَ الوافر، وتصيبوا إحساني الغزير في الدنيا والآخرة - حتى تنفقوا - في وجوه الخير التي شرعتها لكم - بعض ما تحبون من الأموال المكسوبة من وجوه الحل. فلا يقبل الله الإنفاق من كسب حرام. فهو ردٌّ على منفقه. ولا يعظم الله ثواب من أنفق مما لا يحبه ولا تميل إليه نفسه من الأموال، لقلة منفعته لآخذه. قال تعالى:"وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ"(2).
فالإنفاق: ينبغي أن يكون مما له أثر نافع عند من يأخذه، فإنه يدل على وفرة الرغبة في العطاء، وشدة الإحساس بحاجة من ينفق عليه، والرغبة في تنفيس كربته، ودفع حاجته.
والتعبير بقوله: (مِمَّا تُحِبُّونَ) يؤذن بمشروعية إنفاق البعض دون الكل. ولشدة عناية المولى سبحانه، باختيار مال النفقة من أحسن ما عند المنفق، وأعظمه نفعًا - ختم الآية بقوله:
(وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ):
يريد: وأي شيءٍ تنفقونه - قلّ أو كثر - بعلمه الله، فيثيبكم بحسن نياتكم ومقدار نفقاتكم وصفاتها.
وفي ذلك ما فيه من الحث على إنفاق الجيد، والتحذير من أنفاق الرديء.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسارعون إلى ما يدعوهم إليه مولاهم على خير وجه. فما إن نزلت هذه الآية حتى بادر المياسير منهم إلى تنفيذها.
(1) راجع ما سبق في تفسير قوله تعالى: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب
…
" البقرة: 177.
(2)
البقرة: 267.
يروي أصحاب الصحاح - واللفظ للنسائي عن أنس - قال: لما نزلت هذه الآية: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا من أموالنا. فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اجعلها في قرابتك، في حسان بن ثابت، وأُبيّ بن كعب". وفي الموطأ "وكانت أحب أمواله إليه بيرحاء. وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب" وذكر الحديث: وجاء فيه أنه أرشده إلى أن يوصي بالثلث لا بالكل. إذ قال له: "بالثلث والثلث كثير. إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
وكذلك فعل زيد بن حارثة. فقد عمد إلى فرس يقال له: سَبَل. وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إِلَيَّ من فرسي هذه. فجاءَ بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هذه في سبيل الله، فأجابه الرسول "إن الله قد قبلها منك".
وأعتق عُمَرُ نافعا مولاه. وكان عبد الله بن جعفر عرض عليه ألف دينار ثمنا له. وهكذا كانوا يفعلون.
فليتأس بهم مياسير المؤمنين، فينفقوا في سبيل الله مِمَّ يحبون، لا مِمَّا يسترذلون.